Document - Human rights for human dignity : A primer on economic, social and cultural rights

حقوق الإنسان من أجل كرامة الإنسان: وثيقة تمهيدية بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

مقدمـة

"شهدت السنوات الخمس والعشرون الأخيرة تقليصاً كبيراً في حالة الفقر المدقع لم يشهده العالم من قبل. ومع ذلك، فقد أصبحت عشرات البلدان أكثر فقراً. ولا يزال أكثر من مليار شخص يعيشون على دخل يقل عن دولار واحد في اليوم. ويلقى 3ملايين شخص حتفهم سنوياً بسبب فيروس نقص المناعة المكتسبة/ مرض الأيدز، كما يقضي 11مليون طفل نحبهم قبل بلوغ سن الخامسة."كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة.1

ثمة قرابة 840إنسان في شتى أنحاء العالم يعانون من سوء التغذية المزمنة.2ويقضي نحو 11مليون طفل نحبهم سنوياً قبل بلوغ سن الخامسة.3 ويُحرم ما يربو على 100مليون شخص من التعليم الابتدائي4(تشكل الفتيات أكثر من نصفهم). وهذه ليست مجرد واقع تعبس، وإنما هي فضيحة رهيبة للغاية في مجال حقوق الإنسان. ولذا، لا بد من تحمل مسؤولية الرد على هذه الفضيحة- وهي مسؤولية تمتد جذورها، لا إلى المطالب المتعلقة بالكرامة الإنسانية فحسب، وإنما إلى الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان الملزمة قانونياً.

إن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية الصارخة تمثل واقعاً ثابتاً في بلدان تنتمي إلى جميع الأطياف السياسية وجميع مستويات التنمية. وفي وسط هذه الوفرة، لا يزال العديد من الأشخاص غير قادرين على الحصول على الحد الأدنى من مستويات الغذاء والماء والتعليم والرعاية الصحية والمسكن. وهذا ليس نتيجة لانعدام الموارد فحسب، وإنما لانعدام الإرادة والإهمال والتمييز من جانب الحكومات وغيرها. وتُستهدف جماعات عديدة بشكل خاص بسبب هويتها، وكثيراً ما يتم تجاهل أولئك الذين يعيشون على هامش المجتمع تجاهلاً تاماً.

إن الإحقاق الكامل للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية- ومنها الحق في المأكل والمسكن والرعاية الصحية والتعليم والعمل- يتطلب توفر موارد بشرية واقتصادية وتقنية كبيرة. ومع ذلك، فإن محدودية الموارد ليست السبب الرئيسي لتفشي انتهاكات هذه الحقوق، ولا يمكن استخدامها كذريعة لحرمان بعض الأفراد والجماعات من هذه الحقوق. فأفراد الأقليات العرقية والسكان الأصليون والنساء وأفراد جماعات المعارضة أو الجماعات الدينية والأشخاص المصابون بفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز أو بإعاقات عقلية وغيرهم، عرضة لخطر الحرمان بسبب التمييز والظلم.

وحتى الحكومات الغنية والقوية عجزت عن الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بوضع حد للجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وعن القضاء على الأمية والتشرد، سواء على مستوى بلدانها أوعلى المستوى الدولي. وعلى الرغم من الإعراب عن مشاعر القلق وبيانات النوايا الطيبة، فقد وقف المجتمع الدولي متفرجاً بينما كانت الحكومات، بشكل منفرد، تزدري الحقوق الإنسانية لملايين البشر. كما عجزت الحكومات الحريصة على تشجيع الاستثمار عن ضمان احترام الشركات الكبرى لمسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان. فقد عرَّضت حياة السكان للخطر بسبب التلوث، وللاستغلال بسبب حرمانهم من الحق في الحصول على أجور عادلة وظروف عمل كريمة. وكثيراً ما عمدت الحكومات، سواء بالعمل بمفردها أو من خلال المؤسسات المالية الدولية، إلى ازدراء حقوق الناس في أماكن مختلفة، وذلك بدعمها للمشاريع التنموية الضخمة، التي أدت إلى تشريد العديد من الناس من منازلهم على نطاق واسع وانتهاك حقوق السكان الأصليين.

إن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست مجرد مسألة عدم كفاية الموارد، وإنما هي مسألة تتعلق بالسياسات.5

إن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة- أي أن لجميع الحقوق قيمة متساوية ولا يمكن فصلها عن بعضها بعضا. وإن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية- من قبيل عدم حماية حقوق السكان الأصليين في ملكية أرضهم، وحرمان الأقليات من حقوق التعليم، وعدم المساواة في الحصول على الرعاية الصحية- غالباً ما تُربط بانتهاكات الحقوق المدنية والسياسية من حيث أنماط الحرمان. ولا يمكن إحقاق أي من حقوق الإنسان بمعزل عن الحقوق الأخرى. ومثلما يقتضي التمتع الكامل بالحق في حرية التعبير جهوداً منسقة لتحقيق الحق في التعليم، فإن الحق في الحياة يقتضي اتخاذ خطوات لتخفيض معدلات وفيات الرضَّع والأوبئة وسوء التغذية.6

"سي كيه" امرأة في السبعين من العمر، تعيش في مزرعة تجارية واسعة سابقة، حيث عاشت وعملت طوال حياتها. وعندما تقاعدت، منحها المزارع قطعة أرض صغيرة في طرف المزرعة لسد أودها من الطعام، ومرتباً صغي

u1585?اً لمساعدتها وزوجها في شيخوختهما. وفي الفترة بين العام 2000 والعام 2003 هلك جميع أبناء سي كيه وشريكاتهم جراء إصابتهم بمرض الإيدز، وتركوا في رعايتها 12 حفيداً تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وست سنوات. في العام 2003 تم الاستيلاء على المزرعة لغايات إعادة التوطين وأُرغم المزارع على مغادرتها. وتم تقسيم المزرعة إلى قطع خُصصت لمزارعين جدد، بما فيها الأرض التي كان عمال المزرعة قد استغلوها. وسُمح لسي كيه وغيرها من عمال المزرعة بالبقاء في منازلهم، لكن من دون أن تُخصص لهم أي قطعة أرض. وهكذا، فإن سي كيه لا تستطيع زراعة أي مواد غذائية لعائلتها، ومُنعت من المشاركة في برنامج الحكومة الذي أُطلق عليه اسم "الغذاء مقابل العمل"، أو الحصول على مخصصات من الذرة من مجلس تسويق الحبوب الذي تسيطر عليه الحكومة.

وقد عجزت حكومة زمبابوي عن توفير الأمن الغذائي أثناء برنامج الإصلاح الزراعي المعروف باسم "المسار السريع"، الذي أُطلق ظاهرياً لمعالجة عدم المساواة الرهيب في ملكية الأرض. فقد تمت إعادة توزيع مساحات شاسعة من الأرض المنتجة في السابق من دون التأكد من أن الشاغلين الجدد يملكون البذار أو السماد أو الأدوات أو حتى النية لزراعة المحاصيل. وقد أدى ذلك، إلى جانب الجفاف الذي ضرب أفريقيا الجنوبية، إلى انخفاض هائل في كمية الغذاء المتوفر. وتفاقمت مشكلة ندرة الغذاء من جراء رفض الحكومة للمساعدات الغذائية الإنسانية الدولية، واستخدامها المجاعة لأغراض الحصول على مكاسب سياسية. ويواجه الأشخاص الذين يعتبرون من المتعاطفين مع المعارضة عقبات كبرى في الحصول على الغذاء عن طريق دوائر توزيع الأغذية التي تديرها الحكومة.

وكان من بين الفئات الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية عمال المزارع الذين واصلوا العيش على الأراضي المصادرة، ولكنهم لم يضمنوا حيازتها. فالحكومة أهملتهم من ناحية، وتم استثناؤهم أحياناً من المساعدات الإنسانية، لأن بعض المانحين الدوليين كانوا حريصين على ألا يُنظر إليهم وكأنهم متواطئون مع احتلال الأرض.7

الحرمان من الأراضي الزراعية وبذار الحبوب والمساعدات الغذائية في زمبابوي


عندما اعتُمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948، اعترف المجتمع الدولي بأن البشر لا يمكنهم الانعتاق من الخوف والفاقة وتحقيق حرية الكلام والمعتقد، إلا إذا خُلقت ظروف يستطيع في ظلها جميع البشر أن يتمتعوا بجميع حقوق الإنسان. وعلى الرغم من الالتزام بمبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة، فقد تركز الاهتمام الدولي إلى حد كبير على انتهاكات معينة للحقوق المدنية والسياسية، من قبيل التعذيب وإساءة المعاملة وعمليات القتل خارج نطاق القضاء وحالات "الاختفاء" وانتهاكات الحق في المحاكمات العادلة. وقد لعبت منظمة العفو الدولية، على مدى أكثر من 40 عاماً، دوراً قيادياً في وضع هذه القضايا على جدول الأعمال الدولي.


"إن الحرمان التعسفي من الحياة لا يقتصر على فعل القتل المحظور، وإنما يتعداه ليشمل الحرمان من الحق في العيش بكرامة. وإن هذه النظرة تضفي مفهوماً إضافياً للحق في الحياة يتمثل في أنه ينتمي، في الوقت نفسه، إلى مجال الحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي يبين الترابط بين جميع حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة." أنطونيو كنشادو ترنيداد، رئيس محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان.8



منذ انتهاء الحرب الباردة، ما انفك الحرمان المستمر من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يثير بواعث القلق الدولية على نحو متزايد. ففي جميع الدول لا يزال الأشخاص الذين يعانون من الإقصاء والتهميش يصطدمون بالحواجز التي تعترض سبيل تحقيق الحد الأدنى من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد بات المناضلون، آخذين هذه الحقيقة بالاعتبار، يشيرون على نحو متزايد إلى ضرورة الاعتراف بمثل هذه العقبات ومكافحتها باعتبارها من قضايا حقوق الإنسان.

وفي السنوات الأخيرة، قامت منظمة العفو الدولية بتوسيع نطاق رسالتها معترفةً بأن عدد سجناء الفقر يفوق عدد سجناء الرأي بكثير، وأن ملايين البشر يقاسون مرارة التعذيب بأنياب الجوع والموت البطيء الناجم عن الأمراض التي يمكن الوقاية منها. ونظراً للطبيعة المترابطة لجميع انتهاكات حقوق الإنسان، فقد مكَّن العمل بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية منظمة العفو الدولية من التصدي لمشكلات حقوق الإنسان المعقدة بطريقة أكثر شمولية. فعلى سبيل المثال، تناول عمل منظمة العفو الدولية بشأن الانتهاكات في الأراضي التي تحتلها إسرائيل، والذي بدأ منذ زمن طويل، تأثير عمليات حظر التجول والإغلاق على حق السكان الفلسطينيين في العمل والرعاية الصحية.


الحرمان من الحقوق في الأراضي الفلسطينية المحتلة

أدت القيود على التنقل التي فرضها الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة إلى إحباط جهود المزارعين الفلسطينيين الرامية إلى زراعة المحاصيل وبيعها، وحرمت الفلسطينيين من الحصول على وظائف ومن الوصول إلى المرافق الصحية والتعليمية. ويجري فرض الحصار والقيود- بما في ذلك بناء جدار طوله 600 كيلومتر، والذي بدأ إنشاؤه منذ العام 2002 - بهدف إبعاد الفلسطينيين عن المستوطنات الإسرائيلية والطرق التي يستخدمها المستوطنون الإسرائيليون. إن هذه المستوطنات غير شرعية بموجب القانون الدولي، وقد حرمت السكان الفلسطينيين المحليين من الماء والأرض وغيرهما من الموارد الرئيسية.

وأُرغمت النساء على وضع مواليدهن على نقاط التفتيش بسبب محدودية إمكانية الحصول على الرعاية الطبية الطارئة،9 مما أدى إلى حالات وفاة أحيان�575?ً. فقد أُرغمت رولا اشتية إلى إنجاب طفلها على طريق قذر بالقرب من نقطة التفتيش في بيت فوريك بعد رفض الجنود الإسرائيليون السماح لها بالمرور من قريتها إلى مدينة نابلس القريبة: "استقلينا سيارة أجرة، ونزلنا منها قبل الوصول إلى نقطة التفتيش، لأنهم كانوا يمنعون اقتراب السيارات من النقطة، وقطعنا بقية الطريق سيراً على الأقدام. كنت أقاسي آلام المخاض. في نقطة التفتيش كان هناك عدة جنود يحتسون القهوة أو الشاي وتجاهلونا. اقترب داود من الجنود كي يتحدث إليهم، فهدده أحدهم بالسلاح...كنت ملقاة على الأرض، على التراب، وزحفت خلف حاجز إسمنتي بالقرب من نقطة التفتيش في محاولة للتواري خلف أي شيء يعطيني بعض الخصوصية. لقد أنجبت طفلتي هناك، في التراب، مثل حيوانة. حملت الطفلة بين ذراعي، فتحركت قليلاً، ثم فاضت روحها بعد بضع دقائق بين ذراعي."10



منذ الثمانينات من القرن المنصرم حشد مناضلون من شتى أنحاء العالم طاقاتهم وظموا أنفسهم في شبكات تهدف إلى تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث تبادلوا المهارات والخبرات التي تعلموها على مدى سنوات عديدةفي سائر أنحاء العالم. وقد تمخضت جهودهم عن تحسين أوضاع بعض الأفراد الذين تعرضوا للانتهاكات، والاعتراف بوجود حواجز معينة تواجه فئات معينة في المجتمع، وزيادة الوعي بأهمية هذه الحقوق بالنسبة لتحقيق الكرامة الإنسانية.

إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست مجرد طموحات أو أهداف يتم تحقيقها تدريجياً مع مرور الزمن. فبموجب القانون الدولي، تقع على عاتق الدول التزامات عاجلة، وأخرى آجلة. وبغض النظر عن درجة تطورها، يتعين على الدول أن تتخذ الإجراءات اللازمة للوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (بما في ذلك مراجعة قوانينها وسياساتها)، وأن تمتنع عن انتهاك هذه الحقوق. كما يجب على الدول أن تكفل عدم وجود تمييز، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، في تحقيق هذه الحقوق. وعلى الحكومات أن تعمل على تنظيم سلوك الأفراد والشركات وغيرهم من الفاعلين غير التابعين للدولة لضمان احترامهم لحقوق الإنسان.

ونظراً لأن منظمة العفو الدولية انضمَّت إلى الجماعات المحلية والنشطاء في العالم بأسره في النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن هذا الكراس يبين بعض الملامح الأساسية لهذه الحقوق، ويقدم لمحة عامة عنها ويبين نطاقها ومحتواها، ويعطي أمثلة على الانتهاكات التي ترتكب وما يمكن القيام به للتصدي لها.

ومنظمة العفو الدولية مقتنعة بعدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة وبأهمية النضال من أجل ضمان احترام جميع حقوق الإنسان لجميع البشر وحمايتها والوفاء بها. إن هذا الكراس لا يُبرز التزامات الحكومات داخل بلدانها فحسب، وإنما التزاماتها الدولية ومسؤوليات طائفة أوسع من الفاعلين في مجال حقوق الإنسان، من بينها المنظمات الدولية والشركات.

وكما اعترف المجتمع الدولي مراراً وتكراراً، فإن جميع حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ويعتمد بعضها على بعض ومترابطة.11وإن الكرامة الإنسانية تقتضي احترام جميع حقوق الإنسان لجميع البشر: أي أنه ليس ثمة أولوية تعلو على أولوية الحق في العيش بكرامة.


لا يمكن ولا يجوز تقسيم كرامة الفرد ، إلى مجالين- المجال المدني والسياسي، والمجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. إذ يجب أن يتمتع الفرد بالحق في الانعتاق من العوز، إلى جانب التحرر من الخوف. ولا يمكن تحقيق الهدف النهائي المتمثل في ضمان احترام كرامة الفرد، إلا إذا تمتع بجميع حقوقه."

دائرة الحقوق: الأنشطة المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: مورد للتدريب 12



الفصل .1 استعادة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

لقد تعرضت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للتهميش على مدى حقبة طويلة من القرن العشرين، على الرغم من الاعتراف بعدم قابلية الحقوق للتجزئة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ولم تكن حقوق الإنسان محصَّنة من الاستقطاب العالمي إبان الحرب الباردة. فمن ناحية، طُرحت مسألة تحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنها تتطلب التزاماً سياسياً بالاشتراكية. ومن ناحية أخرى، تم تصوير الحقوق المدنية والسياسية على أنها مسألة ترف لا يمكن تحقيقه إلا بعد الوصول إلى مستوى معين من التنمية الاقتصادية. إن إعادة الاعتبار للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد تحققت إلى حد كبير من خلال عمل عدد كبير من النشطاء الاجتماعيين في سائر أنحاء العالم. وقد لقيت رسائلهم صدى أكبر خلال الثمانينات من القرن الماضي، مع بدء ذوبان الجليد في السياسة الدولية ومع تنامي القلق بشأن الانهيار الذي حصل في الظروف الاجتماعية، وإعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية على الكرامة الإنسانية.

نشأة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

مع أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية توصف بأنها حقوق "جديدة" أو "الجيل الثاني من الحقوق"، فإنها في الحقيقة حظيت بالاعتراف منذ قرون. فقد تضمن كل من إعلان الحقوق الأمريكي وإعلان الحقوق الفرنسي في أواخر القرن الثامن عشر مفاهيم من قبيل " السعي لتحقيق السعادة" و "المساواة والإخاء"، والحق في إنشاء النقابات العمالية وفي التفاوض الجماعي وظروف العمل الآمنة. وقد عملت المؤسسة العالمية الأولى لحقوق الإنسان، وهي منظمة العمل الدولية، على حماية حقوق العمال وطائفة أوسع من حقوق الإنسان منذ العام 1919. وينص قانونها الأساسي على أن "السلام الشامل والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كان قائماً على العدالة الاجتماعية".13

وكرر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 14القول بأن "الاعتراف بالكرامة المتأصلة وبالحقوق المتساوية وغير القابلة للتصرف لجميع أعضاء الأسرة البشرية يشكل أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم".15ومضى الإعلان العالمي ليضع عدداً من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مصاف الحقوق المدنية والسياسية. وتتضمن هذه الحقوق ما يلي:

  1. الحق في العمل، وفي ظروف عمل عادلة ومنصفة، وفي الحصول على الحماية من البطالة.

  2. الحق في تشكيل النقابات العمالية والانضمام إليها.

  3. الحق في الحصول على مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاه، بما في ذلك المأكل والملبس والمسكن والرعاية الطبية والخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى الأمن من غوائل فقدان وسائل العيش، سواء كان ذلك بسبب البطالة أو المرض أو العجز أو الشيخوخة أو لأي سبب كان.

  4. الحق في التعليم، الذي يجب أن يكون مجانياً وإجبارياً في مراحله "الابتدائية والأساسية".

  5. الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والعلمية.

وقد ناضل المجتمع الدولي في الفترة 1966-1948من أجل الاتفاق على وضع عهد دولي خاص بحقوق الإنسان بهدف تحويل هذا الإعلان إلى قانون دولي ملزم. وفي نهاية المطاف، أدت الانقسامات الأيديولوجية الشديدة في ذلك الوقت إلى اعتماد عهدين منفصلين، أحدهما حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والآخر حول الحقوق المدنية والسياسية. وقد استُخدمت مقاربتان مختلفتان لهذين العهدين. ففي حين طُلب من الدول "احترام وضمان" الحقوق المدنية والسياسية، فإنه لم يُطلب منها سوى "تحقيق التمتع التدريجي" بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. بيد أن كلاً منهما يحتوي على التزامات فورية وأخرى تدريجية، كما سنرى لاحقاً.

ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي اعتُمد في العام 1966على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن بصيغة أكثر تطوراً وعلى نحو ملزم قانونياً.16وفي وقت كتابة هذا التقرير بلغ عدد الدول التي صادقت على هذا العهد 151دولة.17

لقد كان العهد، ولا يزال، أكثر المعايير الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كمالاً. بيد أن المعايير الدولية التي وُضعت في الوقت نفسه في إطار وكالات متخصصة، من قبيل منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، تضمنت في نطاق صلاحياتها حقوقاً إنسانية محددة بالتفصيل. ومنذ العام 1965، وضع المجتمع الدولي معايير بشأن الحقوق الخاصة بفئات معينة في المجتمع، من قبيل الجماعات العرقية أو الإثنية والنساء والسكان الأصليين والأطفال. وتتضمن هذه المعايير أحكاماً تتعلق بتطبيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على هذه الفئات. كما أن المعاهدات الإقليمية لحقوق الإنسان في أفريقيا والأمريكيتين وأوروبا توفر الحماية لحقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية معينة، شأنها شأن الميثاق العربي لحقوق الإنسان.

بعد الحرب الباردة

إن الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفهمها على نحو متزايد قد تعززت في العقدين الأخيرين استجابةً للقواعد الشعبية ولتحرك منظمات المجتمع المدني على نطاق واسع. ومنذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي بدأت الحركات الاجتماعية في شتى أنحاء العالم، وعلى نحو متزايد، بالتعبئة ضد الأثر الاجتماعي لبرامج الإصلاح الاقتصادي السريعة ومشاريع البنية التحتية الواسعة النطاق والفساد وأعباء الديون التي لا تُطاق. كما أن برامج التكييف الهيكلي التي تروج لها المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي، شجعت البلدان المتلقية للمساعدات على تقليص الإنفاق الاجتماعي في قطاعات كالصحة والتعليم، وتخصيص جزء كبير من ميزانياتها لإدارة ديونها. وأنشأت البلدان آليات "تقاسم التكاليف" التي تطلب من الناس (غالباً بغض النظر عن قدرتهم) أن يدفعوا بدل الخدمات الاجتماعية، الأمر الذي ينتج عنه انهيار إمكانات الالتحاق بالمدارس الابتدائية ومنع الحصول على الرعاية الصحية الأساسية. وقد صيغت المطالب المناهضة لهذه السياسات في إطار العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في نهاية المطاف.

وفي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، استحوذت انتهاكات بعض الحقوق المدنية والسياسية على خيال المحترفين الذين يتمتعون بالوعي السياسي- وهم من بين الأوساط الأكثر تضرراً، بينما طلب المحرومون من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهم الأكثر تضرراً، التعبير عن هذه الحقوق- أي أولئك الذين لا يُسمح لهم بالوصول إلى المنابر السياسية- قبل أن تُفهم عموماً على أنها من قضايا حقوق الإنسان. وخلال أواخر الثمانينات والتسعينات انضمَّ إلى النشطاء المحليين والوطنيين منظمات غير حكومية دولية مكرسة للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتُوجت الحركة الناشئة بتكوين منتديات اجتماعية عالمية وشبكة دولية، حيث كانت منظمات المجتمع المدني الملتزمة بمجموعة من بواعث القلق المتعلقة بالعدالة الاجتماعية بهدف تبادل الخبرات والتجارب وإقامة التحالفات.

إن استعادة الحقوق من خلال التحرك العام يعطي مشروعية للدعوات إلى العدالة الاجتماعية. فهي تشدد على مساءلة طائفة من الفاعلين وحاملي المسؤولية، وتتمتع بالقوة القادرة على تعبئة الأنشطة العالمية. وفي الحالات التي لا يستطيع الأشخاص المهمشون والذين انتُزعت ملكيتهم أن ينتظروا من حكومات بلدانهم احترام هذه الحقوق وحمايتها والوفاء بها، فإن واجبات التعاون الدولي والمساعدات الدولية تتطلب التحرك من جانب الدول التي يمكنها تقديم المساعدة.

كما شهدت أواخر الثمانينات إنشاء الأمم المتحدة للجنة مستقلة تتولى مراقبة التزام الدول بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك بعد مرور نحو 10سنوات على إنشاء لجنة مشابهة لها لمراقبة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بتحليل تقارير الدول وتقديم توصيات بإجراء تغييرات، وإصدار تعليقات عامة حول نطاق الحقوق والالتزامات بموجب المعاهدة.18وتساعد التعليقات العامة على بلورة فهم دولي لطبيعة هذه الحقوق والتزامات الدول التي وافقت على كون العهد الدولي ملزماً لها.

كما أن الاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يقتصر على المناضلين في القواعد الشعبية أو المدافعين عن حقوق الإنسان أو الهيئات التابعة للأمم المتحدة. فالاقتصادي الفائز بجائزة نوبل أمارتيا سن، مثلاً، يعرِّف المجاعة من زاوية انعدام الحقوق. فهو يعتبر أن الحق في الحصول على الغذاء والموارد الإنتاجية (كالأرض) التي تمكِّن الناس من إطعام أنفسهم أمر أساسي لمكافحة المجاعة؛ فالغذاء قد يكون متوفراً، أو حتى وفيراً، ولكنه كثيراً ما لا يكون في متناول الجميع.19وثمة اعتراف واسع النطاق حالياً بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حقوق قابلة للتنفيذ أمام المحاكم (أي قابلة للمقاضاة) بموجب القوانين الوطنية والدولية. ففي دعاوى المصلحة العامة أمام المحكمة العليا في الهند، استُخدم تفسير واسع للحق في الحياة بحيث يشمل الحق في التعليم والرعاية الصحية وعدم التعرض للآثار السيئة لتلوث البيئة. وبالمثل، فقد أيدت المحكمة الدستورية لجنوب أفريقيا الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المنصوص عليها في دستور العام 1996، وطوَّرت فهماً لواجب الدولة في العمل "بشكل معقول" لضمان إمكانية الحصول على الأدوية الأساسية والمسكن الملائم بشكل تدريجي، ولا سيما من خلال إعطاء الأولوية للأشخاص الأكثر ضعفاً. وعلى المستوى الإقليمي، رأت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أن نيجيريا تنتهك حقوقاً عدة، منها الحق في الرعاية الصحية والمسكن والحياة، وذلك من خلال التقاعس عن اتخاذ التدابير الكافية لحماية شعب الأوغوني من الآثار الضارة لعمليات التنقيب عن النفط في دلتا النيجر.20واعترفت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، على نحو متزايد، باعتماد حقوق الإنسان على بعضها بعضاً. وفي الحالات التي عجزت فيها الدولة عن حماية السكان من الآثار الصحية السيئة للمشاريع التي تسبب التلوث، رأت المحكمة أن ذلك يشكل انتهاكاً لحقهم في الحياة الخاصة والعائلية وفي المنـزل.21

وبالإضافة إلى ذلك، فقد وُضعت اتفاقيات إقليمية جديدة تسمح لضحايا الانتهاكات بتنفيذ حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد اعتمدت الأمريكيتان وأوروبا إجراءات للشكاوى في هذا الشأن.22كما أن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تدرس إمكانية وضع بروتوكول اختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينص على حق الضحايا في الحصول على الإنصاف على المستوى الدولي إذا كانوا محرومين منه على المستوى الوطني.23وعينت اللجنة مجموعة من الخبراء المستقلين كمقررين خاصين معنيين بالحق في التعليم والمسكن المناسب والغذاء الكافي والرعاية الصحية، وطلبت منهم تقديم تقارير سنوية حول إحقاق هذه الحقوق والقيام بزيارات قطرية.


متابعة الحقوق أمام الهيئات الإقليمية

تدخلت منظمات حقوق الإنسان، ومنها مركز العدالة في القانون الدولي، والمركز الدولي للحماية القانونية لحقوق الإنسان، في الحالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أمام الآليات الإقليمية لحقوق الإنسان. وقدمت آراءها فيما يُعرف باسم ملفات "أصدقاء المحكمة"، ومثَلت ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.

فمركز العدالة في القانون الدولي- إلى جانب حركة المرأة الدومنيكية- الهاييتية وعيادة حقوق الإنسان التابعة لجامعة كاليفورنيا في بيركلي- كانت تمثل في وقت كتابة هذا التقرير، فتاتين، هما ديلسيا يين وفيولينا بوسيو أمام محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان. وقد رفضت جمهورية الدومنيكان منح الفتاتين تسجيل جنسية على أسا أنهما تنحدران من أصل هاييتي. ومن دون التسجيل لن يُسمح لهما بالالتحاق بالمدرسة، الأمر الذي يعتبر انتهاكاً لحقهما في التعليم.24


التحديات الراهنة

على الرغم من التقدم الذي أُحرز، لا تزال هناك تحديات رئيسية، وثمة دول متنفذة تشكك في صحة المطالب الفردية بالاعتراف بهذه الحقوق الإنسانية والدفاع عنها؛ فقد قالت الولايات المتحدة مثلاً:

"إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي في أفضل الأحوال أهداف لا يمكن تحقيقها إلا بصورة تدريجية، وليست ضمانات. ولذا، ففي حين أن الحصول على الغذاء والخدمات الصحية والتعليم الجيد تعتبر في رأس قائمة أهداف التنمية، فإن الحديث عنها بصفتها حقوقاً من شأنه أن يحوِّل المواطنين في البلدان النامية إلى مواضيع للتنمية بدلاً من أن يكونوا فاعلين يتحكمون بمصيرهم".25

ونتيجةً لذلك،لم تصادق الولايات المتحدة على معايير مهمة خاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي تعارض إنشاء آليات دولية لتنفيذ هذه الحقوق، بما فيها البروتوكول الاختياري.

إن الرأي القائل بأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ليست سوى طموحات تنموية يُبعد الأنظار عن انتهاكات هذه الحقوق في الدول الفقيرة والغنية على السواء. ويتمثل أحد التحديات الرئيسية أمام نشطاء حقوق الإنسان في المناداة بعالمية الحقوق، وذلك بتسليط الضوء على انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقا�601?ية والنضال ضدها.

ومع ذلك فإن وكالات الأمم المتحدة والحكومات المانحة المتعددة تعترف الآن بأهمية إدماج حقوق الإنسان في التعاون من أجل التنمية. فقد ذكر برنامج الأمم المتحدة للإنماء في تقرير التنمية الإنسانية ما يلي:

"إن مستوى المعيشة اللائق والتغذية الكافية والرعاية الصحية والإنجازات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى ليست مجرد أهداف تنموية، بل إنها حقوق إنسانية متأصلة في حرية الإنسان وكرامته. بيد أن هذه الحقوق لا تعني أنها مجرد حق في الحصول على حصة، وإنما هي مطالب بمجموعة من الترتيبات الاجتماعية- معايير ومؤسسات وقوانين ومناخ اقتصادي ملائم- التي تستطيع أن تكفل التمتع بهذه الحقوق. وهكذا فإن من واجب الحكومات وغيرها أن تعتمد سياسات تهدف إلى وضع هذه الترتيبات موضع التنفيذ.26

بيد أن تنفيذ منهج التنمية الذي يقوم على الحقوق كان غير متكافئ في أحسن الأحوال.27كما أن بعض وكالات الأمم المتحدة- ومنها مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- لم تقم بإدماج هذا المنهج القائم على الحقوق حتى في المجالات التي ينطوي فيها عملها على تداعيات مباشرة واضحة في مجال حقوق الإنسان.28

وبالإضافة إلى التنمية الدولية، فإن العمليات المرتبطة بالعولمة الاقتصادية- إدماج الاقتصاد العالمي وتحرير التجارة والاتجاه نحو خصخصة الخدمات العامة الأساسية- قد جلبت تحديات جديدة لقضية الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. إن خصخصة الخدمات العامة تمثل تحدياً متزايداً، وتشمل الأجهزة الخدمية الضرورية لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإن تشجيع الدول على التوافق مع الالتزامات الدولية لضمان ألا تؤثر الخصخصة سلبياً على إمكانية الحصول على الخدمات من قبيل المياه والرعاية الصحية والتعليم، يعتبر أحد أولويات المناضلين من أجل العدالة الاقتصادية والاجتماعية. ويقدم نشطاء حقوق الإنسان مراجعة نقدية مستقلة تقوم على الحقوق لمثل هذه الحملات، وذلك عن طريق إبراز نتيجة إلغاء الأنظمة المتعلقة بإحقاق حقوق الإنسان والتقيد بالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي.

وفي الوقت الذي يتيح تحرير التجارة فرصاً أكبر لدخول الأسواق التي كانت في السابق مغلقة في وجه المنتجين من البلدان النامية، فإن اتفاقيات التجارة غالباً ما تؤمن مصالح الدول الغنية وشركاتها على حساب الشعوب في البلدان النامية. وقد أعرب نشطاء حقوق الإنسان، على نحو متزايد، عن قلقهم من تأثير اتفاقيات التجارة الحرة الدولية والإقليمية والثنائية على إحقاق حقوق الإنسان، ولا سيما الحصول على الأدوية الأساسية29واحترام حقوق العمل.i

ولا يزال التقدم الكبير الذي أُحرز في مجال فهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو الدفاع عنها على مدى العقدين المنصرمين بشكل خاص، عرضة للتهديد بسب التشكيك والإنكار. ولا تزال المصالح الذاتية مهيمنة وتقوض الالتزامات الدولية بالوفاء بحقوق الإنسان. واستجابةً للفرص العالمية، إلى جانب التهديدات العالمية، فإن نشطاء حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية قد "تعولموا" في شراكة دولية للدفاع عن حقوق المهمشين.

ويستند التشكيك في اعتبار الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حقوقاً إنسانية مشروعة إلى التصور بأن نطاقها ومضمونها غير واضحين، وأنه غالباً ما يتعذر تحديد الانتهاك والمنتهِك والإنصاف بوضوح (خلافاً للحقوق المدنية والسياسية). إن العمل الذي أُنجز على مدى العامين الماضيين قد قضى على هذه التصورات الخاطئة إلى حد كبير.


الفصل .2 الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بؤرة الاهتمام

"ليس هناك تقسيم مُحكم بين الحقوق المدنية والسياسية وبين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية."

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان30

يشمل مصطلح "الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية" طائفة من حقوق الإنسان، من الحق في التعليم والمسكن المناسب والرعاية الصحية والغذاء والماء إلى الحق في العمل والحقوق أثناء العمل، بالإضافة إلى الحقوق الثقافية للأقليات والسكان الأصليين. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يقسِّم الحقوق إلى مجموعتين من الحقوق: المدنية والسياسية من ناحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية من ناحية أخرى. وهو لم يفعل ذلك لسبب وجيه، وهو أن بعض الحقوق، ومنها الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات وحق العمل، موجودة في كلا العهدين الدوليين، بينما هناك حقوق أخرى، من قبيل الحق في التعليم، تتضمن جوانب كان يُنظر إليها تقليدياً على أنها من الحقوق المدنية، وأخرى يُنظر إليها على أنها حقوق اجتماعية. وفيما يلي الخطوط العريضة لبعض الحقوق المصنَّفة عموماً على أنها حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية.

الحقوق الثقافية

إن الثقافة- وهي سياق حياة الأفراد في مجتمعاتهم- يمكن أن تؤثر على جميع جوانب الحياة الإنسانية، من المسكن والمأكل إلى العلاقة بالأرض والبيئة الطبيعية ومن الرعاية الصحية إلى الدين والتربية والفنون. وتتطلب الحقوق ذات الصلة، من قبيل الحق في الحصول على غذاء كافٍ والحق في التعليم، أن تكون السياسات المتعلقة بالغذاء و التعليم ملائمة من الناحية الثقافية.31بيد أن تحديد ما هو ملائم ثقافياً أمر يتسم بالتعقيد نظراً لأن "الثقافة" ليست كتلة جامدة. ومن هنا فإن الفرص الحقيقية لمشاركة الأقليات والسكان الأصليين بشكل خاص، من خلال احترام حرية التعبير وحرية الاشتراك في الجمعيات والحق في المشاركة في الحياة السياسية، تعتبر عنصراً أساسياً في احترام الحقوق الثقافية.32

وتتضمن المعايير الدولية نصوصاً مستفيضة لحماية الحقوق الثقافية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاج78?ماعية والثقافية يحمي الحق في المشاركة في الحياة الثقافية والتمتع بمنافع العلم والثقافة. كما أنه يحدد واجب الدولة نحو المحافظة على العلم والثقافة وتطويرهما ونشرهما. وثمة أحكام ملموسة في القانون الدولي المتعلق بالسكان الأصليين (أنظر الفصل 6) وفي المعايير المتعلقة بحقوق الأقليات وتلك المتعلقة بالقضاء على التمييز العنصري. وغالباً ما يستند الأفراد والجماعات المدافعة عن الحقوق الثقافية على المستوى الدولي إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 27) التي تنص على حماية حقوق أفراد الأقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم أو مزاولة شعائرهم أو استخدام لغتهم بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم."33

وينبغي إقامة توازن بين حماية الحقوق الثقافية للفئات والجماعات والشعوب وبين حقوق الأفراد. فقد طُبِّق الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي يلزم الدول الأعضاء بتعزيز وحماية الأخلاق والقيم التقليدية المعترف بها من قبل المجتمع، للتمييز بين الممارسات الثقافية "الإيجابية" والممارسات "السلبية". ولكن بعضها، من قبيل تلك التي تفرض التبعية والخضوع على المرأة، ربما تشكل انتهاكاً لأحكام أخرى من الميثاق الأفريقي. وينص الميثاق العربي لحقوق الإنسان على أن التدابير التي تعتمدها الدول الأطراف لتحقيق أرفع مستوى ممكن للصحة الجسدية والعقلية، تتضمن "قمع الممارسات التقليدية التي تلحق الضرر بصحة الفرد".34

كما أن المعايير الدولية التي تحمي حقوق الطفل تلزم الدول باتخاذ الخطوات الضرورية للقضاء على الممارسات التقليدية أو الثقافية الضارة بالأطفال.35

الحق في الحصول على غذاء كافٍ

إن كمية الغذاء التي ينتجها العالم كافية لإطعام كل فرد من سكانه وتزيد. ومع ذلك، فإن مئات الملايين من البشر يعانون من سوء التغذية المزمن.36وكي تتماشى الدول مع الالتزامات المتعلقة بالحق في الحصول على غذاء كافٍ37، يتعين عليها أن تعالج مشكلة الجوع فوراً وأن تكفل، بشكل تدريجي، حصول "كل رجل وامرأة وطفل، سواء كان بمفرده أم بالاشتراك مع الآخرين، على الغذاء الكافي أو على وسيلة تدبيره مادياً واقتصادياً وفي جميع الأوقات".38

وتقتضي الالتزامات بتحقيق الحق في الحصول على الغذاء قيام الدولة بضمان ما يلي:

  1. الوفرة: أي توفر إمكانية الحصول على الغذاء، إما بإطعام النفس مباشرة من الأرض المنتجة أو الموارد الطبيعية، أو من أنظمة التوزيع والفرز والسوق التي تعمل جيداً. وهذا يشمل التزامات الدولة عندما تتصرف على الصعيد الدولي لضمان احترام الحق في الحصول على الغذاء في بلدان أخرى، وحماية ذلك الحق، وتسهيل الحصول على الغذاء وتقديم المساعدة الضرورية عند الطلب.39

  2. اليسرة: وهي إمكانية الحصول على الغذاء اقتصادياً (من خلال النشاط الاقتصادي أو دعم السلع أو المساعدات)، وإمكانية الحصول عليه جسدياً (ولا سيما بالنسبة للجماعات المستضعفة). إن المستضعفين اجتماعياً أو غيرهم من أفراد الفئات الأقل حظاً، ربما يكونون بحاجة إلى اهتمام من خلال برامج خاصة. ويضم هؤلاء ضحايا الكوارث الطبيعية والأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي تعصف بها الكوارث.

  3. القبول: "توفر الغذاء الكافي، كماً ونوعاً، لتلبية الحاجات الغذائية للأفراد، بحيث يكون خالياً من المواد الضارة، ومقبولاً لدى ثقافة معينة."40

ففي حالة انطوت على انتهاكات مرتبطة بالتنقيب عن النفط في أوغونيلاند بنيجيريا، وجدت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ما يلي:

"الميثاق الأفريقي والقانون الدولي يطلبان من [مختلف الدول] ويلزمانها بحماية وتحسين مصادر الغذاء الحالية، وضمان حصول الجميع على غذاء كافٍ...كما أن الحق في الحصول على الغذاء يقتضي من [الحكومة] ألا تدمر مصادر الغذاء أو تلوثها، وألا تسمح لأطراف خاصة بتدميرها أو تلويثها، وألا تمنع الناس من السعي إلى إطعام أنفسهم".41

ويتمثل أحد الالتزامات الأساسية بموجب الحق في الغذاء في أن من واجب الدولة عدم تجويع الناس الخاضعين لسيطرتها، كالسجناء. وقد أقرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الدولة عندما تقبض على الأشخاص أو تحتجزهم، فإنها تتحمل مسؤولية مباشرة عن الاهتمام بحياتهم، من قبيل توفير المعالجة الطبية الكافية والظروف المعيشية والغذاء.42كما تتحدث معايير حقوق الإنسان عن الجوانب المتعلقة بالنوع الاجتماعي من الحق في الغذاء، وتطلب من الدول تلبية احتياجات المرأة خلال الحمل وأثناء المخاض وبعد الولادة.43


التجويع كعقوبة في كوريا الشمالية

"كانوا يعطوننا كميات قليلة من الذرة- الأرز. وفي بعض الأوقات كانوا يقدمون لنا حساء الملح مع أوراق الملفوف. ولم يقدموا لنا أي لحوم. كنا دائماً جوعى ونلجأ إلى أكل العشب في فصل الربيع. وقد قضى ثلاثة أو أربعة أشخاص نحبهم نتيجة لسوء التغذية. وعندما يموت شخص، كان زملاؤه السجناء يؤجلون إبلاغ خبر وفاته إلى السلطات، كي يتسنى لهم تناول حصته من الإفطار".

فقد أمضى كيم أربع سنوات في مستعمرة للعمل العقابي للسجناء السياسيين في بادوك في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية (كوريا الشمالية) بعد ترحيله من الصين واتهامه بالخيانة. وقد لقي مئات الآلاف من الأشخاص حتفهم، وعانى عدة ملايين من البشر من سوء التغذية المزمن في مجاعة اجتاحت كوريا الشمالية وتفاقمت بسبب أفعال السلطات. وقد منعت الحكومة توزيع المساعدات الغذائية بشكل سريع وعادل، وحظرت حرية التنقل التي كان من شأنها أن تتيح للناس فرصة البحث عن الغذاء.44 ويتعرض اللاجئون الذين تتم إعادتهم قسراً إلى كوريا الشمالية للسجن والمعاملة المهينة، بما في ذلك الحرمان �575?لخطير من الغذاء.



الحق في الحصول على مسكن ملائم

ذكرت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن أكثر من مليار شخص في شتى أنحاء العالم يفتقرون إلى المأوى المناسب، وأن أكثر من 100مليون شخص لا مأوى لهم.45"وإذا لم يتوفر المأوى المناسب يصبح من الصعب ضمان العمل والمحافظة عليه، وتتهدد الصحة الجسدية والعقلية ويتعرقل التعليم، ويصبح ارتكاب العنف أكثر سهولة وتختل الخصوصية وتجف العلاقات."46وبموجب الحق في الحصول على مسكن مناسب، يجب أن يتمتع كل شخص بدرجة ما من تأمين الحيازة بما يحميه من الإخلاء القسري والمضايقة والتهديدات الأخرى. أما الخدمات المتوفرة فينبغي أن تشمل مياه الشرب الآمنة والتمديدات الصحية والطاقة. كما ينبغي أن يكون المسكن متاحاً للجميع، بمن فيهم الفقراء، وأن تُعطى الأولوية للفئات الأكثر ضعفاً. ووفقاً للمعايير الدولية، يجب أن تتخذ الدول الخطوات اللازمة لضمان وجود المسكن في أماكن آمنة، بعيداً عن المواقع العسكرية ومواقع البث والإطلاق الخطرة أو المواقع الملوثة؛ وأن يكون قريباً من خطوط المواصلات ومن فرص العمل، وأن يحترم الحقوق الثقافية.

إن عمليات الإخلاء القسرية التي يُنقل السكان بموجبها من منازلهم قسراً ومن دون توفير حماية قانونية أو ضمان الإقامة البديلة، تعتبر انتهاكاً صارخاً لطائفة من حقوق الإنسان،47ذلك لأنها غالباً ما تلحق الضرر بصحة الناس وتسبب البطالة والانتهاكات الجنسية وعدم قدرة الأطفال على مواصلة تعليمهم. وقد أوضحت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن قانون حقوق الإنسان يتطلب ضمان الحيازة أو الإيجار، ووضع ضوابط صارمة على الظروف التي يمكن أن تقع فيها عمليات الإخلاء.48


عمليات الإخلاء القسري وحقوق السكن في أنغولا

في الفترة 2003-2001، قُدر عدد العائلات التي تم إخلاؤها من منازلها في المستوطنات الحضرية غير الرسمية، أو "الموسيك" حول العاصمة الأنغولية رواندا 5,500 عائلة. وكان معظم سكان هذه المستوطنات قد ذهبوا إلى المدينة طلباً للأمان إبان فترة النـزاع التي دامت 27 عاماً، وبنوا بيوتاً حيثما وجدوا أمكنة لها. ولم تبذل الحكومة أي محاولة لتنظيم بناء المنازل أو توفير المرافق. ومنذ أواخر التسعينيات من القرن الماضي خلقت الطفرة النفطية في أنغولا طلباً على الأرض، وكان سكان "الموسيك"، الذين لم يكن لديهم أي وثيقة حيازة، الأكثر ضعفاً أمام أصحاب مشاريع التنمية.

في العام 2001، أُبلغت العائلات في منطقة بوافيستا، وهي منطقة قريبة من جرف صخري، بأن عملية إخلائهم تتم لإنقاذهم من المنـزلقات الأرضية. ولم تجر أي محاولة لجعل الجرف آمناً أو لإجراء مشاورات حقيقية مع السكان. وبدلاً من ذلك، نُقلت أكثر من 4,000 عائلة إلى منطقة على بعد 40 كيلومتراً. وقد عاش أفرادها هناك في خيام متعفنة لمدة تزيد على عامين ريثما يتم بناء المنازل لهم.

وبذل سكان صوبا كباسا جهوداً مضنية في سبيل تأمين الحيازة، وخططوا الشوارع والمنازل بعناية. بيد أن الحوار مع السلطات تعثر. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2002 فوجئ السكان بأفراد الشرطة والجنود يطوقون المنطقة، بينما قامت فرقة الهدم بتدمير المنازل بالجرافات. وقد هُدم ما مجموعه 1,167 منـزلاً. ولم تتم إعادة إسكان أي من سكان صوبا كباسا أو دفع أي تعويضات لهم.

كما هُدم أكثر من 470 منـزلاً في كومونة بنيفيكا في الفترة بين 2001 و 2003 ومرة أخرى من دون إجراء أي مشاورات حقيقية أو إرسال إشعار مسبق. وقد تم توطين معظم الذين تم إخلاؤهم في منازل جديدة ظهرت على جدران بعضها تصدعات كبيرة، وأُقيمت في منطقة خالية من المدارس والمرافق الصحية.

وقد نُفذت جميع عمليات الإخلاء الثلاث المذكورة باستخدام العنف، وتعرض المحتجون للضرب، وقُبض على زعماء المجتمع المحلي. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها النشطاء المدافعون عن حقوق السكن والأرض، فإن قانون الأرض الأنغولي للعام 2004 لا ينص على تأمين يُذكر لحيازة السكان الحضريين غير الرسمية لأماكن سكنهم. كما حدثت عمليات إخلاء قسري على نطاق أضيق في العام 2004.



الحق في التعليم

يشمل حق التعليم الحق في الحصول على التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني، وزيادة إمكانية الحصول على التعليم الثانوي والتقني والمهني والعالي.49ويتقاطع هذا الحق مع التقسيم المزيف بين حقوق الإنسان، لأنه يحتوي على عناصر مدنية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية. إن إحقاق حق الأشخاص في التعليم يساعد على التقليل من إمكانية تعرضهم لتجربة تشغيل الأطفال والزواج المبكر والتمييز وغيرها من الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان. كما أنه يزيد من فرص تحقيق حقوق إنسانية أخرى، ومنها الحق في الرعاية الصحية والحق في المشاركة في الشؤون العامة. 50ويجب أن تكفل الدول التعليم الأساسي الإلزامي والمجاني باعتباره مسألة ذات أولوية، وحرية التعليم (مع حق الوالدين في ضمان أن يكون تعليم أبنائهم متماشياً مع معتقداتهما الدينية والفلسفية). وكي تتماشى مع التزاماتها تجاه حقوق الإنسان، يجب أن تكفل الحكومات أن يكون التعليم متوفراً، ويسير المنال (مالياً وجسدياً)، ومقبولاً (أن يحترم الحقوق الثقافية والحقوق الإنسانية للمتعلمين)، وقابلاً للتكييف (بما يلائم الواقع الحياتي للجميع). وتشمل العناصر الأساسية الدنيا للحق في التعليم إعطاء الأولوية للتعليم الأساسي الإلزامي والمجاني لجميع الأطفال، وضمان أن يتماشى المضمون التربوي والتعليمي مع مبادئ حقوق الإنسان. وهذا يتضمن تنمية التنوع والتفاهم بدلاً من الفصل والتحيز.


حق الأقليات في التعليم: كرواتيا

تواجه جماعات الروما في أوروبا انتهاكات خطيرة وواسعة النطاق لطائفة من حقوق الإنسان، ومنها الحق في التعليم.51 وتشير التقديرات إلى أن ثلث أطفال الروما في كرواتيا مستثنيين تماماً من النظام المدرسي. وعادة ما يكون أطفال الروما الذين يلتحقون بالمدارس الأساسية في صفوف منفصلة، حيث يتعلمون مناهج مقلَّصة. ويبدو أن السلطات الكرواتية مستعدة لتلبية مطالب أولياء أمور الأطفال من غير طائفة الروما بتدريس أطفال الروما بشكل منفصل. وقد قدم أولياء الأمور من طائفة الروما دعاوى ضد الفصل والتمييز أمام المحاكم الكرواتية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. بيد أن المحاكم الكرواتية الدنيا رفضت شكاواهم على أساس أن أطفال الروما يفتقرون إلى المعرفة الكافية باللغة الكرواتية. وكانت إحدى الشكاوى التي قُدمت إلى المحكمة الدستورية الكرواتية في ديسمبر/ كانون الأول 2002، وفحواها أن مثل ذلك الفصل في التعليم غير دستوري، لا تزال قائمة، ولم يُبت فيها حتى أواسط العام 2005.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2003، اعتمدت الحكومة الكرواتية برنامجاً وطنياً لطائفة الروما، وفي حالة تنفيذ هذا البرنامج، فإنه ربما يمثل الخطوة الأولى نحو إدماج أفراد جماعات الروما في المدارس الكرواتية والمجتمع الكرواتي بوجه عام. وقد أشارت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل إلى أهمية ضمان توفير الموارد الكافية لهذا البرنامج، وذلك من أجل احترام حق طائفة الروما الكرواتية في التعليم.52


الحق في الصحة

إن الحق في الصحة هو الحق في الحصول على "أعلى مستوى ممكن من الصحة الجسدية والعقلية"، إذا أخذنا بعين الاعتبار التركيبة الوراثية للفردوخيارات نمط الحياة، بالإضافة إلى مدى الفهم العلمي والحد الأقصى من الموارد المتوفرة للدولة. وهذا الحق يشمل الحريات (كحق الشخص في التحكم بصحته وجسده)، والحقوق (من قبيل المساواة في الحصول على الرعاية الصحية)؛ ويتألف من عنصرين أساسيين، هما: الظروف المعيشية الصحية والرعاية الصحية.53

واعتمدت اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تصوراً واسعاً للحق في الصحة، واعترفت به على أنه:

"حق شامل لا يمتد إلى توفير الرعاية الصحية المناسبة وفي الوقت المناسب فحسب، وإنما إلى العوامل الحاسمة في الصحة، من قبيل الحصول على المياه الآمنة والصالحة للشرب والتمديدات الصحية الكافية وكفاية الغذاء والمسكن الآمن والظروف المهنية والبيئية الصحية الآمنة، والحصول على التربية والمعلومات المتعلقة بالصحة، بما فيها الصحة الجنسية والإنجابية. وثمة جانب آخر مهم وهو مشاركة السكان في عملية صنع القرار المتعلق بالصحة على المستوى المحلي والوطني والدولي".54

وقد حددت اللجنة العناصر التالية للاسترشاد بها في تفسير الالتزامات بموجب الحق في الصحة:55

  1. أن تكون مرافق الرعاية الصحية الكافية والمهنيون المدربون والأدوية الأساسية متوفرة.

  2. أن تكون المرافق الصحية والسلع والخدمات والمعلومات المتعلقة بالصحة يسيرة المنال اقتصادياً وجسدياً لكل شخص بلا تمييز.

  3. أن تحترم المرافق الصحية والسلع والخدمات والمعلومات المتعلقة بالصحة الآداب الطبية، وأن تراعي الثقافة والنوع الاجتماعي ومتطلبات دورة الحياة كي تكون مقبولة.

  4. أن تكون المرافق الصحية والسلع والخدمات والمعلومات المتعلقة بالصحة ملائمة علمياً وطبياً وذات نوعية جيدة. وهذا يقتضي، من بين أمور أخرى، توفر موظفين طبيين مهَرة وأدوية موافق عليها علمياً ومدة صلاحيتها سارية ومعدات للمستشفيات ومياه آمنة وصالحة للشرب وتمديدات صحية كافية.56

ومن بين الانتهاكات المحتملة للحق في الصحة:

  1. حجب المعلومات الضرورية للوقاية من المرض أو العجز، أو معالجتها، أو تقديم معلومات خاطئة بشكل متعمد.

  2. ترويج المواد الضارة.

  3. عدم حظر الممارسات الثقافية الضارة أو عدم النهي عنها.

  4. عدم مراقبة أنشطة الشركات التي لها آثار ضارة على الصحة.

  5. عدم اعتماد خطة تفصيلية لتحقيق الحد الأدنى من الالتزامات الأساسية الخاصة بالحق في الرعاية الصحية.57

لقد ساعد المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحق كل شخص في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة الجسدية والعقلية (المقرر الخاص المعني بالصحة) في تعزيز الفهم للحق في الصحة، بما فيها الصحة الجنسية والإنجابية والصحة العقلية. ووفقاً للتقرير السنوي الأخير للمقرر الخاص، فإن نحو 450مليون شخص يعانون من شكل ما من أشكال الاضطراب العقلي، وإن ما يزيد على %90من البلدان يفتقر إلى سياسة بشأن الصحة العقلية للأطفال.58ويفتقر أكثر من %40من البلدان إلى أي سياسة تتعلق بالصحة العقلية على الإطلاق.59ويفحص التقرير كيف يُحرم الأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات الصحية العقلية في الأغلب من المساواة في العديد من الحقوق الإنسانية، ومنها الحق في التعليم والعمل والخصوصية والمأوى والحرية.

كما تفحَّص المقرر الخاص العلاقة بين الحق في الصحة وبين جدول أعمال منظمة التجارة العالمية. إن العديد من الاتفاقيات التجارية تقيد إنتاج الأدوية العامة وتوسع نطاق حماية براءات الامتياز، وهذا ما يرجح أن يؤدي إلى إنتاج أدوية أعلى سعراً وأصعب منالاً بالنسبة للفقراء، ومن دون دعم فعال من قبل الدولة. وقد أدى الصراع بين التزامات الدول بتوفير الأدوية الأساسية وبين مصا�583?قتها على اتفاقيات التجارة إلى الضغط من أجل استثناء الصحة العامة من قواعد حماية براءات الامتياز الدولية. بيد أن هذا الاستثناء لا يتكرر كثيراً في الاتفاقيات الإقليمية والثنائية.

الحق في الحصول على الماء

في العام 2000قدَّرت منظمة العفو الدولية أن نحو 1.1مليار إنسان محرومون من إمدادات المياه التي تزودهم بمياه الشرب الآمنة والضرورية للحياة الكريمة.61إن عدم توفر المياه الآمنة يسبب أمراضاً خطيرة كأمراض الإسهال التي تتسبب بوفاة 2مليون شخص سنوياً (الأغلبية العظمى من الأطفال ومعظمهم من البلدان النامية).62

وأخذ الاعتراف بالحق في الحصول على الماء يحظى باعتراف متزايد في الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى الدساتير الوطنية.63إن الحصول على الماء النظيف والتمديدات الصحية يعتبر أمراً أساسياً لتحقيق الحق في الصحة والغذاء وتأمين وسائل المعيشة (في إنتاج الغذاء مثلاً). وقد فُسر الحق في الماء، كما الحق في الغذاء، ليشمل الوفرة و اليسرة (جسدياً واقتصادياً) والجودة (الخلو من الكائنات العضوية والتلوث). أما بالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأخرى، فإن الأولوية يجب أن تُعطى للأفراد والجماعات الأكثر ضعفاً، أي "الأفراد والجماعات التي طالما واجهت المصاعب في مزاولة حقوقها، ومنها النساء والأطفال والأقليات والسكان الأصليون واللاجئون وطالبو اللجوء والأشخاص المهجرون داخلياً والعمال المهاجرون والسجناء والمعتقلون".64


التلوث ومساءلة الشركات في الهند

أسفر انفجار المصنع الكيميائي الذي وقع في بوبال بالهند في العام 1948 عن وفاة آلاف الأشخاص، وخلّف وراءه عدداً أكبر من المرضى وتلوثاً لا يزال يسمم الهواء ومصادر المياه. "عندما تنظر إلى الماء، ترى طبقة رقيقة من الزيت تطفو على السطح. وأصبحت جميع الأواني في منـزلي ملونة، ويتعين علينا أن نقطع مسافة كيلومترين على الأقل كي نتمكن من جلب المياة النظيفة إلى كولا ناكا. إن حالتي الصحية متردية لدرجة أنها تمنعني من حمل الماء الذي أحتاجه من هناك." حسينة بي، من أتال أيوب نغار، أحد أحياء بوبال القريبة من المصنع، وقد ظلت حسينة تشرب الماء من المضخة اليدوية القريبة من منـزلها لمدة 18 عاماً.

واشتكت فوجيا، البالغة من العمر 15 عاماً، من أن "لون الماء هنا أحمر وله رائحة...وكأن فيه أدوية ما." بينما قالت موني بي إن "طعم الماء مر...ويصعب ابتلاعه." إن عائلتيهما تعيشان في أنو نغار، وهي منطقة قريبة من بوبال، ونادراً ما تدخل صهاريج الحكومة التي تحمل المياه النظيفة إلى الحي، هذا إذا دخلت أصلاً.65

كانت شركة "يونيون كاربايد إنديا ليمتد" تتولى تشغيل المصنع الكيميائي، وكانت تحت سيطرة شركة "يونيون كاربايد كميكال كوربوريشن "، وهي شركة مقرها في الولايات المتحدة، وأصبحت منذ ذلك الحين تحت سيطرة شركة "داو كميكال كومباني". إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض التزامات على الدول، ومنها الهند، بتوفير الحماية للسكان من الآثار الضارة على حقوق الإنسان لممارسات الشركات التي تتسم بالإهمال. كما أن للشركات مسؤوليات حيال التقيد بمعايير حقوق الإنسان. ومنظمة العفو الدولية ملتزمة بالعمل من أجل مساءلة الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان، وناضلت من أجل حمل حكومتي الهند والولايات المتحدة (حيث يوجد المقر الرئيسي لشركة "داو كميكال كومباني" على التقيد بالتزاماتها الدولية لضمان حماية حقوق الإنسان من الانتهاكات التي ترتكبها الشركات.



الحق في العمل والحقوق أثناء العمل

إن الحق في العمل، الذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه الحق في الحصول على وظيفة والالتزام بضمان عمل بتفرغ كامل، ربما يكون أقل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فهماً.66(iii) ومع ذلك، فإن الحق في العمل يترتب عليه الحق في الحصول على عمل بلا تمييز، على الأقل، والاختيار الحر للعمل وبنية داعمة تساعد في الحصول على العمل، وبضمنها التعليم المهني المناسب.67(iv) ومن ناحية أخرى، فإن الحقوق أثناء العمل أكثر تفصيلاً؛ فهي تشمل الحق في الأجور العادلة، وفي الأجر المتساوي للعمل ذي القيمة المتساوية، وفي ظروف العمل الآمنة والصحية، وفي تحديد ساعات العمل بشكل معقول، وحظر الطرد من العمل بسبب الحمل، بالإضافة إلى المساواة في المعاملة في التشغيل.

ولعل الانتهاك الفظيع للحق في الاختيار الحر للعمل يتمثل في العمل القسري- وهو العمل الذي يتم ابتزازه عن طريق التهديد بالعقاب، سواء كان بالمعاقبة المباشرة أو بفقدان الحقوق أو الامتيازات.68


العمل القسري في ميانمار (بورما)

كان عليَّ أن أعمل أحياناً ثلاث مرات في الأسبوع...فمعسكر "ناساكا" [قوات الأمن] معسكر كبير يضم 80 رجلاً من قوات "ناساكا"، يعيش عشرون منهم مع عائلاتهم. وكان المعسكر يضم عدداً كبيراً من المنازل، التي كانت بحاجة إلى عمل يومي تقريباً...الأغنياء يستطيعون أن يدفعوا مالاً لتجنب العمل، والأشخاص المرتبطون بالسلطات ليسوا مضطرين للذهاب إلى هناك. ولذا، فإن الفقراء مضطرون للقيام بواجب مزدوج. ولهذا السبب كان عليَّ أن أعمل ثلاث مرات في كل أسبوع. كما كنت أعمل خفيراً أربع مرات في الشهر. ولذلك لم يكن لدي وقت كافٍ للعمل من أجل عائلتي. كنت أستطيع أن أعمل لنفسي حوالي 15 يوماً في الشهر. إنني لا أملك قطعة أرض، وكان البقاء على قيد الحياة أمراً عسيرا." رجل عمره 50 عاماً، من الأقلية الروهنغية، ميانمار.69

لطالما انتهكت ميانمار الحظر المفروض على العمل القسري، من بين العديد  ?ن انتهاكات حقوق الإنسان. وقد كشفت لجنة تحقيق تابعة لمنظمة العمل الدولية عن وقوع انتهاكات منظمة وواسعة النطاق. وأكدت شهادات شخصية مؤخراً الأنباء التي تحدثت عن قيام الجيش باستهداف الأقلية الروهنغية بشكل متعمد، وعن أن تفشي الفساد يؤدي إلى زيادة التأثير غير المتناسب للعمل القسري على الفقراء.



الفصل .3 الالتزامات بموجب القانون الدولي

على الرغم من أن المعايير الدولية المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تنطبق عالمياً، فإنها تأخذ بعين الاعتبار الموارد المتفاوتة المتوفرة في كل دولة. وهي تقر بحقيقة أن تحقيق هذه الحقوق بشكل تام لا يتم إلا بشكل تدريجي مع مرور الزمن، حيث تتوفر الموارد البشرية والتقنية والاقتصادية الكافية، بما في ذلك عبر التعاون الدولي والمساعدات الدولية، من قبيل مساعدات التنمية.

واجبات احترام الحقوق وحمايتها والوفاء بها

غالباً ما كان يُنظر إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنها واجبات "إيجابية" على الدول بشكل أساسي، ويُطلق عليها تندراً اسم "قائمة الرغبات".70وفي الحقيقة، أن تكون الدولة بمثابة "مُعيل الملجأ الأخير"71(تتدخل عندما يتعذر على الأفراد والجماعات تحقيق حقوقها) هو مجرد عنصر واحد من عناصر واجبات الدولة.

وثمة ثلاثة أنواع لواجبات الدولة بإحقاق جميع حقوق الإنسان:

  1. الاحترام: عدم إعاقة ممارسة الحق.

  2. الحماية: ضمان عدم قيام الآخرين بعرقلة إحقاق الحق، وذلك من خلال وضع الأنظمة والحلول الفعالة.

  3. الوفاء: ويشمل تعزيز الحقوق وتيسير الحصول عليها، وتلبية حاجات غير القادرين على تلبية حاجاتهم.72

إن واجب احترام حقوق الإنسان يقتضي من الدول أن تمتنع عن إعاقة تمتع الأشخاص بحقوقهم الإنسانية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.73وهذا واجب مباشر، يشمل احترام الجهود التي يبذلها الأشخاص بأنفسهم لإحقاق حقوقهم. ويتعين على الحكومات عدم ممارسة التعذيب، أو منع الحق في الإضراب على نحو غير واجب، أو الإغلاق التعسفي للمدارس الخاصة التي تدرس بلغات الأقليات، أو تنفيذ عمليات إخلاء قسرية من دون اللجوء إلى العملية القانونية الواجبة أو توفير المسكن البديل مثلاً:

وبمقتضى واجب حماية حقوق الإنسان، يتعين على الدول أن تبادر إلى منع وقوع الضرر الذي تسببه انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي أطراف ثالثة- من قبيل الأفراد والمشاريع التجارية أو غيرهم من الفاعلين غير التابعين للدولة- والتحقيق فيها والمعاقبة عليها وضمان الإنصاف لضحاياها. وهذا واجب مباشر. ويتعين على الحكومات أن تقوم، مثلاً، بتنظيم ومراقبة استخدام شركات الأمن الخاص، والنفث الصناعي الذي ينطوي على مخاطر محتملة، ومعاملة أصحاب العمل للعمال، ومدى كفاية وملائمة الخدمات التي تفوضها الدولة إلى جهات أخرى أو تخصخصها، ومنها الخدمات الطبية الخاصة والمدارس الخاصة.74

وعلى عاتق الدول يقع واجب الوفاءبحقوق الإنسان، وذلك باتخاذ خطوات تشريعية وإدارية ومالية وقضائية وغيرها من الخطوات باتجاه الإحقاق التام لحقوق الإنسان. وينبغي تحقيق هذا الالتزام بشكل تدريجي، وهو يشمل واجبي التيسير(زيادة إمكانية الحصول على الموارد ووسائل اكتساب الحقوق)، والتوفير(التأكد من أن جميع السكان يمكن أن يحققوا حقوقهم عندما يكونون غير قادرين على القيام بذلك بأنفسهم). فعلى سبيل المثال، يجب على السلطات، مثلاً، تزويد المتهمين بأي تفسير ضروري، بحيث يستطيعون فهم إجراءات المحكمة، أو توفير تدريب مهني حقيقي لضمان استفادة الطلبة من التعليم. وفوق ذلك كله، يجب على الحكومات أن تعطي الأولوية لتلبية المستويات الأساسية الدنيا لكل حق، وخاصة بالنسبة للفئات الأكثر ضعفاً.


الأرجنتين: المحكمة تأمر الحكومة بتصنيع اللقاح

ضمن واجبها نحو الوفاء بالحقوق، يجب على الدول أن تعطي الأولوية للحد الأدنى من التزاماتها الأساسية. فالحق في الصحة يشمل مكافحة الأوبئة. ففي العام 1998، استخدمت مارييلا سيسيليا فايسكونتي، وهي طالبة في كلية الحقوق في الأرجنتين، بالتعاون مع رئيس مكتب المظالم الوطنية، "أمر المثول أمام القاضي"، وهو شكل من أشكال النشاط الصفي، من أجل احترام الحقوق الدستورية، ومطالبة الدولة باتخاذ إجراء أكثر فعالية بهدف إحقاق الحق في الصحة، ومواجهة وباء حمى النـزف الدموي الذي كان يهدد حياة ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن أرجنتيني.

وأصدرت محكمة الاستئناف الفدرالية أمراً بأن تقوم الدولة بإنتاج لقاح، نظراً لأن الوباء كان فريداً من نوعه في الأرجنتين، ورأى القطاع الخاص أن إنتاج هذا اللقاح غير مربح. وخوَّلت المحكمة رئيس مكتب المظالم بمراقبة تنفيذ هذا الأمر، وحمَّلت المسؤولية لوزير الصحة شخصياً.75

وفي تلك القضية، رأت المحكمة أن الدولة يجب أن تتخذ تدابير محددة وملموسة (إنتاج لقاح) لمكافحة وباء نادر في البلاد، لم يكن القطاع الخاص مستعداً للتدخل حياله).



الواجبات الفورية "والإحقاق التدريجي" للحقوق

يتمثل الواجب الرئيسي للدول بموجب المعايير الدولية لحقوق الإنسان في الإحقاق الكامل، تدريجياً، للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى أقصى حد ممكن بحسب الموارد المتوفرة ("الإحقاق التدريجي").76وعلى الدول واجب اتخاذ خطوات متبصرة وملموسة وهادفة "سريعة وفعالة بقدر ا�604?إمكان" باتجاه الوفاء بتلك الحقوق.77ومثل هذه التدابير قد تشمل اعتماد إصلاحات تشريعية أو إدارية أو اقتصادية أو مالية أو تعليمية أو اجتماعية، أو وضع برامج عمل أو إنشاء هيئات مراقبة مناسبة أو اتخاذ إجراءات قضائية.78

وبالإضافة إلى واجب الإحقاق التدريجي للحقوق، تقع على عاتق الدولة واجبات فورية عديدة تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا تعتمد على الموارد المتوفرة.

إن واجب "اتخاذ خطوات"يعتبر واجباً فورياً. كما أن مفهوم الإحقاق التدريجي للحقوق لا يبرر تقاعس الحكومة على أساس أن الدولة لم تصل بعد إلى مستوى معين من التطور الاقتصادي. وعلى العكس من ذلك، فإن اتخاذ خطوات للحد من الحقوق أو اتخاذ خطوات تراجعية، من قبيل التقليص الهائل للاستثمار في خدمات التعليم أو الصحة، لا يمكن تبريره إلا بدراسة جميع الموارد المتوفرة في الدولة (بما فيها تلك المتاحة من خلال التعاون الدول)، والطيف الكامل للالتزامات التي تواجهها الدولة.79وكي تتمكن الدولة من الاستناد إلى الظروف الخارجة عن إرادتها لتبرير التراجع عن إحقاق الحقوق، يتعين عليها أن تُظهر بشكل معقول أنها لم تستطع منع حدوث التأثير السلبي على الحقوق. فعلى سبيل المثال، رأت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أن زائير (التي كانت تسمى جمهورية الكونغو الديمقراطية حينئذ) انتهكت الحق في التعليم عندما أغلقت المدارس الثانوية والجامعات لمدة سنتين إبان فترة النـزاع المسلح.80

وثمة واجب فوري آخر على الدولة وهو واجب إعطاء الأولوية "للالتزامات الأساسية الدنيا"، أي الحد الأدنى من المستويات الأساسية لكل حق.81فبموجب الحق في التعليم، مثلاً، تشمل الالتزامات الأساسية الحق في التعليم الأساسي الإلزامي المجاني، وضمان عدم تدريس الأطفال بأسلوب عنصري أو متعصب ضد الجنس الآخر، أو أي أسلوب آخر يقوم على التمييز. وبموجب الحق في الصحة، يجب على الدول أن تكفل إمكانية الحصول على الأدوية الأساسية والعناية الطارئة والرعاية قبل الولادة وبعدها. ولتبرير العجز عن الوفاء بالالتزامات الأساسية، يتعين على الدول أن تُظهر أنها فعلت كل ما في وسعها.

"إن الدولة الطرف التي يُحرم عدد كبير من الأفراد فيها من المواد الغذائية الأساسية أو الرعاية الصحية الأساسية أو المأوى الأساسي أو الأشكال الأساسية للتعليم، تعتبر، للوهلة الأولى، عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها بموجب العهد الدولي".82

كما أن واجب عدم التمييز هو واجب فوري. إذ أن اعتماد قوانين وسياسات وممارسات لها تأثير تمييزي مباشر أو غير مباشر على قدرة الأشخاص على إحقاق حقوقهم يصل إلى حد انتهاك حقوق الإنسان.

ويعتبرواجب إعطاء الأولوية للمستضعفين واجباً فورياً. فالدولة يجب أن تصل إلى المهمشين والذين يعانون من الإقصاء، ممن يواجهون أضخم الحواجز في طريق إحقاق حقوقهم، ويجب إعطاؤهم "الفرصة الأولى" عند تخصيص الموارد.

"حتى في أوقات وجود قيود شديدة على الموارد... فإنه يمكن، ويجب، توفير الحماية لأفراد المجتمع المستضعفين عن طريق اعتماد برامج هادفة ومتدنية التكاليف نسبياً."84

الواجبات التي تتجاوز الحدود

"بالإضافة إلى المسؤوليات المنفصلة التي تتحملها كل دولة تجاه مجتمعها، فإن الدول، بشكل جماعي، هي القيِّم على حياتنا المشتركة على سطح هذا الكوكب- وهي الحياة التي يتقاسمها المواطنون في جميع البلدان."

كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة.85

مع تنامي تأثير الشركات المتعدية الجنسيات وعولمة العمل والمال وتزايد الخطوات نحو ربط التعاون التنموي بحقوق الإنسان، أصبحت الأبعاد الدولية لالتزامات حقوق الإنسان أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ونظراً لانعدام التوازن الصارخ في القوة الاقتصادية بين بلدان الشمال والجنوب، فإن التعاون الدولي والمساعدات الدولية يعتبران عاملين حاسمين في إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع البشر. بيد أن التعاون الدولي يمكن أن يتمخض عن آثار إيجابية أو سلبية. فهو لا يقوم دائماً على مبادئ حقوق الإنسان، من قبيل عدم التمييز أو إعطاء الأولوية للمستويات الأساسية الدنيا لكل حق. كما أنه لا يركز دائماً على الذين يتعرضون للإقصاء والتهميش أو الأكثر ضعفاً. إن واجبات الدول نحو احترام وحماية وتحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تنحصر في الولاية القضائية لهذه الدول أو للمناطق الخاضعة لسيطرتها الفعلية، وإنما تمتد لتشمل القيام بأفعال خارج حدودها.86فعندما يؤدي إجراء الدولة في بلد آخر إلى تقويض قدرة سكان ذلك البلد، بشكل مباشر، على إحقاق حقوقهم (عدم احترام حقوقهم في الخارج)، فإنه ينبغي إخضاع هذه الدولة للمساءلة.

وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام بقضايا التعاون التنموي، فإنه ليس هناك وعي يُذكر بأن المساعدات الدولية هي من التزامات حقوق الإنسان، وليست مجرد إحسان أو مصلحة ذاتية مستنيرة.

فقد تعهدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات مشتركة ومنفصلة لتحقيق احترام ومراعاة حقوق الإنسان للجميع بلا تمييز.87إن المعايير الدولية تلزم الدول باتخاذ خطوات، بصورة فردية ومن خلال المساعدات الدولية والتعاون الدولي، وفقاً للحد الأقصى من الموارد المتوفرة، وذلك من أجل إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل كامل.88ويجب أن يقوم التعاون الدولي في جميع الأوقات على الرضى والقبول.89بيد أنه يُطلب من الدول أن تبحث عن مساعدات دولية حيثما تعجز عن تلبية الحد الأدنى من واجباتها الأساسية.90وعملاً بروح هذا التعهد الدولي، فإن البلدان الملتزمة فعلاً بإحقاق المستويات الأساسية الدنيا 04?لحقوق، والتي اتخذت جميع التدابير المعقولة للقيام بذلك، ينبغي أن يتم توفير موارد إضافية لها من قبل الدول "التي بوسعها تقديم هذه المساعدة."91

وقد تمت مواجهة إخفاقات التعاون التنموي من زاوية حقوق الإنسان حتى الآن من خلال دراسة ما إذا كانت السياسات الخاصة بالمساعدات التنموية تقوم على الحقوق في الممارسة العملية أم لا.92وعلى أي حال بدأت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في الآونة الأخيرة، بتحليل سياسات الدول الخاصة بالتعاون التنموي، والدعوة إلى توفير مزيد من الموارد من خلال التعاون الدولي.93

ولعل التركيز العالمي الراهن على تحقيق أهداف التنمية الألفية للأمم المتحدة يمثل فرصة هائلة للمجتمع المدني كي يستغل الاهتمام الذي يمكن أن تخلق هذه الأهداف للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على مدى السنوات العشر القادمة. إلا أنه يبدو أن هذه الأهداف تحدد مستويات الإنجازات المتوقعة أدنى من تلك التي يُطلب من الدول تلبيتها بموجب القانون الدولي. فالهدف المتعلق بتقليص معدلات الجوع إلى النصف من شأنه، إذا تحقق، أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في العمر المتوقع للإنسان وإلى تحسين الأوضاع الصحية والكرامة الإنسانية. ومع ذلك، فإن الدول ألـ 151التي صادقت على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينبغي أن تكفل، في الحد الأدنى، عدم تعرض أي شخص للجوع. ونادراً ما يتم إدماج مثل هذه الواجبات القانونية عند النظر في تحقيق الأهداف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الأهداف لا تعكس إلا جزئياً القضايا المتعلقة بطيف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يجب على الدول التصدي لها. كما أنها لا تستثني الحقوق المدنية والسياسية، من قبيل حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات، على الرغم من القبول العالمي لفكرة أن الحقوق نادراً ما تتحقق عندما يُحرم الأفراد من حرية التعبئة دفاعاً عن حقوقهم."


أهداف التنمية الألفية

لقد تعهدت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتحقيق أهداف التنمية الألفية للأمم المتحدة بحلول العام 2015، وهي عبارة عن ثمانية أهداف تمثل فرصة دولية غير مسبوقة لتحسين الظروف الاجتماعية في البلدان النامية:94

  1. تخفيض معدلات الفقر المدقع والجوع إلى النصف.

  2. تحقيق التعليم الأساسي العالمي.

  3. تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.

  4. تخفيض معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة بمقدار الثلثين.

  5. تخفيض معدلات وفيات النساء عند الولادة بمقدار ثلاثة أرباع.

  6. تراجع تفشي فيروس نقص المناعة المكتسبة/ مرض الأيدز والملاريا وغيره من الأمراض الرئيسية.

  7. ضمان المحافظة على البيئية، بما في ذلك تخفيض نسبة السكان الذين لا يحصلون على مياه شرب آمنة إلى النصف.

  8. إقامة شراكة عالمية للتنمية ذات أهداف تتعلق بالمساعدات والتجارة والإعفاء من الديون.




بيد أن التركيز على الأهداف المجردة والعادية يجب ألا يسمح بالسكوت عن أنماط الظلم. فالفئات المهمشة، ومنها الأشخاص المهجرون داخلياً والسكان الأصليون والمهاجرون والأقليات واللاجئون والنساء غالباً ما يتم تجاهلها. وينبغي تحليل سير العمل باتجاه هذه الأهداف للتأكد مما إذا كانت متسقة مع الالتزامات القانونية لضمان عدم التمييز. فازدياد عدد الأطفال في المدارس، على سبيل المثال، يجب ألا يخفي حقيقة وجود نظام مدرسي أحادي اللغة والثقافة أو يقوم على الفصل بشكل رئيسي. ويعتبر جمع البيانات لتحديد التقدم الذي يُحرز باتجاه كل هدف بين الجماعات المهمشة، وإدماج حقوق الإنسان في عملية مراقبة الأهداف، أمراً مهماً لضمان أن تسهم هذه الأهداف في إحقاق حقوق الإنسان بشكل كامل.


نيجيريا: هل عمليات الإخلاء القسري ثمن التنمية؟

لقد توقف مشروع يموِّله البنك الدولي لتحسين نظام المجاري والتمديدات الصحية في المناطق الفقيرة في لاغوس بنيجيريا، بعد قيام جماعة محلية لحقوق الإنسان بتقديم شكوى ضد إخلاء آلاف الأشخاص من منازلهم قسراً. وقدم مركز العمل بشأن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في العام 1998 التماساً إلى لجنة التفتيش في البنك الدولي، وهي هيئة أنشأها البنك الدولي لخلق منبر مستقل يتولى دراسة الشكاوى من أن المشاريع التي يدعمها البنك الدولي لم تتَّبع السياسات المعمول بها في البنك الدولي، مما يسبب الضرر.95

وقد قام أحد أعضاء لجنة التفتيش بزيارة إلى الموقع المتضرر، وتحدث مع المجتمعات المحلية وموظفي البنك الدولي ومسؤولين ومقاولين. وخلصت اللجنة إلى القول بأن بعض المجتمعات المتضررة لم تتلق إشعاراً كافياً بالإخلاء، أو أي تعويض عن خسارتهم، الأمر الذي يشكل مخالفة لسياسات البنك المعمول بها.96 كما سعت اللجنة إلى استخدام مساعيها الحميدة للتأكد من تصحيح الإخفاقات.97 وذُكر أن المشروع قد توقف بانتظار دفع تعويضات للمتضررين وإعادة توطينهم.98 ومع ذلك، فقد استمر مركز العمل الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية في الإبلاغ عن وقوع عمليات إخلاء جماعية للسكان الذين كانوا جزءاً من هذه المجتمعات، حتى مع استمرار إجراءات المقاضاة نيابة عنهم.99



الفصل .4 تحديد انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

"تقع انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عنž?ما تتَّبع الدولة، سواء باتخاذ إجراء أو بالتقاعس عنه، سياسة أو ممارسة تتعارض مع الالتزامات الواردة في العهد الدولي أو تتجاهلها بشكل متعمد."

مبادئ ماستريخت التوجيهية بشأن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.100

إن الكثير من التشكك المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هو نتيجة للشعور بالعجز أو الاستسلام في وجه الإحصاءات الطاغية المتعلقة بالحرمان.101فهل يمكن أن يكون 840مليون إنسان، الذين لا يستطيعون الحصول على غذاء كافٍ، ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان؟

إن المقاومة الأولية للاعتراف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كحقوق إنسانية انبثقت جزئياً، من الصعوبة المتصوَّرة لإمكانية مراقبة وتقييم "الإحقاق التدريجي" لهذه الحقوق. فذلك يتطلب جمع بيانات موثوق بها، ثم فصلها عن بعضها بعضاً بشكل مناسب وفقاً لكل سبب من أسباب التمييز المحظورة، بالإضافة إلى المؤشرات الفعالة لتحديد التقدم الذي أُحرز باتجاه الإحقاق الكامل (أو عدم التقدم). وقد سارت محاولات تحديد المؤشرات المناسبة بشكل بطيء.102

بيد أنه أُحرز تقدم أسرع في تطوير "منهج يقوم على الانتهاكات"، يحدد إخفاقات الدول في الوفاء بالواجبات الفورية أو الالتزامات الأساسية الدنيا.103وقد اعتمد العديد من المنظمات التي تعمل في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذا المنهج، وطبقت العديد من الأساليب التي طُورت بغية مراقبة انتهاكات الحقوق المدنية والسياسية.

ويقع الانتهاك إما عندما تتقاعس الدولة عن اتخاذ إجراء للتغلب على الحرمان من الحقوق، أو عندما تتخذ إجراء يؤدي إلى عرقلة إحقاق الحقوق بشكل فعال أو يسمح للآخرين بعرقلته. ويمكن أن تطال الانتهاكات الواجبات المتعلقة باحترام الحقوق وحمايتها والوفاء بها. أما عندما يكون الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نتيجةً لعدم القدرة (أي عندما تكون هناك قيود حقيقية على الموارد، أو ظروف خارجة عن إرادة الدولة أو خارج نطاق معرفتها)، فإنه لا يمكن القول إن الدولة انتهكت التزاماتها الدولية. ذلك أن الانتهاكات تقع نتيجة لانعدام الاستعداد والتجاهل والتمييز.



تم وضع إطار لتقييم الانتهاكات المحتملة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال الحلقات الدراسية للخبراء الدوليين التي عقدت في العامين 1986 و 1996، ثم تأكيده بدعوى قانونية لاحقة.104 وتشمل هذه الانتهاكات الحالات التالية:

  1. عندما تعجز الدولة عن احترام أو حماية الحقوق، أو إزالة العقبات من طريق تحقيقها الفوري (عن طريق الإخلاء القسري أو العجز عن تنظيم خدمات القطاع الخاص بشكل كافٍ على سبيل المثال).

  2. عندما تستخدم الدولة سياسات أو ممارسات يكون القصد منها، أو نتيجتها، ممارسة التمييز ضد جماعات معينة أو أفراد معينين على أسس غير مقبولة (عندما لا يتحدث المهنيون الصحيون سوى اللغات الرسمية، وليس لغات الأقليات مثلاً).

  3. عندما تعجز الدولة عن إحقاق أحد الواجبات الأساسية الدنيا بلا تأخير (كأن تعجز عن إعطاء الأولوية للتعليم الأساسي الإلزامي المجاني).

  4. عندما تعجز الدولة عن اتخاذ خطوات عاجلة وملموسة وهادفة باتجاه إحقاق الحقوق بشكل كامل (من قبيل عدم التخطيط لتوفير الأدوية الأساسية وجعلها في متناول الجميع من حيث أسعارها).

  5. عندما تعجز الدولة عن إعطاء الأولوية الكافية لإحقاق المستويات الأساسية الدنيا لكل حق، ولا سيما بالنسبة للمهمشين والمستضعفين والذين يعانون من الإقصاء (من قبيل كثافة الاستثمار في تحسين البيئة في المناطق الأكثر ثراءً، وقلة الاستثمار في ضمان سلامة مدن الصفيح).

  6. عندما تضع الدولة قيوداً غير معترف بها في القانون الدولي على ممارسة الحقوق105 (من قبيل تقييد الحق في تأمين وثائق الحيازة للمواطنين وحرمان غير المواطنين من هذا الحق).

  7. عندما تعيق الدولة الإحقاق التدريجي للحقوق أو توقفه، ما لم تكن تتصرف ضمن الحدود المسموح بها في القانون الدولي لأنها تفتقر إلى الموارد، أو بسبب أحداث غير متوقعة أو خارجة عن الإرادة (كإغلاق جميع الجامعات إبان النـزاع المسلح).

ما الذي يشكل الانتهاك؟

وهكذا فإن انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمكن أن تقع على امتداد واجبات الدول نحو احترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها. وقد تشمل أفعال حجب الحقوق أو الحرمان منها، والتقاعس عن منع الحرمان من الحقوق وإنصاف المحرومين منها. وكما هي الحال بالنسبة لجميع حقوق الإنسان، فإن العديد من الانتهاكات يتضمن فشل الدولة في الكف عن سياسة معينة أو تغيير تشريعي أو ممارسة معينة لا تتسق مع التزامات هذه الدولة بموجب القانون الدولي. إن هذا النوع من المزاعم يتطلب برهاناً على أن الإجراء الذي تتخذه الدولة يعيق إحقاق الحقوق وأن الحل يكمن ببساطة في وقف هذا الإجراء. كما أنها غالباً ما تتضمن انتهاكات على أيدي فاعلين آخرين، حيث تعجز الدولة عن ضبط سلوكهم وعن ضمان الإنصاف الفعال للضحايا المحتملين.

من الصعب تقييم المزاعم المتعلقة بالعجز عن الوفاء بالحقوق لأن الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أكثر اعتماداً على الموارد المتاحة. بيد أنه يمكن تحديد ثلاثة أنواع من انتهاكات الواجب نحو إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي:

  1. التراجع، ويتضمن:

  2. تطوير وتنفيذ سياسات جديدة تبتعد عن الإحقاق الكامل للحقوق.

  3. s20 إلغاء الاستثمار في الخدمات الاجتماعية على نطاق واسع من دون أن يكون مبرَّراً بركود اقتصادي عام.

  4. إعادة تخصيص الموارد بعيداً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ونقلها إلى مجالات أخرى، من قبيل النفقات العسكرية غير المبررة أو المفرطة.

  5. عدم الوفاء بالحقوق بسبب التمييز: إن عدم التمييز واجب فوري يتقاطع مع جميع الواجبات نحو احترام الحقوق وحمايتها والوفاء بها. وإن اعتماد القوانين والسياسات والممارسات التي لا تتسق مع مبدأ عدم التمييز يصل إلى حد انتهاك حقوق الإنسان.

  6. عدم إعطاء الأولوية للواجبات الأساسية الدنيا، ولا سيما بالنسبة للأفراد والفئات الأكثر ضعفاً، عند اتخاذ قرار بشأن الوفاء بالحقوق، يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا وسوازيلند، ركزت منظمة العفو الدولية حملتها على واجب إعطاء الأولوية لتوفير الرعاية الصحية للناجيات من الاغتصاب، ولا سيما في سياق وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة/الأيدز.106

وهناك انتهاكات أخرى لواجب الوفاء بالحقوق ربما يكون تحديدها أكثر صعوبة. إن تقرير ما إذا كانت دولة ما تنتهك التزاماتها الدولية قد ينطوي على أحكام بشأن تخصيص الموارد وأولوية السياسات. وللبت في مثل هذه المسائل، كانت المحاكم في بعض البلدان متحفظة في التدخل في مجال السلطة التنفيذية أو غيرها من صانعي السياسات العامة، أو إصدار الأحكام التي تتضمن إعادة توزيع الموارد من قطاع إلى آخر. بيد أن معيار "المعقولية" الذي أوجدته محاكم جنوب أفريقيا يعتبر مفيداً في إرساء المقياس لسلوك الدولة المقبول:

"إن المحكمة التي تنظر في المعقولية لن تحقق فيما إذا كان بالإمكان اعتماد تدابير مفضَّلة أو أكثر استحساناً، أو ما إذا كان بالإمكان إنفاق المال العام على نحو أفضل. والسؤال هو ما إذا كانت التدابير المعتمدة معقولة أم لا. ومن الضروري الاعتراف بأن الدولة يمكن أن تعتمد مجموعة واسعة من التدابير الممكنة للوفاء بالتزاماتها. وإن العديد من هذه التدابير سيلبي متطلبات المعقولية. وعندما يتبين أنها كذلك، فإن هذا الشرط يكون قد تمت تلبيته."107

عند تطبيق هذا المبدأ، نظرت المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا في ما إذا كان البرنامج- أو السياسة- شاملاً ومتماسكاً ومنسقاً؛ وما إذا كان متوازناً ومرناً؛ وما إذا كان يوفر الاحتياجات القصيرة أو المتوسطة أو الطويلة الأجل؛ وما إذا كان تصوُّره وتنفيذه معقولين؛ وما إذا كان يتسم بالشفافية.108

واعتبرت المحكمة أن واجب الوفاء بالحق في مسكن ملائم قد انتُهك عندما لم تعط السياسة الخاصة بالإسكان الأولوية لتحسين ظروف السكن لأولئك الذين لا يجدون أرضاً تحت أقدامهم ولا سقفاً فوق رؤوسهم، ويعيشون في أوضاع لا تُطاق أو في ظروف الأزمات."109

وتستخدم الدول عدداً من الحجج لتبرير السلوك الذي يمكن أن يعتبر بوجه عام انتهاكاً لحقوق الإنسان، وغالباً ما تتذرع بعدم كفاية الموارد أو ببواعث القلق الأمنية، وأعباء الدين وسداد الدين أو الكوارث الطبيعية. ومع أن إمكانيات حصول الدول على الموارد متفاوتة، فإن المعايير الدولية الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تأخذ ذلك بعين الاعتبار. وهكذا فإن الإغلاق المؤقت لمدرسة أو مستشفى عقب وقوع كارثة طبيعية قد يكون مفهوماً، حيث ينبغي فحص المبنى من أجل المحافظة على السلامة، أو يكون هناك مشكلات قصيرة الأجل في نقل الموظفين إلى مكان العمل. بيد أن الرد على الكوارث يجب ألا ينطوي على تمييز ضد الجماعات المهمشة.110

النـزاع المسلح ليس ذريعة

غالباً ما تسفر النـزاعات المسلحة أو حالات الطوارئ عن وقوع انتهاكات للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نطاق واسع. إذ يتم تدمير الخدمات الصحية والمساكن والأغذية ومصادر المياه النظيفة، أو يُمنع الناس من الحصول عليها. إن التدابير التي تُتخذ رداً على بواعث القلق الأمنية يجب أن تكون معقولة ومتناسبة مع الخطر. ففي أوقات النـزاع المسلح يجب أن تحترم التمييز بين المدنيين والمقاتلين.

أثناء النـزاعات المسلحة أو حالات الطوارئ التي "تهدد حياة الأمة"، يجوز للحكومات أن تتنصل ( أي تعلن تعليق الضمانات مؤقتاً) من بعض التزامات حقوق الإنسان111، وليس جميعها. ومع ذلك، فإن العديد من صكوك حقوق الإنسان الأخيرة لا يحتوي على فقرة تتعلق بالتنصل. ففي حالة الميثاق الأفريقي، مثلاً، قالت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إنه "لا يجوز تبرير الحد من الحقوق والحريات المنصوص عليها في الميثاق بذريعة حالات الطوارئ أو بالظروف الخاصة."112

وفي الوقت الذين يمكن أن يشكل إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحدياً أكبر إبان النـزاع المسلح، فإنه لا يوجد نص يجيز التنصل من الالتزامات بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو غيره من المعاهدات الرئيسية التي توفر الحماية لحقوق الإنسان. وكما هي الحال بالنسبة لحقوق الإنسان عموماً، لا يُسمح بوضع قيود معقولة ومتناسبة على ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلا بموجب القانون الدولي وفي سبيل هدف مشروع (من قبيل الصحة العامة والنظام العام والأمن العام).

ويتعين على الدول أن تتقيد بالالتزامات الأساسية الدنيا، التي اعتبرت صراحةً غير قابلة للانتقاص 113كما أن ثمة مجموعة من الواجبات في القانون الإنساني الدولي- قانون النـزاع المسلح- تتعلق بوسائل وأساليب شن الأعمال الحربية، وبواجبات سلطة الاحتلال ذات الصلة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن بين الأمثلة:

  1. حظر التجويع كوسيلة من وسائل الحرب.114

  2. حظر الوسائل والأساليب الحربية التي يرجح أن تلحق ضرž?اً واسع النطاق وبعيد الأمد بالبيئة، الأمر الذي يعرض الصحة العامة للسكان أو بقائهم للخطر.

  3. حظر الهجوم على الأهداف التي تعتبر أساسية لبقاء السكان المدنيين.115

  4. واجب تأمين حرية مرور العاملين الطبيين والمعدات الطبية عبر الحصار.116

  5. واجب سلطات الاحتلال نحو ضمان الخدمات الطبية والصحة العامة والوقاية الصحية في المناطق الواقعة تحت الاحتلال.117


"لقد ذهب جزء من حياتنا أدراج الرياح": تدمير المنازل ووسائل العيش في إسرائيل والمناطق المحتلة

"لقد أُصبنا بالذهول، وكان الشيء الوحيد الذي لدينا الوقت للقيام به هو نقل الأطفال إلى بر الأمان. وما كدنا نفعل ذلك، حتى بدأت الجرافات في غضون دقائق بتدمير المنازل، ولم يكن لدينا وقت لإنقاذ أي شيء."

كان يوسف محمد أبو حولي وزوجته وأطفالهما التسعة في منـزلهم عندما طوَّقته الدبابات والجرافات. ففي 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، بدأ الجيش الإسرائيلي بتدمير جزء من أرضهم. وفي 26 أكتوبر/ تشرين الأول، دمَّر الجيش البيت الأول للعائلة. وفي 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، تم تدمير منـزل ابن أخته عبد الحكيم عبد ربه أبو حولي، وهو متزوج وله أربعة أطفال.

"لقد ذهب شقاء العمر أدراج الرياح. ففي الساعة الحادية عشرة مساءً جاء الجيش في دبابتين وجرافة وسيارة جيب عسكرية. وصرخوا بنا كي نخرج فوراً، وإلا فإنهم سيهدمون المنـزل فوق رؤوسنا. لم يكن منـزلنا هو الأول الذي يُهدم، ولكنك لا يمكن أن تكون مستعداً لأمر كهذا. ولم يكن لدينا أدنى فكرة أن ذلك ليس سوى البداية وأننا بعد بضعة أشهر سنفقد كل شيء. فلم يقتصر الأمر على المنازل، بل طال الأثاث والأرض وكل شيء. لقد ذهب جزء من حياتنا مع الريح."

في خلال عام واحد فقدت الأسرة الممتدة تسعة منازل ونحو 35 هكتاراً من الأرض ومصنعاً لمعالجة الأغذية ومستنبتاً ومزرعة دجاج وثلاثة آبار وعدة برك لتخرين الماء. لقد تضرر 84 شخصاً من الأقرباء وأصبح 57 شخصاً منهم بلا مأوى.

ولم يقدم الجيش الإسرائيلي أي تفسير لتدمير تلك الممتلكات. كانت العائلة تعيش بالقرب من المستوطنة الإسرائيلية كفار داروم في قطاع غزة، حيث بلغ عدد الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا مأوى 18,000 شخص لأن قوات الجيش والأمن دمرت أكثر من 3,000 منـزل ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية ومئات الممتلكات الأخرى منذ سبتمبر/ أيلول 2000. ولا يمكن تبرير هذا التدمير الهائل على أساس "الضرورة العسكرية المطلقة" كما تدعي السلطات الإسرائيلية. بل إنه كثيراً ما يكون نوعاً من العقوبة الجماعية انتقاماً من هجمات الجماعات المسلحة، وهو ما يشكل انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي.118 وتتم عمليات تدمير المنازل من دون إشعار ومن دون اتباع العملية الواجبة ومن دون توفير مسكن بديل ملائم. وبهذه الصفة، فإنها تصل إلى حد الإخلاء القسري، الذي يشكل انتهاكاً لطائفة من حقوق الإنسان، ومنها الحق في الحصول على مسكن لائق.



عدم كفاية الموارد ليس عذراً

غالباً ما تحاول الدول تبرير انتهاكها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بذريعة عدم توفر الموارد المالية أو التقنية أو البشرية.

وعند دراسة هذه الادعاءات، من الأهمية بمكان أن يُنظر في ما إذا كانت الدولة قد أعطت أولوية كافية لحقوق الإنسان عند وضع ميزانياتها، وطلبت مساعدات دولية بحسب حاجتها.

وينطبق هنا مبدءان أساسيان: الأول أنه "حتى عندما يتبين أن الموارد المتوفرة غير كافية، فإن من واجب الدولة الطرف أن تكفل أكبر قدر ممكن من التمتع بالحقوق ذات الصلة في ظل الظروف السائدة."119والثاني أنه "حتى في الأوقات التي تكون فيها الموارد محدودة بشكل حاد، سواء كان ذلك بسبب عملية التكيف أو الركود الاقتصادي أو بفعل أي عوامل أخرى، فإنه يمكن، ويجب، حماية أفراد المجتمع المستضعفين عن طريق اعتماد برامج متدنية التكاليف نسبياً."120

كما ينبغي التمييز بين الافتقار العام إلى الموارد وبين القدرة على الوفاء بواجب محدد. فعلى سبيل المثال، في مجرى دراسة مدى كفاية الرعاية الصحية العقلية في غامبيا، كشفت الحكومة النقاب عن أنه كان لديها مخزون كاف من الأدوية للمصابين بالأمراض العقلية، ولكن تلك الأدوية لم توزَّع. وبالنتيجة، استطاعت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أن تصدر أمراً مبرَّراً بأن توفر الدولة هذه الأدوية إلى أولئك الذين كانوا بحاجة إليها، مع أنها أشارت إلى محدودية موارد الدولة.121

ونظرت بعض المحاكم في ما إذا كان تخصيص الموارد متسقاً مع الالتزامات الدستورية بحقوق الإنسان. فعندما ادعت حكومة جنوب أفريقيا أنها تفتقر إلى الموارد لتوفير عقاقير مضادة للفيروس للنساء الحوامل، لم تقبل المحكمة الدستورية ذلك الادعاء. وتمثَّل موقف المحكمة في أن الحكومة لا تستطيع أن تحاجج بانعدام الموارد اللازمة لتوفير العقاقير من دون أن تضع خطة لتحديد تكاليف "التشغيل" في سائر أنحاء البلاد كجزء من برنامج للأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز، ومن دون تقييم مختلف الموارد المتوفرة تحت تصرفها.122


الهند: استخدام المحاكم للدفاع عن الحقوق

لقد جرى الدفاع عن الحق في الغذاء في الهند مؤخراً باستخدام الدعاوى القضائية المتعلقة بالمصلحة العامة. ففي العام 2001 واجه العديد من الولايات الهندية السنة الثانية أو الثالثة من موجة الجفاف، ولكنها عجزت عن ضمان الحد الأدنى من المتطلبات الغذائية للسكان على الرغم من وجود ملايين الأطنان من مخزون المواد الغذائية. واستجابة لالتماس من الاتحاد الشعبي للحريات المدنية وغيره من جماعات حقوق الإنسان، أمرت المحكمة العليا الولايات بتأمين الحاجات الغذ

u1575?ئية "للمسنين والمعوقين والنساء البائسات المعرضات للمجاعة والحوامل والمرضعات والأطفال البائسين، ولا سيما عندما لا يكون لديهم أو لدى عائلاتهم ما يكفي لشراء الطعام لهم."123 ثم أمرت الولايات بإعادة فتح محلات توزيع الأغذية وتحديد مَن هم دون خط الفقر ممن هم بحاجة إلى مساعدات غذائية. وهكذا أمرت المحكمة بالإحقاق الفوري للواجبات الأساسية الدنيا تجاه الحق في الحصول على الغذاء الكافي.124

ويعتبر رفع دعاوى قانونية تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الهند مثالاً إيجابياً على التدخل القضائي الخلاق. إن الدستور الهندي يفصل بين الحقوق الأساسية (الحقوق المدنية والسياسية القابلة للتنفيذ في المحاكم). بيد أن المحكمة العليا استخدمت هذه المبادئ لتوسيع نطاق تفسير الحقوق الأساسية. فقد فسَّرت الحق في الحياة بحيث يشمل الحق في وسائل العيش والتغذية الكافية والملبس الكافي ومرافق القراءة والسكن والصحة والتعليم. وأصبحت إمكانية لجوء المستضعفين إلى المحاكم أكثر سهولة من خلال جعل القواعد الإجرائية أكثر مرونة بحيث تجيز إجراء المقاضاة فيما يتعلق بالمصلحة العامة على أساس التماسات غير رسمية.



الفصل .5من هو المسؤول

"كي تكفل النظر إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بصورة أكثر جدية باعتبارها واجبات، فإن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان يجب ألا تكون مقيدة في تحديد المستهدفين بأسمائهم ووسائل تخجيلهم"

ماري روبنسون، المفوضة السامية السابقة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

إن المسؤولية عن الحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تقع على عاتق الحكومات فحسب، وإنما على عاتق الأفراد والجماعات والمشاريع التجارية. وتقع المسؤولية الأساسية عن القانون الدولي على الدولة التي يقع الانتهاك في ظل ولايتها القضائية. بيد أنه في حالات من قبيل الاحتلال أو النـزاع المسلح الداخلي، حيث تمارس الدولة المحتلة أو الجماعة المسلحة السيطرة الفعلية على جزء من السكان، فإن السلطة المسيطرة يجب أن تكون مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تقع على أراضيها.126

وأثناء النـزاع المسلح لا تقع المسؤوليات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بموجب القانون الإنساني الدولي على الدول وحدها، وإنما على عاتق الجماعات المسلحة كذلك. فعلى سبيل المثال، أصدرت منظمة العفو الدولية عدة رسائل مفتوحة إلى الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) في العام 2004، أعربت فيها عن قلقها بشأن تأثير اختطاف أطفال المدارس من أجل التربية السياسية على حقهم في التعليم؛ وبشأن الضرر المحتمل "لحصار" الماويين لكاتماندو على إمكانية حصول السكان المدنيين على الغذاء والمستلزمات الطبية الأساسية.127

وحيثما تمارس إدارة مؤقتة للأمم المتحدة سيطرة فعلية أو مشتركة على منطقة ما، فإنها قد تكون مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان. فقد دعت منظمة العفو الدولية البعثة المؤقتة للأمم المتحدة في كوسوفو وسلطات كوسوفو إلى إيجاد مساكن بديلة لجماعات الروما التي تعيش في مستوطنات ملوثة بشكل خطير.128

كما أن الدول مسؤولة عن الانتهاكات التي يرتكبها الأفراد وغيرهم من الكيانات غير التابعة للدولة، من قبيل الشركات المتعدية الجنسيات، حيثما يكون للدولة ولاية قضائية على مثل هؤلاء الأفراد والشركات، وحيثما تعجز عن ممارسة الدأب الواجب في تنظيم سلوكهم.129

تسيطر الشركات الثلاثمائة الأكبر في العالم على نحو %25من الأصول الإنتاجية للعالم.130ونظراً لهذه الحقيقة، نشأ إجماع دولي، تؤيده منظمة العفو الدولية، على ضرورة الاعتراف بمسؤولية الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان. وفي الوقت الذي تقع المسؤولية الرئيسية على عاتق الدول، فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يعترف بواجبات "كل عضو في المجتمع"، وهذا يشمل الشركات. وثمة خطوات لوضع معايير دولية من شأنها أن تُخضع الشركات للمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن عملياتها مباشرة، وأن تعترف بواجبها نحو منع وقوع مثل هذه الانتهاكات ضمن نطاق نفوذها.131

كما أن الدول التي تقدم المساعدات الدولية وتساهم في التعاون الدولي من أجل التنمية يجب أن تكون مسؤولة عن تأثير سياساتها على أوضاع حقوق الإنسان خارج حدودها. ويجب أن تكفل الدول المانحة أن تكون سياسات التعاون من أجل التنمية متسقة مع التزامات حقوق الإنسان، ليس بالأقوال وحدها وإنما بالأفعال أيضاً. ومن واجب الدول التي تتلقى المساعدات التنموية أن تكفل استخدام هذه المساعدات بطريقة تتسق مع حقوق الإنسان، بما في ذلك من خلال تخصيص الحد الأقصى من الموارد المتوفرة من أجل إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل كامل. ومن هنا فإن انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن مشاريع التنمية تعتبر من مسؤولية الدول المانحة- إذا كانت على وعي بتداعيات المشاريع، أو كان يجب أن تعيها - ومن مسؤولية الدول المتلقية للمساعدات- إذا عجزت عن ممارسة الدأب الواجب لضمان أن يكون التدخل متسقاً مع حقوق الإنسان.

وتستخدم المؤسسات المالية الدولية، كالبنك الدولي، نفوذاً هائلاً في تحديد سياسات الدول الاقتصادية والاجتماعية. إن أحد جوانب نشاطات البنك الدولي المثيرة للجدل يتمثل في مسؤوليته الدولية عن تأثير حقوق الإنسان على عملياته.132ويعتبر المسؤولون في البنك أنه ليس من صلاحياته النظر في الجوانب المتعلقة بحقوق الإنسان في اتخاذ القرارات، وإنما في المعايير الاقتصادية فحسب. ومع ذلك، فإن البنك بصفته وكالة متخصصة من وكالات الأمم المتحدة، مؤلف من دول تقع على عاتقها مسؤوليات احترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها في جميع الأنشطة، بما فيها الإجراءات والقرارات التي تُتخذ من خلال البنك.133

لقد ساعدت برامج التكيف الهيكلي، التي ازدهرت تحت رعاية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن المنصرم، على توحيد جماعات حقوق الإنسان وغيرها من قطاعات المجتمع المدني في معارضة تقليص التمويل العام للخدمات الاجتماعية. وبموجب العديد من البرامج، فُرضت رسوم على الرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأساسي (رسوم الاستهلاك).134فقد كان التأثير على إمكانية الحصول على التعليم الأساسي هائلاً.135كما تقلصت قدرة الفقراء على الحصول على هذه الخدمات تقلصاً كبيراً، وقام البنك الدولي في النهاية بتعديل سياسته. فالبنك الدولي حالياً لا يقوم "بدعم رسوم الاستهلاك للتعليم الأساسي والخدمات الصحية الأساسية للفقراء".136إن إعادة العمل بمبدأ التعليم المجاني للجميع، وليس للذين يعتبرون فقراء فحسب، سيتطلب مزيداً من الموارد لملء أي فجوة في التمويل. والدعم الذي يقدمه مجتمع المانحين الدولي من شأنه أن يساعد على تعويض الضرر الذي وقع سابقاً عندما شجع على الابتعاد عن توفير التعليم المجاني. وينص القانون الدولي لحقوق الإنسان بوضوح على أن التعليم الأساسي يجب أن يكون مجانياً وإلزامياً.137

وكانت أحدث محاولة للتوصل إلى اتفاقية للتنمية بين المؤسسات المالية الدولية والدول المتلقية للقروض تتمثل في أوراق استراتيجية تقليص الفقر. وقد صيغت أوراق استراتيجية تقليص الفقر، التي بادر بها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في العام 1999، من قبل الحكومات كشرط للإعفاء من الديون، ويتزايد الخلاف بشأنها. وأشار المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الصحة إلى أن:

"عدداً قليلاً جداً من أوراق استراتيجية تقليص الفقر أُدمجت في مؤشرات صحية من شأنها أن تراقب التأثير على الناس الفقراء أو المناطق الفقيرة. ولم تتضمن أوراق استراتيجية تقليص الفقر أي خطط لدمج الفقراء في عملية مراقبة تقوم على المشاركة. إن جميع هذه النواقص كان يمكن تخفيفها على الأقل لو أن الحق في الصحة أُخذ بعين الاعتبار بشكل كامل أثناء صياغة أوراق استراتيجية تقليص الفقر ذات الصلة. وليس من المفاجئ أن [منظمة الصحة العالمية] وجدت أن أياً من أوراق هذه الاستراتيجية لم تأت على ذكر الصحة كحق من حقوق الإنسان."138

إن إمكانية أن تساعد أوراق استراتيجية تقليص الفقر على حشد التضامن الدولي من خلال توفير إطار لإدماج بواعث قلق حقوق الإنسان في سياسات تقليص الفقر لم يتم الوفاء بها إلى حد كبير. وفي الوقت الذي بذلت فيه بعض الجهود لبيان كيفية تحقيق ذلك، فإنه لم يُنفذ بعد في الممارسة العملية.139


المشاركة والمراقبة والتسجيل في غانا

في يونيو/ حزيران 2001 غمر فيضان حي نيما-ماموبي في أكرا عاصمة غانا بقاذورات المجاري الخام. وتفاقمت المشكلة بسبب عجز السلطات المحلية عن تنفيذ القوانين التي تطلب من أصحاب الأرض توفير المراحيض في المنازل الجديدة." ورد مركز الموارد القانونية، وهو منظمة محلية لحقوق الإنسان، بتطوير مشروع طويل الأجل لمراقبة الحق في الصحة في المجتمع المحلي.140 وقد بدأ بمسح 161 أسرة وحدد الأولويات التالية:

  1. الخدمات الصحية التي يمكن الحصول عليها، ولا سيما تنفيذ الإعفاءات القانونية من رسوم الاستهلاك؛

  2. خدمات التمديدات الصحية الكافية والبنية التحتية، ومنها المراحيض والصرف الصحي والتخلص من النفايات.

ولمعالجة الأولوية الأولى، اعتمد مركز الموارد القانونية عدداً من الاستراتيجيات، وجمَع أدلة على انتهاك قانون "الإعفاء من رسوم الاستهلاك" من أجل متابعة الدعاوى القضائية،141 وعمل مع الجهات التي تقدم الرعاية الصحية بهدف الاتفاق على ممارسات إدارية لضمان تنفيذ الإعفاءات، ووفَّر التربية المجتمعية حول الإعفاءات، وآثار بواعث قلقه مع الحكومة. وقد أُرسلت مذكرة إلى البنك الدولي، طُلب فيها منه إعادة تقييم تأثير سياسته بشأن رسوم الاستهلاك بالنسبة للرعاية الصحية 142 على الحق في الصحة في غانا.

أما بالنسبة للتمديدات الصحية، فقد جمع مركز الموارد القانونية معلومات من أفراد المجتمع المحلي وناقش الاستراتيجيات المشتركة مع زعماء المجتمع المحلي وأسفر ذلك عن وضع استراتيجية محتملة للملاحقة القضائية. وبدأ أعضاء نوادي الشباب وطلبة الجامعات بمراقبة صيانة المراحيض التي تملكها الحكومة، ووتيرة جمع القمامة وتنظيف الأزقة.143 وقد استخدم هذا الدليل لدعم شكوى قُدمت إلى مجلس العاصمة أكرا.

ويواصل مركز الموارد القانونية متابعة كل من هذه الاستراتيجيات، حيث يتصرف "كمنظمة غير حكومية أساسية" كجزء من إدماج أكرا في عِقد الشعوب لحقوق الإنسان / برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "مشروع مدن حقوق الإنسان في العالم."144



ونظراً لأن إحقاق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتطلب قبول مقاربة حقوقية متكاملة للصحة والتعليم وغيرهما من الخدمات الاجتماعية، فإن ذلك يتطلب تعاوناً بين الوزارات المختلفة، من الزراعة إلى التجارة: إن دعاة حقوق الإنسان- الذين طالما استهدفوا السلطات المسؤولة عن تنفيذ القوانين، ونظام العقوبات والدفاع والقضاء فيما يتعلق بقضايا الحقوق المدنية والسياسية- قد يواجهون تحديات جديدة في الاتصال بجمهور أوسع، سواء كان حكومياً أو غير حكومي.

وقد أصبحت منظمات حقوق الإنسان أكثر مهارة في إبراز مجموعة الفاعلين الذين يتحملون المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان، مع التركيز على أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق الدولة. وتُظهر هذه الحالة كيف طوَّرت أحدى المنظمات منهجية لتوثيق تأثير مشروع معين خاص بالتعاون التنموي، وحمَّلت المسؤولية عن حرمان ا

u1604?مجتمعات التي تضررت بالفيضان من الحق في الصحة العامة لفاعلين عديدين."


الفصل .6جميع الحقوق لجميع البشر

إن حقوق الإنسان تنطبق على جميع الناس لأنهم ببساطة بشر