Document - ROYAUME-UNI. Droits humains : la promesse violée (RÉSUMÉ)
المملكة المتحدة:حقوق الإنسان- نكـث الوعود
ينبغي أن يكون للمواطنين حقوق دستورية لإنفاذ حقوقهم في محاكم المملكة المتحدة. وسنقوم عن طريق القانون الأساسي بتضمين قانون المملكة المتحدة أحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حتى نجلب هذه الحقوق إلى الوطن ونتيح لأبناء شعبنا التمتع بها في محاكمهم الوطنية. وسيشكل تضمين القانون الاتفاقيةَ الأوروبية الأرضية، لا السقف، لحقوق الإنسان. [التشديد مضاف من جانبنا]
البيان الانتخابي العام لحزب العمال للعام 1997
إذا ما ظهرت عقبات قانونية، سنقوم بسن تشريعات جديدة، بما في ذلك، وعند الضرورة، تعديل قانون حقوق الإنسان بالعلاقة مع تأويل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
رئيس الوزراء توني بلير، 5أغسطس/آب 2005
1. مقـدمة
تمخضت الانتخابات العامة التي جرت في العام 1997عن عودة الإدارة العمالية إلى السلطة بعد 18عاماً من حكم المحافظين. وقد بادرت الحكومة العمالية برئاسة توني بلير، وبَّراً بوعدها الانتخابي الذي قطعته في العام 1997، بادرت إلى نشر كتاب أبيض بعنوان "جلب الحقوق إلى الوطن"، تضمَّن إيذاناً بسن قانون حقوق الإنسان للعام 1998، ذي الأهمية البالغة، والذي أصبحت بموجبه معظم الحقوق المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (الاتفاقية الأوروبية) نافذة في القوانين الوطنية. وعوضاً عن تضمين القانون الوطني أحكام الاتفاقية الأوروبية، فإن قانون حقوق الإنسان يكرِّس في التشريع الأساسي، على الصعيد المحلي، حقوقاً إنسانية "جرى التعبير عنها بعبارات مماثلة" لما يقابلها في الاتفاقية.
وقد أشادت منظمة العفو الدولية بسلطات المملكة المتحدة على سن قانون حقوق الإنسان كخطوة أولية على طريق تعميق ثقافة حقوق الإنسان.
بيد أن اتجاه تآكل حقوق الإنسان بسبب سياسات مكافحة الإرهاب التي تنتهجها الحكومة - وهو اتجاه تطور على مدى عقود من الصراع في أيرلندا الشمالية- قد اكتسب زخماً متجدداً بفعل الإجراءات التي اتخذتها المملكة المتحدة رداً على هجمات 11سبتمبر/ أيلول 2001في الولايات المتحدة.
وفي أغسطس/ آب 2005، حذَّر رئيس الوزراء توني بلير، في أعقاب تفجيرات يوليو/ تموز التي وقعت في لندن،
قائلاً: "لقد تغيرت قواعد اللعبة، ولا يشكنَّ أحد في ذلك"، عندما تحدث عن حزمة من التدابير التي وُصفت بأنها تهدف إلى مكافحة الإرهاب، والتي تشكل تهديداً لحقوق الإنسان واستقلال القضاء وحكم القانون. وفي الحقيقة، بدأت الحكومة بتغيير تلك القواعد قبل ذلك الوقت بكثير.
فمنذ 11سبتمبر/ أيلول 2001، سنَّت سلطات المملكة المتحدة مجموعة من القوانين الجديدة، مع أنه كان لديها بعض أكثر قوانين" مكافحة الإرهاب" في أوروبا صرامةً. وتتضمن هذه القوانين الجديدة أحكاماً كاسحة تناقض قانون حقوق الإنسان، وأدى تنفيذها إلى ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
إن الأشخاص المتهمين بالتورط في الإرهاب، ممن اعُتقلوا في المملكة المتحدة بموجب القوانين الجديدة، وجدوا أنفسهم في عالم كافكا الغرائبي. فهم محتجزون منذ سنوات في ظروف قاسية استناداً إلى اتهامات سرية لا يُسمح لهم بمعرفتها، وبالتالي لا يستطيعون دحضها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن سلطات المملكة المتحدة قد اضطهدت فعلياً الأشخاص الذين صنَّفتهم على أنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم"، وأنهم يشكلون "تهديداً للأمن القومي"، وهو ما ينطوي على عواقب مدمرة على هؤلاء الرجال وعائلاتهم.
وعقب أحداث 7و21يوليو/ تموز 2005التي وقعت في لندن، اقتُرح المزيد من التدابير القاسية، وبينها مشروع "قانون الإرهاب" المطروح حالياً على البرلمان. إن من شأن بعض الأحكام الأكثر عمومية وغموضاً في هذا القانون، في حال إقراره، أن تؤدي إلى تعريض الحق في حرية التعبير والتجمع وفي الحريات العامة والمحاكمة العادلة للخطر.
وتتضمن العديد من التدابير التي اتُخذت منذ سبتمبر/أيلول 2001معاقبة أشخاص لا تتوافر ضدهم أدلة كافية لتقديمهم إلى المحكمة، ولكن السلطات قررت أنهم تهديد للأمن القومي. ومثل هذه التدابير تشكل خروجاً على قانون حقوق الإنسان، الذي يتطلب أن لا يُعاقب الأشخاص إلا أذا وُجهت إليهم تهم جنائية معترف بها، وحوكموا من خلال إجراءات قانونية نزيهة وشفافة.
وأحد المبادئ الأساسية للقانون الجنائي هو ضرورة أن تكون الجرائم واضحة بحيث يعرف كل شخص أي أنواع السلوك يمكن أن يمثل جريمة. وقد تضمن تشريع مكافحة الإرهاب، الذي أُقر منذ العام 2000، عدداً متزايداً من العبارات الفضفاضة والغامضة، بما في ذلك تعريف الحكومة لـ"الإرهاب" نفسه.
إن نظاماً للقضاء الجنائي ينطوي على ملامح من هذا القبيل لا يمكن أن يكون نزيهاً أو عادلاً أو شرعياً – وسرعان ما يؤدي إلى فقدان الثقة العامة به.
وما انفكت منظمة العفو الدولية، منذ سنوات عدة، تعرب عن قلقها من أن حكومة المملكة المتحدة قد حاولت بنجاح سن قوانين تقيِّد السلطات القضائية. وكان ذلك واضحاً في قانون مكافحة الإرهاب، وفي التقرير بشأن طلبات اللجوء، وفي القانون الذي ينظِّم نطاق اختصاص وصلاحيات لجان التحقيق القضائية التي تضطلع بمهمة ضمان المساءلة العامة والتدقيق في إجراءات السلطات التنفيذية والإدارية.
وقد أدت القوانين في هذه المجالات إلى تعريض دور القضاة في احترام حكم القانون وحقوق الإنسان للجميع للخطر، وذلك بتقويض الفصل السليم بين السلطتين القضائية والتنفيذية في المملكة المتحدة.
ومما يُنذر بالسوء أنه منذ تفجيرات يوليو/ تموز في لندن، أدلى مسؤولون حكوميون كبار، بمن فيهم رئيس الوزراء، بتصريحات توعدوا فيها بأنه إذا لم تراعِ المحاكم السياسات المعلنة للحكومة، فإنها ستقوم بتعديل قانون حقوق الإنسان.
وعلى الصعيد الدولي، تُحدث الإجراءات والسياسات التي تتخذها المملكة المتحدة تأثيراً ضاراً مشابهاً، ولا سيما في تقويض حظر التعذيب داخل البلاد وخارجها على السواء، وفي السعي إلى الحد من إمكانية تطبيق قانون حقوق الإنسان. وقد حاولت المملكة المتحدة التراجع عن الحظر القانوني، في الإجراءات القضائية، المفروض على قبول "الأدلة" التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب أو إساءة المعاملة. كما أن الحكومة تعمل على تآكل الحظر الدولي للتعذيب وإساءة المعاملة عن طريق توقيع مذكرات تفاهم مع بلدان معروفة بسجلها في مجال الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ومنها التعذيب والحرمان الفظيع من العدالة. ومن خلال مذكرات التفاهم هذه، تسعى الحكومة إلى الحصول على "تأكيدات دبلوماسية" بأن المواطنين الأجانب المتهمين بارتكاب أنشطة إرهابية لن يتعرضوا لانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ومنها التعذيب وسوء المعاملة، عندما يتم ترحليهم من المملكة المتحدة إليها. إن هذه التأكيدات غير قابلة للتنفيذ وتلحق ضرراً خطيراً بمبدأ حظر التعذيب.
وشجب مسؤولون حكوميون كبار في المملكة المتحدة، بمن فيهم رئيس الوزراء، وبصورة علنية، جميع أفعال إساءة المعاملة والأفعال الوحشية، وقطعوا عهداً بالتعامل بجدية بالغة مع أي مزاعم بشأن ارتكاب إساءات على أيدي أفراد القوات المسلحة التابعة للمملكة المتحدة في الخارج. وقد وُجهت إلى العديد من أفراد القوات المسلحة البريطانية من جانب العراقيين تهم تتعلق بمزاعم ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. بيد أن المنظمة لا تزال تشعر بالقلق بشأن كفاية المسؤولية التي يتحملها أفراد القوات المسلحة البريطانية ووكلاء المملكة المتحدة عن أفعالهم في الخارج، ومدى مساءلتهم عنها. وما فتئت المنظمة تدعو إلى إجراء تحقيقات بإشراف مدني في المزاعم الخطيرة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان، فضلاً عن زيادة الفرص للجوء ضحايا هذه الانتهاكات إلى القانون.
وبالإضافة إلى ذلك، يساور منظمة العفو الدولية قلق عميق من أن حكومة المملكة المتحدة قد سعت إلى التحايل على واجباتها بموجب القوانين المحلية والدولية، ومنها الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وقانون حقوق الإنسان، بالعلاقة مع مزاعم الانتهاكات التي يرتكبها موظفون رسميون تابعون للمملكة المتحدة، أو أفراد تابعون لقواتها المسلحة، خارج البلاد،بما في ذلك في العراق.
وينبغي عدم التقليل من شأن التأثير العالمي لتدابير مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة وإجراءاتها في الخارج. إذ أن المملكة المتحدة، بتقويضها حقوق الإنسان الأساسية في الداخل والخارج، إنما تعطي ضوءاً أخضر من الناحية الفعلية لحكومات أخرى كي تنتهك حقوق الإنسان، في الوقت الذي ضعفت مصداقيتها حيال تعزيز حقوق الإنسان في العالم بأسره إلى حد خطير.
إن أحد الأسباب الرئيسية للقلق الذي يساور منظمة العفو الدولية بشأن القوانين التي تنظم نطاق اختصاص وصلاحيات لجان التحقيق القضائية وبشأن العديد من تدابير مكافحة الإرهاب يتمثل في أن تنفيذها قد أدى إلى تقويض استقلال القضاء وحكم القانون، وذلك بتخويل صلاحيات القضاء إلى السلطة التنفيذية. وثمة هوة الآن في ضمان إجراء تحقيقات قضائية عامة في سلوك الحكومة بما يتماشى مع المعايير الدولية والوطنية ذات الصلة - بما في ذلك التحقيق في مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي تنشأ بسبب تدابير مكافحة الإرهاب و/أو إجراءات المملكة المتحدة في الخارج.
واستناداً إلى مراقبة تأثير عدد من التدابير القانونية وغيرها من التدابير التي اتخذتها سلطات المملكة المتحدة منذ اعتماد قانون حقوق الإنسان، ولاسيما في أعقاب أحداث 11سبتمبر/ أيلول 2001، فإن منظمة 5?لعفو الدولية تعتبر أن حكومة المملكة المتحدة عجزت عن الوفاء بوعدها "بجلب الحقوق إلى الوطن"، وقد أعربت المنظمة عن استيائها المتزايد من التعدي المستمر لحكومة المملكة المتحدة على حقوق الإنسان وعلى استقلال القضاء وحكم القانون.
إن منظمة العفو الدولية ليست وحيدة في إعرابها عن بواعث قلقها بشأن سجل المملكة المتحدة في مضمار حقوق الإنسان. فثمة آخرون قد أعربوا عن بواعث قلق خطيرة، بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب، ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري، ومفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون حقوق الإنسان، ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب، وكذلك اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، ومفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا. وفي داخل المملكة المتحدة، أعربت اللجان البرلمانية المعنية بالشؤون الدستورية وبالشؤون الخارجية وبشؤون حقوق الإنسان، وأعضاء في السلطة القضائية وفي السلك القانوني، وكذلك منظمات غير حكومية وآخرون، عن بواعث قلق خطيرة.
وفي مطلع العام 2006، عقدت منظمة العفو الدولية اجتماعات مع كبار الوزراء في حكومة المملكة المتحدة من أجل إبلاغهم بالقلق العميق الذي ينتاب أعضاء المنظمة في سائر أنحاء العالم تجاه أفعال المملكة المتحدة. وفي تلك الاجتماعات، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن بعض سياسات الحكومة وتدابيرها تشكل تهديداً خطيراً للحقوق الإنسانية للجميع في الداخل والخارج، ولحكم القانون واستقلال القضاء. وفي هذا السياق، فإن منظمة العفو الدولية، في الوقت الذي تقر فيه باستعداد الحكومة للاستماع، تشكك في التزامها بالحماية الكاملة لحقوق الإنسان على المستويين الوطني والدولي.
ولقد جرى تجميع هذا التقرير عن طريق مقابلات أجراها ممثلو منظمة العفو الدولية مع أشخاص اعتقلتهم حكومة المملكة المتحدة بموجب تدابير مكافحة الإرهاب، ومع عائلات هؤلاء ومحامييهم، داخل السجن وفي بيوتهم. كما راقب ممثلو منظمة العفو الدولية الإجراءات القضائية في المملكة المتحدة المترتبة على تنفيذ التدابير التي وُصفت بأنها لمكافحة الإرهاب؛ وانخرطت المنظمة في دعاوى قضائية نظرتها محاكم المملكة المتحدة، حيث قامت بالتدخل كطرف ثالث في اعتراضين قانونيين انبثقا عن تنفيذ التدابير المشار إليها أعلاه. وهذا التقرير حصيلةٌ كذلك لعمليات حوار مع وزراء في حكومة المملكة المتحدة؛ ومع أعضاء في السلك القانوني؛ ومع منظمات غير حكومية أخرى لحقوق الإنسان، على الصعيدين الوطني والدولي؛ ومع صحفيين وأكاديميين وآخرين.
2. تدابير "مكافحة الإرهاب"
يوفر قانون حقوق الإنسان أحكاماً وافية للقيام بأنشطة قوية لمكافحة الإرهاب، حتى في أكثر الظروف استثناء. غير أنه لا يمكن للانتقاص من حقوق الإنسان أن يخدم النضال ضد الإرهاب. وعلى العكس من ذلك، فإنه يسهِّل على الإرهابي تحقيق غرضه – عن طريق منحه اليد الأخلاقية العليا، وإثارة التوتر والحقد على الحكومة وفقدان الثقة بها، وعلى وجه التحديد في أوساط تلك القطاعات من السكان التي يرُجَّح أن يجد في صفوفها من يجنِّدهم.
إن احترام حقوق الإنسان لا يتساوق فحسب مع استراتيجية ناجحة لمكافحة الإرهاب. وإنما هو عنصر أساسي أيضاً لمثل هذه الاستراتيجية.
كوفي أنان، الأمين العام للأمم المتحدة
إن على الدول واجباً في أن تتخذ تدابير لمنع الهجمات ضد المدنيين وحمايتهم منها؛ وفي أن تحقِّق في مثل هذه الجرائم؛ وأن تقدِّم المسؤولين عنها إلى العدالة ضمن إجراءات نزيهة؛ وأن تضمن الإنصاف السريع والكافي للضحايا. وجزء لا يتجزأ من هذه الإجراءات النـزيهة يتمثل في ضمان توجيه تهمة جنائية معترف بها على وجه السرعة إلى أي شخص يُعتقل أو يُحتجز للاشتباه على نحو معقول بأنه قد ارتكب جناية، بغض النظر عن دافعه الحقيقي أو المفترض في ارتكابها، وسواء أكانت الجريمة قد صُنِّفت على أنها "جريمة إرهابية" أم لا-- وما لم يتم ذلك، فإنه ينبغي الإفراج عنه.
1.2 تفجيرات لندن
أدت أربع هجمات بالقنابل على نظام النقل العام في لندن في 7يوليو/تموز 2005إلى قتل 52شخصاً وجرح عدة مئات آخرين. ولاقى أربعة أشخاص آخرين، يعتقد أنهم الانتحاريين الذين قاموا بالتفجيرات، مصرعهم. وأدانت منظمة العفو الدولية بلا قيد أو شرط، وبلا تحفظ، الهجمات ودعت إلى تقديم المسؤولين عنها إلى العدالة.
إن على عاتق سلطات المملكة المتحدة واجباً آخر في أعقاب الهجمات – ألا وهو ضمان تلقي الضحايا وعائلاتهم التعويض السريع والمناسب. وقد أعرب بعض من تمزقت حياتهم بسبب تفجيرات يوليو/تموز عن القلق بشأن عدم التعويض عليهم على وجه السرعة وبالصورة المناسبة.
ومنظمة العفو الدولية تعترف بأنه من واجب سلطات المملكة المتحدة مراجعة التدابير التشريعية وغيرها من التدابير بغرض الحيلولة دون وقوع المزيد من الهجمات. إلا أنه من واجب هذه السلطات بالقدْر نفسه ضمان أن يحترِم ما يُتخذ من تدابير لتقديم الأشخاص إلى العدالة، وكذلك التدابير التي تُتخذ لحماية الناس من مثل هذه الجرائم، حقوق الإنسان الأساسية.
إن على حكومة المملكة المتحدة الرد على الهجمات على حقوق الإنسان بالدفاع عن حقوق الإنسان. وأي سبيل آخر للعمل خاطئ وغير قانوني وسيؤدي إلى عكس النتائج المرجوة.
2.2 خلفية
تآكل حقوق الإنسان في المملكة المتحدة في ظل تشريع مكافحة الإرهاب ليس بالجديد. فقد ظل تشريع الطوارئ في المملكة المتحدة مبعث قلق لمنظمة العفو الدولية طيلة عقود من الزمن. ومنذ أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عندما بدأت سلطات المملكة المتحدة بفرض تدابير للطوارئ في سياق النـزاع في أيرلندا الشمالية، جرت التضحية بحقوق الإنسان باسم الأمن. وبين الانتهاكات الخطيرة التي سهلت تدابير الطوارئ ارتكابها، التعذيب وإساءة المعاملة والمحاكمات الجائرة.
وفي الماضي القريب، ساور المنظمة الكثير من القلق بشأن العجز الخطير في سياسات حقوق الإنسان وبشأن التدابير التشريعية التي لجأت إليها المملكة المتحدة في أعقاب هجمات 11سبتمبر/أيلول 2001في الولايات المتحدة. وتضمنت هذه اعتقال مواطني دول أجنبية بلا تهمة أو محاكمة، واتخاذ تدابير أخرى ضدهم وضد أشخاص
آخرين ألصقت سلطات الملمكة المتحدة بهم صفة "إرهابيين دوليين مشتبه بهم"، وغالباً بالاستناد إلى معلومات استخبارية سرية رفضت السلطة التنفيذية الكشف عنها للأفراد المعنيين أو لمستشارين قانونيين من اختيارهم.
وبالإضافة إلى ذلك، حاولت سلطات المملكة المتحدة تقويض الحظر المفروض على التعذيب وعلى غيره من ضروب إساءة المعاملة.
فمنذ قدومها إلى السلطة في 1997، سعت الحكومة العمالية الحالية بنجاح إلى إنفاذ أربعة تشاريع بغرض معلن هو مكافحة الإرهاب، وهي قانون القضاء الجنائي (الإرهاب والتآمر) للعام 1998، وقانون الإرهاب للعام 2000، وقانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001، وقانون منع الإرهاب للعام 2005. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2005، تقدمت حكومة المملكة المتحدة إلى البرلمان بمشروع قانون خامس من هذا الصنف، هو مشروع قانون الإرهاب، الذي تسعى في الوقت الراهن إلى إنفاذه. إن منظمة العفو الدولية تعتقد أن كل تشريع من التشريعات المذكورة أعلاه، وكذلك مشروع قانون الإرهاب المقترح في صيغته الحالية، يتضمن أحكاماً لا تتماشى مع قانون ومعايير حقوق الإنسان. وقد أدى إنفاذ هذه القوانين إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
3.2 قانون الإرهاب للعام 2000وتعريف "الإرهاب"
عندما وقعت الهجمات في الولايات المتحدة في 11سبتمبر/أيلول 2001، كان قانون الإرهاب للعام 2000قد دخل حيز النفاذ قبل ذلك بأقل من سنة واحدة. ويمنح القانون السلطات صلاحيات بعيدة المدى – وهي صلاحيات وصفها مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا بأنها "من أكثر تشريعات مكافحة الإرهاب في أوروبا شمولية" . وترى منظمة العفو الدولية أن بعض أحكامه تناقض التزامات المملكة المتحدة بمقتضى القانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان، وأنها مدخل لإساءة الاستخدام من جانب الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون.
إن التعريف الفضفاض لـ"الإرهاب" في قانون الإرهاب قد أصبح المعيار لجميع قوانين مكافحة الإرهاب اللاحقة في المملكة المتحدة. حيث عُرِّف "الإرهاب" على أنه استخدام الأفعال أو التهديد باستخدامها بغرض التأثير على الحكومة أو خدمة قضية سياسية أو دينية أو إيديولوجية . وأضفى القانون صفة القانون الأساسي على العديد من الأحكام المتعلقة بالجرائم المماثلة، أو المشابهة، لتلك التي كرَّسها ما يسمى بتشريع الطوارئ "المؤقت" في المملكة المتحدة، والذي طُبِّق طيلة العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل.
لقد أعربت منظمة العفو الدولية مراراً وتكراراً عن بواعث قلقها بشأن غموض تعريف "الإرهاب" واتساع نطاقه، الأمر الذي يترك الباب مفتوحاً أم التحامل السياسي في اتخاذ القرار بشأن مقاضاة شخص ما . فالتعريف مفتوح على التأويلات الذاتية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مثل هذا التعريف الفضفاض والغامض يمكن أن يتحول بسهولة إلى مطية للممارسات المسيئة من جانب الشرطة. ففي المملكة المتحدة، جرى إيقاف المتظاهرين السلميين وتفتيشهم والاستيلاء على مقتنياتهم استناداً إلى السلطات الواسعة الممنوحة للشرطة بمقتضى تشريع مكافحة الإرهاب.
واستندت جميع قوانين مكافحة الإرهاب التي تلت إلى التعريف الفضفاض والغامض لـ"الإرهاب" الذي أرساه قانون الإرهاب للعام 2000. ولأن تعريف "الإرهاب"، وبالتالي أي جريمة تستند إليه، لا يفي بمقتضيات الدقة والوضوح اللازمة للقانون الجنائي، فإن السلوك الذي يتم تجريمه بمقتضى البنود المختلفة لتشريع مكافحة الإرهاب يمكن أن لا يرقى إلى مرتبة "الجريمة الجنائية المعترف بها" بمقتضى القانون والمعايير الدوليين لحقوق الإنسان. والخطورة هنا هو أنه يمكن أن ينتهي الأمر إلى مقاضاة البشر لأسباب سياسية على ممارستهم المشروعة لحقوقهم المكرسة في القانون الدولي.
وخلق قانون الإرهاب للعام 2000أيضاً نظاماً دائماً متميزاً للاعتقال والاحتجاز والمقاضاة بالعلاقة مع "الجرائم الإرهابية" ترى منظمة العفو الدولية أنها ربما تشكل انتهاكاً للحق المعترف به دولياً لجميع البشر في المساواة أمام القانون، وفي الحماية من قبله، بلا تمييز . فهذه المعاملة المختلفة لا تستند إلى خطورة الفعل الجرمي نفسه، وإنما إلى دوافع مزعومة تقف وراء هذا الفعل وجرى تحديدها في القانون على أنها "سياسية أو دينية أو إيديولوجية". ويوفر نظام القضاء الجنائي الموازي هذا ضمانات أقل للمشتبه به مما يوفره القانون الجنائي العادي. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن أي خروج على ال73?جراءات والضمانات النظامية المعتادة ربما يكون غير مبرر، وبالتالي غير قانوني.
وينص قانون الإرهاب كذلك على حظر المنظمات الإرهابية وعلى الجرائم المتعلقة بإدارة منظمة إرهابية؛ وعلى امتلاك الأشياء أو جمع المعلومات لأغراض إرهابية؛ وعلى تمويل الإرهاب؛ والتحريض على الإرهاب عبر البحار.
وفي ضوء قلقها لزمن طويل بشأن غموض تعريف "الإرهاب" واتساع نطاقه، ونتيجة لبواعث قلقها المتعلقة بعدم تماشي الأحكام المختلفة لمكافحة الإرهاب مع المعايير المعترف بها دولياً للمحاكمة العادلة، فإن منظمة العفو الدولية ما انفكت تشعر بالقلق من أن أي اعتقال أو احتجاز أو اتهام أو محاكمة بالعلاقة مع جريمة رُكِّبت على هذا التعريف يمكن أن يؤدي إلى الظلم وأن يُعرِّض حماية حقوق الإنسان وحكم القانون في المملكة المتحدة لمزيد من التقويض.
إن المجتمع الدولي بأسره قد اعترف بأنه ثمة حقاً أساسياً غير قابل للتصرف، حتى للأشخاص الذين يشتبه بأنهم قد ارتكبوا أبشع الجرائم، كجرائم الحرب والإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، في أن يتمتعوا باحترام أرفع حقوقهم الإجرائية، وعلى وجه الدقة بسبب طبيعة وفداحة الجرائم التي يواجهون الاتهام بها، وشدة العقوبات التي يمكن أن يواجهوها إذا ما تمت إدانتهم.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2005، وفي سياق إقرار التشريع الرابع في هذا المجال منذ العام 2000، أي مشروع قانون الإرهاب، وافقت حكومة المملكة المتحدة على أن تعيد النظر في تعريف الإرهاب، نظراً لخطورة بواعث القلق التي جرى التعبير عنها بشأن ذلك التعريف. وطلب وزير داخلية المملكة المتحدة من مستشار الملكة اللورد كارلايل أوف بيريو، المُراجع المستقل لتشريع مكافحة الإرهاب، إجراء مراجعة لتعريف الإرهاب خلال عام من سريان مفعول مشروع قانون الإرهاب.
4.2 قضية لطفي رايسي
في 21سبتمبر/أيلول 2001، اعتُقل لطفي رايسي، وهو رجل جزائري كان آنذاك في السابعة والعشرين من العمر، في سلاو، بإنجلترا، وبحسب ما ذُكر في الثالثة صباحاً وتحت تهديد السلاح، وأُجبر على دخول سيارة الشرطة، وبحسب ما زُعم، وهو شبه عارٍ، ومعه زوجته وشقيقه. واعتقل بشبهة المشاركة في أنشطة "إرهابية". وأُطلق سراح شقيقه، بلا تُهمة، بعد يومين، كما أُطلق سراح زوجته بعد خمسة أيام، وبلا تهمة أيضاً. وأُفرج عن لطفي رايسي بعد سبعة أيام من الاستجواب، ثم أُعيد اعتقاله على الفور استناداً إلى مذكرة توقيف تطلب تسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية. ثم احتُجز لستة أشهر بصفته سجيناً من الفئة أ (تحت إجراءات أمنية فائقة) في سجن بيلمارش، ابتداء في وحدة الأمن ذي الإجراءات الأمنية الفائقة (سجن داخل السجن)، ومن ثم في جناح الإجراءات الأمنية القصوى. وادعت سلطات الولايات المتحدة أنه من المتورطينفي هجمات 11سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية بصفته مدرب طيران لبعض مختطفي طائرات 11سبتمبر/أيلول. وفي وقت اعتقاله، ادعت سلطات الولايات المتحدة أن لديها أدلة كافية لتُبيِّن ليس فحسب ارتباطه ببعض طياري 11سبتمبر/أيلول، وإنما أيضاً
أنه كان منخرطاً بنشاط في مؤامرة مع أعضاء شبكة "القاعدة". وبحسب ما ذُكر، تضمَّنت هذه الأدلة مراسلات واتصالات وشريط فيديو. بيد أن مذكرة التوقيف لم تستند إلى أي من مثل هذه الأدلة؛ وعوضاً عن ذلك، وجَّهت سلطات الولايات المتحدة إليه ما تسميه "تهم حجب المعلومات" استناداً إلى عدم كشف لطفي رايسي، لدى تقدمه بطلب للحصول على رخصة طيار في الولايات المتحدة، عن إدانة صدرت بحقه في سرقة صغرى دفع غرامة عنها قبل عشر سنوات، وكذلك عن إجرائه عملية جراحية في ركبته لمعالجة إصابة قديمة لحقت به أثناء لعبة لكرة المضرب. ومن الناحية الفنية، فإن هذين الجرمين الثانويين، اللذين شكلا الأساس لمذكرة الترحيل، وعلى الرغم من إجازتهما عملية الترحيل، لا يحتملان أكثر من عقوبة بالسجن لسنة واحدة.
وساور منظمة العفو الدولية القلق من أن الأسباب التي تذرعت بها سلطات الولايات المتحدة في طلبها تسليم لطفي رايسي تضمنت حقيقة أن هويته وطبيعة مهنته تتطابق مع مواصفات الاستهداف بسبب الهوية: فهو رجل جزائري ومسلم وطيار ومدرب طيران في الولايات المتحدة الأمريكية.
وجرى تبرير اعتقال لطفي رايسي استناداً إلى مزاعم أولية لسلطات الولايات المتحدة بأنه من المحتمل توجيه تهمة التآمر بغرض القتل إليه، وبأنه يمكن أن يواجه عقوبة الإعدام.
وفي أبريل/نيسان 2002، وضع القاضي الذي ترأس المحكمة حداً لإجراءات الترحيل ضد لطفي رايسي. حيث أعلن القاضي أنه ليس هناك بأي صورة من الصور أدلة تثبت تورط لطفي رايسي في "الإرهاب". وأضاف القاضي، موجهاً كلامه إلى الممثل القانوني للطفي رايسي: "لقد مثُل موكلك أمامي عدة مرات وُجِّهت إليه فيها مزاعم بالتورط في الإرهاب. وأود أن أوضح أنني لم أتلق أي أدلة تُسند هذا الزعم". وعلى الرغم من مثل هذه التصريحات، فإن دائرة ادعاء التاج (سلطات الإدعاء في المملكة المتحدة) قالت بدورها، نيابة عن سلطات الولايات المتحدة، إن: "السيد رايسي لا يزال خاضعاً لمقتضيات تحقيق جار بشأن الأشخاص المسؤولين عن هجمات 11سبتمبر/أيلول".
ولم تتمكن سلطات الولايات المتحدة حتى اليوم من إثبات المزاعم الخطيرة التي وجهتها ضد لطفي رايسي. ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن ما حدث للطفي رايسي يشكل شاهداً قوياً على أن الهجمة الكاسحة لمكتب التحقيق الفدرالي يمكن أن تستهدف في سُعار تصيُّدها لمتآمرين في الهجمات التي وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية، أو لأعضاء في شبكة "القاعدة"، أشخاصاً أبرياء، وأن تنتهك حقوقهم وحقوق أقربائهم في الحرية وفي العيش.
وفي ضوء قضية لطفي رايسي، فإن المنظمة تظل تشعر بالقلق، على نحو خاص، بشأن الإجراءات التي يمكن أن تستخدم لاستهداف شخص ما استناداً إلى هويته، ومن ثم لاعتقاله لفترة زمنية طويلة للغاية يجري أثناءها البحث عن أدلة لإثبات شبهة تورطه في أفعال جرمية. ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن قضية لطفي رايسي تكشف أيضاً عن المخاطر التي تترتب على إمكان استخدام عملية تسليم المطلوبين لوصم شخص ما بأن "إرهابي مشتبه به"، ولاعتقال شخص ما لفترة طويلة جداً من الزمن، في غياب التقويم السريع والدقيق للأدلة.
إن لطفي رايسي قد باشر إجراءات داخل الولايات المتحدة ضد مكتب التحقيق الفدرالي لطلب التعويض بمقتضى قانون تورت الفدرالي للمطالبات. بيد أن القرار الذي صدر في قضية الولايات المتحدة ضد ألفاريز في يونيو/حزيران قد أنهى إمكانية مقاضاة المواطنين غير الأمريكيين لسلطات الولايات المتحدة عن انتهاكات لحقوقهم الدستورية ارتكبها موظفون رسميون فدراليون خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
إن وزير الداخلية ملزم بأن يعوض على الأشخاص الذين قضوا وقتاً في الحجز كنتيجة لخطأ خطير ارتكبته سلطة عامة، و/أو كنتيجة للظروف الاستثنائية للقضية. بيد أن وزير الداخلية قد رفض حتى الآن طلب لطفي رايسي للتعويض على أساس أنه لم يُتَّهم أو يُقاضى في المملكة المتحدة، وإنما خضع فقط لإجراءات الترحيل فيها. وكذلك الأمر، فوزير الداخلية لا يوافق على أن ثمة خطأ خطيراً قد وقع من جانب سلطة عامة أو أن ظروف قضية لطفي رايسي تتصف بأنها استثنائية. وفي 17فبراير/شباط 2006، قرر قاضي المحكمة العليا لإنجلترا وويلز أن لدى لطفي رايسي قضية قابلة للنقاش بوجوب شموله ببرنامج التعويضات المطبق على حالات تسليم المطلوبين، وبأنه ينبغي عقد جلسة استماع كاملة بهذا الخصوص. وخارج المحكمة، أبلغ لطفي رايسي وسائل الإعلام ما يلي:
لقد تعرضت حياتي للتدمير. فقد اخترت أن أكون طياراً مدنياً، وعملت بجد من أجل ذلك وجُعت حتى أحقق ذلك .. ولكن الواقع هو أنني، وبسبب هويتي الشخصية كوني جزائرياً ومسلماً وعربياً وطياراً مدنياً، قد عانيت هذا الزيغ في تطبيق العدالة ... أنا أعتقد أن الرجل يظل بريئاً حتى تثبت إدانته. أما أنا فكنت "مذنباً" وكان علي أن أثبت براءاتي، وهذا هو الأساس فيما حدث.
ويخضع رفض وزير داخلية المملكة المتحدة تطبيق برنامج التعويضات الخاص بإجراءات تسليم المطلوبين على لطفي رايسي في الوقت الراهن لمراجعة قضائية كاملة.
كما باشر لطفي رايسي أيضاً دعوى ضد شرطة المملكة المتحدة لا تزال قائمة على الرغم من تعليقها بالاتفاق في انتظار نتائج شكوى تقدم بها إلى اللجنة المستقلة لشكاوى الشرطة. وتتعلق شكوى لطفي رايسي، التي تقدم بها في العام الحالي، بالتلاعب المزعوم في عرض الأدلة من جانب الشرطة، ما أدى إلى ربطه بالإرهاب وإلى رفض الإفراج عنه بالكفالة نتيجة لذلك.
5.2 نظام سري للقضاء الجنائي: الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001
ينبغي على البرلمان أن يكون بعيد النظر، وأن يقاوم إغراء منح سلطات للحكومة تنتقص من حقوق الأفراد وحرياتهم. فالأوضاع التي يمكن أن تبدو كافية لتبرير منح مثل هذه السلطات مؤقتة – أما فقدان الحرية فغالباً ما يكون دائماً.
اللجنة البرلمانية المشتركة لحقوق الإنسان في المملكة المتحدة، نوفمبر/تشرين الثاني 2001 .
في أعقاب أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001في الولايات المتحدة الأمريكية، صرحت حكومة المملكة المتحدة بأن التهديد الذي تمثله شبكة "القاعدة" للمملكة المتحدة قد جعل من الضروري إنفاذ تدابير تشريعية جديدة لـ"مكافحة الإرهاب". وفي تأكيدها على وجود "حالة طوارئ عامة" في المملكة المتحدة، قالت الحكومة:
هناك تهديد إرهابي للمملكة المتحدة من قبل أشخاص يشتبه بتورطهم في الإرهاب الدولي. وعلى وجه الخصوص، هناك مواطنون لدول أجنبية موجودون في المملكة المتحدة يُشتبه بأنهم معنيون بارتكاب أفعال إرهابية دولية أو التحضير لها أو التحريض عليها، أو يشتبه بأنهم أعضاء في منظمات أو مجموعات معنية بهذا، أو لديهم صلات بأعضاء من مثل هذه المنظمات أو المجموعات، ممن يشكلون تهديداً للأمن القومي للمملكة المتحدة.
وفي 13نوفمبر/تشرين الثاني 2001، تقدَّمت حكومة المملكة المتحدة بمشروع قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن، السلف التشريعي لقانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن للعام 2001 (قانون مكافحة الإرهاب). وأُقر قانون مكافحة الإرهاب في 14ديسمبر/كانون الأول 2001، أي بعد مرور ما لا يزيد عن شهر على طرح مشروع القرار على البرلمان. وتثير مثل هذه العملية التشريعية المتعجلة شكوكاً حول مدى الدقة والكفاية والفعالية في التفحص التشريعي الذي ناله قانون مكافحة الإرهاب من برلمان المملكة المتحدة.
ووسع قانون مكافحة الإرهاب إلى حد كبير من سلطات الدولة. حيث نص على مصادرة الممتلكات الإرهابية وعلى جواز إصدار أوامر ل
u1578?جميد الموجودات والأموال الإرهابية. وأعطى الشرطة سلطات أكبر في التعرف على الإرهابيين المشتبه بهم في مجالات من قبيل التبصيم والتصوير. كما ابتدع جرائم غامضة من قبيل "الصلات" مع عضو في "مجموعة إرهابية دولية".
إلا أن ما شكل التهديد الأكثر جسامة لحقوق الإنسان هو ذاك الجزء الرابع الذي انقضى مفعوله الآن لقانون مكافحة الإرهاب. فقد خوَّل هذا الجزء الوزير في الحكومة صلاحية إصدار شهادات بحق مواطني الدول الأجنبية الذين لا يمكن إبعادهم أو إخراجهم من المملكة المتحدة تدمغهم بأنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم" و"تهديد للأمن القومي". وما إن تصدر بحق هؤلاء مثل هذه الشهادة، يصبح من الممكن اعتقال مثل هؤلاء الأشخاص اعتقالاً احترازياً إلى أجل غير مسمى دون تهمة أو محاكمة، استناداً إلى معلومات استخبارية سرية لا يحق للمعتقلين أو محامييهم الاطلاع عليها، وبالتالي الاعتراض عليها على نحو فعال. والسبب في عدم قدرة المملكة المتحدة على إبعاد هؤلاء أو إخراجهم من البلاد هو أن المملكة المتحدة تعترف بأن هذا يمكن أن يعرضهم لخطر التعذيب أو غيره من ضروب إساءة المعاملة، أو للحرمان من المحاكمة العادلة، في البلدان التي سيرسلون إليها.
إن مثل هذه الأحكام المتعلقة بالاعتقال الاحترازي، بمقتضى الجزء 4من القانون، اتصفت بالتمييز وبالإفراط وبعدم الشرعية – وهي صدى يثير الانزعاج لعمليات الاعتقال الاحترازي الكارثية التي استخدمت في أوائل السبعينيات
من القرن الماضي وثبت مدى ضررها في سياق النـزاع في أيرلندا الشمالية. إن الاعتقال الاحترازي لا يتساوق مع الحق في الحرية المكفولة بمقتضى أحكام المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي ألزمت المملكة المتحدة نفسها بها. ونتيجة لذلك، فقد اضطرت المملكة المتحدة أن تُقيِّد وفاءها بأحكام المادة 5(1) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمادة 9من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتظل المملكة المتحدة هي الدولة الوحيدة في مجلس أوروبا التي قيًدت وفاءها بأحكام هاتين الاتفاقيتين بعد سبتمبر/أيلول 2001 .
1.5.2 الإجراءات أمام اللجنة الخاصة لطعون الهجرة: مظهر خادع للشرعية القانونية
في العام 1997، وفي أعقاب قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن قضية شاهال ضد المملكة المتحدة، أنشأت سلطات المملكة المتحدة اللجنة الخاصة لطعون الهجرة (لجنة الطعون). وهي محكمة خاصة بالهجرة تملك صلاحية الاستماع إلى استئنافات من جانب مواطني الدول الأجنبية ضد إصدار أوامر إبعاد بحقهم استناداً إلى شبهة أنهم يمثلون تهديداً لـ"الأمن القومي" للمملكة المتحدة، وإلى أن وجودهم في المملكة المتحدة لا يخدم الصالح العام. ومُنحت اللجنة الخاصة لطعون الهجرة صلاحية عقد جلسات استماع مغلقة -- يستثنى منها المُبعد والمستشار القانوني الذي يختار، ويسمح فيها لوزير الداخلية بتقديم معلومات استخبارية سرية -- بغرض حماية "الأمن القومي".
وبموجب صلاحيات الهجرة، يحق لسلطات المملكة المتحدة اعتقال الأشخاص في انتظار إبعادهم. وهكذا، يُعتقل الأشخاص الذين يتلقون أوامر إبعاد استناداً إلى الأمن القومي في العادة إلى حين بت لجنة الطعون في استئنافهم ضد قرار الإبعاد. وفي العادة، يصبح من الممكن إخراج من يخسرون الاستئناف من المملكة المتحدة. أما من يكسبون الدعوى فيُفرج عنهم.
إن قانون مكافحة الإرهاب قد أعطى اللجنة الخاصة بطعون الهجرة صلاحيات جديدة. ولكن الفارق الحقيقي بين الإجراء العادي للجنة الطعون ونظام لجنة الطعون بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب هو أن الحصيلة النهائية بالنسبة للأشخاص الذين يخسرون الاستئناف هو بقاؤهم قيد الاعتقال إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة.
ووصفت حكومة المملكة المتحدة الجزء الرابع من قانون مكافحة الإرهاب بأنه صلاحيات استثنائية تتعلق بالهجرة. وادعت أن إجراءات قانون مكافحة الإرهاب أمام لجنة الطعون مدنية بطبيعتها، وليست أحكاماً ضمن القانون الجنائي الوطني. كما ادعت حكومة المملكة المتحدة أن الطعون ضد إصدار شهادات "الإرهابيين الدوليين المشتبه بهم" هي مجرد إجراءات تتعلق بالهجرة. واعترضت منظمة العفو الدولية على هذا المنطق منذ البداية لعدة أسباب. فكما اعترفت حكومة المملكة المتحدة، فإن شبهة الإرهاب الدولي ذات طبيعة جنائية. وقد جعلت حقيقة أن النظام الذي أنشأه الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب يقوم على تعريف الإرهاب كما هو منصوص عليه في قانون الإرهاب للعام 2000، وهو تشريع ذو طبيعة جنائية، من التوصل إلى هذه النتيجة أمراً محتماً.
والأكثر أهمية من ذلك هو أن منظمة العفو الدولية اعتبرت أن إصدار وزير الداخلية شهادات لمن يعتقلون اعتقالاً احترازياً بصفتهم "إرهابيين دوليين مشتبه بهم"، يرقى إلى مرتبة "التهمة الجنائية"، ومن شأن آثارها الفعلية والمحتملة أن تكون "جنائية" في طبيعتها. ففي تقرير ما إذا كانت تهمة أو إجراءات ما "جنائية" في طبيعتها، لا يأخذ القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الفقه القانوني للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، بعين الاعتبارالتوصيف الوطني لـ"تهمة" ما والنتائج المترتبة عليها باعتبارها "جنائية" أم لا فحسب، وإنما أيضاً طبيعة العقوبات المحتملة والفعلية لهذه التهمة ومدى شدت7?ا. كما تأخذ في الحسبان ما إذا كانت هذه التهمة و/أو الإجراءات تحمل في طياتها إمكان حرمان الأفراد المعنيين من حريتهم لفترة معتبرة من الزمن، إذ يجعل ذلك منها مصيرية على نحو خطير بالنسبة للشخص. ومنذ البدء، وبغض النظر عن شكل تصنيفها بمقتضى قانون المملكة المتحدة، فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية إصدار شهادة بحق شخص ما بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب والإجراءات المعتمَدة أمام لجنة الطعون جنائية بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان، بالنظر إلى طبيعة تهمة ("إرهابي دولي مشتبه به")، وإلى العقوبة المحتملة (أي الاعتقال المحتمل لأجل غير مسمى)، والمخاطر المترتبة على ذلك.
وبمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب، أوكِلت إلى اللجنة الخاصة لطعون الهجرة مهمة مراجعة قرار وزير الداخلية بإصدار شهادة بحق شخص ما بأنه "إرهابي دولي مشتبه به". وسُمح للمعتقلين بناء عليه باستئناف قرار وزير الداخلية بوصمهم بأنهم "إرهابيون دوليون مشتبه بهم" أمام لجنة الطعون.
وأفسحت إجراءات "الطعن" أمام لجنة الطعون المجال أمام وزير الداخلية كي يعرض على اللجنة معلومات استخبارية سرية في جلسات استماع مغلقة يُستثنى من حضورها المعتقلون ومَن يختارون من محامين. وخُصِّص للمعتقل "محام خاص"، وهو محام ينال الموافقة الأمنية ويُسمح له بالاطلاع على المعلومات الاستخبارية السرية ومجريات جلسات الاستماع السرية. بيد أنه لم يسمح للمحامي الخاص هذا بإبلاغ المعتقل بماهية هذه المعلومات الاستخبارية السرية. والحصيلة التراكمية لهذا الإجراء هو حرمان المعتقل من حق الدفاع.
أما الإجراء الذي اتُّبع فقد حول المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة إلى مسخرة. وكما صرح رئيس لجنة الشؤون الدستورية في برلمان المملكة المتحدة في أبريل/نيسان 2005، فإن "نظام المحامي الخاص يفتقر إلى أكثر السمات أساسية التي تجعل من محاكمة ما محاكمة عادلة".
وفي 2003، قام ممثل منظمة العفو الدولية بمراقبة عدة جلسات استماع لطلبات استئناف تقدم بها 10رجال ضد صرف شهادات بحقهم وضد اعتقالهم إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2003،
ردَّت اللجنة الخاصة لطعون الهجرة، الطعون العشرة. وفي ضوء مراقبتها لجلسات الاستماع، خلُصت منظمة العفو الدولية إلى أن استئنافات اللجنة الخاصة لطعون الهجرة ترقى إلى مرتبة تضليل العدالة.
وعلى الرغم من عدم تقيدها بالضمانات الأساسية للإجراءات الواجبة، قضت لجنة الطعون في مارس/ذار 2004بأن دعوى اعتقال رجل ليبي باعتباره "إرهابياً دولياً مشتبهاً به" بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب "لا أساس لها"، وبأن بعض الفرضيات التي تقدمت بها السلطات "مضللة على نحو واضح" و"غير دقيقة" و"غير معقولة". وكان هذا هو الشخص الوحيد الذي كسب دعوى طعن في شهادة صدرت بحقه بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب.
وناضلت منظمة العفو الدولية من أجل إلغاء الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب أثناء تطبيق القانون. وأعربت عن اعتقادها بأن القانون يسمح، في المحصلة، بمعاملة الأشخاص من غير مواطني المملكة المتحدة وكأنهم "متهمون" بجرم جنائي، و"مدانون"، و"محكومون" بالسجن إلى أجل غير مسمى، علماً بأنهم لم يقدموا قط للمحاكمة. وهكذا، فقد أنشأ القانون نظاماً سرياً موازياً للقضاء الجنائي لمواطني الدول الأجنبية لا يوفر لهم الحقوق نفسها التي يوفرها نظام القضاء الجنائي العادي. وقد أكدت منظمة العفو الدولية مراراً وتكراراً على المبدأ الأساسي الذي يقضي بعدم احتجاز أحد ما لم توجه إليه تهمة جنائية معترف بها على وجه السرعة ويُحاكم خلال فترة معقولة ضمن إجراءات نزيهة. كما أصرَّت على أنه وبسبب حصر تطبيق هذه السلطات في مواطني دول غير المملكة المتحدة، فإن الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب ذو طبيعة تمييزية.
وبالنظر إلى جسامة انتهاكات حقوق الإنسان التي أفضى إليها تنفيذ نظام قانون مكافحة الإرهاب، تدخلت منظمة العفو الدولية في 2004، وفي خطوة ندر ما لجأت إليها، لتطعن في قانونية نظام الجزء 4أمام لجنة الاستئناف في مجلس اللوردات (لوردات القانون) – وهو أعلى محكمة في البلاد . كما تدخلت في الأمر كذلك منظمة أخرى غير حكومية لحقوق الإنسان هي منظمة "ليبرتي"، التي تتخذ من لندن مقراً لها. ودعت كلتا المنظمتين لوردات القانون إلى أن يبيِّنوا أن الاعتقال لأجل غير مسمى لغير مواطني المملكة المتحدة بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب يشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان الأساسية.
وفي 16ديسمبر/كانون الأول 2004، وفي حكم له أهميته التاريخية، قضى لوردات القانون بأن الاعتقال بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب ذو طبيعة تمييزية ولا يتساوق مع الحق في الحرية.
وحثت منظمة العفو الدولية سلطات المملكة المتحدة مجدداً على إلغاء التشريع والإفراج عن جميع المعتقلين فوراً ما لم توجه إليه على وجه السرعة تهماً جنائية معترفاً بها. ورد وزير الداخلية المعين حديثاً آنذاك بأن أحكام قانون مكافحة الإرهاب قيد البحث ستبقى سارية المفعول حتى يقرر البرلمان مستقبل القانون، وبأنه لن يأمر، بناء على ذلك، بالإفراج عن المعتقلين.
وبعد ذلك ببضعة أسابيع، أشا�585? وزير الداخلية إلى أن الحكومة تقبل بحكم لوردات القانون، وإلى أنها سوف تتقدم بتشريع جديد. وتبين أن هذا كان قانون منع الإرهاب للعام 2005، الذي أُقر في مارس/آذار 2005، أي في الشهر نفسه الذي تم فيه وقف العمل بالجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب.
وبينما أثبت قرار لوردات القانون لشهر ديسمبر/كانون الأول 2004صِدق انتقادات منظمة العفو الدولية والعديد من الهيئات الأخرى لقانون مكافحة الإرهاب، إلا أنه لم يأت إلا بعد أن جرى اعتقال أشخاص بلا تهمة أو محاكمة وفي ظروف قاسية لثلاث سنوات ونصف السنة.
2.5.2 المعركة القانونية لوقف اعتماد الحكومة أدلة انتُزعت تحت التعذيب
... هناك بالتأكيد ظروف قد نحصل فيها على معلومات استخبارية من شركاء ننسق معهم نعلم عنهم، في كثير من الأحيان، ومن خلال مراقبتنا نحن لحقوق الإنسان، أن ممارساتهم دون الحد الأدنى بكثير. ولكنك لا تحصل أبداً على معلومات استخبارية تقول لك، 'هذه معلومات استخبارية، وبالمناسبة فقد حصلنا عليها تحت التعذيب' ... ولا يعني كونها انتـزعت تحت التعذيب أنها وبصورة أوتوماتيكية غير صحيحة".
وزير خارجية المملكة المتحدة، 11نوفمبر/تشرين الثاني 2004
" ... التعذيب هو التعذيب بغض النظر عمن يقوم به، والإجراءات القضائية هي الإجراءات القضائية، مهما كان غرضها – ولا يمكن أن يُسمح بالأولى في سياق الثانية".
مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا، يونيو/حزيران 2005
في يوليو/تموز 2003، وفي سياق استئناف أمام اللجنة الخاصة لطعون الهجرة ضد إصدار شهادة بحق أحدهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب بأنه "إرهابي دولي مشتبه به"، قال أحد شهود إم آي 5 (MI5) إن من الممكن أن تقوِّم الإم آي 5 (جهاز الأمن) ما يتم انتزاعه من معلومات تحت التعذيب بأنه موثوق. وكنتيجة لهذا، أضاف الشاهد، فإن وزير الداخلية يمكن أن يستند إلى هذه المعلومات في سياق إجراءات لجنة الطعون.
وفي 29أكتوبر/تشرين الأول من ذاك العام، قضت لجنة الطعون بأن مثل هذه "الأدلة" ليست مقبولة فحسب في الإجراءات القضائية، ولكن يمكن الاعتماد عليها كذلك من قبل اللجنة الخاصة بطعون الهجرة في التوصل إلى قرارها. وقدَّم 10من المعتقلين استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب طعناً ضد هذا القرار المذهل، الذي يخالف ضمانة أساسية من ضمانات منع التعذيب.
وفي 11أغسطس/آب 2004، وفي قرار يثير الانزعاج، ردَّت محكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز، وهي ثاني أعلى محكمة في البلاد، الطعن. وقضت بأن قانون مكافحة الإرهاب يسمح – وفي حقيقة الأمر يستدعي – الاعتراف بالمعلومات التي يتم الحصول عليه عن طريق التعذيب كأدلة في محاكم المملكة المتحدة، طالما أن موظفيها الرسميين لم يرتكبوا التعذيب بأنفسهم أو يقوموا بالتواطؤ في ارتكابه.
وأدانت منظمة العفو الدولة القرار، الذي يرقى إلى مرتبة تمويل عقود خارجية للتعذيب. وقالت إن محكمة الاستئناف قد تخلت على نحو مخجل عن واجبها في احترام حقوق الإنسان وحكم القانون، وإن الحكم الذي أصدرته يُشجِّع من الناحية الفعلية التعذيب على أيدي وكلاء الدول الأجنبية. وأعربت هيئات عديدة أخرى عن وجهة نظر مماثلة.
ووضع هذا الحكم القانون الوطني كذلك في تناقض مع الالتزامات الدولية للمملكة المتحدة النابعة من الحظر المطلق المفروض على التعذيب وسوء المعاملة. حيث تنص المادة 15من اتفاقية مناهضة التعذيب على ما يلي: "تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال".
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أعربت لجنة مناهضة التعذيب أيضاً عن قلقها بشأن هذا الحكم. فأوصت بأنه ينبغي على سلطات المملكة المتحدة عدم "الاستناد، في أي إجراءات، إلى أدلة هناك معرفة أو اعتقاد بأنه قد تم الحصول عليها نتيجة للتعذيب، أو تقديم مثل هذه المعلومات".
وقال تيري ديفيس، الأمين العام لمجلس أوروبا، في أكتوبر/تشرين الأول 2005ما يلي:
ينبغي أن لا تتساهل الحكومات الأوروبية بشأن التعذيب الذي يمارس في أجزاء أخرى من العالم. ويجب أن لا تُقبل أبداً المعلومات التي يتم الحصول عليها نتيجة للتعذيب، وفي أي ظرف من الظروف، كأدلة في الإجراءات القضائية، بغض النظر عن مكان الحصول عليها أو الجهة التي حصلت عليها ... وأي اقتراح بتغيير الاتفاقية [الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية] فيما يتعلق بهذه النقطة سيعرض للخطر ليس حقوقنا فحسب، وإنما أمننا كذلك.
وعوضاً عن التقيد بهذه التوصية، أو التجاوب بصورة إيجابية مع الانتقادات الواسعة النطاق، سعت سلطات المملكة المتحدة إلى الدفاع عن قرار محكمة الاستئناف أمام لوردات القانون.
وفي نهاية الأمر، خسرت حكومة المملكة المتحدة، في ديسمبر/كانون الأول 2005، معركتها القانونية من أجل إبطال الحظر المطلق المفروض على السماح باستخدام المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال التعذيب كـ"أدلة" في الإجراءات القضائية. وفي القضيةA وآخرون (مقدِّمو الطعون) (FC) وآخرون ضد وزير الدولة للشؤون الداخلية (المدعى عليه) (الطعون المشتركة) ، أكد سبعة من لوردات القانون بالإجماع على أنه لا يجوز
القبول بمثل هذه الأدلة. كما قضوا بأن ثمة واجباً بتقصي ما إذا كان التعذيب قد وقع، وباستثناء أية أدلة إذا ما
خلُص التحقيق إلى ترجيح أنه قد تم الحصول عليها نتيجة للتعذيب. وكنتيجة لهذا الحكم، تقرر رد قضايا المعتقلين
العشرة إلى اللجنة الخاصة لطعون الهجرة لتعيد النظر في "الأدلة".
وفي الرأي الذي قاد إلى الحكم في هذه القضية، قال اللورد بينغهام أوف كورنهيك، كبير لوردات القانون، ما يلي:
المسألة تتصل بالمبدأ الدستوري المتعلق بما إذا كان من الجائز قانونياً الاعتراف بالأدلة التي يتم الحصول عليها عن طريق تعذيب كائن بشري آخر لاستخدامه ضد طرف ما في إجراءات محكمة بريطانية، بغض النظر عن مكان ممارسة التعذيب أو عن الشخص الذي مارسه أو السلطة التي أمرت به. وعلى هذا السؤال، أجيب بالنفي الواضح تماماً ... فمبادئ القانون العام، بحد ذاتها، تقضي إلزاماً، في رأيي، باستثناء الأدلة التي يتم الحصول عليها من طرف ثالث باعتبارها غير موثوقة وغير نزيهة وتشكل إساءة للمبادئ العادية للإنسانية واللياقة، ولا تتساوق مع المبادئ التي ينبغي أن تسترشد بها محكمة تسعى إلى تطبيق العدالة. بيد أن مبادئ القانون العام لا تقف وحدها هذا الموقف. إذ يجب الامتثال كذلك لأحكام الاتفاقية الأوروبية، التي تأخذ هي نفسها في الحسبان كل ما ينطوي عليه الإجماع العالمي المتجسد في اتفاقية مناهضة التعذيب.
ويتصل قرار لوردات القانون بامتياز بالإجراءات التالية أمام لجنة الطعون وفيما يتعلق بقبول "الأدلة" في جلسات الاستماع التي تتم بمقتضى قانون منع الإرهاب للعام 2005، من حيث فرض "أوامر المراقبة" (أنظر ما يلي). ولذا، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر أن من الضروري التأكيد على أن قرار لوردات القانون قد أثار بواعث قلق بخصوص عدد من المسائل. وعلى وجه الخصوص، فقد قضت أغلبية من أربعة قضاة من لوردات القانون السبعة بأنه ينبغي استثناء مثل هذه الأدلة إذا ما رأت لجنة الطعون أنه من المرجح أن يكون الحصول عليها قد تم نتيجة للتعذيب. وكما يقول اللورد بينغهام في رأيه الذي ينتمي إلى الأقلية، فإن: "هذا اختبار لا يمكن في عالم الواقع الجزم بشأنه أبداً. فالجلاد الأجنبي لا يفاخر بتجارته".
لقد قامت منظمة العفو الدولية بدور المنسق لائتلاف من 14منظمة دولية ووطنية من أجل القيام بتدخل مشترك في القضية عن طريق المداخلات المكتوبة والشفوية لدى لوردات القانون طالبة منهم نقض قرار محكمة الاستئناف . وطرح المحامون الذين مثلوا الائتلاف بقوة أمام أعلى محكمة في المملكة المتحدة الحجة القائلة بأن القانون الدولي يحظر التعذيب حظراً مطلقاً في كافة الظروزف، وبأنه لا يجوز أبداً الاعتراف بأي أقوال يتم الحصول عليها نتيجة للتعذيب أو سوء المعاملة، إلا في الإجراءات الخاصة بمقاضاة الجلادين.
6.2 معاملة الإرهابيين المشتبه بهم المزعومين
في 19ديسمبر/كانون الأول 2001، اعتُقل تسعة رجال بموجب الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب والجريمة والأمن في وقت مبكر من الصباح على أيدي عشرات من رجال الشرطة، الذين قاموا بترويع زوجاتهم وأطفالهم. وأشارت التقارير في حينه إلى أن بعض من اعتقلوا عوملوا مع عائلاتهم معاملة خشنة وفظة. ونُقل المعتقلون على الفور إلى سجون ذات إجراءات أمنية فائقة.
وبلغ مجموع من اعتقلوا اعتقالاً احترازياً في أوقات مختلفة بمقتضى الجزء 4من قانون مكافحة الإرهاب 16من مواطني الدول الأجنبية. واعتقل معظمهم لما يربو على ثلاث سنوات تحت أنظمة في غاية التقييد لسجنين من سجون الإجراءات الأمنية الفائقة (بيلمارش ووود هيل"، وفي مشفى برودمور للعلاج النفسي ذي الإجراءات الأمنية الفائقة.
وأعربت منظمة العفو الدولية على نحو متكرر عن بواعث قلقها بشأن الظروف القاسية للاعتقال، وبشأن التأثير الذي تتركه ظروف الاعتقال وطبيعته غير المحددة بزمن على الصحة العقلية والبدنية للرجال. وخلال زيارة قام بها مندوبو منظمة العفو الدولية إلى سجن بيلمارش في يونيو/حزيران 2002، وصف بعض المعتقلين حالتهم بأنها "تعذيب نفسي" نظراً لعدم معرفتهم بطول المدة التي سيحتجزون أثناءها، وبأسباب اعتقالهم.
1.6.2 معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة في سجن بيلمارش
احتُجز معظم معتقلي قانون مكافحة الإرهاب في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة في بيلمارش ما بين ديسمبر/ كانون الأول 2001ومارس/آذار 2002. ووحدة الإجراءات الأمنية الفائقة هي سجن داخل السجن. والزنازين فيها صغيرة ولا تكاد ترى ضوء الشمس. ويُحتفظ بالمعتقلين في الجناح المحتجزين فيه ولا يستطيعون الاتصال إلا مع المعتقلين في الجناح نفسه، إلا أثناء الصلاة. وتصف منظمة العفو الدولية هذا التقييد للحركة والتجمع بأنه "عزل في مجموعات صغيرة".
وأغلقت الزنازين على معتقلي قانون مكافحة الإرهاب في المراحل الأولى من احتجازهم في وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة لمدة 22ساعة في اليوم، كما أُخضعوا خلال الساعتين المتبقيتين خارج زنزاناتهم لـ"العزل في مجموعات صغيرة". ويشكل العديد من جوانب نظام وحدة الإجراءات الأمنية الفائقة انتهاكاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان: ?عدم توفير الوقت والأنشطة الجمعية الكافية في أماكن للتجمع؛ وغياب الأنشطة التعليمية والرياضية وسواها من الأنشطة والمرافق على نحو ذي مغزى؛ والحرمان من الهواء الطلق وضوء النهار الطبيعي والتمارين الرياضية في فضاء واسع، تخالف هذه جميعاً المعايير الدولية.
وفي مارس/آذار 2002، أعيد تصنيف معتقلي قانون مكافحة الإرهاب من معتقلي الفئة أ (شديدي الخطورة) ليصبحوا من معتقلي الفئة أ (متوسطي الخطورة) ونُقلوا إلى مجمع البيوت رقم 4في بيلمارش. وعندما زار مندوبو منظمة العفو الدولية المعتقلين في يونيو/حزيران 2002، قال المعتقلون إنهم لا يزالون يحتجزون لمدة 22ساعة في اليوم؛ وإنهم محرومون من الرعاية الصحية الكافية؛ وإنه لا يسمح لهم إلا بزيارات "مغلقة" من قبل عائلاتهم (حيث يفصل حاجز زجاجي المعتقل عن عائلته).
وخلصت منظمة العفو الدولية إلى أن من يُحتجزون في بيلمارش يعانون من أوضاع ترقى إلى مرتبة المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وأن هذه الأوضاع قد أدت إلى تدهور خطير في صحتهم البدنية والعقلية.
وفي تقرير نشرته في 2003، وبعد زيارة لمعتقلي قانون مكافحة الإرهاب قامت بها في فبراير/شباط 2002، أشارت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب والمعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة (اللجنة الأوروبية) إلى مزاعم بأن المعتقلين قد تعرضوا للإساءة اللفظية؛ وأعربت عن قلقها بشأن عدم السماح للمعتقلين بالاتصال بمستشارين قانونيين؛ ولاحظت أن نظام وأوضاع احتجاز معتقلي قانون مكافحة الإرهاب ينبغي أن يأخذا بعين الاعتبار حقيقة أن هؤلاء الأشخاص ليسوا متهمين أو مدانين بأية جريمة، وطبيعة اعتقالهم إلى أجل غير مسمى.
وبعد زيارتها الثانية لمعتقلي قانون مكافحة الإرهاب في مارس/آذار 2004، أعربت اللجنة الأوروبية في تقرير نشرته في يونيو/حزيران 2005، عن بواعث قلق تفصيلية بشأن بعض المعتقلين. وعلى سبيل المثل، تحدثت اللجنة عن ظروف رجل جزائري يبلغ من العمر 39عاماً، وأشارت إليه بالحرف"P" فقط لأسباب قانونية، فذكرت أنه يعاني من إعاقة حركية وأنه كان معتقلاً في سجن بيلمارش في وقت زيارتها. فقد قُطعت كلتا يديه، ولذا فهو بحاجة إلى المساعدة في ذهابه إلى المرحاض وفي الأمور الأخرى. وقالت اللجنة الأوروبية، التي كانت تتحدث عن اعتقاله في سجن بيلمارش، إنه "لم يتلق دائماً المساعدة الضرورية. وعلاوة على ذلك، فإن حالته العقلية قد تدهورت على نحو خطير نتيجة اعتقاله، ما أدى إلى إصابته باكتئاب حاد وإلى اضطراب عصبي تالي للصدمة". ولاحظت اللجنة الأوروبية كذلك ما يلي:
سبَّب الاعتقال اضطرابات عقلية لأغلب الأشخاص الذين اعتقلوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب، وبالنسبة لمن خضعوا فيما سبق لتجارب سببت لهم الصدمة، أو حتى للتعذيب، فقد أحيت هذه التجربة بوضوح ما مروا به من معاناة، وإلى حد أنها أدت على نحو خطير إلى تكرار تعرضهم لما مروا به من اضطرابات. وقد أصبحت صدمة الاعتقال أشد وقعاً في التأثير على صحتهم نظراً لأنها ترافقت مع غياب المراقبة الناجم عن طبيعة اعتقالهم إلى أجل غير مسمى ... وبالنسبة لبعضهم، يمكن أن يعتبر وضعهم الذي لاحظته اللجنة في وقت الزيارة بأنه يرقى إلى مرتبة المعاملة اللاإنسانية والمهينة . [التشديد من جانبنا].
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004، خلُص 12طبيباً من ذوي المكانة المرموقة إلى أن جميع المعتقلين على ذمة قانون مكافحة الإرهاب الذين فحصوهم قد عانوا من اعتلال خطير في صحتهم. وأكدوا أن كون الاعتقال غير محدد بزمن قد شكَّل عاملاً رئيسياً في تدهور صحتهم وصحة زوجاتهم العقلية. ويلخص التقرير المعطيات التالية بالعلاقة مع تأثير الاعتقال على أفراد عائلات المعتقلين:
هناك بوضوح عبء ثقيل من الضغوط المفروضة على الزوجات، وهذا يسهم بصورة سلبية في حالتهن العقلية. فبينما يمكن لوجود زوج للمرأة في السجن أن يرى على أنه مصدر ضغط للعديد من النساء، فإنهن ينظرن إلى المشكلات بصورة مضخمة عما يمكن توقعه في المعتاد ... وفيما يلي الاستخلاصات التي يمكن استنتاجها:
1. أظهرت جميع النساء الثلاث علامات على الاكتئاب الإكلينيكي.
2. تظهر إحداهن كذلك علامات على الاضطراب العصبي التالي للصدمة[PSTD] بالعلاقة مع اعتقال زوجها، بينما تعاني أخرى من حالة قلق رُهابي.
3. يتصل ما يظهر عليهن من أعراض بصورة مباشرة مع حبس أزواجهن وطبيعته غير المحدودة بزمن.
4. تُضاعِف حالة العزلة اللاتي يعشن فيها من متاعبهن الصحية العقلية.
5. تتأرجح حالاتهن الشخصية بحسب ما يمر به أزواجهن من مشكلات.
6. من غير المحتمل أن يتحقق تحسن في حالاتهن مع استمرار الوضع الراهن.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، نُقل اثنان من المعتقلين إلى مشفى برودمور النفسي ذي الإجراءات الأمنية الفائقة بسبب ما ترتب على اعتقالهم من آثار على صحتهم العقلية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004أيضاً، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن بواعث قلقها بشأن نظام الاعتقال الصارم الذي يحتجز بعض المعتقلين في سجن بيلمارش بموجبه.
وفي يناير/كانون الثاني 2005، أصدرت الكلية الملكية للأطباء النفسيين بياناً أعربت فيه عن بواعث قلقها بشأن الصحة العقلية للمعتقلين المحتجزين بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب. وتبنى البيان المعطيات التي توصل إليها في أكتوبر/تشرين الأول 12من الأطباء رفيعي المكانة، كما ذكرنا فيما سبق. وقالت الكلية الملكية للأطباء النفسيين بالإضافة إلى ذلك ما يلي:
يعاني المعتقلون الثمانية الذين جرى فحصهم بالفعل من مشكلات كبيرة في صحتهم العقلية. وفي المحصلة، فإن الأدلة تشير إلى أن ظروف الاعتقال الخاصة لهذه المجموعة قد أسهمت إلى حد كبير في هذه المشكلات الصحية. وبحسب أفضل التقديرات، فإن من المرجح أن يتسبب اعتقالهم إلى أجل غير مسمى، وغياب الإجراءت القانونية العادية الواجبة، وما ترتب على ذلك من شعور بالعجز، في تدهور كبير للصحة العقلية للمعتقلين...
ونرى أنه من غير المحتمل أن يُخلِّصهم العلاج النفسي، مهما كان متقدماً، من آثار ما يلي:
• فصلهم عن عائلاتهم وأصدقائهم ومن يقدِّمون الدعم لهم؛
• الاعتقال إلى أجل غير مسمى دونما معرفة بالمزاعم التي يقوم عليها اعتقالهم؛
• السجن بالنسبة لمن يعانون من نقاط ضعف سابقة ناجمة عن الصدمة أو الإساءة التي تعرضوا لها في أوطانهم.
7.2 قانون منع الإرهاب للعام 2005و"أوامر المراقبة"
لم تفرج الحكومة على وجه السرعة عن المعتقلين في أعقاب الحكم الصادر عن لوردات القضاء في ديسمبر/كانون الأول 2004بأن الاعتقال بمقتضى الجزء 4من قانون محاكمة الإرهاب يتسم بالتمييز ولا يتماشى مع الحق في الحرية،. وعوضاً عن ذلك، انتظرت حتى مارس/آذار إلى حين انقضاء مدة سريان مفعول النص التشريعي. ناهيك عن أنها وحتى آنذاك لم تحترم حقوقهم الإنسانية.
وعلى الرغم من حقيقة أنه كان أمام الحكومة عدة أشهر كيما تنظر فيما ينبغي عليها أن تفعل في حال خسارتها المعركة في المحكمة من أجل مواصلة اعتقال من لا يمكنها إبعادهم من مواطني الدول الأجنبية دونما توجيه تهمة إليهم بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب، فقد تمكنت من إقناع البرلمان بأنها بحاجة إلى سن تشريع جديد من تشريعات مكافحة الإرهاب؛ وتبنى البرلمان على وجه السرعة قانون منع الإرهاب للعام 2005 (قانون منع الإرهاب)، الذي دخل حيز النفاذ في 11مارس/آذار.
واتصف هذا التشريع أيضاً بموقف عدائي من حيث الجوهر لحقوق الإنسان ولحكم القانون ولاستقلال القضاء. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن قانون منع الإرهاب يناقض أيضاً روح، إن لم يكن نص، قرار لوردات القانون، حيث استبدل نظاماً لـ"أوامر المراقبة" بالاعتقال بلا محاكمة الذي اتبع بمقتضى نظام قانون مكافحة الإرهاب.
ويخول قانون منع الإرهاب للعام 2005وزراء الحكومة سلطات غير مسبوقة في أن يُصدروا "أوامر للمراقبة" لتقييد حرية وحركة وأنشطة الأشخاص الذين يشتبه، كما يٌفترض، بقيامهم بأنشطة تتعلق بالإرهاب، سواء أكانوا من مواطني المملكة المتحدة أم لا.
وهناك صيغتان من "أوامر المراقبة"، إحداهما مقيِّدة والأخرى غير مقيِّدة. وتتراوح القيود التي يمكن أن تفرض بموجب هذه الأوامر بين "الإقامة المنـزلية الجبرية"، وبين التعقُّب، ومنع التجوال، والتحكم في استخدام الشخص للهاتف والإنترنت، وكذلك تحديد الأشخاص الذين يمكنه الالتقاء أو الاتصال بهم. وحُدِّدت مدة "أوامر المراقبة" بعام واحد. بيد أنه يمكن تجديدها في نهاية كل فترة من اثني عشر شهراً، بحيث يمكن، في نهاية الأمر، أن تستمر إلى أجل غير مسمى. ويشكل أي "خرق" للقيود المفروضة بموجب "أوامر المراقبة" من دون مبرر معقول جريمة جنائية يمكن الحبس عليها لمدة قد تصل إلى خمس سنوات.
وفي العادة، يتعين أن يتقدم الوزير في الحكومة بطلب إلى المحاكم لفرض "أمر بالمراقبة". وإذا ما سُمح بإصدار "أمر المراقبة"، تُجرى بصورة روتينية مراجعة قضائية لقرار الوزير الذي سيصدره. ويمكن الاعتراض على "أوامر المراقبة" نفسها وعلى أي من القيود المفروضة بموجبها، وتقوم المحكمة بناء على ذلك بتطبيق مبادئ المراجعة القضائية – أي الإبقاء على الأمر ساري المفعول ما لم يتبين أن القرار بإصداره يعاني من "خلل إجرائي واضح".
وبإمكان الوزير فرض النوع الأول من "أوامر المراقبة" – أي ما يسمي "أوامر المراقبة" غير المقيِّدة – في "حالات الطوارئ"، وعندما تكون لديه "أسباب معقولة" للاشتباه بأن شخصاً ما يشارك في أنشطة تتصل بالإرهاب، أو شارك في مثل هذه الأنشطة، ويرى أن من الضروري القيام بذلك "لأغراض تتصل بحماية أفراد الجمهور من خطرٍ إرهابي ماثل". ويجب مراجعة فرض مثل هذه الأوامر من جانب المحاكم خلال سبعة أيام. ويمكن للأفراد الذين يخضعون لمثل ها الأوامر الطعن فيها استناداً إلى مبادئ المراجعة القضائية.
أما النوع الثاني من "أوامر المراقبة" – أي ما يسمى بأوامر المراقبة المقيِّدة – فيمكن فرضها بناء على طلب من قاض حيث ينشأ اعتقاد بأن من المرجح أن يكون شخص ما متورطاً، أو قد تورط، في أنشطة تتصل بالإرهاب. وتشمل هذه الأوامر "الإقامة المنـزلية الجبرية"، وترقى إلى مستوى الحرمان من الحرية. وتعرف باسم "أوامر المراقبة المقيِّدة" نظراً لأن مثل هذا الحرمان من الحرية يمثل خرقاً للاتفاقية الأوروبية ويتطلب تقييداً مسبقاً للمادة 5من الاتفا ?ية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وبذا، فإن سلطات المملكة المتحدة قد احتفظت، بمقتضى قانون منع الإرهاب هذا، بسلطة إصدار الأمر بالحرمان من الحرية إلى أجل غير مسمى بلا تهمة أو محاكمة استناداً إلى معلومات استخبارية سرية – اللهم باستثناء أن هذه السلطة قد غدت تنطبق الآن على مواطني المملكة المتحدة وعلى غيرهم على حد سواء.
وعلاوة على ذلك، فإن ما تستتبعه من قيود يشكل انتهاكاً لطيفٍ عريض من حقوق الإنسان، بما فيها الحق في احترام الحياة الشخصية والعائلية، وفي حرية التعبير، وحرية التجمع والانتساب إلى الجمعيات، وحرية التنقل، والحق في محاكمة عادلة، وحق الفرد في الحرية وفي الأمن على شخصه.
وفي الآونة الأخيرة لاحظ مستشار الملكة اللورد كارلايل أُف بيرِّيو، المراجِع المستقل لهذا التشريع، ما يلي:
مهما اختلفت الآراء، فإن هذه الالتزامات [القيود المفروضة بموجب "أوامر المراقبة" غير المقيِّدة] شديدة التقييد. وهي وإن وجد أنها لا ترقى إلى الدرجة التي تستدعي طلب التقييد، فواقع الحال هو أنه لم يجرِ أي اعتراض عليها حتى الآن في هذا الصدد – لكن ما تفرضه من تضييق شديد للغاية ... إذ تشمل الالتزامات حظراً للتجول لمدة ثماني عشرة ساعة، وتحديداً للزوار والاجتماعات بالنسبة للأشخاص الذين توافق عليهم وزارة الداخلية، والإخضاع لعمليات التفتيش، ومنع الاتصالات عن طريق الهاتف الخليوي أو الإنترنت، وتقييداً للدائرة الجغرافية التي يمكن أن يتحرك الشخص ضمنها. وهذه ليست ببعيدة كثيراً عن الإقامة الجبرية، وبالتأكيد تحول دون الحياة الطبيعية إلى حد بعيد . [التشديد من جانبنا]
ولا تغيِّر المراجعة القضائية التي يسمح بها بعد فرض "أمر بالمراقبة" من الطبيعة التعسفية للسلطات الممنوحة للسلطة التنفيذية بموجب هذا القانون. إذ يسمح للحكومة بتقديم معلومات استخبارية سرية لحرمان الأشخاص من حريتهم، وبالحمل لأجل غير مسمى، وعلى القضاء أن ينظر في هذه الأدلة. ونظراً لعدم السماح للأشخاص المعنيين برؤية أو سماع ما يستخدم ضدهم من "أدلة"، فإن الإجراءات تكون خلواً من أكثر الضمانات أساسية، بينما يُحرم الشخص المعني من حقه في محاكمة عادلة.
كما يعاني التدقيق القضائي من أوجه قصور في مجالات أخرى:
• فالقانون يخوِّل الوزير في الحكومة فرض "أوامر بالمراقبة" دون أي إشراك مسبق للقضاء، وليس بغرض توجيه الاتهام للأفراد المعنيين أو محاكمتهم بجرائم جنائية معترف بها؛
• ولا صلاحية للقضاة سوى مراجعة قرار الوزير وليس إصدار قرار مستقل وغير متحيز هم أنفسهم؛
• ومعيار الإثبات المطلوب لموافقة المحكمة على فرض "أوامر المراقبة" أدنى إلى حد كبير من المعيار الجنائي القائم على مفهوم "لا محل فيه لشك معقول".
وقد أكد مفوض حقوق الإنسان لمجلس أوروبا بواعث قلق منظمة العفو الدولية. فقال إن إجراءات المراجعة القضائية المسموح بها تتسم بما يلي:
أحادية الجانب بطبيعتها، حيث تجبر القاضي على النظر في معقولية شكوك تقوم، جزئياً على الأقل، على أدلة سرية لا يملك تأكيد صدقها أو صلتها بالوضع في ضوء رد المشتبه به عليها. وبعيداً تماماً عن التجاوز الواضح لافتراض البراءة، فثمة صعوبة لا يستهان بها في إمكان اعتبار إجراءات المراجعة المذكورة نزيهة ومستقلة وغير متحيزة.
وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق أيضاً بشأن إمكان أن تحاول حكومة المملكة المتحدة تقديم معلومات جرى التقاطها من أماكن مثل قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان وخليج غوانتانامو ومراكز اعتقال أخرى سرية لم تجر تسميتها، حيث حُبس البشر بلا أدنى أساس قانوني في حجز الولايات المتحدة، وتعرضوا، بحسب ما زُعم، للتعذيب أو لغيره من ضروب إساءة المعاملة.
ويمكن أن تستند "أوامر المراقبة" على معلومات استخبارية سرية لم يجر الكشف عنها للأشخاص المعنيين أو لمحامين من اختيارهم. وإذا ما وافقت المحكمة مع وزير الداخلية بأن من ضرورات "الأمن القومي" عدم الكشف عن"الأدلة" للشخص المعني أول لمستشار قانوني من اختياره، يتم تعيين محام خاص مخول بالمشاركة في الإجراءات السرية المغلقة. بيد أنه لا يسمح للمحامي الخاص، وكما هو الحال في إجراءات قانون مكافحة الإرهاب، بإطلاع الشخص المعني على طبيعة المعلومات السرية أو بتلقي توجيهات منه. والأثر التراكمي لهذا هو حرمان من يُخضعون لـ"أوامر المراقبة" من حق الدفاع.
ويسمح قانون منع الإرهاب للعام 2005بتجريد الأشخاص من الحق في المحاكمة النـزيهة، بما في ذلك:
• الحق في أن يُبلَّغوا على وجه السرعة وبالتفصيل بطبيعة وسبب الاتهامات الموجهة إليهم؛
• الحق في المحاكمة ضمن فترة زمنية معقولة أو الإفراج عنهم في انتظار المحاكمة؛
• الحق في افتراض البراءة، الذي ينطبق على جميع الأشخاص المتهمين بجريمة جنائية، بما في ذلك في أوقات الطوارئ، والذي يتطلب أن تثبت الدولة التهمة على نحو "لا محل فيه لشك معقول"؛
• الحق في المساواة أمام القانون وفي التمتع بحمايته على قدم المساوة دونما أي تمييز؛
• الحق في أن تفصل في التهمة الجنائية الموجهة إليهم محكمة مستقلة
u1578?تمتع بصفة القطع والتقرير؛
• الحق في دفاع الشخص عن نفسه أو في طلب المساعدة القانونية من أشخاص يختارهم بنفسه.
وترى منظمة العفو الدولية أن فرض "أوامر المراقبة" يتساوى مع قيام وزير في الحكومة بـ"اتهام"