Document - �GYPTE. Atteintes syst�matiques aux droits humains au nom de la s�curit�

مصر: انتهاكات منهجية باسم الأمن


1. المقدمة

عرض مدون مصري للإنترنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 شريط فيديو فظيعاً يُظهر شرطياً مصرياً وهو يغتصب سجيناً. وكان الضحية عماد محمد علي محمد المعروف بعماد الكبير، وهو سائق سيارة أجرة عمره 21 عاماً. وكان قد قُبض عليه في يناير/كانون الثاني الماضي عقب محاولة وقف سجال بين أفراد الشرطة وابن عمه. فاتُهم "بمقاومة السلطات" ومثل أمام وكيل النيابة الذي أمر بالإفراج عنه بكفالة. بيد أن الشرطة أعادته إلى مركز شرطة بولاق الدكرور في محافظة الجيزة وفي اليوم التالي – 20 يناير/كانون الثاني 2006 – مارست التعذيب ضده.


وقال عماد الكبير إن أفراد الشرطة كبلوا يديه وساقيه وأرغموه على الجلوس على الأرضية. وجلدوه وأمروه بأن يطلق على نفسه أسماء مهينة. ثم نزعوا سرواله واغتصبوه بعصا، وسجلوا التعذيب على هاتف جوال (محمول). وقال له الشرطي إن شريط الفيديو سيُوزَّع في حيه (وهذا ما حصل) من أجل إذلاله علناً وتخويف الآخرين.


وفيما بعد حُكم على عماد الكبير بالسجن لمدة ثلاثة أشهر بتهمة "مقاومة السلطات" و"الاعتداء على شرطي". وبعدما ظهر شريط الفيديو، اتُهم شرطيان من مركز شرطة بولاق الدكرور باعتقال عماد الكبير بصورة غير قانونية وتعذيبه واغتصابه؛ وبدأت محاكمتهما في 3 مارس/آذار 2007.


وما حدث لعماد الكبير لم يكن قط حادثاً فردياً. فالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة يمارس بصورة منهجية في مراكز الاعتقال في شتى أنحاء مصر، بما في ذلك في مراكز الشرطة والمقار التي تديرها مباحث أمن الدولة ومعسكرات الاعتقال. وهذا ليس مفاجئاً – فمنظمة العفو الدولية ولجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وسواهما سلطت الضوء على الطبيعة المنهجية للتعذيب في مصر طوال سنوات عديدة. والشيء غير العادي الذي حصل في حالة عماد الكبير أن السلطات اتخذت إجراءات ضد ممارسي التعذيب المزعومين.

ويظل التعذيب وسوء المعاملة وعمليات التوقيف والاعتقال التعسفية والمحاكمات بالغة الجور أمام محاكم الطوارئ أو المحاكم العسكرية من السمات الرئيسية المميزة لحالة الطوارئ وحملة مكافحة الإرهاب المستمرتين في مصر منذ أربعين عاماً. ولعبت الصلاحيات الواسعة الممنوحة للأفراد المكلفين بإنفاذ القانون، وبخاصة موظفو مباحث أمن الدولة، دوراً

مهماً في تسهيل ارتكاب هذه الانتهاكات، وبخاصة التعذيب. كذلك قيَّد قانون الطوارئ بشدة من الحق في حرية التعبير وتأليف الجمعيات والتجمع.


وفي أعقاب الهجمات التي شنتها الجماعات المسلحة، قامت الشرطة الأمنية بحملات اعتقال جماعية بدون اتباع الإجراءات القانونية المرعية. وقُبض على أقرباء المتهمين أيضاً، ثم وُجهت إليهم تهديدات وتعرضوا للأذى. وأدى مزيج من الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري إلى تحول بعض المعتقلين فعلياً إلى ضحايا للاختفاء القسري طوال أسابيع أو أشهر. وتوفي بعضهم نتيجة التعذيب. وتشمل الأساليب التي يشار إليها عادة الصعق بالصدمات الكهربائية والضرب والتعليق في أوضاع جسدية مؤلمة والحبس الانفرادي والاغتصاب والتهديدات بالقتل والأذى الجنسي والاعتداءات على الأقرباء.


ويقبع حوالي 18000 معتقل إداري – أشخاص محتجزون بدون تهمة أو محاكمة، بموجب أوامر صادرة عن وزارة الداخلية - في سجون مصر في أوضاع مهينة ولاإنسانية. وقد احتجز بعضهم طوال أكثر من عقد من الزمن، بينهم العديد من الذين أمرت المحاكم بالإفراج عنهم بصورة متكررة.


وأُنشئ نظام متوازٍ لقضاء الطوارئ يتضمن "محاكم طوارئ" أسست خصيصاً لهذا الغرض ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية بالنسبة للقضايا التي تعتبر السلطات أنها تؤثر على الأمن القومي. وبموجب هذا النظام، انتُهكت بصورة روتينية ضمانات المحاكمة العادلة، مثل المساواة أمام القانون والمقابلة السريعة للمحامين والحظر المفروض على استخدام الأدلة التي تُنتزع تحت وطأة التعذيب. فكانت النتيجة إجراء محاكمات بالغة الجور، بما في ذلك في الحالات التي حُكم فيها على المتهمين بالإعدام، وفي بعض الحالات تم إعدامهم.


وبرغم سجل مصر الحافل والمعروف جيداً في ارتكاب مثل هذه الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، اختارت حكومات الدول الأخرى، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، إرسال المعتقلين إليها في سياق "الحرب العالمية على الإرهاب". وقد جرت عمليات النقل هذه بصورة غير قانونية، بدون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة وفي �575?نتهاك واضح لمبدأ عدم الإعادة القسرية – الحظر المطلق المفروض على إرسال أي شخص إلى بلد يمكن أن يتعرض فيه لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان مثل التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أو الاختفاء القسري. والانتهاكات الناجمة عن ذلك والتي شهد المعتقلون بوقوعها واستشهدنا بها في هذا التقرير فضلاً عن تقارير أخرى عديدة، تظل جميعها متوقعة جداً.


ويستند هذا التقرير إلى الأبحاث التي أُجريت في مصر وسواها والمقابلات جرت مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وأقربائهم والاتصالات التي تمت مع المسؤولين الحكوميين. ويصدر في وقت يزداد فيه قمع المعارضة وحرية الكلام في مصر، وتنظر فيه الحكومة في إصدار قانون جديد لمكافحة الإرهاب يهدد بترسيخ أنماط الانتهاكات التي شهدتها السنوات الأربعين الماضية.


وفي مارس/آذار 2007، طُلب من أعضاء البرلمان اعتماد تعديلات على 34 مادة من الدستور اقترحها الرئيس مبارك في ديسمبر/كانون الأول 2006 وبالتالي وضع في قانون دائم سلطات من النوع الطارئ قد أدت إلى ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان طوال عقود. وجرى التصويت عليها في 19 مارس/آذار في غياب نواب المعارضة الذين خرجوا من الجلسة احتجاجاً على التعديلات والخطوات التي اتخذتها الحكومة للإسراع في الإصلاحات الدستورية. وتم اعتماد التعديلات.


والمادة المعدلة 179 تتسم بشكل خاص بالقسوة وتمهد الطريق لقانون جديد مقترح لمكافحة الإرهاب. وتنص على أن التدابير المتخذة لمحاربة الإرهاب لن تقيدها أشكال الحماية الواردة في المواد 41(1) و44 و45(2) من الدستور التي تنص على ضمانات قانونية ضد التوقيف والاعتقال التعسفيين وعمليات التفتيش التي تقوم بها الشرطة بدون أمر مكتوب والتصنت على المكالمات الهاتفية وغيرها من الاتصالات الخاصة. كذلك تجيز للرئيس بتجاوز المحاكم العادية وإحالة المتهمين بالإرهاب إلى أية سلطة قضائية يريدها، بما فيها الحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ التي لا تشمل الحق في تقديم استئناف ولديها تاريخ حافل بإجراء محاكمات جائرة.


ويبدو أن التعديلات الأخرى في الدستور نابعة من دوافع سياسية. ويُحظر أحد التعديلات إنشاء أحزاب سياسية قائمة على الدين – ويبدو أنه يستهدف تنظيم الإخوان المسلمين المعارض في أعقاب النجاح الذي أحرزه في انتخابات العام 2005، عندما فاز بـ 88 معقداً. وهناك تعديل آخر يقلص دور القضاة في الإشراف على الانتخابات والاستفتاءات – رداً كما يبدو على ما حدث في العام 2006، عندما ندد اثنان من كبار القضاة بتقاعس الحكومة على مواجهة الأدلة على حدوث تزوير انتخابي خلال انتخابات العام 2005. ويسمح تعديل آخر للرئيس بحل البرلمان من جانب واحد.


وبعد أسبوع من التصويت البرلماني، أجرت الحكومة في 26 مارس/آذار استفتاءً على التعديلات الدستورية. ودعت المعارضة بقيادة الإخوان المسلمين إلى مقاطعته على أساس أن هذا الاستفتاء الخاطف منع القيام بحملة فعالة "لمعارضة" التعديلات. ونُشرت الشرطة المسلحة في الشوارع رداً على موجة الاحتجاجات التي عمّت البلاد.


وبحسب السلطات، اعتمدت التعديلات بأكثر من ثلاثة أرباع أصوات الناخبين في مشاركة بلغت نسبتها 27 بالمائة. وتشير مجموعات الرصد الوطنية المستقلة إلى أن المشاركة لم تزد على 10 بالمائة.


وتخشى منظمة العفو الدولية من استخدام التعديلات الدستورية والقانون المزمع لمكافحة الإرهاب لإسكات المعارضة السياسية السلمية، فضلاً عن ترسيخ أنماط الانتهاكات الخطيرة التي ترتكبها قوات الأمن.


ويُختتم هذا التقرير بقائمة من التوصيات التفصيلية. وبصفة خاصة تدعو منظمة العفو الدولية الحكومة المصرية إلى :


  1. إلغاء كل تشريعات الطوارئ التي تجيز انتهاكات حقوق الإنسان، وبخاصة المحاكمات الجائرة أمام محاكم الطوارئ والمحاكم العسكرية، ووقف هذه الانتهاكات؛

  2. ضمان تقيد القانون المزمع لمكافحة الإرهاب تقيداً تاماً بالقانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان؛

  3. التنديد بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة وضمان إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة في جميع مزاعم هذه الانتهاكات، وتقديم مرتكبيها إلى العدالة؛

  4. وضع حد للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري؛

  5. وضع حد للاعتقال الإداري؛

  6. نشر أسماء جميع المتهمين المزعومين بالإرهاب الذين نُقلوا بصورة غير مشروعة إلى مصر من حجز الولايات المتحدة ودول أخرى، ووضع حد لكل المشاركة في جميع عمليات النقل غير القانونية إلى مصر وخارجها.


خلفية

منذ السبعينيات، ابتليت مصر بالعنف الذي مارسته الجماعات الإسلامية، والعنف المضاد الذي مارسته قوات الشرطة والأمن، وأسفر عن وقوع انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان. والعنف الذي تضمن اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في أكتوبر/تشرين الأول 1981 بلغ ذروته في التسعينيات. واستهدفت الجماعات المسلحة المسؤولين الحكوميين وقوات الأمن فضلاً عن المفكرين والمسيحيين الأقباط المصريين والسياح. وأسفر أحد أكثر هذه الهجمات دموية، والذي وقع في الأقصر في العام 1997، عن مصرع ما يزيد على 50 شخصاً، معظمهم من السياح الأجانب.


واقترن تصاعد العنف المسلح بتغيير في سياسة الحكومة. ففي ديسمبر/كانون الأول 1992، بدأ الرئيس محمد حسني مبارك يحيل المدنيين المتهمين بارتكاب جرائم أمنية أو تتعلق بالإرهاب إلى المحاكم العسكرية لمحاكمتهم. وفي السنة ذاتها، بدأ العمل ب

u1602?انون جديد لمحاربة الإرهاب (قانون رقم 97 لسنة 1992) تضمن تعريفاً فضفاضاً للإرهاب ووسَّع نطاق الأنشطة التي تعتبر ذات طبيعة إرهابية. ونص كل من التشريع الذي ينظم المحاكمات أمام المحاكم العسكرية والقانون الجديد على عقوبة الإعدام. وأُدين مئات الأشخاص أمام المحاكم العسكرية وحُكم على العديد منهم بالإعدام، بعضهم غيابياً. وإزاء هذه التدابير القمعية، اختبأ العديد من أعضاء الجماعات الإسلامية المحظورة وأنصارهم أو فروا من البلاد.


وفي أواخر العام 1997، نبذت قيادة الجماعة الإسلامية، وهي المجموعة الرئيسية المسؤولة عن الهجمات المسلحة التي وقعت في التسعينيات، العنف ودعت أعضاءها إلى الكف عن شن هجمات في مصر والخارج. وعلى مدى السنوات القليلة التالية خلت مصر فعلياً من هذا النوع من العنف.


لكن اعتباراً من العام 2004 فصاعداً، حدثت سلسلة من التفجيرات في شبه جزيرة سيناء ألقت فيها السلطات باللائمة على تنظيم التوحيد والجهاد، وهو جماعة سياسية مسلحة زُعم أن لها صلات بالقاعدة. وتضمنت الهجمات التي أوقعت


أكتوبر/تشرين الأول 2004 – ثلاثة هجمات بالقنابل في قرى طابا والنويبع وراس الشيتان الواقعة على البحر الأحمر أوقعت 34 قتيلاً.


يوليو/تموز 2005 – هجمات متزامنة بالقنابل وقعت في مصيف شرم الشيخ المطل على البحر الأحمر وأسفرت عن وقوع ما لا يقل عن 88 قتيلاً.


إبريل/نيسان 2006 – هجمات بالقنابل وقعت في مصيف دهب المطل على البحر الأحمر وأودت بحياة ما لا يقل عن 23 شخصاً.


وإضافة إلى ذلك، وقعت في إبريل/نيسان 2005 ثلاث هجمات على مواقع سياحية مزدحمة في القاهرة قالت السلطات إن جماعة منفصلة من الأشخاص هي التي ارتكبتها. ففي 7 إبريل/نيسان قتل انتحاري ثلاثة أجانب في سوق خان الخليلي في حي الأزهر. وفي 30 إبريل/نيسان، قفز رجل يحمل متفجرة من الجسر في ميدان عبد المنعم رياض؛ وأطلقت خطيبته مع شقيقته النار على حافلة سياحية في ميدان السيدة عائشة في اليوم ذاته.


وتدين منظمة العفو الدولية دون تحفظ هذه الهجمات التي تُشن ضد المدنيين وتدعو إلى تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة. وتقر بمسؤولية الحكومة المصرية عن الحفاظ على السلامة العامة ومعاقبة مرتكبي الجرائم، بما في ذلك منع وقوع أفعال الإرهاب والتحقيق فيها والمعاقبة عليها. بيد أنه في أداء هذه المسؤوليات، ينبغي على السلطات المصرية أن تتقيد في جميع الأوقات بالقانون والمعايير الدولية ذات الصلة لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) وغيرها من المعاهدات التي تشكل مصر دولة طرفاً فيها. وتحدد هذه المعاهدات المعايير التي ينبغي على الحكومات التقيد بها في كافة الأوقات، حتى بعد ارتكاب الجرائم الأكثر بشاعة. وأي قانون أو سياسة أو ممارسة تهدف إلى التصدي للإرهاب لا يجوز أبداً أن تقوض سيادة القانون أو تقصر عن التقيد الكامل بالقانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.


لقد تقاعست السلطات المصرية في هذا المجال. وفي محاولاتها المستمرة لاجتثاث ما تسميه "الخلايا الإرهابية"، قامت بحملات اعتقال تعسفية جماعية وحاكمت أشخاصاً وأدانتهم وأصدرت عقوبات عليهم مستخدمةً إجراءات جائرة وأدلة لا تُذكر لإثبات التهم. ويظل أشخاص آخرون كثر محتجزين رهن الاعتقال الإداري من جانب سلطات الأمن برغم أن محاكم أمن الدولة العليا (طوارئ) (التي نسميها فيما بعد بمحاكم الطوارئ) أمرت في مناسبات عديدة بإطلاق سراحهم.


وعلى الصعيد الدولي، ألقت الحكومة المصرية باللائمة على الحكومات في أوروبا وأمريكا الشمالية لأنها آوت المصريين المتهمين بالإرهاب، وقد طلبت إعادتهم. بيد أن العديد من الذين أُعيدوا، تعرضوا بعدها كما ورد لانتهاكات لحقوق الإنسان بينها التوقيف والاعتقال التعسفيين والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والمحاكمات الجائرة على أيدي السلطات المصرية. ويبدو أن بعضهم كانوا ضحايا للاختفاء القسري.


وجرى تنفيذ عدة عمليات لنقل مواطنين مصريين من الخارج بالتعاون مع حكومات الولايات المتحدة وأوروبا والحكومات العربية. وفي بعض الحالات، جاءت إعادتهم عقب طلب تسليم تقدمت به السلطات المصرية. وفي حالات أخرى جاءت إعادتهم نتيجة لما تسميه السلطات الأمريكية عمليات "التسليم السري" – نقل الأشخاص بين الدول بدون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة – أو طلب لجوء فاشل. وقد انتهكت جميع حالات الإعادة هذه مبدأ عدم الإعادة القسرية ونُفِّذت برغم الوثائق التي قدمتها المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية لإلقاء الضوء على المخاطر الشديدة للتعذيب وغيره من الانتهاكات التي يواجهها أولئك المهددون بالإعادة القسرية.


وقد جادلت بعض الحكومات الأجنبية بالقول إن استخدام التدابير الثنائية مثل "التأكيدات الدبلوماسية" (أو "الاتصالات الدبلوماسية") يزيل خطر إلقاء القبض على المصريين المتهمين بالمشاركة في الإرهاب سواء في الخارج أو في مصر وتعذيبهم أو إساءة معاملتهم على نحو أخر في مصر. بيد أن هذه الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين الحكومات، ليست ملزمة في القانون الدولي، على عكس المعاهدات التي تحظر التعذيب والتي تشكل مصر طرفاً فيها، لكنها تظل تمعن في انتهاكها. ولدى منظمة العفو الدولية بواعث قلق جوهرية إزاء استخدام "التأكيدات الدبلوماسية" لتبرير إعادة الرعايا الأجانب الذين يعتبرون بأنهم يشكلون خطراً أمنياً. وفي حالة مصر، يساور منظمة العفو الدولية قلق إضافي من أنه عملياً ل�575? يمكن ممارسة أية رقابة قضائية على سلوك وأنشطة المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة اللتين تتحملان على الأغلب مسؤولية اعتقال العائدين.


وعقب الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر/أيلول 2001، امتدح الزعماء السياسيون الأمريكيون سجل مصر في التعامل مع الإرهاب. فمثلاً في 26 سبتمبر/أيلول 2001، أعرب كولين باول، الذي كان في حينه وزيراً للخارجية الأمريكية، عن "تقديره للالتزام الذي قدمته مصر للعمل معنا ونحن نمضي قدماً في التصدي لآفة الإرهاب. فمصر، كما نعلم جميعاً متقدمة علينا في الحقيقة في هذه القضية. وقد اضطرت للتعامل مع الأفعال الإرهابية في السنوات الأخيرة من تاريخها. وعلينا تعلم الكثير منها ولدينا الكثير مما يمكننا أن نفعله سوياً".


ومقابل إعادة المواطنين المصريين المطلوبين من الخارج، أصبحت مصر محطة مهمة في "الحرب العالمية على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة. وقد أُعيد عشرات الأشخاص المشتبه في أن لديهم صلات بجماعات إرهابية إلى مصر ليتسنى الحصول على معلومات منهم. ووفقاً للمزاعم المتواصلة والمتسقة التي أدلى بها هؤلاء العائدون وسواهم، كان التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة يستخدم بصورة روتينية ضدهم خلال الاستجواب في مرافق الاعتقال التابعة للمخابرات العامة ومباحث أمن الدولة وعند نقلهم إلى السجون. وتضمنت أساليب التعذيب التي وصفوها، عصب العينين والضرب والتعليق في أوضاع جسدية مؤلمة والصعق بالصدمات الكهربائية والتخدير والاغتصاب والتهديد بالقتل والحبس الانفرادي والحرمان من النوم.


وفي مايو/أيار 2005، صرَّح رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف أثناء زيارة له للولايات المتحدة الأمريكية أنه تم نقل ما بين 60 و70 شخصاً إلى مصر من جانب المخابرات الأمريكية منذ سبتمبر/أيلول 2001. وعندما سئل عن هذا التصريح خلال زيارة له إلى لندن في مارس/آذار 2006، صرَّح : "بأن العدد قد يتغير مع الوقت، لذا من الصعب جداً تحديده". ولم يوضح أي من التصريحين من هي السلطات المسؤولة عن عمليات التوقيف والاعتقال، أو أين يُحتجز المعتقلون، أو ما إذا كان بإمكانهم الاتصال بالعالم الخارجي، أو ما إذا كانت هناك خطط لتوجيه تهم إلى المعتقلين ومحاكمتهم. كذلك لم تكشف السلطات المصرية عن هويات الأشخاص المعنيين وظروف عودتهم.


وتواصل الحكومة المصرية مساندة "الحرب على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة. ففي أول رسالة بعثت بها إلى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة بان كي مون، شددت على أهمية تشجيع الأمم المتحدة على تعبئة وتنسيق الجهود الدولية لمحاربة الإرهاب. لكن في الوقت ذاته، ترفض مصر السماح للمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان بزيارة البلاد، أثناء محاربة الإرهاب لتقييم سجل مصر في "الحرب على الإرهاب"، برغم الطلبات المتكررة التي قدمها المقرر الخاص للقيام بذلك، كذلك تواصل مصر رفض السماح للمقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب واستقلال القضاة والمحامين بزيارة البلاد.


قوانين مكافحة الإرهاب في مصر

ما فتئ المصريون يعيشون في ظل حالة الطوارئ طوال الجزء الأكبر من الأربعين سنة الماضية. وتظل حالة الطوارئ الراهنة نافذة دون انقطاع منذ العام 1981. وقد جُددت أحكام الطوارئ بصورة منتظمة بدون أية مراجعة صحيحة وفي انتهاك للقانون الدولي، وبخاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. وفي إبريل/نيسان 2006 جُددت حالة الطوارئ مرة أخرى لمدة سنتين أخريين، برغم الدعوات المتكررة لجماعات حقوق الإنسان برفعها.


ويمنح قانون الطوارئ صلاحيات واسعة للمسؤولين الأمنيين والسلطة التنفيذية. وتسهِّل هذه الصلاحيات ارتكاب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال التعسفي أو التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة والمحاكمات الجائرة والانتهاكات التي ارتُكبت بدون أن ينال أصحابها عقاباً طوال سنوات عديدة. كذلك يقيد القانون بشدة الحقوق في حرية التعبير وتأليف الجمعيات والاجتماع، ويسمح بأن يواجه الأشخاص المتهمون بارتكاب جرائم معينة محاكمات بالغة الجور أمام المحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ.


وفي يناير/كانون الثاني 2004، وفي محاولة للحد من استخدام قانون الطوارئ، أمر الرئيس مبارك بإلغاء معظم الأوامر العسكرية الصادرة بموجب أحكام الطوارئ منذ العام 1981 – باستثناء تلك التي يُزعم بأنها تهدف إلى حماية الأمن العام. وفي السنة السابقة 2003، أُلغيت محاكم أمن الدولة. بيد أن السلطات الاستثنائية التي مُنحت للنيابة العامة بموجب القانون رقم 105 لسنة 1980 والتي أسست هذه المحاكم، أُعيد العمل بها من جديد من خلال إدخال تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية.


ويمنح قانون الطوارئ (القانون رقم 162 لسنة 1958 كما عُدِّل) صلاحيات واسعة جداً للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون، وبخاصة موظفو مباحث أمن الدولة. وبموجب المادة 3، يمكن اعتقال المتهم لفترة مطولة بدون تهمة أو محاكمة. وتأمر وزارة الداخلية بإجراء الاعتقالات. وفي الحالات العاجلة، يمكن إصدار هذه الأوامر شفوياً شريطة تأييدها بأمر خطي خلال ثمانية أيام. وكل من يُحتجز رهن الاعتقال الإداري بموجب المادة 3 يتمتع بحقوق معينة في تقديم استئناف، لكن العملية معقدة وتتعرض للإخلال من السلطات بصورة منتظمة.


وينص القانون على وجوب إبلاغ المعتقلين فوراً بأسباب اعتقالهم، والسماح لهم بمقابلة محام، والاتصال بأي شخص يختارونه لإبلاغه باعتقالهم. لكن عملياً، غالباً ما لا يتم إبلاغ أولئك المعتقلين بأسباب اعتقالهم، ولا يُسمح لهم بزيارات عائلية لمدة 30 يوماً. وعلاوة على ذلك، لا تقتضي المادة 6 من الموظفين المكلفين بإنفاذ الق5?نون التقيد بإجراءات التوقيف والاعتقال المحددة في الدستور وغيره من القوانين المصرية عند اعتقال الأشخاص الذين يخالفون الأوامر الصادرة بمقتضى قانون الطوارئ أو يتهمون بارتكاب الجرائم المنصوص عليها في تلك الأوامر.


ويمنح قانون الطوارئ الرئيس المصري صلاحية إحالة أية قضية تتعلق بجرم وارد في قانون العقوبات أو أي قانون آخر إلى محكمة الطوارئ. كذلك يخول الرئيس بتحديد تركيبة محكمة الطوارئ، بما في ذلك تسمية ضباط الجيش الذين سيعملون بصفة قضاة. كما يحق للرئيس استناداً إلى المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية نقل أية قضية إلى محكمة عسكرية. وتُعتبر الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم نهائية ولا تخضع إلا لمراجعة رئاسية، وبالتالي تمنع المتهمين من تقديم استئناف أمام محكمة أعلى، كما يقتضي القانون الدولي.


كذلك يخول قانون الطوارئ السلطة التنفيذية بأن تأمر باعتقال أي شخص يشتبه استناداً إلى جرائم مُعرَّفة بشكل غامض بأنه عرَّض "الأمن القومي" أو "النظام العام" للخطر وذلك بدون تهمة أو محاكمة. ويظل آلاف الأشخاص محتجزين بموجب أوامر الاعتقال الإداري برغم أن المحاكم برأت ساحتهم أو أمرت بصورة متكررة بإطلاق سراحهم. وهذه الممارسة "للاعتقال المتكرر" تستخدمها السلطات المصرية بصورة متكررة لاعتقال أشخاص معظمهم أعضاء في الجماعات الإسلامية المحظورة أو متعاطفين معها، بدون تهمة أو محاكمة لفترات طويلة. وقد احتجز بعضهم منذ مطلع التسعينيات.


ويمنح قانون مكافحة الإرهاب (القانون رقم 97 لسنة 1992) صلاحيات أوسع حتى للأجهزة الأمنية والنائب العام وحقوقاً أكثر تقييداً للأفراد، بما في ذلك عبر تقييد حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات والاجتماع. كذلك استُخدم كأساس قانوني لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهي ممارسة تنتهك المعايير الدولية.

وبعد نفاذ قانون محاربة الإرهاب بقليل، خلصت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان إلى أنه ينتهك عدداً من الحقوق المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبخاصة المواد 6 و7 و9 و15. كذلك ذكرت اللجنة أن "تعريف الإرهاب الوارد في ذلك القانون واسع جداً إلى درجة أنه يشمل مجموعة واسعة من الأفعال متفاوتة الخطورة". ودعت مصر إلى مراجعة القانون، وبخاصة الأحكام التي وسَّعت من نطاق عقوبة الإعدام. وحتى العام 2003، عندما صدر القانون الذي ألغى محاكم أمن الدولة، كان قانون مكافحة الإرهاب يسمح للشرطة القضائية باعتقال المتهمين مدة تصل إلى سبعة أيام قبل إحالتهم إلى مكتب النائب العام.


وفي مارس/آذار 2006، أعلنت الحكومة أنه تم تكليف لجنة لصياغة قانون جديد لمكافحة الإرهاب ليحل محل قانون الطوارئ. وقد بعثت منظمة العفو الدولية بمذكرة إلى الرئيس مبارك وغيره من أعضاء الحكومة المصرية تحثهم على التأكد من أن القانون الجديد لا يرسخ الصلاحيات التي سهَّلت طوال سنوات عديدة ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والاعتقال التعسفي والمحاكمات الجائرة وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. وطلبت منظمة العفو الدولية إتاحة فرصة لها للاطلاع والتعليق على مسودة القانون وطلبت معلومات حول عدد من حالات الأشخاص الذين اعتُقلوا بشأن الأنشطة الإرهابية المزعومة. وقد سلِّمت الأمينة العامة للمنظمة نسخة من المذكرة أيضاً إلى وزارة الداخلية خلال زيارة قامت بها إلى القاهرة في سبتمبر/أيلول 2006. وفي ديسمبر/كانون الأول طلبت منظمة العفو الدولية مرة أخرى رداً على المذكرة خلال اجتماع عقدته مع مسؤولين من وزارة الخارجية. وعند كتابة هذا التقرير، لم تكن منظمة العفو الدولية قد تلقت أي رد.


وفي 26 ديسمبر/كانون الأول 2006، وفي بيان ألقاه أمام مجلس الشعب، أعلن الرئيس مبارك اقتراحه بتعديل 34 مادة من الدستور المصري. وكما أكدنا أعلاه، فإن التعديلات التي أُدخلت على المادة 179، والتي تمهد الطريق لوضع قانون جديد لمكافحة الإرهاب، تثير قلقاً شديداً. وفي مارس/آذار 2007، اعتمد البرلمان التعديلات التي أيدها استفتاء قاطعته المعارضة السياسية وسواها وانتقده المراقبون الوطنيون المستقلون على نطاق واسع باعتباره مزوراً.

وعشية التصويت في البرلمان وقبل الاستفتاء، حذرت منظمة العفو الدولية من أن التعديلات سترسخ الممارسات الحالية للتوقيف والاعتقال التعسفيين والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وتقوض أكثر حماية حقوق الإنسان. كذلك ذكرت أنها ستنتهك الواجبات الدولية المترتبة على مصر تجاه حقوق الإنسان.


وتجدد منظمة العفو الدولية دعوتها للحكومة المصرية لضمان تقيد القانون المزمع لمكافحة الإرهاب تقيداً كاملاً بالقانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وقد أكدت هيئات الأمم المتحدة هذا المبدأ مراراً، بما في ذلك "اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، والجمعية العامة، ومجلس الأمن. وجُدد هذا التعهد مؤخراً في وثيقة "نتائج القمة العالمية" التي اعتمدها اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقد على مستوى عال بكامل أعضائه في سبتمبر/أيلول 2005، والذي حضره وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط ممثلاً للحكومة المصرية. فقد نصت وثيقة "نتائج القمة العالمية" على ما يلي:


"يجب أن يتم التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب بشكل يتماشى مع القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات والبروتوكولات الدولية ذات الصلة. ويجب على الدول ضمان أن تكون أية تدابير تُتخذ لمكافحة الإرهاب متسقة مع التزاماتها بمقتضى القانون الدولي، ولاسيما قانون حقوق الإنسان، وقانون اللاجئين، والقانون الإنساني الدولي."


وتقر منظمة العفو الدولية بعدم وجود تعريف متفق عليه دولياً للإرهاب. ومع ذلك، فإن أي تعريف 04?لإرهاب ينبغي أن يكون متماشياً مع المبادئ الراسخة للقانون الجنائي، وخاصة مبدأ قانونية الجريمة (ويعني ضرورة أن تقتصر المسؤولية الجنائية والعقوبة على ما ورد به نص واضح ودقيق في القانون الذي كان قائماً ومطبقاً وقت ارتكاب الجريمة، إلا إذا حدث، بعد وقوع الجريمة، أن صدر قانون ينص على عقوبة أخف)، ومبدأ المسؤولية الفردية (ويعني أن المسؤولية الجنائية فردية وليست جماعية).


وتهيب منظمة العفو الدولية بالسلطات المصرية أن تضمن أن يتم تعريف "أعمال الإرهاب" في القانون الجديد لمكافحة الإرهاب على نحو واضح وبعبارات لا لبس فيها، وبشكل لا يمثل مساساً أو تجريماً لأفعال تتفق مع ممارسة الحقوق والحريات المكفولة بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع السلمي. كما تدعو منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى إعادة النظر في تعريف الإرهاب الوارد في قانون العقوبات، وذلك على ضوء المبادئ الواردة في ما سبق، إذا ما تم استخدامه في القانون الجديد لمكافحة الإرهاب؛ أو إلغاء المادة 86 من قانون العقوبات.


وبالإضافة إلى ذلك، تهيب منظمة العفو الدولية بالحكومة المصرية ألا تستخدم تعريفات الإرهاب الواردة في "اتفاقية منع ومكافحة الإرهاب" الصادرة عن منظمة الاتحاد الإفريقي، والبروتوكول الملحق بها، و"الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب" لأنها غامضة جداً ويمكن استخدامها لتجريم الممارسة المشروعة لحرية التعبير وغيرها من حقوق الإنسان.


وعلى السلطات المصرية أن تضمن بألا يُسهِّل القانون الجديد لمكافحة الإرهاب بأي شكل التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، وأن يتضمن الضمانات المحددة في القانون الدولي ضد مثل هذه الانتهاكات، مثل اتفاقية مناهضة التعذيب. وحتى الآن، غابت هذه الضمانات بوضوح في القانون المصري. وإضافة إلى ذلك، ولضمان عدالة أية محاكمة للمتهمين بارتكاب جرائم تتعلق بالإرهاب، يجب أن يوفر القانون الجديد للمتهمين التسهيلات اللازمة للدفاع عن أنفسهم بفعالية، بما في ذلك الحق في الحصول على مساعدة مستشار قانوني دون إبطاء وخلال الاستجواب.


وأخيراً تهيب منظمة العفو الدولية بالسلطات المصرية التأكد من أن القانون الجديد لمكافحة الإرهاب لا يتضمن عقوبة الإعدام كعقاب على أي جرم.


2. عمليات التوقيف التعسفي والاعتقال غير القانوني

شكلت عمليات التوقيف التي يعقبها الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري سمة دائمة في تدابير مكافحة الإرهاب التي اتخذتها الحكومة المصرية طوال عقود. وقد أجرت قوات أمن الدولة اعتقالات جماعية في أعقاب التفجيرات أو الهجمات المسلحة، وشملت في اعتقالاتها بشكل متزايد الزوجات والشقيقات والآباء المسنين وحتى أطفال المتهمين أحياناً. واحتُجز العديد من هؤلاء الأقرباء كرهائن بالفعل لدى مباحث أمن الدولة مدداً تصل إلى أشهر من أجل إجبار أقربائهم المطلوبين على تسليم أنفسهم أو لجمع معلومات عن المتهمين. وفي عشرات الحالات، ورد أن الأقرباء الذكور للمتهمين تعرضوا للتعذيب، بما في ذلك بالصدمات الكهربائية خلال اعتقالهم. أما المعتقلون أنفسهم المتهمون بارتكاب جرائم إرهابية، فقد احتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي لفترات تزيد على أسابيع أو أشهر تعرضوا خلالها للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة.


الاعتقالات التعسفية الجماعية

كانت الاعتقالات الجماعية تحصل عادة عقب الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة. فعلى سبيل المثال، اعتُقل آلاف الأشخاص بعد هجمات العام 2004 في طابا ونويبع وهجمات العام 2005 في القاهرة وشرم الشيخ وتفجيرات العام 2006 في دهب. وأعلن المسؤولون الحكوميون أن هذه المداهمات الكاسحة تشكل جزءاً ضرورياً من تحقيق فعال.


وعادة تجري الاعتقالات في الساعات الأولى من الصباح من جانب موظفي مباحث الأمن الدولة يعاونهم أفراد في قوات الأمن المركزي شبه العسكرية بدون اتباع الإجراءات القانونية اللازمة. وغالباً ما ورد أن أقرباء المتهمين تعرضوا للتهديد والتخويف من جانب سلطات الاعتقال. وفي الحالات التي كان فيها المتهم غائباً في وقت المداهمة التي تقوم بها مباحث أمن الدولة، غالباً ما كان يُعتقل أفراد العائلة عوضاً عن ذلك، ليس كمتهمين هم أنفسهم وإنما لممارسة الضغط على المتهم لتسليم نفسه للسلطات أو للحصول على معلومات حول مكان وجود المتهم، أو لانتزاع معلومات حول شخص آخر معتقل أصلاً.


ويقول العديد من المتهمين الذين يُلقى القبض عليهم خلال هذه المداهمات إنهم لم يحاطوا علماً بأسباب الاعتقال في حينه. وغالباً ما كان أفراد الأمن الذين يجرون الاعتقال يقولون للعائلة إن المعتقل سيؤخذ إلى المكتب المحلي لمباحث أمن الدولة أو مركز الشرطة. بيد أنه عند وصول المعتقلين إلى مكان الاعتقال، لم يُسمح لهم بإبلاغ شخص يختارونه باعتقالهم وملابساته، ولا يُحاطون علماً بالتهم المنسوبة إليهم أو بحقهم في الحصول على مساعدة محامٍ.


وفي هذه الحالات، تنتهك الاعتقالات قانون الإجراءات الجنائية والدستور اللذين ينصان كليهما على أن أي شخص يُقبض عليه أو يعتقل يجب أن يُبلَّغ بسبب توقيفه أو اعتقاله، ويُسمح له الاتصال بالعالم الخارجي والحصول على مساعدة محام فور توقيفه.


وعموماً، فإن المعتقلين الوحيدين الذين أُبلغوا بسبب توقيفهم كانوا أولئك الذين احتُجزوا لمجرد كونهم أقرباء للمتهم. وفي بعض الحالات، جرى الإفراج عن هؤلاء الأقرباء بعد ذلك، لكن قيل لهم إن عليهم إيجاد الشخص المطلوب وإقناعه بتسليم نفسه للسل91?ات من أجل وقف ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد أقربائه الآخرين الذين يظلون رهن الاعتقال. وفي قضية تفجيرات طابا مثلاً اعتُقل أقرباء المتهمين مدة تصل إلى خمسة أشهر وتعرضوا للتعذيب أو غير ذلك ضروب سوء المعاملة من أجل إرغامهم على تقديم معلومات حول مكان وجود أولئك المطلوبين من السلطات أو لحث الفارين على تسليم أنفسهم للسلطات.


ويشكل سجن أقرباء الأشخاص المتهمين بارتكاب جريمة أو من يخالطونهم "كسجناء بديلين" توقيفاً واعتقالاً تعسفيين وانتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. وفي الواقع يمكن أن يصل إلى حد جريمة احتجاز رهائن بموجب الاتفاقية الدولية لمناهضة احتجاز الرهائن التي صدّقت عليها مصر في العام 1981.


عائلة أسامة عبد الغني النخلاوي

في ليلة 21 أكتوبر/تشرين الأول 2004، حاول أفراد قوات الأمن إلقاء القبض على أسامة عبد الغني النخلاوي في منـزله في نخل، العريش، لكنهم لم يجدوه. وعوضاً عن ذلك، فبحسب ما قالته شقيقة الرجل المطلوب سحر محمد عبد الغني، وهي مُدرِّسة في مدرسة ابتدائية، اعتقلوا عمها العجوز عيد عبد الغني، برغم أنه ليس مشتبهاً به في القضية. ثم توجهوا إلى منـزل والديّ زوجة شقيقها مريم سليمان حسن. وهناك نزعوا بالقوة حجاب المرأة البالغة من العمر 21 عاماً وعصبوا عينيها وقيدوا يديها وراء ظهرها واعتدوا عليها بالضرب قبل أن يقتادوها إلى مكتب مباحث أمن الدولة في العريش. ونتيجة لذلك، فُصلت عن ابنتها هاجر البالغة من العمر 15 شهراً التي تُركت مع جدتها.


وفي صباح اليوم التالي، داهم أفراد قوات الأمن منـزل سحر محمد عبد الغني بينما كان الجميع نياماً. وقُبض عليها مع شقيقيها أيمن وأحمد ووالديها. وقُيدت أيدي الجميع خلف ظهورهم وعُصبت أعينهم، ثم جُرجروا إلى سيارات الشرطة. وبحسب ما ورد تعرض أحمد للضرب قبل دفعه داخل السيارة. وأُخذوا جميعهم إلى مكتب مباحث أمن الدولة في العريش، حيث نزعت عُصابة أعينهم وفُصل الرجال عن النساء. وأُبلغوا بأنهم سيظلون محتجزين إلى أن يُسلِّم أسامة نفسه للشرطة.


وبعد اعتقالهم لمدة أسبوع واحد، أخذت الشرطة الأمنية سحر وشقيقها أيمن في سيارة حمراء وطُلب منهما أن يُشيرا إلى منـزل عمهما جمعة واثنين من أبنائه مجدي ومحمد. ثم قُبض على هؤلاء الثلاثة واقتيدوا كذلك إلى مكتب مباحث أمن الدولة في العريش مع ابن عم آخر هو محمد عبد الله.


وبحسب ما ورد تم الإفراج عن عيد عبد الغني العم المسن للرجل المطلوب بعد أن أمضى أسبوعاً في الاعتقال وطلبت منه الشرطة الأمنية إيجاد أسامة عبد الغني النخلاوي. واعتُقلت سحر ووالدتها نعيمة وزوجة شقيقها مريم لمدة 14 يوماً بدون تهمة أو محاكمة، ثم أُخلي سبيلهن، بينما احتُجز جمعة عم سحر وابناه لمدة شهرين ثم أُفرج عنهما بدون تهمة. وأُطلق سراح أحمد شقيق سحر الذي أُصيب بمرض شديد، كما ورد، بسبب سوء الأوضاع في الاعتقال، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2004. وأُفرج عن شقيقها أيمن ووالدها محمد عبد الغني بدون تهمة بعد أن أمضيا خمسة أشهر في الاعتقال.


وخلال اعتقالهم، لم يُسمح لأي من أقرباء أسامة عبد الغني النخلاوي بتلقي زيارات، أو الاتصال بمحام أو الحصول على رعاية طبية. وبحسب ما ورد تعرض أيمن وجمعة للتعذيب في مكتب مباحث أمن الدولة في العريش. وباستثناء عيد عبد الغني، اعتُقل جميع الأعضاء الذكور في العائلة في معسكر قوات الأمن المركزي في المساعيد التي تبعد بضعة كيلومترات إلى غرب العريش، حيث تتسم أوضاع الاعتقال بالقسوة كما ورد.


وقُبض على أسامة عبد الغني النخلاوي في أغسطس/آب 2005 وحُوكم بشأن تفجيرات طابا والنويبع. وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، حُكم عليه بالإعدام مع شخصين آخرين. ويظل الثلاثة جميعهم في سجن طرة بالقاهرة.


الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري

في حالات عديدة، تقاعست السلطات عن كشف أية معلومات حول المعتقلين لعائلاتهم، بما في ذلك معلومات حول مكان وجودهم. وعندما استفسر أقرباء المعتقلين عنهم في المكتب المحلي لمباحث أمن الدولة أو مركز الشرطة الذي قال أفراد الشرطة الذين أجروا الاعتقال إنهم سيأخذونهم إليه، قيل لهم إنهم ليسوا هناك، لكن لم يُبلَّغوا بمكان اعتقالهم الحالي. وبالمثل، عندما استفسرت العائلات لدى مكتب النائب العام أو بعثت برسائل إلى وزارة الداخلية أو العدل، تقاعست هذه الجهات أيضاً عن تزويدها بأية معلومات أو توضيحات حول مصير أقربائها.

وفيما يتعلق بالعالم الخارجي، بات هؤلاء المعتقلون ضحايا للاختفاء القسري، وهو انتهاك صارخ للقانون الدولي. وفي جميع الحالات تقريباً، كانت مدة الاختفاء قصيرة، لكن في بعض الحالات الأشخاص الذين أُعيدوا من الخارج، دامت أشهراً أو حتى سنوات.


وعندما اكتشفت العائلات مكان وجود قريبها عبر وسائل غير رسمية، عادة عن طريق زملاء لهم اعتُقلوا في السابق، لم يُسمح لها بزيارتهم في الاعتقال أو سُمح لها بذلك بعد فترات طويلة احتُجز خلالها أقرباؤها بمعزل عن العالم الخارجي. وبالنسبة للعديد من الذين قُبض عليهم في أعقاب تفجير طابا، مثلاً، لم يُسمح لهم بأية زيارات عائلية خارج فترات الأعياد الوطنية الرئيسية. ولم يُسمح للذين حوكموا بشأن تفجيرات القاهرة بزيارات عائلية طوال أكثر من سنة، إلى أن بدأت محاكمتهم في يونيو/حزيران 2006.


ويُعتقد على نطاق واسع أن أحد أسباب عدم إفشاء السلطات لمعلومات حول مكان وجود المعتقلين هو نتيجة الصلاحيات الممنوحة لوزارة الداخلية لتحديد مكان احتجاز معتقلين معينين. وتنص المادة 1 مكرر من القانون رقم 396 لسنة 1956 – قانون تنظيم السجون – على 71?ن "يودع كل من يحجز أو يعتقل أو يتحفظ عليه أو تسلب حريته على أي وجه في أحد السجون المبينة في المادة السابقة أو أحد ألاماكن التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الداخلية..." وأدى هذا إلى احتجاز المعتقلين في مراكز الاعتقال التابعة لمباحث أمن الدولة ومعسكرات قوات الأمن المركزي، وهي مقرات، على عكس مرافق الاعتقال النظامية الأخرى، لا تخضع للتفتيش من جانب النائب العام أو أية هيئة قضائية أخرى كما تقتضي المادة 42 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 85 من قانون تنظيم السجون.


وفي معظم الحالات، احتُجز المعتقلون الأمنيون في المكتب المحلي لمباحث أمن الدولة أو مركز الشرطة المحلي لمدة بضعة أيام ثم نُقلوا عادة إلى مقر قيادة مباحث أمن الدولة في ميدان لاظوغلي بالقاهرة أو إلى سجن قريب من القاهرة. وبرغم ورود أنباء عديدة حول احتجاز أشخاص في مراكز الاعتقال التابعة لمباحث أمن الدولة. صرحت وزارة الداخلية "أنها [مقار مباحث أمن الدولة] ليست أماكن احتجاز باعتبار أنها جهاز معلوماتي أمني و لا علاقة لها بعمليات الاحتجاز، و بالتالي فإنها لا تخضع لعمليات التفتيش الدوري [كما تنص عليه المادة 42 من قانون الإجراءات الجنائية]". وبما أن مراكز الاعتقال هذه غير معترف بها رسمياً كسجون، لا يتم فيها الاحتفاظ بأية سجلات حول الأشخاص الذين يعتقلون هناك أو فترات اعتقالهم. واحتجاز المعتقلين في مراكز الاعتقال غير الرسمية هذه، حتى لفترة قصيرة ينتهك المادة 41 من قانون الإجراءات الجنائية التي تحظر اعتقال أشخاص في مرافق اعتقال غير رسمية. ويبدو أيضاً أن مكتب النائب العام لا يحاط علماً بالأشخاص المعتقلين في هذه المقار أو بأسباب اعتقالهم من جانب مباحث أمن الدولة، وبالتالي لا يتمكن من الإشراف على أوضاع الاعتقال أو معاملة المعتقلين أثناء احتجازهم في هذه الأماكن.


ونتيجة لهذه الممارسات، احتُجز العديد من المعتقلين الأمنيين طوال أسابيع أو أشهر بمعزل عن العالم الخارجي وتعرضوا للتعذيب كما ورد.

وقد نددت الهيئات والآليات الدولية لحقوق الإنسان بالاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان يُسهِّل ارتكاب انتهاكات أخرى مثل الاختفاء القسري أو التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. وشدد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب بصورة متكررة على أن التعذيب غالباً ما يحدث أثناء احتجاز السجناء بمعزل عن العالم الخارجي، بحيث لا يستطيعون الاتصال بالأشخاص في الخارج الذين يمكن أن يمدوا لهم يد المساعدة أو يعرفوا ما يحدث لهم، ودعا إلى وضع حد لهذه الممارسة. ويجب جلب جميع المعتقلين للمثول أمام هيئة قضائية مستقلة بدون تأخير عقب احتجازهم، والسماح لهم بمقابلة الأقرباء والمحامين والأطباء دون تأخير وبصورة منتظمة بعد ذلك.


ستة أشخاص قيد الاعتقال السري

يظل ستة مواطنين مصريين هم – محمد عبد العزيز الجمال وسيد إمام عبد العزيز الشريف (المعروف أيضاً بأبو الفضل) وعصام شعيب محمد وخليفة سيد بدوي وعثمان السمان وعلي عبد الرحيم – أُعيدوا بصورة غير قانونية إلى مصر من اليمن في فبراير/شباط 2002، قيد الاعتقال بدون تهمة، وبدون السماح لهم بمقابلة مستشار قانوني أو الأقرباء أو الحصول على علاج طبي، بحسب المعلومات التي تلقتها منظمة العفو الدولية. وهم محتجزون بمعزل عن العالم الخارجي وسراً – ضحايا للاختفاء القسري.


وقبل إعادتهم إلى مصر، كان الستة معتقلين لدى الأمن السياسي في اليمن بدون محاكمة في صنعاء منذ العام 2001.


وفي العام 1999 حوكم أربعة من الرجال غيابياً من جانب المحاكم العسكرية في مصر. وفي ما أصبح يُعرف بمحاكمة "العائدون من ألبانيا"، حُكم على محمد عبد العزيز الجمال وسيد إمام عبد العزيز الشريف وعصام شعيب محمد وخليفة سيد بدوي بالإعدام والسجن المؤبد والسجن لمدة 10 سنوات وسبع سنوات على التوالي عقب محاكمة جائرة أمام محكمة هايكستب العسكرية بالقرب من القاهرة. وحوكم عثمان السمان غيابياً أمام محكمة عسكرية في العام 1992 وحُكم عليه أيضاً بالإعدام. ولم تقدم السلطات أية معلومات حول هؤلاء الرجال أو حول ما إذا كانت تزمع إعادة محاكمتهم.


وفي مارس/آذار 2007 ورد أن محمد عبد العزيز الجمال وسيد إمام عبد العزيز الشريف نُقلا إلى سجن طرة من مركز اعتقال مجهول وُضعا فيه منذ إعادتهما القسرية من اليمن. وقد ورد أنهما بوصفهما عضوين في تنظيم الجهاد الإسلامي المصري الذي كان يرأسه سابقاً أيمن الظواهري، كانا على وشك إعلان مبادرة لنبذ العنف في مصر شبيهة بتلك التي أعلنتها الجماعة الإسلامية في العام 1997.


الاعتقال الإداري

"لقد أمضيت الآن أكثر من 12 عاماً رهن الاعتقال [الإداري] الذي تعرضت خلاله لجميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة، ومُنعت من الاتصال بأطفالي وأقربائي. وهُجِّرت عائلتي، وفُقدت مواردي المالية وأُغلقت أعمالي [في باكستان] وضاع مستقبل أطفالي".

محمد عبد الرحيم الشرقاوي، يصف اعتقاله الإداري في السجون المصرية.


ويحتجز عدة مئات من الأشخاص الذين اعتُقلوا بشأن التفجيرات التي وقعت في سيناء بين العامين 2004 و2006 وفي القاهرة في إبريل/نيسان 2005 رهن الاعتقال الإداري. وبالإجمال هناك اليوم قرابة 18000 معتقل إداري يقبعون في السجون المصرية، بعضهم محتجز بصورة متواصلة منذ مطلع التسعينيات. ومعظمهم محتجز في أوضاع تصل إلى حد المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وبحسب ما ورد أُصيب المئات منهم بداء الدرن (السل) وبأمراض جلدية وسواها من الأمراض التي تتفشى بسبب انعدام المرافق الصحية والرعاية الطبية ورداءة الطعام والاكتظاظ الشديد.


وقام المئات من أقرباء المعتقلين الإداريين باعتصام أمام مبنى نقابة المحامين في القاهرة طوال عدة أشهر في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2005 وذلك احتجاجاً على استمرار سجن أقربائهم في أوضاع قاسية برغم أوامر الإفراج العديدة التي أصدرتها محاكم الطوارئ. كذلك قاموا باحتجاج في أكتوبر/تشرين الأول 2005 خارج مقر وزارة الداخلية الكائن في ميدان لاظوغلي.


وغالباً ما يظل الأشخاص، الذين يُقبض عليهم كمتهمين بالإرهاب دون أن وتُوجَّه إليهم تهم أو الذين تُبرَّأ ساحتهم، رهن الاعتقال الإداري لدى وزارة الداخلية بمقتضى قانون الطوارئ. وبموجب المادة 3 من قانون الطوارئ يجوز لوزير الداخلية "القبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام واعتقالهم". ويحق لأي شخص يُعتقل بموجب هذا النص تقديم شكوى ضد الاعتقال بعد مضي 30 يوماً على صدور أمر الاعتقال. وتُحال هذه الشكاوى إلى محكمة طوارئ يجب أن تصدر قراراً معللاً في غضون 15 يوماً. بيد أنه إذا قررت المحكمة أن المعتقل يجب أن يُفرج عنه، يكون لدى وزارة الداخلية 15 يوماً للطعن في القرار، يظل خلالها المعتقل محتجزاً. وفي هذه الظروف، تحال القضية بعد ذلك إلى محكمة ثانية موازية تُمنح هي أيضاً 15 يوماً للبت في اعتراض الوزارة. فإذا أكدت المحكمة الثانية أمر الإفراج، يجب عندها إخلاء سبيل المعتقل. وإلا سيظل المعتقل محتجزاً ويحق له تقديم شكوى جديدة إلى محكمة طوارئ ويبدأ العملية بأكملها من جديد حالما تنقضي مهلة الثلاثين يوماً.


بيد أنه عملياً غالباً ما تتجاوز سلطات الاعتقال هذا الإجراء ولا تُفرج عن المعتقلين وفقاً لقرار المحكمة الثانية. وعوضاً عن ذلك، تنقل المعتقلين سراً إلى أماكن اعتقال جديدة، مثل مراكز الشرطة المحلية أو مقار مباحث أمن الدولة في القاهرة أو سواها، وتحتجزهم إلى حين صدور أوامر اعتقال جديدة ضدهم عن وزير الداخلية على الأساس الزائف وهو أن المعتقل أُفرج عنه، لكنه عاد فوراً إلى ممارسة الأنشطة الإجرامية أو الإرهابية، فأُعيد اعتقاله.


وقد ظل بعض المتهمين رهن الاعتقال في أعقاب تبرئة ساحتهم من جانب محاكم الطوارئ أو المحاكم العسكرية عقب إصدار أمر اعتقال جديد ضدهم من جانب وزير الداخلية. والمعتقلون الذين يصرون على تقديم شكوى ضد أوامر اعتقالهم تم نقلهم إلى سجون نائية، تبعد مئات الكيلومترات عن عائلاتهم، انتقاماً منهم كما يبدو ولردعهم عن تقديم مزيد من الاستئنافات. وقد أبلغ المحامون الذين يمثلون هؤلاء المعتقلين منظمة العفو الدولية أن هذه الممارسة دفعت المعتقلين إلى الامتناع عن ممارسة حقهم في الطعن بأوامر الاعتقال.


وهذا الاستخدام لأوامر الاعتقال الإداري غير قانوني. وقد صرحت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالاعتقال التعسفي أن "استخدام ’الاعتقال الإداري‘ بمقتضى قانون الأمن العام أو قوانين الهجرة أو غيرها من القوانين الإدارية ذات الصلة، والمؤدي إلى الحرمان من الحرية لفترة غير محدودة أو لفترات طويلة جداً بدون إشراف قضائي فعال، كوسيلة لاعتقال أشخاص يُشتبه في مشاركتهم في الإرهاب أو غيره من الجرائم يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الإنسان."


وبالفعل يجيز العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الانتقاص من بعض نصوصه خلال حالات الطوارئ المعلنة رسمياً – لكن فقط إذا كان الوضع يشكل تهديداً لحياة الأمة وبالقدر الذي يشكل فيه مثل هذا التهديد. وقد شددت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على أنه : "لا يجوز للدول الأطراف تحت أي ظرف من الظروف الاعتداد بالمادة 4 من العهد كمبرر للعمل على نحو مخالف للقانون الإنساني أو المعايير القطعية للقانون الدولي، مثلاً ... عن طريق الحرمان التعسفي من الحرية". ووفقاً للقانون الدولي وبخاصة المادة 9(3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجب جلب كل شخص معتقل للاشتباه في ارتكابه عملاً إجرامياً للمثول أمام قاض دون إبطاء ومحاكمته خلال فترة زمنية معقولة أو الإفراج عنه.


وقد ذكَّرت منظمة العفو الدولية السلطات المصرية مراراً وتكراراً بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ولفتت انتباهها إلى الشرط القاضي بجلب المعتقلين للمثول أمام هيئة قضائية بدون تأخير، وإما توجيه تهمة إليهم بارتكاب جرم جنائي معروف ومحاكمتهم دون إبطاء وبصورة عادلة وإما الإفراج عنهم.


وقد نفت الحكومة أنها تحتجز المعتقلين بصورة غير قانونية رهن الاعتقال الإداري بعد أن تصدر أوامر بالإفراج عنهم. وفي فبراير/شباط 2006، أبلغ مسؤول في وزارة الداخلية لجنة حقوق الإنسان التابعة للبرلمان المصري أن أوامر الاعتقال الجديدة لا تصدر بحق أولئك الذين أمرت المحكمة بالإفراج عنهم إلا في الحالات التي تتوافر فيها أدلة على أن الشخص المعني ربما يشكل تهديداً عاماً أو قد عاد إلى ممارسة أنشطة مؤذية. وأدلى مسؤول في وزارة الداخلية ببيان مشابه لمنظمة العفو الدولية في العام 1993. بيد أن الممارسة العملية تشير إلى خلاف ذلك.


عبد المنعم السروجي

قُبض على عبد المنعم السروجي، البالغ من العمر 41 عاماً في يونيو/حزيران 1990، وظل معتقلاً منذ ذلك الحين. ولم توجه إليه أية تهم قط. وقد احتُجز في عدة سجون، بينها أبو زعبل وطره. وبحسب ما ورد أصدرت محاكم الطوارئ ما لا يقل عن ثمانية أوامر بالإفراج عنه. وما برحت منظمة العفو الدولية تقوم بحملات نيابة عنه منذ العام 1995. وفي أكتوبر/تشرين الأول 1996، اتخذت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاعتقال التعسفي قراراً مفاده أن عبد المنعم السروجي معتقل بصورة تعسفية في انتهاك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وعند كتابة 07?ذا التقرير، كان عبد المنعم السروجي في سجن وادي النطرون الكائن شمال غرب القاهرة.


محمد عبد الرحيم الشرقاوي

محمد عبد الرحيم الشرقاوي معتقل رهن الاعتقال الإداري منذ جرى تسليمه إلى مصر من باكستان في مايو/أيار 1995. ويظل ستة من أطفاله السبعة في باكستان.


وقد اعتقل محمد الشرقاوي مرتين في مصر في الثمانينيات – مرة في العام 1981 بشأن اغتيال الرئيس أنور السادات ومرة أخرى في العام 1987 بعد محاولة اغتيال وزير الداخلية في ذلك الحين. وبعث في رسالة تلقتها منظمة العفو الدولية يقول إنه تعرض للتعذيب، بما في ذلك تعليقه من السقف طوال عدة أيام، وصعقه بالصدمات الكهربائية وضربه. وبرأته المحاكم المصرية في كلا المناسبتين.


وفي العام 1988 أثناء وجوده في المملكة العربية السعودية لأداء مناسك الحج، علم أن أفراد من مباحث أمن الدولة جاءوا إلى بيته في القاهرة ينتظرون إلقاء القبض عليه. فقرر عدم العودة إلى مصر وذهب بدل ذلك إلى باكستان. وفي العام 1989 لحقت به إلى هناك زوجته المصرية وأطفاله، وبعد مضي ثلاث سنوات مُنح الجنسية الباكستانية.


وفي يوليو/تموز 1994، قُبض عليه في منـزله بباكستان في أعقاب طلب تسليم تقدمت به السلطات المصرية. وبرغم أن المحاكم في بيشاور ولاهور، فضلاً عن المحكمة العليا الباكستانية، لم تكن قد بتت بعد في الطعن القانوني الذي قدمه حول عدم وجوب تسليمه إلى مصر بوصفه مواطناً باكستانياً، إلا أنه أُعيد إلى مصر في مايو/أيار 1995.


وحالما وصل إلى مصر اعتُقل بمعزل عن العالم الخارجي طوال عدة شهور زعم أنه تعرض خلالها للتعذيب. وبرغم أن محكمة الطوارئ برأت ساحته عقب استئناف قدمه ضد أمر وزير الداخلية باعتقاله، فقد ظل رهن الاعتقال الإداري منذ ذلك الحين. ويقول إنه عندما وقعت هجمات إرهابية في مصر في التسعينيات، أُخذ من السجن وجرى استجوابه وتعذيبه.


وأمضى مجمد الشرقاوي السنوات الاثنتي عشرة الماضية بين سجون العقرب ودمنهور والفيوم وأبو زعبل وطره. وقد أمرت المحاكم بالإفراج عنه ما لا يقل عن 15 مرة. وهو موجود حالياً في سجن لمان طره. ويقول إن صحته سيئة بسبب التعذيب الذي تعرض له، وعدم تلقيه العلاج الطبي الكافي والأوضاع القاسية في السجن. ويؤكد تقرير طبي أنه يعاني من فتق في فقرات عموده الفقري يُسبب له ألماً شديداً في ظهره وساقيه.


3. التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة

"قالوا لي ’سنُعلقك’. فلم أفهم ماذا كانوا يقصدون. ثم قيدوا يديّ وراء ظهري. وقيدوا قدميّ وعلقوني من يديّ على حافة باب مفتوح وبدؤوا بتعذيبي".


ووصف و. أ. إ. م، وهو طالب جامعي عمره 22 عاماً، لمنظمة العفو الدولية التعذيب الذي تعرض له على يد قوات الأمن المصرية. ولم تُوجَّه إليه أية تهمة قط، ولم يُجر أي تحقيق قط في مزاعم تعذيبه، ولم يحصل على أي تعويض عن محنته.


وكان قد قُبض على و. أ. إ. م عند حوالي الساعة 3 من صباح 29 أكتوبر/تشرين الأول 2004 في منـزله. فعُصبت عيناه واقتيد إلى مكتب مباحث أمن الدولة في العريش. وطُلب منه التعرف على بعض الأشخاص، لكن عندما قال إنه لا يدري من يكونون، وُجهت إليه الإهانات وضُرب على وجهه بصورة متكررة. ثم جرَّده مستنطقوه من ملابسه وقيدوا يديه خلف ظهره، وربطوا قدميه بعضهما ببعض، ثم علقوه من معصميه من أعلى باب مفتوح. وقد تم وصل شريط بأحد أصابع قدميه وآخر بقضيبه. ثم صُعق بالصدمات الكهربائية. وكان قد صُب الماء على وجهه وأجبر على الاستلقاء على الأرضية. وحدث كل هذا بينما كان عارياً ومعصوب العينين.


واستمرت الأشكال ذاتها من التعذيب طوال أسبوع. كما كان يُجبر أحياناً على الحضور أثناء استجواب المعتقلين الآخرين وتعذيبهم، وكان يسمع أحياناً أخرى صراخ زملائه المعتقلين أثناء استجوابهم. وقال إن "أسوأ شيء حدث لي كان تجريدي من ملابسي لأنه يؤثر على نفسيتي".


وأبلغ و. أ. إ. م منظمة العفو الدولية أنه أمضى 14 يوماً في مكتب مباحث أمن الدولة في العريش قبل نقله إلى مركز الاعتقال التابع لقوات الأمن المركزي في المساعيد بعد عيد الفطر في نهاية شهر رمضان. وفي مرفق الاعتقال التابع لقوات الأمن المركزي، احتُجز في زنزانة مع 35 شخصاً آخر في أوضاع شديدة الاكتظاظ. ولم يُسمح للنـزلاء الذين كانوا جميعاً يفترشون الأرضية ولا يحصلون على أكثر من وجبة واحدة في اليوم، بالخروج من الزنزانة وحُرموا من الرعاية الطبية. ونتيجة لتعليقه ويديه خلف ظهره، أًصيبت ذراعاه بأذى شديد ولم يستطع أن يحركهما بحرية لمدة 45 يوماً. وخلال هذه الفترة، كان المعتقلون الآخرون يطعمونه ويساعدونه. ورُفض طلبه برؤية الطبيب.


وبعد أن أمضى شهرين في المساعيد أُعيد إلى مكتب مباحث أمن الدولة في العريش حيث احتُجز لمدة 20 يوماً آخر. ورُفض منحه الإذن بالتقدم لامتحانات الجامعة. ثم نقل إلى سجن طره، حيث يقول إنه جرى استجوابه والاعتداء عليه مرة أخرى بينما كان معصوب العينين. وفي النهاية أُفرج عنه بدون محاكمة في إبريل/نيسان 2005.


وفي كافة أنحاء مصر، يُمارس التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة بصورة منهجية في مراكز الاعتقال. والمعتقلون الذين يُحتجزون بسبب معتقداتهم أو أنشطتهم السياسية، وبخاصة الأعضاء المزعومون في الجماعات الإسلامية المحظورة، ومن ضمنهم الأشخاص المعادون من الخارج، معرضون بصفة خاصة لخطر التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، لاسيما في مقر قيادة مباحث أمن الدولة في ميدان لاظوغلي بالقاهرة، فضلاً عن الفروع الأخرى لمباحث أمن الدولة ومراكز الشرطة وأحياناً السجون.

p0

وبصورة روتينية يقتاد أفراد مباحث أمن الدولة الأشخاص من السجون لاستجوابهم بدون إذن من النائب العام – في انتهاك واضع لقانون الإجراءات الجنائية وقانون تنظيم السجون. ويحظر كلا القانونين على أفراد الشرطة الاتصال بمعتقل بدون إذن من النائب العام. وفي عشرات الحالات التي أبلغ المحامون والمعتقلون السابقون منظمة العفو الدولية بها، اقتيد المعتقلون من سجن طره إلى مقار مباحث أمن الدولة وتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة خلال الاستجواب. وعادة لا يتضمن ملف المعتقل أي ذكر لعمليات النقل هذه. ويحظر القانون المصري بالفعل عمليات النقل هذه، لكن ليس هناك نصوص لمقاضاة من يقوم بها أو لمعاقبته.


وقد اتخذ التعذيب أشكالاً مختلفة خلال جلسات الاستجواب هذه. والأساليب التي يتردد ذكرها أكثر من سواها هي الضرب والصعق بالصدمات الكهربائية والتعليق من الرسغين والكاحلين وفي أوضاع تسبب التواء الجسم لفترات طويلة؛ والتهديد بقتل الضحية أو أقربائه واغتصابهم أو الاعتداء عليهم جنسياً على نحو آخر. وقال بعض المعتقلين إنهم كانوا يُستجوبون بينما كان زملائهم السجناء يتعرضون للتعذيب بالقرب منهم.


وقال آخرون إنهم سمعوا صراخ أشخاص يتعرضون للتعذيب وشاهدوا الجروح التي أُصيب بها السجناء عقب استجوابهم. وقال العديد من الذين اعتقلوا بشأن هجمات طابا وشرم الشيخ إن أيديهم كُبِّلت وإنهم جردوا من ملابسهم وعُصبت أعينهم طوال جلسات الاستجواب.


ولاحظت هذه الممارسات لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب بالنسبة لأحمد عجيزة ومحمد الزاري اللذين نقلا من السويد إلى مصر وتعرضا للتعذيب كما زُعم (انظر الفصل 5). "لجأت مصر إلى استخدام التعذيب بصورة متسقة وواسعة النطاق ضد المعتقلين و... كان خطر اللجوء إلى هذه المعاملة شديداً في حالة المعتقلين المحتجزين لأسباب سياسية وأمنية."


وبرغم هذه المعرفة واسعة النطاق باللجوء إلى التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في مراكز الاعتقال المصرية، وبخاصة في الحالات الأمنية، فإن بعض الدول ومن ضمنها السويد والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، طلبت تأكيدات من السلطات المصرية بعدم تعريض الشخص الذي يُنقل إلى مصر لهذه الانتهاكات، في اعتراف ضمني على الأقل بأن ممارسة التعذيب شائعة في مصر. بيد أن هذه التأكيدات لا تستحق الورق الذي كتبت عليه نظراً لأن الذين يقدمون هذه التأكيدات لديهم سجل حافل في النكوص بالتعهدات المقدمة للمجتمع الدولي الأوسع عندما صادقوا على المعاهدات الدولية التي تحظر التعذيب وسوء المعاملة. وعلاوة على ذلك، فإن الاعتماد على هذه التأكيدات لا يفي بالواجب المطلق بمقتضى القانون الدولي في عدم نقل أي شخص إلى دولة يتعرض فيها لخطر التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة (مبدأ عدم الإعادة القسرية). وفي بيان صحفي صدر في مارس/آذار 2007 مشيراً إلى قضية أحمد عجيزة ومحمد الرازي، قالت وزارة العدل السويدية إنه بعد ما حدث، خلصت الحكومة السويدية إلى أن الضمانات التي تلقتها من مصر "ما كان يجب أن تُعتبر كافية".


ورداً على أحد تعليقات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، قالت الحكومة المصرية في العام 2004 إن الذين أُعيدوا قسراً إلى مصر من دول أخرى قد مثلوا أمام النائب العام عند وصولهم وأن أحداً منهم "لم يتقدم بشكوى حول إساءة معاملته". وهذا قول مضلل. ففي الحقيقة قُبض على العديد من الأشخاص الذين أُعيدوا من الخارج عند وصولهم ووُضعوا رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري لمدة تزيد على السنة وتعرضوا للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة (انظر الفصل 5).


أحمد عبد الله رباع

يبدو أن أحمد عبد الله رباع قد تعرض للتعذيب وغير ذلك من ضروب سوء المعاملة خلال ما يقرب من ثلاثة أشهر قضاها في الاعتقال إما لأن شقيقه محمد متهم بأنه إرهابي، أو بسبب تشابه بالأسماء أدى إلى اختلاط الأمر على قوات الأمن.


وعندما أتت الشرطة لإلقاء القبض على شقيقه في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2004 عند منتصف الليل تقريباً، ورد أن أحمد رباع ضُرب على رأسه بعقب مدفع رشاش. وقُيِّدت يداه بالأصفاد، وطُرح أرضاً وطُلب منه الركوع بينما كان أفراد قوات الأمن يفتشون المنـزل. وأُطلق سراحه عندما ألقت الشرطة القبض على محمد.


وأبلغ أحمد رباع منظمة العفو الدولية أنه بعد ثلاثة أسابيع تقريباً، في حوالي 15 نوفمبر/تشرين الثاني، عاد أفراد الأمن وطلبوا منه أن يأتي معهم لبضع ساعات. وبحسب ما ورد أبقوه لمدة يومين في مكاتب مباحث أمن الدولة في العريش، ثم نقلوه إلى مقر قيادة مباحث أمن الدولة في القاهرة مع 16 شخصاً آخر. واحتُجز هناك لمدة 11 أو 12 يوماً واستُجوب بصورة منتظمة. ثم نقل فيما بعد إلى سجن طره واحتُجز فيه قرابة 33 يوماً. وأُعيد بعدها إلى مقر قيادة مباحث أمن الدولة في القاهرة حيث اعتُقل لمدة أسبوع آخر. وخلال هذه الفترة، قال إنه كان يُستجوب ويتعرض للتعذيب من ثلاث إلى أربع مرات في اليوم. ووصف تعرضه للضرب والتعليق من الكاحلين والرسغين في أوضاع تسبب التواء الجسد، وصُعق بالصدمات الكهربائية على أجزاء حساسة من جسمه، بما في ذلك شفتيه وذكره ورأسه. وفي كل مرة كان يتعرض فيها للاستجواب والتعذيب، كانت تُعصب عيناه ويُجرد من جميع ملابسه. وقال إن طبيباً كان يأتي كل يوم تقريباً لفحص الذين تعرضوا للتعذيب.


وطوال اعتقاله، لم يُسمح لأحمد رباع بمقابلة محاميه أو عائلته ولم يُجلب للمثول أمام هيئة قضائية في أي وقت.


وفي 7 يناير/كانون الثاني 2005 تقريباً، قال له موظفو مباحث أمن الدولة أنه حدث اختلاط في أسماء الأشخاص الذين اعتقدوا أنه يعرفهم، وأُعيد إلى سجن طره. وأُخلي سبيله من السجن في نهاية فبراير/شباط 2005. ولم تجر السلطات تحقيقاً في مزاعم تعذيبه وتتخذ إجراءات ضد ممارسي التعذيب ولم يحصل على أي تعويض.


القانون المصري والتعذيب

التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ممنوعان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب اللتين صدَّقت عليهما مصر. بيد أنه بسبب التعريف الضيق للتعذيب في القانون المصري، لا يُحظَّر إلا بعض الممارسات الممنوعة دولياً وتُجرَّم بموجب القانون المصري.


ويُعرِّف القانون المصري التعذيب بشكل ضيق في إطار إرغام المتهم على الاعتراف. ولا تُجرَّم التهديدات بالقتل والتعذيب الجسدي إلا عندما يحدثان في أعقاب توقيف غير قانوني يجريه شخص يزعم أنه موظف رسمي. لذا لا يتناول القانون وضعاً قد يتعرض فيه الشخص للتعذيب لأسباب أخرى (مثل انتزاع معلومات أو تخويف أو معاقبة أو إهانة) أو عندما لا يُتهم الضحية بارتكاب جرم.


لقد أُخطرت السلطات المصرية عدة مرات بأن هذا التعريف للتعذيب أضيق نطاقاً بمراحل من التعريف الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب. وفي يونيو/حزيران 1994، مثلاً دعت لجنة مناهضة التعذيب مصر إلى "النص على جميع أشكال التعذيب في قانون العقوبات لديها". وحتى الآن لم يتم إجراء مثل هذا التعديل.


وعلاوة على ذلك، لا يجوز للدول أن تُجرِّم التعذيب فقط، بل أيضاً عليها اتخاذ "تدابير تشريعية وإدارية وقضائية فعالة أو سواها من التدابير لمنع ارتكاب أفعال التعذيب في أية أراضٍ خاضعة لولايتها القضائية". وإضافة إلى ذلك أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إلى الحاجة لمنع ممارسة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والتحقيق فيها والمعاقبة عليها ودفع تعويضات عنها.


ويتضمن القانون المصري بالفعل بعض الضمانات لحماية المعتقلين من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. فالمادة 36 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على وجوب مثول المعتقل أمام النائب العام لاستجوابه خلال 24 ساعة من القبض عليه، يمكن بعدها تمديد فترة الاعتقال أو ينبغي الإفراج عن المعتقل. والمادة 42 من الدستور والمادة 40 من قانون الإجراءات الجنائية تنصان على أنه "لا يجوز إيذاؤه بدنياً ومعنوياً" (للمعتقل). والمادة 57 من الدستور تنص على أن الإجراءات المدنية والجنائية بشأن التعذيب كما هي معرفة بمقتضى قانون العقوبات لا تخضع لأي قانون تقادم.


بيد أنه عملياً، غالباً ما تم انتهاك هذه الضمانات وتجاوزها بإجراءات قانون الطوارئ، وأثبتت أنها غير كافية لحماية المعتقلين من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وفي الواقع، فإن انعدام الضمانات الفعالة أدى إلى حدوث وفيات كثيرة في الحجز.


وفيات في الحجز

توفي محمد سليمان يوسف أحمد وابن عمه أشرف سعيد يوسف في الحجز نتيجة التعذيب كما يبدو. وكان كلاهما قد اعتُقلا بشأن الانفجارات التي وقعت في القاهرة في 7 إبريل/نيسان 2005.


وبحسب ما ورد توفي محمد أحمد، وهو مدَّرس ابتدائي عمره 40 عاماً من شبرا الخيمة، بشمال القاهرة، في 29 إبريل/نيسان 2005 في حجز الشرطة بعيد القبض عليه. وأبلغ أقرباؤه وسائل الإعلام أنهم برغم شكوكهم بأنه تعرض للتعذيب حتى الموت، إلا أن السلطات أرغمتهم على التوقيع على تقرير طبي يعزو الوفاة لأسباب طبيعية، وعلى دفن الجثة في اليوم ذاته بحضور أفراد الشرطة.


وقال مسؤول في وزارة الداخلية لمنظمة العفو الدولية إن محمد أحمد كان يعاني من "بعض المشاكل الصحية" التي ربما تسببت أو أسهمت في وفاته، لكنه لم يُعط أية تفاصيل. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لم يجر أي تحقيق رسمي في الملابسات المحيطة بالوفاة وسببها، برغم أنها تظل غير واضحة.


وبحسب ما ورد اعتُقل أشرف سعيد يوسف، البالغ من العمر 28 عاماً في 29 إبريل/نيسان 2005 في المنوفية واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة 13 يوماً. ولم يعلم أقرباؤه بمكان وجوده إلا عندما نُقل إلى مستشفى المنيل الجامعي في 11 مايو/أيار 2005 وهو مصاب بجروح خطيرة. وتوفي بعد ثمانية أيام. وفي 21 مايو/أيار، زعم النائب العام بطريقة لا يمكن تصديقها أنه وفقاً للتقارير الأولية للشرطة، تسبب أشرف سعيد يوسف لنفسه بالجروح التي أُصيب بها من خلال ضرب رأسه بصورة متكررة بحائط زنزانته. بيد أن الحكومة اعترفت كما ورد بأن الجروح تضمنت كدمات على الصدر والذراعين. وقال النائب العام أنه أمر بعرض الجثة على الفحص الجنائي لتحديد سبب الوفاة. لكن على حد علم منظمة العفو الدولية، لم يجر مثل هذا الفحص أو أي تحقيق صحيح في الوفاة بعد مضي حوالي السنتين.


4. المحاكمات الجائرة

تتضمن المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون المصري نصوصاً تكفل الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في توكيل محام، وواجب التحقيق في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والحظر المفروض على استخدام الأدلة المنتـزعة تحت وطأة التعذيب في إجراءات قضائية. بيد أن هذه الضمانات انتُهكت بصورة منتظمة في الحالات التي اعتبرت السلطات المصرية بأنها تضر بالأمن القومي لأنه يتم التعامل معها في نظام قانوني موازٍ يطبق إجراءات قانونية "خاصة".

انعدام المساواة أمام القانون

يُحرم الأشخاص المتهمون بارتكاب جرائم سياسية أو ذات صلة بالإرهاب من حقهم في المساواة أمام القانون نتيجة الإجراءات الخاصة التي تُطبَّق طوال العملية القانونية، ابتداءً من المقاضاة وحتى المحاكمة. وينص القانون الدولي على مبدأ المساواة كما ينص عليه الدستور المصري. وهذا يعني أنه يجب منح كل شخص بدون أي تمييز حق اللجوء إلى المحكمة على قدم المساواة، وتوفير ضمانات المحاكمة العادلة للجميع؛ وعدم تصرف القضاة والمسؤولين على نحو قائم على التمييز عند تطبيق القانون.


بيد أن نصوص قانون الطوارئ، فضلاً عن التعديلات التي أُدخلت على قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية المصريين تنتهك هذا المبدأ. إذ يتم التحقيق في الحالات التي تتعلق بجرائم تعتبر ذات صلة بالأمن من جانب شعبة خاصة في النيابة العامة – نيابة أمن الدولة العليا – أو يحيلها الرئيس إلى المدعي العام العسكري للتحقيق فيها. ويحاكم المتهمون أمام محاكم الطوارئ أو المحاكم العسكرية التي تنتهك عدداً من ضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك الحق في تقديم استئناف إلى محكمة أعلى.


الصلاحيات الخاصة للنيابة العامة

تتمتع النيابة العامة بصلاحية المباشرة بقضية جنائية والمضي فيها قدماً عبر إجراء تحقيقات في الجرائم الجنائية. ويمكنها أن تفعل ذلك عن طريق الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أو تفويض قاضي التحقيق بإجراء التحقيق. بيد أن الخيار الثاني يظل يشكل استثناءً ويتم اللجوء إليه بمحض اختيار النيابة العامة.


وفي الحالات التي تعتبر ذات صلة بالأمن، غالباً ما تقرر النيابة العامة إجراء التحقيق بنفسها باستخدام نيابة أمن الدولة العليا، المتخصصة في هذه الجرائم والخاضعة مباشرة لإشراف النائب العام. ومنذ العام 1953، عندما أُنشئت نيابة أمن الدولة العليا بمرسوم أصدره وزير العدل، توسعت صلاحياتها عبر مراسيم أخرى. وفُوِّض أعضاؤها بالتحقيق في الجرائم الأمنية المرتكبة في أي مكان في مصر فضلاً عن الجرائم التي يحيلها إليها الرئيس.


و بمقتضى المادة 10 من قانون الطوارئ يكون للنيابة العامة، بالإضافة إلى السلطات المخولة لها، سلطات قاضي التحقيق ومحكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة المشورة. وهذه هي الصلاحيات ذاتها التي مُنحت إلى النيابة العامة بمقتضى القانون الملغى الآن الذي أنشأ محاكم أمن الدولة. وعقب إلغاء محاكم أمن الدولة في العام 2003، مُنحت هذه الصلاحيات للنيابة العامة بموجب قانون الإجراءات الجنائية عند التعامل مع الجرائم الأمنية. وبموجب المادة 206 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية، تجمع النيابة العامة بالإضافة إلى السلطات المخولة لها سلطات قاضي التحقيق وغرفة الاتهام عند التعامل مع الجرائم الإرهابية. والفرق الوحيد بين المادة المضافة في قانون الإجراءات الجنائية والقانون السابق هو أن هذه الصلاحيات لا يمكن ممارستها الآن إلا من جانب أعضاء النيابة الذين هم بدرجة رئيس نيابة على الأقل.


وإن منح النيابة العامة الصلاحيات القضائية التي يتمتع بها قاضي التحقيق وغرفة الاتهام (المشورة) يوقف العمل فعلياً بعدد من المواد الواردة في قانون الإجراءات الجنائية التي تقتضي الحصول على إذن أو إشراف قضائي على بعض الإجراءات. كما ينتهك المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة، لاسيما بأن "تكون مناصب أعضاء النيابة العامة منفصلة تماماً عن الوظائف القضائية".


وعملياً تمنح المادة 206 مكرر من قانون الإجراءات الجنائية صلاحيات كاسحة للنيابة العامة في اعتقال الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم إرهابية. وفي أية قضايا ذات صلة بالإرهاب، يستطيع عضو النيابة العامة أن يأمر بالحبس السابق للمحاكمة ("الاحتياطي") لهؤلاء المتهمين لمدة 15 يوماً بصفته عضواً في النيابة العامة. كما يستطيع تمديد الاعتقال مدة تصل إلى 45 يوماً مثلما يفعل قاضي التحقيق ويواصل بوصفه قاضي اتهام، تجديد الاعتقال لفترات لا تتجاوز 15 يوماً في كل مرة (جرى تخفيضها من 45 يوماً في العام 2006). وهذا يعني أن عضو النيابة يتمتع بصلاحية اعتقال أشخاص مدة تصل إلى خمسة أشهر (خُفضت من ستة أشهر في العام 2006) بدون إشراف قضائي مستقل كما تقتضي المادتان 202 و203 من قانون الإجراءات الجنائية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.


ونتيجة لذلك، يُحرم المحتجزون في الحبس "الاحتياطي" من حقهم في المثول فوراً أمام قاض أو موظف آخر مخول قانوناً بممارسة الصلاحيات القضائية. ويحرمون أيضاً من حق الطعن في قانونية اعتقالهم أمام هيئة قضائية مؤسسة بموجب القانون من أجل إعادة النظر في قانونيته.


عدم السماح بتوكيل محامين

نادراً ما يُسمح للأشخاص الذين يُعتقلون لأسباب سياسية أو أمنية في مصر بمقابلة محام دون إبطاء.


وحق المتهم في توكيل مستشار قانوني هو من الضمانات الرئيسية للمحاكمة العادلة المكرسة في القانون الدولي. وينطبق في جميع مراحل العملية القضائية. كذلك أقرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وغيرها من هيئات حقوق الإنسان بأن الحق في محاكمة عادلة يقتضي مقابلة محام خلال الاعتقال والاستجواب والتحقيقات الأولية. كما أن حق المعتقلين في الاستعانة بمحام عند توجيه تهم إليهم مكرس في المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين. فالمبدأ السادس يلاحظ تحديداً بأن الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم خطيرة يجب أن يُعين لهم محامون "ذوو خبرة وكفاءة تتفق مع طبيعة الجريمة المتهمين بها" ليقدموا لهم مساعدة دون أن يدفعوا مقابلاً لهذه الخدمة إذا لم يكن لديهم مورد كاف لذلك.


ويكفل الدستور المصري الحق في توكيل مستشار قانوني، بما في ذلك بالنسبة للذين لا يملكون القدرة المالية. وينص قانون الإجراءات الجنائية على أن أي شخص يُقبض عليه أو يُعتقل يحق له تعيين مستشار قانوني ولا يجوز استجواب أحد بدون وجود محاميه (إلا في الحالات التي ضبط فيها المتهم متلبساً بالجريمة أو عند الخوف من ضي�575?ع الأدلة). وتجيز المادة 125 لمحامي الدفاع الاطلاع على وثائق التحقيق قبل يوم من استجواب المتهم من جانب النيابة العامة وتحظر فصل المحامي عن المتهم خلال الاستجواب. بيد أنها تمنح قاضي التحقيق والنيابة العامة صلاحية رفض السماح بحضوره، وهذا أمر مهم للغاية.


ويوجه المرسوم رقم 1 لسنة 2002 الصادر عن النائب العام النيابات العامة بأن تسمح للمحامين بالحصول على نسخ من مستندات التحقيق ومراجعتها في أية مرحلة من التحقيق. ويقصد بهذا تعزيز الحق في المساواة بين الدفاع والادعاء. لكن عملياً اشتكى محامو الدفاع من عجزهم عن الاطلاع على مستندات الملف، وبخاصة عندما تجري التحقيق نيابة أمن الدولة العليا.


ونظراً لخطورة التهم في حالات الجرائم الإرهابية المزعومة، يساور منظمة العفو الدولية القلق العميق من عدم حصول المتهم بارتكاب هذه الجرائم كما يبدو على مشورة قانونية عندما يُجلب في البداية للمثول أمام النيابة العامة لاستجوابه. وعلى سبيل المثال لم يكن مع أي من المعتقلين بشأن تفجيرات طابا وشرم الشيخ، محامون خلال استجوابهم من جانب النائب العام. وعلاوة على ذلك، لم يطلع فريق الدفاع على مستندات الملف إلى حين عقد الجلسة الأولى أمام محكمة الطوارئ في الإسماعيلية في يوليو/تموز 2005. وقد انتهك هذا الأمر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقانون الإجراءات الجنائية.


انعدام التحقيقات في مزاعم التعذيب

"يكفل القانون المصري للضحايا في حالات التعذيب إجراء تحقيق فوري من جانب هيئة قضائية مستقلة تتمتع بالحصانة، وتحديداً النيابة العامة.

وتقع مسؤولية التحقيق في مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة على عاتق النائب العام الذي يجب أن يجري تحقيقاً بالتعاون مع الشرطة القضائية ويقرر ما إذا كان سيُقاضي أم لا. وفي يوليو/تموز 2005، شكَّل النائب العام وحدة حماية خاصة لحقوق الإنسان مكلفة بالتحقيق في أية انتهاكات لحقوق الإنسان أو أنباء حولها ومتابعتها.

ولم تقابل هذه النصوص الواردة في القانون بالتنفيذ العملي. وفي حالات عديدة قال المتهمون للنائب العام في المرة الأولى التي مثلوا فيها أمامه إنهم تعرضوا للتعذيب في مقار مباحث أمن الدولة. وكرر محاموهم المزاعم. بيد أن النائب العام تقاعس إما عن إحالة المتهمين إلى فحص طبي أو لم يفعل ذلك على الفور. وفي معظم الحالات، أُحيل هؤلاء المتهمون إلى فحص طبي من جانب قاضي المحكمة بناء على طلب محامي الدفاع، غالباً بعد عدة أشهر من حدوث التعذيب المزعوم عندما تكون علامات الأذى الجسدي قد تلاشت أو اختفت.


وهذا ما حصل لمعظم المتهمين في محاكمة طابا مثلاً. وقال أحد المتهمين وهو أسامة عبد الغني النخلاوي، الذي حُكم عليه في نهاية الأمر بالإعدام، إنه تعرض للتعذيب خلال استجوابه وطلب من النائب العام إحالته إلى فحص طبي يجريه طبيب شرعي، لكن قيل له إن الطلب يجب أن يقدمه محاميه. بيد أنه لم يسمح له بمقابلة محاميه إلى أن مثل أمام المحكمة في مارس/آذار 2006، ولم يُعرض على الطبيب الشرعي بأمر من المحكمة إلا في مايو/أيار 2006، بعد مضي تسعة أشهر على اعتقاله. وبحسب ما زُعم قال النائب العام للمتهمين الآخرين الذين اشتكوا من التعذيب إنهم قد عولجوا أصلاً من الجروح الناجمة عن التعذيب ولا يجوز لهم إن يثيروا القضية مجدداً.


وحتى عندما تُقدَّم شكوى لدى النيابة العامة، لا يحتمل أن يُقال لضحايا التعذيب وأقربائهم وممثليهم القانونيين ما إذا كان يجري تحقيق فيها أو يحاطون علماً بسير أي تحقيق من هذا القبيل طوال أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات. وليس مفاجئاً أن يؤدي هذا الأمر إلى فقدان واسع النطاق للثقة في النظام من جانب أولئك الذين يفترض به حمايتهم وممثليهم القانونيين. والنتيجة هي أن العديد من ضحايا التعذيب الآن لا يقدمون شكاوى أو يلحون على طلب معلومات حول التحقيقات في شكاوى التعذيب. وعندما أثارت منظمة العفو الدولية مزاعم التعذيب مع السلطات المصرية، لم تتلق عموماً رداً أو قيل لها إن الانتهاكات لم تحدث أو أنه لم يجر أي تحقيق لأنه لم يتم تلقي أية شكوى رسمية.


وعندما جرت تحقيقات في مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، دامت عادة لسنوات وقلما أدت إلى عمليات مقاضاة. وفي الواقع، لم تجر عمليات مقاضاة لممارسي التعذيب المزعومين إلا في الحالات التي زُعم أن التعذيب أدى فيها إلى وفاة المعتقل أو أسهم في حدوثها، وعندها فقط عندما لم يكن المتوفى محتجزاً بتهمة لها علاقة بالأمن. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لا توجد حالة تتعلق بتعذيب معتقل محتجز لأسباب أمنية أو وفاته أُدين فيها أحد أفراد مباحث أمن الدولة.


وفي المحاكمة الأبرز لأفراد مباحث أمن الدولة المتهمين بتعذيب الأعضاء المزعومين للجماعات الإسلامية بين العامين 1981 و1983، بُرئت ساحة جميع المتهمين الأربعة والأربعين من أفراد مباحث أمن الدولة وموظفي السجون في العام 1989. وقبلت المحكمة بأن المعتقلين تعرضوا للتعذيب، لكن تبين لها أنه لم يتم التعرف بشكل كاف على هوية الجناة - إذ كان الضحايا معصوبي الأعين طوال فترة تعذيبهم – ما أدى إلى إفلات المسؤولين عن ارتكاب الانتهاكات من قبضة العدالة.


ويقيد عدد من العقبات التحقيقات في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. ويأتي على رأسها الاعتقال المطول للمتهمين بمعزل عن العالم الخارجي قبل مثولهم أمام النائب العام وقاضي المحكمة، مقروناً بعدم وجود آلية للإشراف المستقل للتحقق من الأوضاع ومعاملتهم في الاعتقال السابق للمحاكمة. وبالتالي، فإنه بحلول الوقت الذي يخضع فيه المتهمون الذين يزعمون أنهم تعرضوا للتعذيب للفحص الطبي، يحتمل أن تكون أية آثار جسدية للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة قد اختفت ولا تتوافر أدلة جنائية تُذكر لتأييد زعم المعتقل. والاستخدام الشائع لعُصابة العينين التي تمنع المعتقلين أو تحول دون تحققهم من هويات ممارسي التعذيب ضدهم أو التمكن من الإشارة إليهم فيما بعد، واستخدام مراكز الاعتقال غير الرسمية، بما في ذلك مقار مباحث أمن الدولة ومرافق الاعتقال العسكرية التابعة لقوات الأمن المركزي تفاقم من هذه المشكلة. وبحسب القانون المصري، يجب أن تحدد شكوى التعذيب مكان وقوع التعذيب وهوية الجناة المزعومين.


وهناك مشكلة أخرى هي عدم وجود ضمانات ضد إمكانية حدوث مزيد من التعذيب أو سوء المعاملة في القانون والممارسة لحماية أولئك الذين يقدمون شكاوى ضد التعذيب. وبحسب ما ورد فإن هذا مقروناً بالخوف من إمكانية الانتقام على أيدي قوات الأمن، يردع كما ورد بعض ضحايا التعذيب عن تقديم شكوى رسمية أو الإعلان عن قضيتهم في وسائل الإعلام أو عن طريق منظمات حقوق الإنسان.


ويلزم القانون الدولي الدول بالتحقيق في شكاوى التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. وتقتضي اتفاقية مناهضة التعذيب بأن تجري كل دولة طرف تحقيقاً سريعاً وحيادياً كلما وجد سبب معقول يدعو للاعتقاد بأن عملاً من أعمال التعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة قد ارتُكب. وتوضح المادة 12 بأن هذا الواجب لا يتوقف على تقديم شكوى رسمية من جانب المعتقل. وتكفل المادة 13 حق أي شخص في "أن يرفع شكوى إلى سلطاتها المختصة وفي أن تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنـزاهة". ويجب أن تتمكن هذه التحقيقات من أن تؤدي إلى التعرف على هوية المسؤولين ومعاقبتهم.


مجدي إدريس

قُبض على مجدي إدريس، البالغ من العمر 39 عاماً والعضو المزعوم في جماعة إسلامية مسلحة تُعرف باسم تنظيم الوعد في 8 مايو/أيار 2001. ولم يقدم للمثول أمام النائب العام حتى 5 يونيو/حزيران ولم يتم استجوابه حتى 12 سبتمبر/أيلول من ذلك العام. وطوال 77 يوماً، احتُجز في مقر قيادة مباحث أمن الدولة في ميدان لاظوغلي بالقاهرة، حيث يقول إنه تعرض للتعذيب. وخلال أول مثول له أمام النائب العام، قال إنه تعرض للتعذيب. ولاحظ النائب العام أن مجدي إدريس مصاب بجروح في يديه اليسرى وفخذه الأيمن وأنه يزعم أن هذه الجروح ناجمة عن التعذيب. وقال متهمون آخرون للنائب العام إنهم شاهدوا مجدي إدريس يتعرض للتعذيب. وكرر محاميه شكاوى التعذيب وطلب إجراء فحص طبي له.


وبرغم هذا، انقضى شهر واحد تقريباً قبل أن يخضع مجدي إدريس لفحص طبي؛ وعندما حدث ذلك لم يتمكن الطبيب الشرعي من تحديد سبب جروحه أو متى أُصيب بها. ولم يُجر قط تحقيق كامل في مزاعم التعذيب.


استخدام الأدلة المنتـزعة تحت وطأة التعذيب

في العديد من القضايا الأمنية أو السياسية، قُبل بالأقوال التي زُعم أنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة كأدلة من جانب المحكمة وشكلت أساساً للإدانات، برغم أن المتهم المعني سحب هذه الأقوال في قاعة المحكمة.


وتحظر اتفاقية مناهضة التعذيب استخدام الأقوال المنتـزعة تحت وطأة التعذيب في المحكمة. كذلك ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن استخدام أو قبول الأقوال أو الاعترافات المنتـزعة تحت وطأة التعذيب أو "غيره من ضروب المعاملة المحظورة" يجب أن يُحظره القانون.


وفي ضوء صعوبة الإثبات، في غياب أدلة طبية دقيقة، بأن التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة قد حدث، أوصى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب بأنه "عندما يثير المتهم مزاعم التعذيب أو غيره من أشكال سوء المعاملة خلال المحاكمة يجب أن ينتقل إلى الادعاء عبء الإثبات الذي لا يرقى إليه الشك المعقول بأن الاعتراف لم يتم الحصول عليه بوسائل غير قانونية، بما فيها التعذيب وما شابهه من ضروب سوء المعاملة".


كذلك لاحظ المقرر الخاص بأنه : "لا يجوز لأعضاء النيابة والقضاة أن يشترطوا وجود أدلة حاسمة على التعذيب أو سوء المعاملة الجسدية (ناهيك عن الإدانة النهائية للجاني المتهم) قبل أن يقرروا عدم الاعتماد على اعترافات أو معلومات ضد المتهم زُعم أنه تم الحصول عليها بواسطة هذه المعاملة؛ وفي الواقع يجب أن يقع عبء الإثبات على الدولة لبيان انعدام الإكراه".


وبرغم أن القانون المصري لا ينص بالقدر ذاته من الصراحة بأن الأقوال التي يتم الإدلاء بها نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة لا يجوز استخدامها كأدلة في أية إجراءات، فإن المادة 42 من الدستور المصري والمادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية تنصان على أن الأقوال المنتزعة تحت "الإكراه أو التهديد" يجب رفضها وعدم الاعتماد عليها في الإجراءات القانونية المتخذة ضد المتهم.


وقد نفى العديد من المتهمين التهم المنسوبة إليهم عندما مثلوا للمرة الأولى أمام قاضي المحكمة، عادة بعد عدة أشهر من توقيفهم. كذلك صرحوا أنهم تعرضوا للتعذيب أثناء حجزهم لدى مباحث أمن الدولة وأن الاعترافات انتُزعت منهم باستخدام التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. وبناء على طلب المحامي، غالباً ما أحالتهم المحكمة إلى فحص طبي. وقد نفت التقارير اللاحقة التي قدمها الادعاء خلال جلسات المحاكمة مزاعمهم. وعلى سبيل المثال، ذكر العديد من التقارير الجنائية للمتهمين في المحاكمة المتعلقة بتفجيرات طابا أنه كانت هناك علامات على أجساد المتهمين تتماشى مع التعذيب، لكن لم يتسنَّ تحديد سببها بسبب الوقت الذي انقضى منذ حدوث التعذيب المزعوم، والذي وصل إلى تسعة أشهر. وفي بعض الحالات، رُفضت مزاعم التعذيب كما ورد على أساس أن المتهمين لم يستطيعوا تسمية أي من ممارسي التعذيب المزعومين ضدهم.


وفي جميع الحالات التي تم تسليط الضوء عليها في هذا التقرير، لم يأمر القضاة بإجراء مزيد من التحقيقات، وبالتالي رُفضت مزاعم التعذيب. وقد أصدرت محاكم الطوارئ والمحاكم العسكرية بثبات أحكاماً طويلة بالسجن على المتهمين وعقوبات بالإعدام استناداً إلى أدلة متنازع عليها انتُزعت تحت وطأة التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة.


المحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ

طوال سنوات عديدة، واجه المدنيون محاكمات بالغة الجور أمام المحاكم العسكرية أو محاكم الطوارئ، وبخاصة في الحالات التي تتعلق بالجرائم المزعومة ذات الصلة بالأمن القومي أو الإرهاب.


وتنتهك المحاكمات التي تجري أمام هذه المحاكم بعضاً من أبسط المقتضبات الأساسية للقانون الدولي، وبخاصة الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية مؤسسة بمقتضى القانون؛ والحق في وقت كاف لإعداد دفاع، والحق في أن يدافع عن المرء محام من اختياره؛ والحق في تقديم استئناف ضد الإدانة والحكم إلى محكمة أعلى.


ويقرر الرئيس المصري أو أحد ممثليه الولاية القضائية للمحكمة التي تندرج تحتها بعض القضايا. ويُلقي تعيين القضاة العسكريين وإحالة القضايا إلى المحاكم من جانب السلطة التنفيذية بظلال الشك على استقلالية هذه المحاكم وحيدتها.


ولا يمكن للأحكام الصادرة عن محاكم الطوارئ أن تُستأنف وهي تصبح نهائية بعد التصديق عليها من جانب رئيس الجمهورية الذي يمكن أن يقرر تخفيف الحكم أو إلغاءه أو يأمر بإعادة المحاكمة أمام محكمة طوارئ أخرى. وكلما أصدرت محكمة تجري إعادة المحاكمة حكماً بشأن البراءة، يجب أيضاً أن يُصدِّق عليه رئيس الجمهورية. وهذا ينتهك الحق في تقديم استئناف إلى محكمة أعلى والحظر المفروض على المحاكمة مرتين على الجرم نفسه.


وبالمثل فإن الذين يدانون من جانب المحاكم العسكرية لا يحق لهم تقديم استئناف إلى محكمة أعلى. ولا تخضع جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية إلا للمراجعة من جانب مكتب الاستئنافات العسكرية، وهو هيئة مؤلفة من قضاة عسكريين يصدِّق الرئيس على قرارهم.


والانتهاكات المذكورة آنفاً، فضلاً عن انعدام استقلالية السلطة القضائية ونزاهتها، تثير القلق الشديد نظراً لتعقيد الجرائم الخاضعة لهذا الإجراء وخطورتها، وأن بعضها يُعاقب عليه بالإعدام.


وفي يوليو/تموز 1993، أعربت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان عن قلقها العميق إزاء محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وخلصت إلى أن "المحاكم العسكرية لا يجوز أن تملك القدرة على البت في القضايا التي لا تشير إلى جرائم ارتكبها أفراد في القوات المسلحة في سياق أداء مهامهم".


وفي العام 2002 كررت اللجنة بواعث قلقها، حيث لاحظت "الاختصاصات الممنوحة للمحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة في مجال الحكم على مدنيين متهمين بالإرهاب، في الوقت الذي لا تقدم فيه هذه المحاكم أي ضمانات بالاستقلالية، وأن قراراتها لا تحتمل الاستئناف أمام سلطة قضائية أعلى (المادة 14 من العهد).


وقد دعت منظمة العفو الدولية مراراً الحكومة المصرية إلى الكف عن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية. وتواصل الحكومة الزعم أن هذه المحاكمات عادلة وأن الرئيس مخول بصورة قانونية لإحالة الجرائم إلى القضاء العسكري. وفي 6 فبراير/شباط 2007، أحال الرئيس مبارك 40 عضواً في تنظيم الإخوان المسلمين المحظور إلى محكمة عسكرية بتهم غسيل الأموال وعضوية تنظيم محظور. وفي 28 فبراير/شباط، أيدت إحدى المحاكم في القاهرة قراراً صدر في يناير/كانون الثاني 2007 من جانب النائب العام بتجميد أموال 29 منهم.


المحكمة العسكرية: محاكمة "تنظيم الوعد"

في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، بدأت أمام المحكمة العسكرية العليا في معسكر هايكستب، شمالي القاهرة، محاكمة 94 من المتهمين بالانتماء إلى "تنظيم الوعد"، بمن فيهم سبعة لم يَمثلوا أمام المحكمة. واشتكى محامو الدفاع من أنه قد تم العبث بمحاضر التحقيق، وأن كلمات وفقرات بعينها قد شُطبت من جانب السلطات بغرض إخفاء أدلة تثبت أن المتهمين هم مجموعة من الأشخاص كانت تسعى فحسب إلى تقديم المساعدة الفلسطينيين والشيشان، وأنها لم تتورط في تمويل "جماعات إرهابية"، كما زعمت لوائح الاتهام. وذكر أحد المحامين أنه تعرض للتهديد من قبل ضابط في الأمن مسؤول عن التحقيقات الأولية، وعلى ما يبدو بسبب إبدائه شكوكاً أمام المحكمة حول معطيات التحقيق.

وكان 75 من المتهمين الأربعة والتسعين قد اعتقلوا أثناء عمليات إغارة على منازل في أوائل مايو/أيار 2001 شمل معظمها القاهرة والإسكندرية والقليوبية والسويس والجيزة. واحتجز معظم هؤلاء في فروع مختلفة لمباحث أمن الدولة لمدة لا تقل عن 70 يوماً تعرضوا خلالها للتعذيب، وفق ما ذُكر، بما في ذلك بالصدمات الكهربائية. وعُرضوا على نيابة أمن الدولة العليا في يونيو/حزيران – يوليو/تموز 2001.


ولم يُسمح للمحتجزين باصطحاب محامييهم أثناء جلسات الاستجواب الأولية أمام نيابة أمن الدولة العليا. وأبلغ ما لا يقل عن 24 منهم النائب العام بأنهم قد تعرضوا للتعذيب. ومع أن بعضهم عُرضوا على أطباء شرعيين، إلا أن الفحوصات التي ترتبت على ذلك لم تتمكن، بسبب مرور الزمن، من تحديد أسباب العلامات التي ظهرت على أجسامهم، أو زمن وكيفية تعرضهم لما تسبب بها.


ووجَّهت نيابة أمن الدولة العليا إلى المتهمين بداية تهمة جمع أموال على نحو غير مشروع 05?ن أجل دعم الانتفاضة الفلسطينية، ولإرسالها إلى المقاتلين الشيشان الذين يقاتلون القوات الروسية في 2001. وإثر هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، أُضيفت إلى ذلك تهم جديدة أكثر خطورة، بما في ذلك السعي إلى إسقاط الحكومة المصرية وإلى اغتيال مسؤولين حكوميين كبار، والتخريب والتدمير بنية مسبقة، وتهديد السلم والأمن العام، وحيازة أسلحة نارية وذخائر ومتفجرات من دون ترخيص. وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2001، أصدر الرئيس مبارك مرسوماً أحال بموجبه القضية إلى محكمة عسكرية .


وفي 9 سبتمبر/أيلول 2002، حكمت المحكمة على 51 من المتهمين بالسجن مدداً تتراوح بين سنتين و15 سنة، بينما برأت ساحة 43 آخرين، بمن فيهم أحد المتهمين السبعة الذين حوكموا غيابياً. وتضمنت قائمة الأشخاص الذين صدرت أحكام بحقهم طلاباً ومسؤولين حكوميين سابقين ومواطناً يمنياً وثلاثة رجال ينتمون إلى جمهورية داغستان الروسية وثلاثة مصريين يحملون الجنسية المزدوجة. وصادق الرئيس على الأحكام في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2002، فاكتسبت بذلك الصفة القطعية.

وظل بعض الأشخاص الثلاثة والأربعين الذين بُرِّئوا رهن الاعتقال، حيث استمر احتجازهم بناء على أوامر صدرت عن وزير الداخلية. وكان بين هؤلاء فوزي السعيد، الذي كان آنذاك إمام مسجد التوحيد في ميدان رمسيس بالقاهرة. وأفرج عنه، حسبما ورد، في أبريل/نيسان 2005.


محكمة الطوارئ: محاكمة "التوحيد والجهاد"

بدأت في الإسماعيلية في 2 يوليو/تموز 2005 أمام "محكمة أمن الدولة العليا – طوارئ" محاكمة ثلاثة أشخاص زُعم أنهم أعضاء في "التوحيد والجهاد"، ووجهت إليهم تهم تتصل بتفجيرات أكتوبر/تشرين الأول في طابا ونويبع - وحضر مندوبو منظمة العفو الدولية الجلسة بصفة مراقب. وكان في قفص الاتهام محمد عبد الله رباع، الذي يبلغ من العمر 41 عاماً ويملك ورشة حدادة، ومحمد جايز صبّاح، وهو موظف في شركة للري يبلغ من العمر 25 عاماً. وكان المتهم الثالث، وهو محمد أحمد صالح فليفل، طليقاً آنذاك، وقُتل لاحقاً أثناء مواجهة مسلحة مع الشرطة.


وفي مارس/آذار 2006، وإثر تحقيقات تتصل بالهجمات بالقنابل التي وقعت في يوليو/تموز 2005 في شرم الشيخ، أُلحق 13 شخصاً آخر بالمحاكمة بصفة شركاء في التهمة. وبحسب ما ورد، قُتل شخص آخر من الثلاثة عشر كان فاراً من الشرطة في ذلك الحين أثناء مواجهة مسلحة مع الشرطة.


واعتُقل محمد عبد الله رباع ومحمد جايز صباح في 22 و23 أكتوبر/تشرين الأول، على التوالي، في منـزليهما في العريش. ولم تُبلَّغ عائلتا الرجلين بسبب اعتقالهما أو بالمكان الذي يُحتجزان فيه. وسعت العائلتان على نحو متكرر إلى الحصول على معلومات من مكتب مباحث أمن الدولة في العريش ومن مكتب النائب العام، ولكن لم تتلقيا أي رد. وعندما اكتشفت العائلتان مكان وجودهما من خلال معتقلين أفرج عنهم، لم يُسمح لهما بزيارتهما. وفي وقت لاحق، سُمح بالزيارات العائلية في أيام العطل الوطنية الرئيسية فقط.


كما لم يسمح لأقارب المتهميْن أثناء جلسة المحاكمة الأولية في 2 يوليو/تموز 2005 بدخول قاعة المحكمة. بيد أن المحكمة أمرت بالسماح بالزيارات العائلية، وبعد ذلك بفترة وجيزة تلقى محمد عبد الله رباع أولى زياراته الرسمية من قبل عائلته، وبعد 10 أشهر من توقيفه.


وفي المحكمة، أنكر محمد عبد الله رباع ومحمد جايز صبّاح التهم الموجهة إليهما وقالا إنهما أجبرا على الاعتراف تحت وطأة التعذيب أثناء وجودهما في حجز مباحث أمن الدولة. وبناء على طلب محاميهما، حولتهما المحكمة إلى الفحص الطبي. وفنَّد تقرير عرضه الادعاء في جلسة المحاكمة التي عقدت في 14 أغسطس/آب 2005 مزاعمهما استناداً إلى أن الفحص الطبي لم يُظهر أي أدلة شرعية على التعذيب.


ولم تتوافر لمحمد عبد الله رباع ومحمد جايز صبّاح أي مساعدة قانونية طوال فترة احتجازهما السابقة على المحاكمة. كما لم يتمكنا من الالتقاء بمحاميهما للمرة الأولى إلا عندما جُلبا إلى قاعة المحكمة، وقبل افتتاح الجلسة الأولية للمحاكمة ببضع دقائق.

وأبلغ الرجلان محاميهما في وقت لاحق بأنهما قد طلبا عرضهما على الفحص الطبي وتلقي المساعدة القانونية عندما أُحضرا ابتداء للمثول أمام النائب العام لاستجوابهما، ولكن لم يُستجب لطلبهما. ولم يجر تسجيل هذا الطلب في ملفات القضية.


وأبلغ محامو الدفاع منظمة العفو الدولية أنهما طلبا من النائب العام السماح لهما بالحضور عندما يمثُل المشتبه فيهما أمامه. إلا أن طلبهما رُفض، ولم يدوَّن في ملفات القضية سوى جزء من مراسلاتهم مع مكتب النائب العام. وفضلاً عن ذلك، لم يُبلَّغ المتهمان بأن ثمة محامين قد عرضوا أن يتولوا الدفاع عنهما.


وعندما أُحضر أسامة عبد الغني النخلاوي ومصطفى حسين محمد، وهما اثنان من المتهمين الجدد الثلاثة عشر في المحاكمة، إلى المحكمة في مارس/آذار 2006، أعلنا في المحكمة أن عينيهما قد عُصبت واحتجزا في مكان اعتقال سري وعُذِّبا لإجبارهما على الاعتراف. وفي مايو/أيار 2006، كشف مصطفى حسين محمد عن ظهره للمحكمة ليعرض عليها الآثار العديدة للجروح والحروق. ولم تبُت التقارير الشرعية التي أمرت بها المحكمة بشأن المسألة بأمر وقوع التعذيب، وبناء عليه لم تأمر المحكمة بمواصلة التحقيق في مزاعمهما بأنهما قد تعرضا للتعذيب.


وفي سبتمبر/أيلول 2006، أصدرت المحكمة أحكاماً بالإعدام على محمد جايز صبّاح وأسامة عبد الغني النخلاوي ويونس محمد أبو جرير، وأحالت الحكم إلى مفتي الديار المصرية (وهو أعلى سلطة دينية في البلاد) لإقراره . وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2006، وإثر صدور الموافقة، صادقت المحكمة على الأحكام. وحُكم عل ? المتهمين الآخرين بالسجن مدداً تتراوح بين السجن المؤبد والسجن لخمس سنوات. وحُكم على محمد عبد الله ربّاع بالسجن المؤبد.


وفي ديسمبر/كانون الأول 2006، التمست اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب من حكومة مصر إيقاف تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق الرجال الثلاثة حتى تبُت في دورتها للعام 2007 بأمر شكوى قُدِّمت إليها بشأن القضية. وما زال الرجال الثلاثة رهن الاحتجاز في سجن طرّة.


عقوبة الإعدام

حُكم على العديد ممن وُجِّهت إليهم تهم تتعلق بالإرهاب بالإعدام إثر محاكمات جائرة، بما في ذلك من قبل محاكم عسكرية.

وبمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن للأشخاص الذين يشتبه بأنهم قد ارتكبوا جرائم عقوبتها الإعدام، أو وجهت إليهم تهم من هذا القبيل، الحق في أن تُراعى بشأنهم، وبأقصى درجة من الصرامة، جميع الضمانات التي تكفل حماية حقوقهم في جميع مراحل الإجراءات القانونية، بما في ذلك أثناء مرحلة التحقيق؛ وكذلك في أن يتمتعوا بضمانات إضافية خاصة. وعلى سبيل المثل، أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أنه "ينبغي أن تكون عقوبة الإعدام تدبيراً استثنائياً بصورة تامة"، وأن لا تُفرض إلا بناء على محاكمة تراعي جميع الضمانات الإجرائية لجلسات استماع نزيهة . ومن شأن أي حكم بالإعدام يُفرض إثر محاكمة لا تتماشى مع جميع ضمانات المحاكمة العادلة أن يرقى إلى مرتبة الحرمان التعسفي من الحق في الحياة. وكما أظهر هذا التقرير، فإن السلطات المصرية لم تضمن تطبيق الضمانات الأساسية أثناء المراحل المختلفة للتحقيقات والمحاكمات في قضايا العقوبة القصوى.


إن منظمة الفعو الدولية تناهض عقوبة الإعدام في جميع الأحوال، وبلا استثناء، بصفتها انتهاكاً للحق في الحياة، والعقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة القصوى.


وتتضمن الجرائم التي تحتمل عقوبة الموت في مصر جرائم يشملها تشريع "مكافحة الإرهاب" النافذ؛ والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد؛ والإشعال المتعمد للحرائق الذي يؤدي إلى الوفاة؛ والاغتصاب وجرائم المخدرات . وعلى مدار سنوات العقد الماضي، صدرت أحكام بالإعدام بالعلاقة مع جميع الجرائم المذكورة أعلاه. وتصدر أحكام الإعدام عن محاكم استثنائية، كما تصدر عن محاكم جنائية.


ومنذ إنفاذ "قانون مكافحة الإرهاب" وبدء إحالة الرئيس مدنيين إلى القضاء العسكري، أصدرت المحاكم العسكرية ومحاكم الطوارئ أحكاماً بالإعدام على نحو 137 شخصاً، حُكم على 94 منهم من قبل محاكم عسكرية (بمن فيهم 13 شخصاً حُكموا غيابياً) بالعلاقة مع تهم تتصل بـ"الإرهاب" . ومن المعروف أن ما لايقل عن 67 من أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم العسكرية قد تم تنفيذه.

5. عمليات الترحيل غير القانونية إلى التعذيب: خمس حالات

لم يتضح بعد عدد الأشخاص الذين اشتبهت السلطات المصرية أو سلطات الولايات المتحدة بأنهم قد ارتكبوا جرائم إرهابية أو بأن لهم صلات بالإرهاب ممن أعيدوا إلى مصر منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001. إلا أنه من الواضح أن من عُرف عنهم أنهم أُعيدوا إلى مصر بصورة غير قانونية قد عانوا من طيف عريض من الانتهاكات لحقوقهم الإنسانية، بما في ذلك الاختفاء القسري والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة. وكان بين الضحايا مواطنون مصريون، ومصريون يحملون الجنسية المزدوجة، ومواطنو دول أخرى.

ويقول معظم المعتقلين من هذه الفئة الذين استطاعوا التحدث عن تجاربهم إنهم، وفَور وصولهم إلى مطار القاهرة، تعرضوا لتكبيل أيديهم وعصب عيونهم واقتيادهم إلى مرفق للاعتقال السري يعتقد أنه تابع للمخابرات العامة. واحتجزوا هناك لأسابيع وشهور بمعزل عن العالم الخارجي قبل أن يجري ترحيلهم إلى مرافق مباحث أمن الدولة، ولاحقاً إلى السجن. وطيلة فترة احتجازهم، كان هؤلاء خارج مظلة الحماية القانونية. ويزعمون جميعاً بأنهم تعرضوا للتعذيب أثناء وجودهم في مصر، ولكن لم يبلُغ أحداً أن السلطات المصرية حققت في مزاعم أي منهم.


كما قامت السلطات المصرية أيضاً على نحو غير قانوني بترحيل سجناء إلى دول أخرى كان من الواضح أنهم سيتعرضون فيها للتعذيب ولغيره من الانتهاكات الخطيرة لحقوقهم الإنسانية.


عبد الرحمن محمد ناصر قاسم اليافعي

تحدث عبد الرحمن محمد ناصر قاسم اليافعي، وهو مواطن يمني يبلغ من العمر الآن 38 عاماً، إلى منظمة العفو الدولية في فبراير 2006 حول ترحيله غير القانوني من مصر إلى الأردن في 2001. وكما هو الحال بالنسبة للأشخاص الآخرين الذين رًحِّلوا بصورة غير قانونية وقابلتهم منظمة العفو الدولية، لم يبدُ أن عمليات استجوابهم كانت بقصد معرفة أمور تتعلق بجريمة جنائية بعينها، وإنما كانت لجمع معلومات تتعلق بأنشطة أشخاص آخرين. وعلى ما يبدو، فقد احتجز لأشهر لا لشيء إلا استناداً إلى اعترافه بأنه قد زار أفغانستان.


وقال عبد الرحمن اليافعي، الذي يعيش في العاصمة اليمنية، صنعاء، مع زوجته وأطفاله، إنه أخذ عمته وأخاه إلى العاصمة المصرية، القاهرة، للعلاج الطبي في أكتوبر/تشرين الأول 2000، وعندما أبلغ موظفي الهجرة في المطار، رداً على سؤال وجهوه إليه، بأنه قد زار أفغانستان قبل 10 سنوات، قاموا باعتقاله في المطار لحوالي 13 ساعة، ثم أبلغوه بأنه ينبغي أن يرجع من أجل الحصول على جواز سفره. وعندما عاد لأخذه بعد يومين، قام شرطي مصري بتكبيل يديه وبعصب عينيه واقتاده إلى مكان وضع فيه في زنزانة صغيرة للغاية لم يتمكن فيها حتى أن يقف منتصباً. وعندما سأل عن سبب احتجازه، قال إنهم أبلغوه بأن "كل ما نريده هو بعض المعلومات العامة".


وبعد بضع ساعات، اقتادوه للاستجواب، بحسب ما قال، وراحوا يشتمونه ويجبرونه على الوقوف والجلوس مراراً وتكراراً. وسألوه بصورة متكررة عما فعله في أفغانستان، وإلى أين ذهب، ومن الذين التقى بهم هناك. وسُئل كذلك عن تفجيرات كينيا وتنـزانيا و المملكة العربية السعودية. وعندما لم يستطع إجابتهم، قاموا بمحاولة خنقه، بحسب ما قال، موجهين الشتائم طوال الوقت إلى والديه وزوجته وإلى دينه. وأُخضع للاستجواب على هذا النحو ثلاث مرات في اليوم. وقال: "اتهموني بكل شيء حدث في العالم ... وربما يكون هذا هو ثمن ذهابك إلى أفغانستان". وطلبوا منه أن يعمل معهم وعرضوا عليه أن يضعوا عمته وأخاه في "أحسن المستشفيات في القاهرة". ورفض، فأبلغوه بأنهم سيسلمونه الآن إلى الولايات المتحدة الأمريكية.


وبعد أربعة أيام، أعادوه إلى المطار، حيث اقتيد مباشرة عبر مدخل كبار الزوار إلى طائرة كانت في الانتظار، وكانت الطائرة "تعج بالعسكريين، بحيث كنت تستطيع الإحساس بوجود جو عسكري على الرغم من كونها طائرة مدنية". ويقول إنه ظل يسأل عما يحدث له وإلى أين هو ذاهب، ولكن في نهاية الأمر "توقف عن طرح الأسئلة لأنه لم تكن هناك أجوبة". وقال إنه فوجئ عندما نقلته الطائرة إلى مطار العاصمة الأردنية، عمان، حيث سلَّمه من كانوا يحرسونه إلى الأمن الأردني.

و قال أنه تعرض في الأردن للتعذيب بشكل مستمر أثناء التحقيق معه في أول أسبوع أو أسبوعين، ثم أقل من ذلك فيما بعد. و قال عبد الرحمن اليافعي أن مرتين كل شهر، عند زيارة مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كان هو و عشرات المعتقلين الآخرين يقتادون إلى زنزانات تحت الأرض حيث كتب معتقلون أسمائهم على الجدران. وأعيد إلى اليمن في مارس/آذار 2001، حيث اعتُقل قرابة الشهرين، ثم أفرج عنه دون أن توجه إليه أية تهمة.


ممدوح حبيب

أبلغ ممدوح حبيب، وهو مواطن أسترالي من أصل مصري، منظمة العفو الدولية بأنه اعتقل في باكستان في 5 أكتوبر/تشرين الأول 2001 واحتجز هناك قرابة شهر تعرض خلاله للضرب وللتهديد لجعله يوقع على اعتراف قدموه له. ثم سُلِّم إلى حوالي 15 من الموظفين الرسميين التابعين للولايات المتحدة، الذين قاموا بتجريده من ملابسه وبتصويره وبتخديره وبترحيله جواً إلى مصر، حيث احتُجز لما يقرب من ستة أشهر قبل نقله إلى أفغانستان، ثم إلى خليج غوانتانامو. وأفرج عنه بلا تهمة في يناير/كانون الثاني 2005.


وأثناء رحلته الجوية إلى مصر من باكستان، حسبما قال، منعه رجال الأمن المصريين عن عمد من النوم. ولدى وصوله إلى مطار القاهرة، كُبِّلت يداه وعصبت عيناه ونُقل إلى مبنى تحيط بها أسوار عالية. واستغرقت رحلة السيارة نحو 10 إلى 15 دقيقة قبل أن تنحدر إلى ما بدا أنه موقع تحت الأرض داخل أحد المباني. ثم جُرِّد من ملابسه والتقطت له الصور ووضع في إحدى الغرف. وقام طبيب بفحص قلبه قبل بدء استنطاقه.

وقال إن ضابطي أمن مصرييْن كبيريْن زاراه وطلبا منه أن يتعاون ويعترف بأنه كان يخطط لاختطاف طائرة لارتكاب أعمال إرهابية. وعندما رفض التعاون، تم تخديره ووضعه في زنزانة ضيقة ليس فيها سوى ضوء خافت وثقب في السقف لا يمكن رؤية العالم الخارجي من خلاله.


وأثناء الاستحواب، حسبما قال، عُلِّق من خطاف في السقف وانهالوا عليه بالضرب وقاموا بصعقه بالصدمات الكهربائية وهددوه بالاغتصاب والقتل، وبقتل أقاربه. كما ذكر أنه دُفع بالقوة داخل غرف للتعذيب كانت إحداها مملوءة بالماء وبعمق اضطره إلى أن يظل واقفاً لساعات على رؤوس أصابعه حتى لا يغرق. بينما كانت غرفة أخرى ذات سقف منخفض للغاية ويغمر أرضيتها الماء حتى ارتفاع قدمين، مما اضطره إلى البقاء منحنياً على نحو مؤلم. واحتوت غرفة ثالثة على بضعة بوصات من الماء وعلى مولد كهربائي أخبره سجّانوه أنه سيتكفل بصعقه.


وتحت مثل هذه الظروف، اعترف بأنه قد ساعد على تدريب مهاجمي 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الفنون القتالية اليدوية، بيد أنه سحب اعترافه لاحقاً.


وذكر أن الاستخدام المنظم للمخدرات والصدمات الكهربائية ضده أدى إلى شلل مؤقت في الجزء الأيسر من جسمه. كما كان ينـزف من عينيه وأذنيه، وكثيراً ما كان يتبول دماً. وأدى تدهور صحته إلى أن يُنقل إلى غرفة في طابق أعلى من ذاك الذي كان فيه، حيث وضِع تحت المراقبة المنتظمة لأحد الأطباء، وعلى ما يبدو لمعالجته قبل أن يفرج عنه.

ثم أبلغه رجال الأمن المصريون أنه لم تعد هناك حاجة إليه في مصر. وذات صباح مبكر، عُصبت عيناه، وقُيِّد بالسلاسل، وأُغلق فمه وعيناه بشريط لاصق، ثم وضع في سيارة نقل صغيره أخذته إلى المطار. وفي سيارة نقل صغيرة أخرى في المطار، قام رجل أمن آخر بتصوير ممدوح حبيب بعد أن جُرِّد من ملابسه، وأُزيل الشريط اللاصق عن وجهه وفمه، قبل أن تُعصب عيناه ويُغلق فمه بسدادة ويوضع على متن إحدى الطائرات.


نُقل ممدوح حبيب من مصر جواً إلى أفغانستان، ومن هناك جرى تسفيره إلى خليج غوانتانامو، حيث ظل محتجزاً نحو ثلاث سنوات. وأبلغ منظمة العفو الدولية أنه تحمَّل إبان كل مرحلة من مراحل اعتقاله آلام التعذيب الجسدي والنفسي وغيره من ضروب سوء المعاملة، التي تراوحت بين التعرض لركلة "كادت تودي بحياتي" والصعق بالكهرباء، وبين التهديد بأنه لن يُكتب له أن يرى عائلته مرة أخرى.

أحمد عجيزة ومحمد الزاري أعيد إلى مصر من السويد بصورة غير قانونية في 18 ديسمبر/كانون الأول 2001 مواطنان مصريان هما محمد محمد سليمان إبراهيم الزاري وأحمد حسين مصطفى كامل عجيزة. وأفرج عن محمد الزاري دون توجيه تهمة إليه في أكتوبر/تشرين الأول 2003، أي بعد حوالي سنتين من الاعتقال بلا تهمة أو محاكمة. وحُكم على أحمد عجيزة في 27 أبريل/نيسان 2004 بالسجن مدة 25 عاماً، إثر محاكمة جائرة أمام محكمة عسكرية. وخُفِّض الحكم إلى 15 سنة من قبل الرئيس مب�575?رك في يونيو/حزيران 2004.


وكانت السلطات السويدية قد حصلت، قبل إعادة الرجلين إلى مصر، على تأكيدات من السلطات المصرية بأنهما لن يتعرضا للتعذيب أو سوء المعاملة، ولن يصدر بحق أي منهما حكم بالإعدام في مصر. بيد أن كلا الرجلين يقولان إنهما احتجزا بمعزل عن العالم الخارجي لأكثر من شهر، وتعرضا للتعذيب.


إذ أبلغ أحمد عجيزة أقاربه بأنه قد عُذِّب بالصعقات الكهربائية، ووُضع في الحبس الانفرادي في ظروف قاسية، وهُدِّد بالاعتداء الجنسي على زوجته ووالدته أمامه. وفي يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2004، أنكرت السلطات المصرية، وفق ما ذُكر، مزاعم تعذيب أحمد عجيزة ومحمد الزاري واصفة إياها بأنها لا أساس لها، ومشيرة إلى تحقيق مصري لم تُقدِّم أي تفاصيل بشأنه.


وظهرت في 2003 إلى العلن معلومات تفصيلية حول المعاملة التي تلقاها أحمد عجيزة، وبصورة رئيسية من خلال شكوى ضد السويد قدمت إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب في 25 يناير/كانون الثاني 2003. إذ وجدت اللجنة أن السويد قد انتهكت اتفاقية مناهضة التعذيب بإعادته إلى دولة يمكن أن يتعرض فيها لخطر التعذيب .


وقال محمد الزاري إنه استُجوب تحت التعذيب، بما في ذلك صعقه بالصدمات الكهربائية في أعضائه التناسلية وفي حلمتي ثدييه وأذنيه. وأكد أن أطباء كانوا يراقبون تعذيبه ليتأكدوا من أن ذلك لن يترك آثاراً منظورة. وقال إنه اضطر في نهاية الأمر إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها. وظهرت إلى العلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 معلومات إضافية حول المعاملة التي تلقاها، وبصورة رئيسية من خلال شكوى ضد السويد قدمت في يوليو/تموز 2005 إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان. ووجدت اللجنة كذلك أن السويد قد انتهكت أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .


أحمد أبو المعاطي

اعتُقل أحمد أبو المعاطي، وهو سائق شاحنة ومواطن كندي من أصل مصري، في سوريا في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2001. ويقول إنه احتُجز في فرع فلسطين التابع للمخابرات العسكرية السورية مدة 12 أسبوعاً، حيث تعرض للتعذيب.

وبحسب شهادته، فقد جرى في 25 يناير/كانون الثاني 2002 حشر رأسه في قلنسوة وتكبيل يديه ونقله بالسيارة إلى مكان كانت تنتظره فيه طائرة نقلته إلى مصر. ونُقل وهو ما زال مغطى الرأس والوجه ومكبّل اليدين إلى عربة نقل صغيرة أخذته إلى مبنى المخابرات العامة في القاهرة. ولم يُنـزع غطاء وجهه ورأسه إلا لتصويره. وفحص شخص ما، يفترض أنه طبيب، ضغطه ونبضه. ثم اقتيد إلى غرفة التحقيق، حيث تعرض للضرب على جميع أنحاء جسده. وهُدِّد بالاغتصاب وباغتصاب أخته، التي تعيش في مصر وادّعى جلادوه أنها كانت في الغرفة المجاورة. وظل أثناء جميع جلسات الاستجواب معصوب العينين ويداه مكبلتان خلف ظهره، ما كان يسبب ألما شديداً لكتفيه. وتعرض للضرب والركل، وأجبر على توقيع اعتراف يقول فيه إنه قد أتلف جواز سفره الكندي عن عمد. واحتجز في مبنى المخابرات العامة لأربعة أشهر ونصف الشهر.

وفي يونيو/حزيران 2002، جرى نقله إلى فرع مدينة نصر لمباحث أمن الدولة. ووُضع في زنزانة (1.5م x 2م). وكان معصوب العينين ومكبّل اليدين طيلة الوقت. ولم تُكبل يداه إلى الأمام بدلاً من الخلف إلا في أوقات الطعام أو عند السماح له بالذهاب إلى المرحاض. وامتد التحقيق معه في كل مرة لأكثر من 10 ساعات. وأثناء التحقيق، كان يُخضع للتعذيب، بما في ذلك بالصعقات الكهربائية على يديه وكتفيه وساقية وبطنه وأعضائه التناسلية.


وبعد نحو ستة أسابيع، نُقل إلى مقر قيادة مباحث أمن الدولة في ميدان لاظوغلي، حيث قضى أسبوعين آخرين معصوب العينين ومكبّل اليدين في قاعة جانبية مع سجناء آخرين. ثم نُزعت عصابة العينين والأصفاد عنه ووضع في زنزانة مزدحمة. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتصل فيها بسجناء آخرين. وفي نهاية يوليو/تموز 2002، نُقل إلى سجن طرة، حيث جرى اعتقاله بموجب أوامر صادرة عن وزير الداخلية استناداً إلى قانون الطوارئ.


وفي 12 أغسطس/آب 2002، زاره موظفون قنصليون كنديون بحضور ضباط من مباحث أمن الدولة. وأبلغهم بأنه قد تعرض للتعذيب وأُجبر على توقيع اعترافات كاذبة، إلا أنه تم إسكاته من قبل أحد الضباط المصريين. وفي الشهر التالي، جرى نقله إلى سجن أبو زعبل، حيث احتجز في الحبس الانفرادي لمدة أسبوعين.

وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول، تلقى أحمد أبو المعاطي أول أمر إفراج عنه صادر عن محكمة طوارئ. بيد أنه أُخذ إلى مقر قيادة مباحث أمن الدولة في ميدان لاظوغلي واعتقل هناك لخمسة أيام قبل أن يُعاد إلى سجن أبو زعبل بموجب أمر اعتقال جديد. وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، تلقى أمر الإفراج الثاني، ولكنه أُخذ عوضاً عن ذلك إلى ميدان لاظوغلي لبضع أيام قبل أن يصدر بحقه أمر اعتقال جديد ويُعاد إلى سجن أبو زعبل. وفي نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2002، تم نقله إلى سجن طرة. وأُخذ إلى فرع مدينة نصر لمباحث أمن الدولة، حيث وضِع في الحبس الانفرادي وخضع للاستجواب والتعذيب، بما في ذلك بالصدمات الكهربائية.


ونُقل أحمد أبو المعاطي عدة مرات ما بين سجن طرة وسجن أبو زعبل وفرع مدينة نصر لمباحث أمن الدولة قبل أن يأمر وزير الداخلية بالإفراج عنه في 11 يناير/كانون الثاني 2004. وتمكن في مارس/آذار 2004 من العودة إلى كندا.


أبو عمر

في 17 فبراير/شباط 2003، اختُطف أسامة مصطفى حسن نصر، وهو مواطن مصري يعرف باسم أبو عمر، من ميلان، بإيطاليا، وتم ترحيله إلى القاهرة على متن طائرة يُعتقد أنها كانت مستأجرة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية للولايات المتحدة (السي آي أيه).


وما إن وصل أبو عمر إلى القاهرة حت09? غدا مصيره ومكان وجوده غير معروفين طيلة 14 شهراً. وأفرج عنه في أواخر أبريل/ نيسان 2004 وحُذِّر بأن لا يكشف عما حدث له. وأُعيد اعتقاله بعد 23 يوماً بسبب اتصالات هاتفية أجراها مع أقاربه وأصدقائه في إيطاليا أبلغهم فيها بما تعرض له من تعذيب وسوء معاملة خلال هذه الأشهر الأربعة عشر. وظل في السجن إلى حين الإفراج غير المتوقع عنه، بلا تهمة، في 11 فبراير/شباط 2007.


وقد التقى مندوبو منظمة العفو الدولية أبو عمر في بيته بالإسكندرية بعد شهرين من الإفراج عنه، ووصف لهم كيفية اختطافه وترحيلة إلى القاهرة وسجنه في مصر وتعذيبه وإساءة معاملته خلال كل هذه المدة.


فقال إنه وفي 17 فبراير/شباط 2003، وبينما كان في طريقه إلى المسجد، أوقفه رجل قام بإبراز بطاقته عن بعد "كما يحدث في الأفلام". وقال الرجل إنه من الشرطة وسأله عن تصريح إقامته. ثم أجرى رجل الشرطة بعض الاتصالات الهاتفية التي ذكر فيها أوصاف أبو عمر. وقال أبو عمر إنه أحس فجأة بمن رفعه عن الأرض ودفعه داخل سيارة نقل صغيرة بيضاء، وراح يتلقى الضربات في بطنه وفي كافة أنحاء جسمه إلى حد أنه بال على نفسه دون إرادة منه. ثم حُشر رأسه في قلنسوة وكُبلت يداه وقدماه. وكشف لمنظمة العفو الدولية عن نُدبة في ركبته قال إنها من آثار جروح لحقت به عندما دُفع إلى داخل سيارة النقل.


وقال أبو عمر إنه عندما رأى خاطفوه الزبد يخرج من فمه، قاموا بتمزيق ملابسه وبتدليك قلبه. وأزاح أحدهم القلنسوة ونظر داخل عينيه مسلطاً عليهما مصباحاً صغيراً "كما يفعل الأطباء". وعندما رأوا أنه ما زال على قيد الحياة، أعادوا القلنسوة إلى مكانها وتركوه على أرضية سيارة النقل.

وبعد مسيرة حوالي أربع ساعات، وُضع في سيارة أخرى نقلته إلى المطار. وقال إنه جرى نزع ملابسه وخلع القلنسوة عنه من قبل نحو سبعة أو ثمانية أشخاص، والتُقطت له الصور، بينما أوثقت يداه وقدماه بأربطة بلاستيكية جديدة. كما لُف وجهه بشريط لاصق، بينما تركت فتحتان لأنفه وفمه كي يتنفس. وأعطي كذلك زياً من قماش خفيف كي يلبسه.


وقال إنه فور وصوله إلى القاهرة، قام رجال الأمن المصريون بعصب عينيه ونقله في إحدى المركبات إلى المخابرات العامة. ولدى رفضه طلب موظفيْن مصرييْن كبيريْن منه العمل كمخبر في إيطاليا لصالح الأجهزة السرية المصرية، أُخضع للتعذيب وأُبقي عليه في مباني المخابرات العامة قرابة سبعة أشهر.


وقال أبو عمر إنه نقل من ثم إلى مكاتب مباحث أمن الدولة، حيث بقي هناك سبعة أشهر أخرى تعرض أثناءها للتعذيب، بما في ذلك بالصدمات الكهربائية في مناطق حساسة من جسمه. وذكر أيضاً أنه تعرض للتعذيب باستخدام أساليب أسماها جلاّدوه "العروسة" و"المرتبة" (أنظر ما يلي). وجرى استجوابه حول زيارة قام بها إلى أفغانستان وبشأن صلات مزعومة له مع "القاعدة"، واستهدف التعذيب جعله يعترف بأنه قد عاد إلى مصر طوعاً على متن إحدى رحلات مصر للطيران.


وأنكر أحد مسؤولي وزارة الداخلية المصرية في 5 يناير/كانون الثاني 2006، أي قبل الإفراج عن أبو عمر بأكثر من سنة بقليل، مزاعم التعذيب التي أدلى بها أبو عمر، وقال إنه كان محتجزاً لأسباب أمنية لكونه أحد قادة "جماعة الجهاد الإسلامي في مصر". وقال المسؤول، الذي كان يرد على تقارير دولية تتعلق بتعاون مصر مع وكالات الاستخبارات التابعة للولايات المتحدة في تعذيب الأشخاص المشتبه في أنهم إرهابيون، إن أبو عمر قد عاد إلى مصر طوعاً نظراً لأنه "قد تعب من الهروب". وفي سبتمبر/أيلول 2006، أثارت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية قضية أبو عمر بصورة مباشرة مع وزير الداخلية، حبيب العدلي، الذي قال إنه ليس لدى السلطات المصرية أية معلومات حول مكان وجود أبو عمر.


وفي يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2005، أصدرت السلطات الإيطالية مذكرات توقيف بحق 22 من عملاء السي آي أيه زُعم أنهم كانوا متورطين في اختطاف أبو عمر . وبناء على طلب من المدعي العام الإيطالي المكلف بملف التحقثق في عملية الاختطاف، جُلب أبو عمر أمام النائب العام في القاهرة في 28 مارس/آذار 2006 لسؤاله عن اختطافه. ورفض أبو عمر، حسبما ذُكر، أن يُستجوب في غياب محاميه. فأُعيد إلى سجن طرة. ومثُل أمام النائب العام مرة أخرى في 6 أبريل/نيسان ووصف تفاصيل عملية اختطافه وترحيله على نحو غير قانوني إلى مصر من قبل عملاء لاستخبارات الولايات المتحدة. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ اختطافه في إيطاليا التي سمح له فيها أن يصطحب محاميه معه أثناء التحقيق. واشتكى، وفق ما ذُكر، من أنه قد تعرض للتعذيب على يد مباحث أمن الدولة حال عودته إلى مصر، وقال إنه قد احتجز في الحبس الانفرادي.


ولم يدلِ النائب العام بأية إشارة تفيد بأن السلطات المصرية قد حققت في مزاعم أبو عمر بالتعرض للتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة. إذ احتجز أبو عمر في الحبس الانفرادي المطول بناء على أوامر من وزير الداخلية بمقتضى قانون الطوارئ، وعانى من اعتلال الصحة، وفق ما ورد. وحاول الانتحار ثلاث مرات وأعلن عدة إضرابات عن الطعام للاحتجاج على استمرار احتجازه رغم صدور ما لا يقل عن 16 أمراً بالإفراج عنه من محاكم الطوارئ.


وتمت إعادة اعتقال أبو عمر في مايو/أيار 2004 من بيته في الإسكندرية استناداً إلى قانون الطوارئ. وظل في فرع مدينة نصر لمباحث أمن الدولة قرابة شهر قبل أن يتم نقله إلى سجن طرة، حيث بقي لأربعة أشهر دون أن يُسمح له بالاتصال بعائلته أو بمحاميه. ولم يُسمح لأقاربه بزيارته إلا عندما نُقل إلى سجن دمنهور، بالقرب من الإسكندرية. وبعد ثلاثة أيام من زيارتهم له في 21 فبراير/شباط 2005، عاد أقاربه إلى السجن ليُبلَّغوا بأنه قد نُقل إلى سجن طرة. ولم يتمكن أقاربة من رؤيته مجدداً إلا في أكتوبر/تشرين الأول 2005. وبعد زيارته، لم يتمكنوا من الاتصال به على نحو مباشر حتى 24 أ�594?سطس/آب 2006، حيث تمت جميع اتصالاتهم به خلال هذه الفترة من خلال مكتب النائب العام، وبعد أبريل/نيسان 2006، من خلال محاميه. ومع أن زيارات أقاربه له اتخذت شكلاً منتظماً بعد ذلك، إلا أنها كانت تخضع للتقييد أحياناً نتيجة لما أثارته قضيته من اهتمام لدى وسائل الإعلام الدولية.


شهادة أبو عمر

حصلت منظمة العفو الدولية على نسخة من رواية محدَّثة للوقائع من 11 صفحة بخط اليد أكد المدعي العام الإيطالي أنها الشهادة التي أدلى بها أبو عمر. وخلال مقابلة منظمة العفو الدولية مع أبو عمر في مارس/آذار 2007، قال إن رسالته الأصلية كانت من 16 صفحة؛ حيث غطت الصفحات الخمس المفقودة ما مر به من سوء معاملة في السجن بعد إعادة اعتقاله.

وتسرد الرسالة، التي تم تهريبها من سجن طرة، رواية بخط اليد للتعذيب الذي يقول أبو عمر إنه عاناه ابتداء في مبنى مخابرات الأمن العسكري المصري، ومن ثم في مكاتب مباحث أمن الدولة:

"ثم قدموا لي بعض الطعام؛ وبعد ساعة تقريباً فتحوا باب زنزانتي ووضعوا الغماية على عيني وقيدوا يداي، وأخذوني إلى مكتب، وبدأ التحقيق والتعذيب، جردوني من ثيابي بالكامل ونزعوا القيود التي في يداي واستبدلوها بقيود أخرى ... إثنين في يداي خلف ظهري، وقيد ربطوا به إحدى القدمين، فكنت أقف على قدم واحدة فأقع على الأرض وأنا عاري فيضحكون ثم يرفعونني وأقع مرة أخرى وهكذا، وبدأت الصدمات الكهربائية والضرب بالأيدي والتهديد بهتك عرضي إذا رفضت الكلام أو إذا كتمت شيئاً أعرفه ...

"استمر التحقيق معي سبعة أشهر كاملة ... سبعة أشهر مرت عليَّ كأنها سبعة سنوات، تألمت فيها وتعذبت ولم يكن مسموح إطلاقاً بقراءة الصحف والمجلات ومن سماع الراديو أو مشاهدة التلفاز ومن رؤية الأسرة، كل شيء ممنوع، جحيم لا يطاق ...

"في بدء عملية التحقيق يأتي الحارس ويفتح زنزانتي ويتأكد من ربط الغماية التي على عيني بشدة، ويُبدل وضع القيود التي في يداي، بحيث تكون خلف ظهري أثناء التحقيق خوفاً من أن أنزع الغماية وأشاهد الضابط الذي يحقق معي ويُعذبني، وتبقى قدماي مقيدتان، ثم يسحبوني إلى غرف التحقيق، فينـزعوا عني ملابسي بالكامل، عارياً كما ولدتني أمي ويُدخلونني على المحققين الذين يأمرون الحراس بالعبث في أعضائي التناسلية حتى يحدث لي عملية إذلال نفسي، ثم يبدأ التعذيب الوحشي ...

"تعرضت لكل أشكال الصلب، فلقد صلبوني على باب حديدي، وعلى جهاز خشبي يُسمونه بالعروسة، اليدين لأعلى، وخلف الظهر، وكل يد في جانب (يمين ويسار) وكذلك القدمين مضمومتين ومتباعدتين كل قدم في اتجاه، والتعذيب في عملية الصلب يتم بالصعق الكهربائي، وبالضرب بالحذاء، والكابلات الكهربائية، وخراطيم المياه والكرباح ...

"تعرضت للتعذيب عن طريق ما يُسمونه بالمرتبة، وهي مرتبة موضوعة على بلاط غرفة التعذيب ومبلولة بالماء، وموصلة بتيار كهربائي، حيث تم تقييد يداي خلف ظهري وكذلك قدماي، وجلس شخص على كرسي خشب بين كتفي، وشخص آخر جلس على كرسي خشب بين قدمي، وتم توصيل الكهرباء، فأرى نفسي مرفوعاً من شدة الكهرباء الملامسة للماء ولكن الكراسي تحول دون ارتفاعي إلى أعلى، ثم يتم فصل الكهرباء، ويقوم المحقق بتعذيبي بالصدمات الكهربائية في أعضائي التناسلية ويسبني ويقول لي خلي إيطاليا تنفعك ...

"وُضعت بالقرب من غرف التعذيب فترات طويلة، كي أسمع صراح المعذبين وآهاتهم وعويلهم فأنهار نفسياً، وبالفعل كان يحدث لي صرع ويُغشى عليّ.

"تعرضت للإعتداء الجنسي وهتك العرض، وهذا أسوأ شيء تعرضت له، فالتعذيب الجسدي تزول آثاره بعد فترة، ويذهب الألم، أما الاعتداء الجنسي فتبقى آثاره النفسية البشعة ومراراته وفضيحته، حذث هذا الاعتداء الجنسي مرتين، إذ يتم تقييد يداي خلف ظهري، وكذلك قدماي، وأناموني على بطني ، عاري الجسد، ونام فوقي شخص، وبدأ في محاولة اغتصبابي، فكنت أصرخ بشدة حتى أفقد الوعي ولا أعرف هل قام بإغتصابي أم مجرد تهديد".


6. توصيات

تدعو منظمة العفو الدولية السلطات المصرية إلى إلغاء جميع أحكام قانون الطوارئ التي تسمح بانتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها تلك الأحكام الاستثنائية التي أُعيد فرضها ضمن القانون العادي، وضمان تماشي قانون مكافحة الإرهاب الجديد المنتظر مع القانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان تماشياً تاماً. وعلى وجه الخصوص، ينبغي على الحكومة المصرية:


إدانة التعذيب وإساءة المعاملة

  1. الإدانة العلنية للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة؛ وضمان توقف هذه الممارسات؛ والتوضيح لجميع الموظفين الرسميين ذوي الصلة بعمليات الاعتقال والاحتجاز والاستجواب، ولا سيما موظفو مباحث أمن الدولة والمخابرات العامة، بأنه لن يكون هناك تساهل مع التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة تحت أي ظرف من الظروف.


إنهاء الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والاعتقال السري

  1. إلغاء الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي وضمان تمكين المعتقلين – في القانون والممارسة - من الاتصال الفوري بالعالم الخارجي، ولا سيما مع المحامين ومع عائلاتهم، وكذلك تمكينهم من الحصول على الرعاية الطبية المستقلة.

  2. وضع حد للاعتقال السري لدى مباحث أمن الدولة وغيرها، وفي أي مرافق أخرى يتعرض فيها المعتقلون لخطر للتعذيب أو سوء المعاملة، وحيثما يمكن أن تشكِّل ظروف الاحتجاز بحد ذاتها ضرباً من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

  3. نشر قوائم تُحدَّث بصورة مستمرة بجميع أماكن الاعتقال على نحو يمكِّن المحامين وأفراد الجمهور من الوصول إليها بيُسر.

  4. إنشاء سجل مركزي لضمان تعقُّب أماكن وجود جميع المعتقلين بصورة سريعة، وحفظ هذا السجل؛ وفرض العقوبات المناسبة على رجال الأمن المسؤولين عن الاحتجاز غير القانوني للمعتقلين، بما في ذلك عدم احتفاظهم بسجلات مناسبة للمعتقلين.

  5. إعلان أسماء جميع المعتقلين الذين رُحِّلوا إلى حجز الدولة المصرية منذ 2001 على الملأ، وكذلك ظروف ترحيلهم، وأماكن وجودهم في الوقت الراهن، وأسباب استمرار احتجازهم، وتزويد أهاليهم ومحامييهم واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالتفاصيل الكاملة المتعلقة بهم.

  6. السماح للنيابة العامة بتفتيش جميع أماكن الاعتقال، بما فيها تلك المستخدمة من جانب مباحث أمن الدولة.

  7. السماح بزيارات التفتيش غير المعلن عنها مسبقاً والمستقلة وغير المقيَّدة، من جانب هيئات الخبراء الوطنية والدولية المستقلة، لجميع الأماكن التي يُحرم فيها الأشخاص من حريتهم أو يمكن أن يحرموا فيها من حريتهم.


وضع حد للاعتقال الإداري


  1. وضع حد للاعتقال الإداري.

  2. إلى حين إلغاء قانون الطوارئ، مراجعة وتنقيح أحكامه المتعلقة بمراجعة المحاكم لقانونية الاعتقال؛ بغرض ضمان مثول أي شخص يُعتقل بأمر من وزير الداخلية أمام محكمة بلا إبطاء بعد توقيفه؛ وينبغي أن لا تكون سلطة هذه المحكمة في إصدار أوامر الإفراج عن الأشخاص المعتقلين بصورة غير قانونية خاضعة لإمكانية النقض من جانب أي موظف تنفيذي.

  3. الإفراج فوراً عن جميع المحتجزين بمقتضى قانون الطوارئ الذين صدرت بحقهم أوامر إفراج من جانب محكمة مؤهلة لإصدار مثل هذه الأوامر.


تشديد الحماية أثناء الاعتقال


  1. ضمان أن يُعرِّف جميع رجال الأمن الذين ينفِّذون عمليات الاعتقال بأنفسهم لمن يعتقلونهم، وإخطارهم كتابة بأسباب الاعتقال، وبالسلطة التي أمرت بالاعتقال، وبالمكان الذي سوف يحتجزون فيه.

  2. ضمان إبلاغ عائلات من يُعتقلون فوراً بمكان اعتقال أقربائهم، وبأي تغييرات لاحقة لمكان الاعتقال.

  3. السماح بفحص المعتقلين، من قبل طبيب مستقل، فور اعتقالهم وبعد كل فترة استجواب، ومراقبة مستوى جودة التقارير الطبية.

  4. ضمان الحماية الكافية لمن يتقدمون بشكوى من التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة، وأي شهود على التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة، ضد الأعمال الانتقامية المحتملة أو الترهيب أو المضايقة، واتخاذ تدابير صارمة إذا ما وقعت مثل هذه المضايقة أو خلافها من الانتهاكات.

  5. تعديل تعريف جريمة التعذيب في القانون المصري بحيث تتماشى تاماً مع التعريف الذي تنص عليه المادة 1(1) من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. وينبغي تحريم جميع أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تحريماً صريحاً. كما ينبغي أن يكون واضحاً بجلاء أن هذا التحريم مطلق، ويتعين عدم تعليقه تحت أي ظرف من الظروف، بما في ذلك في أوقات الحرب أو غيرها من حالات الطوارئ العامة.

  6. إبقاء قواعد الاستجواب والأوامر المتعلقة به وأساليبه وممارساته تحت المراجعة المنتظمة بغرض منع وقوع أي حالة من حالات التعذيب وسوء المعاملة، وفقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.


معالجة أمر المحاكمات الجائرة وعقوبة الإعدام


  1. إيقاف إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، ووقف جميع المحاكمات الجارية لمدنيين أمام محاكم عسكرية، وتحويل قضاياهم إلى محاكم مدنية لتباشر محاكمتهم في محاكمات جديدة.

  2. إصدار الأوامر بإعادة المحاكمات، ضمن إجراءات قضائية تلبي مقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، لجميع من أدينوا استناداً إلى أدلة تم الحصول عليها، أو يشتبه بأنه قد تم الحصول عليها، عن طريق التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة.

  3. تخفيف جميع أحكام الإعدام الصادرة وإعلان حظر على تنفيذ حكم الإعدام تمهيداً للإلغاء الكامل للعقوبة.


إقرار الضمانات اللازمة ضد عمليات الترحيل غير القانونية


  1. عدم ترحيل أي شخص يشتبه بارتكابه جريمة أمنية أو يتهم بارتكابها إلى حجز دولة أخرى، ما لم يتم التسليم تحت إشراف قضائي وبمراعاة تامة للإجراءات القانونية الواجبة.

  2. ضمان تمتع أي شخص يواجه الترحيل في مصر بحق الاعتراض على قانونيته أمام محكمة مستقلة، وتمكينه من الاستعانة بمحام مستقل ومن ممارسة حقه في الاستئناف على نحو فعال.

  3. عدم استقبال أي شخص يشتبه بارتكابه جريمة أمنية أو يتهم بارتكابها في الحجز، ما لم يتم تسليمه تحت إشراف قضائي وبمراعاة تامة للإجراءات القانونية الواجبة.

  4. عرض جميع من يعتقلون على هذا النحو على سلطة قضائية بلا إبطاء بعد تسليمهم إلى الحجز المصري.

  5. ضمان تمكين المعتقلين من الاتصال بمستشار قانوني وبأفراد عائلاتهم على وجه السرعة، وإبقاء أفراد العائلة والمحامين على معرفة بأماكن وجود المعتقلين.

  6. ضمان تمكين المعتقلين من ذوي التابعية الأجنبية، بالإضافة إلى ما سبق، من الاتصال بالممثلين الدبلوماسيين للبلدان التي يحملون جنسيتها، أو بلدان إقامتهم الدائمة السابقة، أو غيرهم من ممثلي هذه البلدان.

  7. التعاون التام مع التحقيقات التي تجريها دول أخرى للنظر في عمليات الترحيل غير القانونية لأفراد يشتبه بأن لهم صلات بمنظمات أو جماعات إرهابية تحت مظلة "الحرب على الإرهاب" التي تتزعمها الولايات المتحدة.


وضع حد للإفلات من العقاب


  1. ضمان التحقيق السريع والوافي وغير المتحيز في جميع مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، وتقديم المسؤولين عن تعذيب السجناء أو إخضاعهم لغيره من صنوف سوء المعاملة إلى العدالة، وتلقي الضحايا التعويض الكامل.

  2. اتخاذ جميع التدابير الجزائية أو الإدارية المناسبة ضد الموظفين الرسميين الذين لا يراعون الضمانات ضد انتهاكات حقوق الإنسان.


التعاون مع الأمم المتحدة لاستئصال شأفة التعذيب


  1. تنفيذ توصيات هيئات المعاهدات والإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة.

  2. إصدار دعوة دائمة لجميع خبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة و تسهيل الزيارات المطلوبة من قبل مقرري الأمم المتحدة، ولا سيما المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها أثناء مكافحة الإرهاب.

  3. رفع التقارير المتأخرة المستحقة إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة كمسألة تحظى بالأولوية.

  4. المصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.


ملحـق

برنامج منظمة العفو الدولية المؤلف 12 نقطة لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على أيدي موظفي الدولة

إن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (وغيره من أشكال إساءة المعاملة) تعتبر من الانتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان التي أدانها المجتمع الدولي كجريمة في حق الكرامة الإنسانية، وحرمها القانون الدولي أياً كانت الظروف. ومع ذلك فإنها تتكرر كل يوم وفي جميع بقاع الأرض. ولا بد من اتخاذ خطوات مباشرة لمواجهة هذه الانتهاكات أينما وقعت واستئصال شأفتها. إن منظمة العفو الدولية تدعو جميع الحكومات إلى تنفيذ البرنامج التالي الذي يتكون من 12 نقطة، كما تدعو الأفراد والمنظمات المعنية إلى التأكد من تنفيذ الحكومات لهذا البرنامج. وتعتقد منظمة العفو الدٍولية أن تنفيذ هذه الإجراءات يمثل مؤشراً إيجابياً على التزام أي حكومة من الحكومات بوضع حد للتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، والسعي إلى استئصال شأفته في العالم بأسره.


1. إدانة التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة

يجب على أعلى سلطة في كل دولة أن تظهر معارضتها التامة للتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، وأن تدين هذه الممارسات من دون تحفظ كلما وقعت. كما يجب عليها أن توضح لجميع أفراد الشرطة والجيش وغيرهما من قوات الأمن أنها لن تسمح مطلقاً بممارسة التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة.


2. ضمان السماح بالاتصال بالسجناء

كثيراً ما يقع التعذيب عندما يكون السجناء محتجزين بمعزل عن العالم الخارجي وغير قادرين على الاتصال بأشخاص في الخارج ممن يستطيعون مساعدتهم أو معرفة ما يحدث لهم. ومن هنا ينبغي وضع حد لممارسة احتجاز السجناء بمعزلٍ عن العالم الخارجي. كما ينبغي للحكومات أن تضمن مثول جميع السجناء أمام هيئة قضائية مستقلة عقب احتجازهم بلا إبطاء والسماح لأقاربهم ومحامييهم وأطبائهم بالاتصال بهم فوراً وبصورة دورية.


3. عدم الاحتجاز في أماكن سرية

يقع التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة في بعض البلدان في أماكن سرية، وغالباً ما يتم ذلك بعد "اختفاء" الضحايا. ولذا يجب على الحكومات أن تضمن عدم احتجاز السجناء إلا في أماكن احتجاز معترف بها رسمياً، وأن تُقدم على الفور معلومات دقيقة عن اعتقالهم وأماكن احتجازهم إلى أقاربهم ومحامييهم وإلى المحاكم، بالإضافة إلى جهات أخرى ذات اهتمامات مشروعة من قبيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وينبغي توفير وسائل قضائية فعالة في جميع الأوقات تمكِّن أقارب السجناء ومحامييهم من معرفة مكان احتجازهم والسلطة التي تحتجزهم فوراً، وضمان سلامتهم.


4. توفير الضمانات الكافية أثناء الاحتجاز والاستجواب

يجب أن يُحاط جميع السجناء علماً بحقوقهم على الفور؛ ومن بين هذه الحقوق الحق في تقديم الشكاوى بشأن معاملتهم، والحق في أن يبتَّ قاض دون تأخير في قانونية احتجازهم. ويجب أن يحقق القضاة في أي دليل على وقوع التعذيب أو غيره من أشكال إساءة المعاملة وأن يأمروا بالإفراج عن السجين إذا كان احتجازه غير قانوني. وينبغي أن يحضر محام مع المحتجز خلال جلسات الاستجواب. كما ينبغي أن تضمن الحكومات أن تكون ظروف الاحتجاز متماشية مع المعايير الدولية لمعاملة السجناء وأن تضع في اعتبارها احتياجات أفراد الفئات المستضعفة على وجه الخصوص. ويتعين أن تكون السلطة المسؤولة عن الاحتجاز منفصلة عن السلطة المسؤولة عن الاستجواب، وأن يقوم مفتشون بزيارات دورية ومستقلة وغير معلنة مسبقاً ومن دون قيود لجميع أماكن الاحتجاز.

5. حظر التعذيب وغيره م�606? أشكال إساءة المعاملة بموجب القانون

يجب على الحكومات أن تعتمد قوانين لحظر التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة ومنعها، تشتمل على العناصر الرئيسية الواردة في "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة" (اتفاقية مناهضة التعذيب) وغيرها من المعايير الدولية ذات الصلة. كما يتعين إلغاء جميع العقوبات البدنية، سواء القضائية منها أو الإدارية. ولا يجوز تعليق حظر التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة والضمانات الأساسية اللازمة لمنعها مهما كانت الظروف، سواء في حالات الحرب أو الطوارئ العامة.


6. التحقيـق

ينبغي إجراء تحقيق عاجل ومحايد وفعال في جميع الشكاوى والتقارير المتعلقة بالتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، تتولاه هيئة مستقلة عن الجناة المزعومين. كما ينبغي الإعلان عن نطاق مثل هذه التحقيقات وأساليبها ونتائجها. ويجب وقف المسؤولين المشتبه في ارتكابهم أفعال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة عن العمل خلال التحقيق. ويتعين توفير الحماية للمتظلمين والشهود وغيرهم من الأشخاص المعرضين للخطر من أي ترهيب أو أعمال انتقامية.


7. الملاحقة القضائية

لا بد من تقديم المسؤولين عن التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة إلى ساحة العدالة. و ينطبق هذا المبدأ بغض النظر عن المكان الذي ارتكب فيه المشتبه فيهم هذه الجرائم، وعن جنسيتهم أو منصبهم، وبغض النظر عن مكان ارتكاب الجريمة وجنسية الضحايا، ودون اعتبار للوقت الذي انقضى على ارتكاب الجريمة. ويتعين على الحكومات أن تمارس الولاية القضائية الشاملة على المتهمين بارتكاب هذه الجرائم أو تسليمهم إلى دول أخرى أو إلى محكمة جنائية دولية وأن تتعاون معها بعضها البعض في مثل هذه الإجراءات الجنائية. ويجب أن تكون المحاكمات نزيهة، وألا تُقبل أوامر المسؤول الأعلى رتبة على الإطلاق كمبرر لممارسة التعذيب أو إساءة المعاملة.


8. عدم استخدام الإفادات المنتزعة تحت وطأة التعذيب أو غيره من أشكال إساءة المعاملة

ينبغي على الحكومات أن تضمن عدم الاعتداد بالأقوال والأدلة التي يتم الحصول عليها عن طريق التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة في أية إجراءات قضائية، إلا في حالة استخدامها ضد الشخص المتهم بالتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة.


9. توفير التدريب الفعال

يجب أن يُوضح لجميع الموظفين ذوي العلاقة بالاحتجاز والاستجواب والرعاية الطبية للسجناء، أثناء تدريبهم، أن التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة أفعال جنائية. وأن يُعطوا توجيهات بأن من حقهم، بل من واجبهم، أن يرفضوا تنفيذ أي أوامر بممارسة التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة.


10. تحقيق الإنصـاف

يجب أن يتمتع ضحايا التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة ومن يعولونهم بحق الحصول على على تعويض عاجل من الدولة، بما في ذلك رد حقوقهم ودفع تعويضات مالية عادلة وكافية لهم وتوفير الرعاية الطبية والتأهيل اللازمين.


11. المصادقة على المعاهدات الدولية

ينبغي على جميع الحكومات أن تصادق من دون تحفظات على المعاهدات الدولية التي تشتمل على ضمانات ضد التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، ومن بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب، مع الإعلانات التي تنص على حق الأفراد والدول في التقدم بشكاوى. ويجب على الحكومات أن تلتزم بتوصيات الهيئات الدولية والخبراء الدوليين المعنيين بحظر التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة.


12. الاضطلاع بالمسؤولية الدولية

ينبغي على الحكومات أن تسلك جميع السبل المتاحة للتوسط لدى حكومات الدول التي ترد بشأنها أنباء حول ممارسة التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة. كما ينبغي أن تكفل ألا يؤدي نقل التدريب والمعدات العسكرية والأمنية والشرطية إلى تسهيل وقوع التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة. ويتعين على الحكومات ألا تعيد أي شخص أو تنقله بصورة قسرية إلى بلد قد يتعرض فيه لخطر التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة.

______________________

يتضمن برنامج الاثنتي عشرة نقطة التدابير اللازمة لمنع التعذيب والمعاملة السيئة للأشخاص أثناء وجودهم في الحجز الحكومي أو في أيدي موظفين تابعين للدولة. وكانت منظمة العفو الدولية قد اعتمدت هذا البرنامج في العام 1984، وقامت بمراجعته في أكتوبر/ تشرين الأول 2000، ثم أجرت مراجعة ثانية له في أبريل/ نيسان 2005. وتطالب منظمة العفو الدولية الحكومات باحترام التزاماتها الدولية الخاصة بمنع التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة والمعاقبة عليها، سواء ارتُكبت على أيدي موظفي الدولة أو الأفراد. كما تعارض منظمة العفو الدولية أفعال التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة التي ترتكبها الجماعات السياسية المسلحة.


Page 22 of 22