أوروبا وآسيا الوسطى

أوروبا وآسيا الوسطى

Human Rights by region

رجال شرطة يسيئون معاملة ناشط سياسي أثناء احتجاج في باكور، بأذربيجان، 12 مارس/آذار 2011.

© © منظمة العفو الدولية


«أنا سعيد جداً لأنه قد أفرج عني. وأنا في غاية الامتنان لمنظمة العفو الدولية، التي نظمت الحملات من أجلي منذ البداية. وبرأيي، فقد أنقذتموني. فشكراً لجميع من بعثوا برسائلهم عبر 'تويتر'».

الصحفي وسجين الرأي إيتولاّ فضللاييف من العاصمة الأذربيجانية، باكو.

ذات صباح ربيعي في قرية صغيرة في صربيا، وصلت أكبر عملية مطاردة لرجل في أوروبا إلى نهايتها. فالجنرال راتكو ملاديتش، المطلوب، بين جملة تهم، بتهمة قتل 8,000 رجل وصبي في سيربرينتسا، سيواجه أخيراً العدالة. وعقب شهرين، اعتقل كذلك الكرواتي من أصول صربية غوران هادجيتش، آخر المشتبه بهم المطلوبين "للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة"، ونُقل من ثم إلى لاهاي.

وكانت هاتان نقلتين نوعيتين لضحايا الجرائم المروعة لحروب تسعينيات القرن الماضي في يوغوسلافيا. فالقبض على الرجلين، الذي تأخر كثيراً، بعث الأمل في نفوس الناجين بأنهم سيحصلون، بعد طول انتظار، على الحقيقة والعدالة والإنصاف. بيد أن عديدين أكثر مما يجب، في مختلف أرجاء الإقليم، ما برحوا ينتظرون أن تسنح الفرصة لهم كي ينتصفوا لما لحق بهم من ظلم، وأن لا يطول ذلك.

حرية التعبير

في تناقض صارخ مع التطلعات والتغيير اللذين اجتاحا مختلف أرجاء العالم العربي، عززت الأنظمة الأوتوقراطية في عدد من الدول التي خلفت الاتحاد السوفييتي من قبضتها على السلطة. فقامت بسحق الاحتجاجات، وبالقبض على قادة المعارضة، وبإسكات الأصوات المعارضة. وبالنسبة لعديدين، فلا بد أن الآمال التي رافقت انهيار الاتحاد السوفييتي قبل 20 سنة قد غدت ذكرى قصيّة وعصيًة.

ففي بيلاروس، فُرض حظر على الاحتجاجات التي أعقبت تزوير الانتخابات المزعوم في السنة السابقة أو تم تفريقها، ولم يخلُ الأمر من اعتقال مئات المحتجين وفرض غرامات عليهم، بينما فرضت قيود أكثر شدة على حرية التجمع. ولم تسلم المنظمات غير الحكومية ذات المواقف الانتقادية كذلك من الاستهداف. وفي أذربيجان، نُزعت كل شرعية عن المظاهرات المناهضة للحكومة من الناحية الفعلية، وأفضت محاولات قام بها عدد من منتقدي الحكومة إلى موجة جديدة من القمع والترهيب. بينما فرض حظر غير معقول على المظاهرات التي جرى التخطيط لها لشهري مارس/آذار وأبريل/ نيسان للاحتجاج على الفساد والدعوة إلى مزيد من الحريات المدنية والسياسية، وفرِّقت من ثم رغم طبيعتها السلمية. وكما هو الحال في بيلاروس، شعرت المنظمات غير الحكومية ذات المواقف الانتقادية، ومعها المراسلون الصحفيين، بقسوة الرد الرسمي، فأغلقت خمس منظمات لحقوق الإنسان، بينما تعرض عدة صحفيين ممن نقلوا أخبار حوادث الترهيب والمضايقة في أعقاب الاحتجاجات مباشرة للملاحقة هم أنفسهم.

وفي آسيا الوسطى، واصلت تركمانستان وأوزبكستان فرض قيود مشددة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والانضمام إليها. بينما مُنعت الأحزاب السياسية ذات التوجهات المعارضة حقاً من التسجيل، ونادراً ما تمكن الناشطون الاجتماعيون من العمل في الهواء الطلق. أما الصحفيون من منتقدي السلطات والمدافعون عن حقوق الإنسان فتعرضوا للمراقبة بصورة روتينية وظلوا على الدوام عرضة لمواجهة الضرب والاعتقال والمحاكمات الجائرة. وتزايدت في طاجيكستان وكازاخستان وقرغيزستان المحاكمات الجائرة وحالات المضايقة لمنتقدي الحكومة ولمن يكشفون النقاب عن الانتهاكات التي يرتكبها الموظفون العموميون.

أما الصورة في روسيا فكانت مختلطة. وكما هو الحال في باقي دول الإقليم، تعرض المدافعون عن حقوق الإنسان ومن يعملون بشأنها من الصحفيين للمضايقة والترهيب والضرب لكشفهم النقاب عن الانتهاكات. وكثيراً ما حُظرت المظاهرات المناهضة للحكومة وأخضع منظِّموها والمشاركون فيها لفترات قصيرة من الاعتقال، أو لغرامات. وكالمعتاد في مختلف دول الإقليم، ظلت معظم وسائل الإعلام والمنافذ الإعلامية الرئيسية تخضع لتأثيرات قوية من جانب السلطات الوطنية والمحلية. وعلى الرغم من هذا، استمر تنامي الأنشطة المدنية، حيث استقطبت مجموعة متنوعة من القضايا دعم الجمهور على نطاق واسع – بما في ذلك قضايا البيئة ومكافحة الانتهاكات التي يرتكبها الموظفون العموميون. وظلت الإنترنت خارج سيطرة السلطات نسبياً، وتنامت أهميتها كمصدر منافس للمعلومات ومنبر لتبادل الآراء.

على هذه الخلفية، شهدت روسيا، في ديسمبر/كانون الأول، أكثر المظاهرات زخماً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي على خلفية مزاعم واسعة النطاق، وحالات عديدة تم تسجيلها، بتزوير الانتخابات البرلمانية التي أعادت حزب "روسيا الموحدة" الذي يتزعمه رئيس الوزراء، بوتين، إلى الحكم، رغم خسارته حصة لا يستهان بها من الأصوات. وجرى تفريق المظاهرات العفوية التي انطلقت ابتداء، عقب الانتخابات عبر مختلف المناطق الروسية، بصورة روتينية، حيث صدرت على المئات أحكام بالسجن أو اعتقلوا لفترات قصيرة أو فرضت عليهم غرامات. بيد أن المظاهرات التي نُظمت في موسكو في الأسابيع التي تلت كانت عظيمة الزخم ومن غير الممكن حظرها، فمرت بسلام.

وفي تركيا، ظل الصحفيون من منتقدي الحكومة، والناشطون السياسيون الأكراد وسواهم، عرضة للمقاضاة الجائرة لدى حديثهم عن أوضاع الأكراد في تركيا، أو انتقادهم القوات المسلحة. واستمرت التهديدات بالعنف للمتحدثين الجسورين البارزين، بينما بدأ في نوفمبر/تشرين الثاني سريان مفعول أنظمة جديدة تبعث على المزيد من القلق بما تفرضه من قيود تعسفية على المواقع الإلكترونية.

المهاجرون والنازحون

على خلفية العصف السياسي الذي يجتاح شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حاول آلاف النازحين والمهاجرين ركوب أخطار البحر في مسعى منهم للعبور إلى أوروبا بحثاً عن السلامة وعن مستقبل آمن، وغالباً في مراكب مكتظة غير قادرة على تحمل أنواء البحار. وطبقاً لتقديرات متحفظة، غرق ما لا يقل عن 1,500 شخص، بينهم نساء حوامل وأطفال، في عرض المتوسط أثناء الرحلة. وعوضاً عن أن تُتخذ تدابير للحيلولة دون مثل هذا الموت في أعالي البحار، بما في ذلك عن طريق زيادة عمليات البحث والإنقاذ، تركز رد الاتحاد الأوروبي على تعزيز قدرات جهازها المكلف بمراقبة حدود كل دولة من دوله مع الدول الأخرى، والمسمى "فرونتيكس"، لمنع وصول هؤلاء إلى أوروبا عبر المتوسط. ووردت تقارير بأن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم يكترث لإنقاذ أشخاص كانوا يواجهون أنواء البحر، رغم حقيقة أن الذريعة الرئيسية التي لجأ إليها الحلف لتبرير تدخله العسكري في ليبيا كان الحيلولة دون وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

أما من كتبت لهم النجاة وعبروا، فغالباً ما وجدوا أمامهم أوروبا لا تبادلهم الود. وعوضاً عن التجاوب الإنساني مع هذه الأزمة الإنسانية، ظل الرد التقليدي واستجابة الدول الأوروبية يقومان على مقاربة همّها الحراسة الأمنية للحدود والسيطرة على عمليات تدفق المهاجرين.

فآلاف الأشخاص الذين نجحوا في الوصول إلى جزيرة "لامبيدوسا" الإيطالية واجهوا ظروف استقبال مريرة نتيجة تقاعس السلطات الإيطالية عن التجاوب بالقدْر الكافي مع الأعداد المتنامية من القادمين من الشواطئ المقابلة.

وتُرك القادمون الجدد إلى الجزيرة عالقين لينام العديد منهم في أوضاع شديدة القسوة ودون ما يلبي حاجاتهم من المنافع الصحية ومرافق الاغتسال. وليكتشفوا أن الوصول إلى الشواطئ الأوروبية لا يعني الوصول إلى دار الأمان: ففي أبريل/نيسان، وعقب اتفاق بين الحكومة الإيطالية والسلطات التونسية، باشرت إيطاليا ببرنامج لعمليات طرد جماعية ومتعجلة للتونسيين وبإعادتهم إلى تونس.

ورفض العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا والمملكة المتحدة، إعادة توطين أي لاجئين نزحوا جراء النزاع المسلح في ليبيا، رغم أنها كانت طرفاً في النزاع تحت جناح حلف الأطلسي.

وعبْر الإقليم بمجمله، واصلت الدول انتهاك حقوق الإنسان من خلال العمليات الاعتراضية لمواطني الدول الأجنبية، بمن فيهم المؤهلون للحصول على الحماية الدولية، واعتقال هؤلاء وطردهم. فتفشى الاعتقال، كأداة للردع، على نطاق واسع، عوضاً عن أي يكون آخر الخيارات المشروعة.

وكثيراً ما خذلت أنظمة اللجوء من ينشدون الحماية، بما في ذلك كنتيجة لاعتماد إجراءات متعجلة لاتخاذ القرار بشأن حالات طلب اللجوء في فنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة، التي لم توفر ضمانات كافية ضد مخاطر إعادة الأفراد إلى أماكن يمكن أن يواجهوا فيها انتهاكات لحقوقهم الإنسانية. فأعيد أشخاص من تركيا وأوكرانيا، مثلاً، دون فتح أي باب أمامهم كي يستفيدوا من أنظمة اللجوء في البلدين.

وعقب قرار صدر، في يناير/كانون الثاني، عن "الغرفة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" في قضية م. س. س. ضد بلجيكا واليونان، وشكَّل منعطفاً في هذا السياق، علّقت الدول الأوروبية إعادة طالبي اللجوء إلى اليونان بموجب "نظام دبلن 2"، نظراً لعدم وجود نظام فعال للجوء فيها. بيد أن بعض الدول واصلت إعادة أشخاص إلى بلدان مثل العراق وإريتريا، خلافاً لما أشارت به "المفوضية العليا لشؤون اللاجئين" التابعة للأمم المتحدة، وإعادة "الروما" قسراً إلى كوسوفو، رغم وجود خطر حقيقي بأن يتعرضوا للاضطهاد والتمييز هناك.

وفي مختلف أرجاء الإقليم، ظل آلاف الأشخاص يعانون من التشرد جراء نزوحهم بسبب النزاعات التي رافقت انهيار يوغوسلافيا السابقة والاتحاد السوفييتي، دون أن تكون أمامهم، في أغلب الأحيان، فرصة للعودة بسبب وضعهم القانوني- أو اللاقانوني – ونتيجة للتمييز الذي يرافق فرص التمتع بالحقوق، بما فيها الحق في الأمن على الممتلكات.


وأثناء المفاوضات التي نُظمت بشأن تشريع الاتحاد الأوروبي للّجوء، لم تُلق الدول الأعضاء في الاتحاد بالاً لأوجه الخلل في أنظمتها الخاصة باللجوء وفي ترتيباتها المتعلقة بترحيل طالبي اللجوء وإعادتهم إلى أول بلد أوروبي دخلوه.

التمييز

على الرغم من أن التمييز ظل يلحق الأذى بحياة ملايين الأشخاص في شتى أرجاء الإقليم، تقاعست الحكومات عن إعطاء أية أولوية لسياسات مكافحته، متذرعة بحاجات أخرى أكثر إلحاحاً. فلجأت إلى الحديث عن العوامل الاقتصادية، رغم وجود العديد من المؤشرات على أن من جرى تهميشهم يواجهون تهديداً متزايداً من تجذر أوجه الحيف التي عانوا منها بصورة أكبر. أو سعت ببساطة إلى الإشاحة بوجهها عن التزاماتها، كما فعلت الحكومة الهولندية، عندما أعلنت على الملأ في يوليو/تموز أن المسؤولية الرئيسية في التحرر من التمييز تقع على عاتق المواطنين أنفسهم.

وعوضاً عن مواجهة النظرات النمطية وأوجه التحامل التي تؤجج التعصب والكراهية، عمدت بعض الحكومات والمسؤولين العموميين فعلياً إلى تعزيزها. فحذرت هيئة المساواة في رومانيا رئيس البلاد مرتين من أخطار التصريحات المعادية "للروما" التي تبث على شاشات التلفزيون.

واستمرت على المستويين الوطني والأوروبي العام الثغرات التي تشل التشريعات المناهضة للتمييز. وفي بعض الحالات، ضاعت فرص سانحة لتصحيحها نتيجة تردد السلطات العامة أو الائتلافات الحكومية الناجم عن خشيتها من إمكان أن يثير تعزيز الحماية لمن يواجهون التمييز معارضة سياسية لها. فواجه شمول الهوية الجنسية  بالحظر المفروض على أسباب التمييز في مشروع قانون جديد ضد التمييز في مولدوفا سيلاً من الانتقادات، وبما أدى إلى مأزق سياسي حال دون إقراره. وفي أسبانيا، لم يلق مشروع قانون ضد التمييز الدعم الكافي لإقراره قبل الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني. وعلى المستوى الأوروبي، واصل "مجلس الاتحاد الأوروبي" نقاشاته بشأن مقترح لتشريع جديد على نطاق الاتحاد الأوروبي لمكافحة التمييز، اقُترح في 2008، بينما أولى المشاركون اهتماماً أكبر لكيفية إفراغ المقترحات من مضمونها أو إبقائها على الرف. وفضلاً عن ذلك، لم تضع المفوضية الأوروبية التشريعات الموجودة حالياً، كما هو الحال بالنسبة "للتعليمات المتعلقة بالعرق" أو "ميثاق الحقوق الأساسية"، موضع التنفيذ، رغم استمرار الخروقات من جانب الدول الأعضاء.

وتعرضت اتفاقيات مناهضة التمييز الوطنية والإقليمية أحياناً للانتقاد العلني وللتشكيك في شرعيتها. ولعبت المحكمة الأوروبية دوراً مهماً في تطبيق الحظر المفروض على التمييز المكرس في "الاتفاقية الأوروبية"، وفي تعزيز الحظر المفروض على التمييز على أسس بعينها، من قبيل الهوية الجنسية والميول الجنسية. بيد أن أحكاماً سابقة صادرة عن المحكمة، كتلك التي قضت بأن فصل أطفال الروما عن الآخرين في المدارس فعل تمييزي، لم تنفذ في عدة دول، كما هو الحال في جمهورية التشيك وكرواتيا.

وظلت اتفاقيات إقليمية مهمة لحقوق الإنسان كان من شأن التصديق عليها أن يعزز الحماية، دون تصديق. وعلى سبيل المثال، لم توقِّع أي دولة جديدة على "البروتوكول الملحق بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المتعلق بحظر التمييز" أو تصدق عليه. وفي سانحة أكثر إيجابية، تبنى مجلس أوروبا في مايو/أيار اتفاقية جديدة هي "الاتفاقية الخاصة بمنع ومكافحة العنف ضد المرأة وجميع أشكال العنف الأسري"، التي وقعت عليها عقب ذلك 18 دولة من دول الإقليم.

وبينما تقاعست بعض الحكومات عن تعزيز الآليات الوطنية أو الأوروبية للتصدي للتمييز،  أبدت حماساً ملفتاً للنظر حيال أساليب التمييز الموجودة أو سعت إلى الترويج لأساليب جديدة. وظلت التشريعات والسياسات والممارسات التي تميِّز ضد "الروما" في سعيهم إلى التمتع بحقهم في السكن تحتل متن العديد من الدساتير، بينما استمر إخلاء تجمعات "الروما" قسراً من مساكنهم في عدة بلدان في طول القارة الأوروبية وعرضها، بما في ذلك في فرنسا وإيطاليا وصربيا. وأقرت في روسيا وليتوانيا مقترحات تشريعية تميِّز ضد الأفراد على أساس هوية نوعهم الاجتماعي أو ميولهم الجنسية.

إن غياب الحماية القانونية الشاملة والافتقار إلى الدفاع المثابر عن الحقوق من جانب من هم في سدة السلطة قد أديا إلى عواقب سلبية على حياة الأفراد. وما برح العداء والتمييز الموجهان ضد الأقليات الإثنية والدينية، وكذلك ضد الأشخاص بناء على هوية نوعهم الاجتماعي أو ميولهم الجنسية، واللذان تؤججهما في معظم الأحيان أحزاب اليمين المتطرف الشعبوية، يشكلان مبعث قلق في مختلف أرجاء الإقليم. فلم يسلم ذوو الميول الجنسية المثلية أو الثنائية أو المتحولون إلى الجنس الآخر، و"الروما"، والمهاجرون والمسلمون، بين جملة فئات، من الاستهداف بالهجمات بدافع الكراهية. واستمر التخاذل عن التصدي لجرائم الكراهية على نحو كاف بسبب الثغرات في التشريع، أو رداءة أنظمة الإبلاغ، وعدم كفاية التحقيقات، أو بسبب مثالب في أنظمة القضاء الجنائي وانعدام الثقة بالشرطة. وقد أفضت مشاعر التحامل والنظرات النمطية أيضاً إلى اختلالات في سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون بدوافع عنصرية.

ففي العديد من البلدان في أنحاء شتى من الإقليم، احتدم النقاش حول فرض حظر عام على ارتداء البرقع. وسارعت كل من بلجيكا وفرنسا إلى وضع تشريعاتها الوطنية الخاصة بها في هذا الشأن موضع التنفيذ. وأدت المحاججات التي رافقت ذلك، والقائمة في معظمها على الفرضيات وليس على البيانات العلمية الموثوقة، إلى المزيد من العزل الاجتماعي للمسلمين. فراح مسؤولون يملكون ناصية الشأن العام يطلقون الآراء النمطية عن الرموز التي يُرى أنها إسلامية، كغطاء الرأس، بدلاً من الوقوف في وجهها. وظلت أشكال بعينها من الرموز الدينية والثقافية والملابس تفضي إلى التمييز ضد المسلمين، ولا سيما النساء المسلمات، سواء فيما يتعلق بفرص العمل أو بالتعليم.

مكافحة الإرهاب والأمن

واصلت الحكومات الأوروبية بناء سد فيما بينها في وجه الجهود المنسقة لضمان المساءلة عن تواطئها المزعوم في برامج وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه) للترحيل والاعتقال السري. وكشفت بعض الحكومات عن معلومات جديدة تتعلق بتورطها في هذه العمليات، أو اتُّهمت مجدداً بمثل هذا التواطؤ لدى اكتشاف أدلة جديدة على ذلك من قبل المنظمات غير الحكومية أو وسائل الإعلام. وأنهت حكومات أخرى تحقيقات هزيلة لم تلبِّ حتى الحد الأدنى من معايير حقوق الإنسان، أو اكتفت بأن أوسعت هذه التحقيقات مديحاً لا معنى له، أو أنكرت ببساطة كل تورط لها، رغم تعاظم الأدلة على ذلك. وفي مارس/آذار، أقر البرلمان الأوروبي متابعةً لتقريره لسنة 2007 بشأن التورط الأوروبي في عمليات السي آي أيه هذه، بغرض ضمان التقيد بقراراته السابقة المتعلقة بالالتزام بالتحقيق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية.

فأنهت ليتوانيا فجأة في يناير/كانون الثاني تحقيقها بشأن مرفقين سريين للاعتقال أقيما على الأراضي الليتوانية من قبل السي آي أيه، متذرعة بصعوبات فنية وبأسرار الدولة. وفي أكتوبر/تشرين الأول، رفضت الحكومة إعادة فتح التحقيق، رغم ظهور أدلة جديدة قدمتها المنظمات غير الحكومية إلى السلطات في سبتمبر/أيلول، ولا تعوزها المصداقية، بشأن رحلة جوية محتملة انطلقت من المغرب إلى ليتوانيا. وواجه البروتوكول الخاص "بالتحقيق بشأن المعتقلين"، الذي أصدرته حكومة المملكة المتحدة في يونيو/حزيران بمعارضة قوية من جانب خبراء معترف بهم دولياً لحقوق الإنسان ومنظمات غير حكومية ومعتقلين سابقين وممثليهم بسبب ما أثاره من بواعث قلق تتعلق بسيطرة الحكومة على ما يجوز الكشف عنه، وبسرية جلسات الاستماع، وبعدم وجود نص يتيح للضحايا أن يشاركوا على نحو ذي مغزى. وتعهد العديد من الجماعات والأفراد بعدم التعاون مع التحقيق ما لم تدخَل تغييرات عليه، ولكن مضى العام ولم تجر أية تعديلات على البروتوكول.

وفي أغسطس/آب، مددت السلطات البولندية مهلة التحقيق في وجود موقع للسي آي أيه في البلاد، ولكنها واصلت وضع العراقيل أمام الحصول على المعلومات من جانب المحامييْن اللذين قام الضحايا بتوكيلهما، ولم تكشف عن أي معلومات بشأن سير التحقيق. واستثار ما كشفته وسائل الإعلام في ديسمبر/كانون الأول من معلومات تفيد بأنه قد تم تحديد مكان موقع سري للسي آي أيه في بوخارست، سيلاً من التصريحات أطلقتها السلطات الرومانية لتنكر بصلف حقيقة ذلك. وظلت ترفض كل ما يقال عن مشاركتها في عمليات السي آي أيه، رغم وجود أدلة حاسمة بأن رومانيا كانت متورطة من رأسها حتى أخمص قدميها، وبأنها انخرطت طوعاً في هذه البرامج.

وأفرجت السلطات الفنلندية في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني عن معلومات تشير إلى أن طائرة على منتها أشخاص يجري ترحيلهم سراً قد حطت على أراضيها، وأطلقت دعوات إلى إجراء تحقيق مستقل في تورط فنلندا المزعوم، ولكنها لم تكن في نهاية العام قد اتخذت أي قرار بمباشرة التحقيق. واقتصر تحقيق في تواطؤ مزعوم من جانب الدنمرك، أُعلن عنه في نوفمبر/تشرين الثاني، على غرينلاند، ولم يتطرق إلا إجراء "مراجعة ورقية" للمعلومات التي تم تجميعها فيما سبق في مجرى التحقيق البرلماني.

وأمام العراقيل التي أقيمت في وجه التحقيقات على الصعيد الوطني، تقدّم بعض ضحايا عمليات الترحيل السري بطلبات إلى "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، آملين باستصدار قرار بتدبير ما لمحاسبة المسؤولين. وفي نهاية العام، كانت دعاوى مرفوعة ضد ليتوانيا ومقدونيا وبولندا لا تزال قيد النظر من جانب المحكمة.

وظلت سياسات وممارسات مكافحة الإرهاب المعتمدة في مختلف أرجاء الإقليم تقوِّض ضمانات حماية حقوق الإنسان. فانتشرت في أنحاء شتى من الإقليم بدعة اللجوء إلى تأكيدات دبلوماسية لترحيل الأشخاص الذين يعتبرون خطراً على الأمن القومي، ولا سيما في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، انتقدت الأمم المتحدة ألمانيا لتواطئها مع أجهزة استخبارات دأبت بصورة روتينية على توظيف أشكال من الإكراه أثناء التحقيقات. واستخدمت أوامر المراقبة وغيرها من أشكال الرقابة الاجتماعية، التي ترقى إلى مرتبة الحرمان من الحرية، في عدد من الدول، وعلى وجه الخصوص في المملكة المتحدة، كبديل مموه للمحاكمات الجنائية الكاملة لتلافي الضمانات التي ترافقها في العادة.

وفي تركيا، نُظر عدد من القضايا بموجب قوانين مثلومة لمكافحة الإرهاب لم تفِ بصورة روتينية بمقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة. وكان العديد ممن جرت مقاضاتهم من الناشطين السياسيين، بينهم طلاب وصحفيون وكتاب ومحامون وأكاديميون. واستجوبوا روتينياً حول أنشطتهم التي يحميها الحق في حرية التعبير.

وظلت الحالة الأمنية في مناطق شمال القوقاز الروسية قابلة للانفجار وغير مستقرة. فواصلت الجماعات المسلحة استهداف الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون وغيرهم من الموظفين الرسميين، بينما ظل المدنيون يقعون في شراك تبادلات إطلاق النار، وأحياناً يستهدفون بصورة متعمدة. وكثيراً ما رافقت العمليات الأمنية في مختلف أرجاء المنطقة انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. ووردت تقارير تفيد بتعرض الشهود للترهيب، والصحفيين وناشطي حقوق الإنسان والمحامين للمضايقة والقتل.

وأعلنت  منظمة "إيتا" المسلحة التي تدعو إلى انفصال الباسك عن أسبانيا عن إنهاء كفاحها المسلح، ولكن في تركيا، ظلت عمليات القصف والتفجيرات من جانب الجيش والجماعات المسلحة، على السواء، تؤدي إلى خسائر في الأرواح في صفوف المدنيين.

الإفلات من العقاب بعد انتهاء الصراع

على الرغم من القبض على المشتبه بهما الأخيرين ممن وجِّهت إليهم تهم من قبل "المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة"، ظل التقدم نحو معالجة الإفلات من العقاب على ما ارتكب من جرائم إبان حروب التسعينيات من القرن الماضي بطيئاً. وظلت القدرات وروح الالتزام اللازمة للتصدي للإفلات من العقاب غائبة، بينما دفعت بعض الخطوات المساعي في هذا الصدد إلى الوراء. ففي كرواتيا، بذل الرئيس والسلطات القضائية بعض الجهود للتعامل مع حروب الماضي، ولكن لم تُتخذ تدابير تذكر من جانب الحكومة. وعوضاً عن ذلك، شنت شخصيات سياسية بارزة هجوماً على العدالة الدولية، وأقر البرلمان قانوناً تشكِّل أحكامه خرقاً لالتزام كرواتيا بالتعاون مع جمهورية الصرب في الأمور الجنائية. كما وضعت العراقيل أمام التعاون الإقليمي الهادف إلى تفكيك العقبات القانونية التي تحول دون تسليم من يشتبه بأنهم قد ارتكبوا جرائم حرب ما بين البوسنة والهرسك وكرواتيا وصربيا والجبل الأسود.

وبعد 10 سنوات من اندلاع النزاع المسلح في مقدونيا، في 2001، ألغى تأويل جديد من جانب البرلمان لقانون العفو إجراءات المقاضاة في قضايا جرائم الحرب التي أحيلت من المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى القضاء المقدوني، بما أدى، في نهاية المطاف، إلى ضمان الحصانة للجناة من المقاضاة أمام المحاكم الوطنية.

وفي قرغيزستان، وعلى الرغم من تيسير عملية تشكيل لجنتين مستقلتين للتقصي، تقاعست السلطات عن إجراء تحقيقات نزيهة وفعالة في أعمال العنف التي اجتاحت البلاد في يونيو/حزيران 2010، وفي الفترة التي أعقبت ذلك.

التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة

خذلت الأنظمة القضائية، بالمثل، ضحايا التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة في معظم الأحيان، ولم تخضع المسؤولين عن هذه الانتهاكات للمساءلة. وشملت العراقيل أمام مساءلة الجناة غياب فرص الاتصال السريع بمحام، وتقاعس المدعين العامين عن متابعة التحقيق بحرص، والخشية من الأعمال الانتقامية، وهزال العقوبات التي فرضت على من أدينوا من رجال الشرطة، وغياب الأنظمة المستقلة لتتبع الشكاوى والتحقيق في المخالفات الخطيرة من جانب الشرطة.

واستمر انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب. ففي أوزبكستان، ورغم التأكيدات من جانب السلطات بأن ممارسة التعذيب قد تراجعت إلى حد كبير، وإقرار تشريع جديد لتحسين معاملة المعتقلين، وردت عشرات التقارير عن تعرض معتقلين وسجناء للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة القاسية على مدار العام. وفي تركيا، أحبطت محكمة الاستئناف قراراً صدر في 2010 وشكل منعطفاً لا سابقة له في تاريخ القضاء التركي، حيث أدان القرار موظفين حكوميين وصدرت بحقهم أحكام بالسجن لمدد طويلة لتسببهم في وفاة معتقلين جراء التعذيب. وظلت تقارير عن  وقوع حالات تعذيب على نطاق واسع تتوارد من أوكرانيا وروسيا، رغم الإصلاحات الشكلية لجهاز الشرطة في الأخيرة.

وفي أماكن أخرى، أثيرت مزاعم باستخدام القوة المفرطة وسوء المعاملة من جانب الشرطة أثناء محاولتها تفريق الاحتجاجات المناهضة للتدابير التقشفية، ولا سيما في اليونان وأسبانيا.

عقوبة الإعدام

ما زالت بيلاروس الدولة الوحيدة التي تنفذ أحكاماً بالإعدام، فأعدمت رجلين عقب محاكمتهم بناء على إجراءات قضائية جنائية مليئة بالثغرات، بينما ظلت السرية تلف العملية برمتها. ونُفذ حكما الإعدام رغم تلقي السلطات طلباً رسمياً من "لجنة حقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة بوقف التنفيذ حتى تتمكن من دراسة قضيتي الرجلين.

خاتمة

بعث اعتقال راتكو ملاديتش وغوران هادجيتش برسالة قوية ليس فحسب للضحايا، وإنما عبر الإقليم بمجمله. وشكَّل رسالة أمل في وجه سنوات طويلة من الانتظار، ولكن رسالة تحذير أيضاً لجميع من اعتقدوا أن وجود أصدقاء ذوي نفوذ وجيران أقوياء أو مصالح راسخة خفية سوف يحميهم من قبضة العدالة، أو يمكن أن يحميهم. وشكّل الاعتقال دليلاً على ما يمكن إنجازه عندما يلتزم الأفراد والمجتمع المدني والحكومات والمجتمع الدولي التزاماً حقيقياً باحترام حقوق الإنسان العالمية.

بيد أن أناساً  كثْر، وأكثر مما يجب، في مختلف أرجاء الإقليم، ما انفكوا تائهين بين الكلام الطنان عن حقوق الإنسان وواقع عدم التنفيذ الذين يرونه بأم أعينهم. ففي أغلب الأحيان، وبإفراط وتفريط، ظلت الدول ترى في الدعم الصارم لحقوق الإنسان عقبة لا تتواءم مع رغباتها في تعزيز أمن الدولة أو التزود بالنفط. وتعرضت استقلالية "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" لتحديات مقلقة أيضاً؛ وكثيراً ما تبيَّ للملأ أن الاتحاد الأوروبي ليس سوى نمراً بلا أسنان في وجه الانتهاكات التي ارتكبتها دوله الأعضاء. أما دول الاتحاد فرادى، فقد خذلت بشكل مثير للقلق التزامها الأساسي بأن تحترم جميع الحقوق الإنسانية للجميع.

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE