Document - Tunisia: Human rights abuses in the run up to the WSIS

تونس: انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة التي تسبق انعقاد القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات


في العام 2001، وقع اختيار الاتحاد الدولي للاتصالات، وهو هيئة تابعة للأمم المتحدة، على تونس كأحد بلدين لاستضافة القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات. وعُقد الجزء الأول من القمة في جنيف بسويسرا من 10 إلى 12 ديسمبر/كانون الأول 2003؛ وسيُعقد الجزء الثاني والختامي في تونس العاصمة من 16 إلى 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2005.


وتهدف القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات إلى تعزيز الحصول المتكافئ عالمياً على المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات من أجل وضع إمكانياتها كأدوات لتبادل المعلومات والمعرفة وتعزيز التنمية وجودة الحياة في متناول الجميع، بغض النظر عن الحدود القائمة بين الدول. وبالتالي، كان اختيار تونس كبلد لاستضافة الجزء الرئيسي من القمة وما زال مثار جدل كبير. إذ إن المنظمات التونسية والدولية لحقوق الإنسان على السواء أشارت إلى أن سجل الحكومة التونسية في مجال حرية التعبير والحصول على المعلومات سيئ، وأن الذين يجهرون بتأييدهم للإصلاح ولدرجة أكبر من الحماية لحقوق الإنسان يتعرضون للاضطهاد والمضايقة من جانب السلطات الرسمية. وحالياً، تفرض الحكومة التونسية قيوداً صارمة على حرية التعبيرواستخدام الإنترنت، وترفض السماح للمجموعات المحلية لحقوق الإنسان بالعمل بحرية وتحتجز مئات السجناء السياسيين، ومن بينهم بعض الذين سجنوا لمجرد تعبيرهم السلمي عن معتقداتهم والذين تعتبرهم منظمة العفو الدولية سجناء رأي.


وكان يؤمل أن يكون اختيار الاتحاد الدولي للاتصالات لتونس كبلد مضيف للقمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات حافزاً للحكومة التونسية للسماح بدرجة أكبر من الحرية وتخفيف القيود التي تفرضها على حرية التعبيروالاشتراك السلمي في الجمعيات، لكن هذا الأمر لم يحصل. بل على العكس، شهدت الأشهر الأخيرة تشديداً أكبر للقيود وزيادة في مضايقة المدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان مما يوحي بأن قرار الاتحاد الدولي للاتصالات أشعر الحكومة بالشجاعة ومكّنها من قمع منتقديها وخصومها بدرجة أكبر من القسوة لمنعهم من تخطي الحدود التي رسمتها لهم خلال فترة انعقاد القمة.


ولم يفعل المجتمع الدولي شيئاً يذكر للتعامل مع السجل السيئ للحكومة التونسية في مجال حقوق الإنسان والتزم الصمت إزاء الانتهاكات، وبخاصة تلك التي ارتكبتها الحكومة باسم الأمن ضد منتقديها الإسلاميين. وتقتضي اتفاقية الشراكة الأوروبية مع تونس منها صراحة مراعاة حقوق الإنسان والتحرر السياسي، لكن بعد مضي سبع سنوات على دخول الاتفاقية حيز النفاذ في العام 1998، لم يضع الاتحاد الأوروبي بعد آلية تعمل بشكل جيد للتعامل مع الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة التونسية.


وعبر موافقته على عقد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، يتيح الاتحاد الدولي للاتصالات فرصة للحكومة التونسية لتقديم صورة إيجابية عن البلاد إلى العالم الخارجي في وقت يتعرض فيه، في الواقع، المدافعون عن حقوق الإنسان والأصوات الأخرى التي تنادي بالتغيير لمزيد من المضايقة والقمع من جانب الحكومة؛ حيث تخنق الحقوق وحريات التعبير والمعلومات ذاتها التي تعتزم القمة تعزيزها.


وفي المرحلة الأولى من القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات التي عُقدت في ديسمبر/كانون الأول 2003 في جنيف، وافقت الحكومات والمنظمات المشاركة على إعلان للمبادئ ينص على أن احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير أمر جوهري لبناء مجتمع يُكفل فيه الحصول على المعلومات والأفكار والمعرفة في جميع أنحاء العالم بدون قيود.1


وتشكل الحالة التونسية نقيضاً صارخاً لهذه المبادئ، لدرجة أنه في سبتمبر/أيلول 2005 ذهب الاتحاد الأوروبي، و11 حكومة أخرى حضرت اجتماعاً تحضيرياً للقمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات، إلى حد إصدار بيان مشترك يدعو تونس إلى التمسك "بحرية الرأي والتعبير، بما في ذلك الحق في اعتناق آراء بدون تدخل، والسعي لتلقي المعلومات والأفكار ونقلها عبر أية وسيلة إعلامية بصرف النظر عن الحدود."2وهذه الدعوة التي تشكل تدخلاً مرحباً به وإن يكن متأخراً، لا يبدو أنها أحدثت التأثير المنشود على السلطات التونسية التي لم تتخذ أي إجراء للتخفيف من القيود المفروضة على حرية التعبير أو من الضغط الذي يمارس على المدافعين عن حقوق الإنسان. ففي الواقع لم تشهد الأسابيع الأخيرة خفضاً في القيود، وهناك مخاوف من أن أي منتقدين للحكومة يسعون إلى اغتنام فرصة القمة للاحتجاج على انتهاكات حقوق الإنسان، والمطالبة بدرجة أكبر من الحريات سيتعرضون بشدة لخطر الاعتدا69? عليهم أو لغيره من الانتهاكات التي ترتكبها السلطات.


ويترتب على الحكومات التي تحضر القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات ومنظميها واجب حازم في التأكد من أنها لا تشكل إطاراً لمزيد من المضايقة والقمع للمدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان. وإضافة إلى ذلك، عليها انتهاز فرصة انعقاد القمة للإيضاح للحكومة التونسية مدى القلق الدولي إزاء استمرار انتهاك الحقوق في البلاد وممارسة كل ضغط ممكن على السلطات التونسية للمباشرة بعملية إصلاح بعيدة المدى تتماشى مع الطموحات التي تُكرّس القمة لبلوغها.


والقيود المفروضة على حرية التعبير، بما في ذلك الحصول على المعلومات وعلى ممارسة الحقوق في حرية الاشتراك في الجمعيات والاجتماع ليست القضايا الوحيدة المتعلقة بحقوق الإنسان في تونس التي تثير قلق منظمة العفو الدولية. وكما وثقت المنظمة في سلسلة متعاقبة من التقارير السنوية، يظل القلق يساورها أيضاً إزاء إساءة الاستخدام القائمة منذ زمن طويل لسلطات الاعتقال، وبخاصة من جانب قوات الأمن، من خلال حجز المتهمين بمعزل عن العالم الخارجي وبدون الاستعانة بمستشار قانوني إلى ما بعد الحدود التي يجيزها القانون، وإزاء أنباء ممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين. وإضافة إلى ذلك، فإن العديد من السجناء، وبخاصة الأعضاء الحقيقيين أو المشتبه في انتمائهم إلى عضوية الحركة الإسلامية المحلية في تونس، صدرت عليهم أحكام قاسية بالسجن بعد محاكمات بالغة الجور. وقد أضرب عدد منهم عن الطعام بصورة متكررة احتجاجاً على الأحكام الصادرة عليهم واستمرار المعاملة السيئة التي يلقونها في السجون.


لكن في هذا التقرير، تركز منظمة العفو الدولية على التقاعس المتواصل للحكومة التونسية عن التقيد بواجباتها في التمسك بحرية التعبير والاشتراك في الجمعيات والحقوق المتعلقة بهما وإمعانها في مضايقة واضطهاد المدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان الذين يملكون الشجاعة للدفاع عن حقوقهم وحقوق أبناء وطنهم. وقد آن الأوان لأن تعترف الحكومة التونسية بالإسهام الذي يقدمه المدافعون عن حقوق الإنسان إلى المجتمع التونسي وأن تتخذ التدابير الضرورية لكي تضع واجباتها في التمسك بحقوق الإنسان وتعزيزها موضع التنفيذ الفعلي والحقيقي.


وفي سبيل هذه الغاية، تقدم منظمة العفو الدولية التوصيات التالية وتدعو الحكومات التي ستشارك في القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات إلى تقديم دعمها لهذه التوصيات :

إلى الحكومة التونسية :

  1. إطلاق سراح جميع سجناء الرأي فوراً ودون قيد أو شرط ووضع حد للمحاكمات الجائرة؛

  2. إلغاء أو تعديل جميع القوانين التي تجيز إصدار أحكام بالسجن بسبب الممارسة السلمية للحق في حرية التعبير.

  3. اتخاذ تدابير فعالة لضمان حقوق جميع التونسيين في حرية التعبير، بما فيها الاطلاع على المعلومات، كما تكفلها المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان الملزمة لتونس، وعن طريق إلغاء القوانين القمعية ورفع القيود الأخرى المفروضة عملياً لخنق حرية التعبير.

  4. تذليل العقبات القانونية وسواها من العقبات المستخدمة حالياً لمنع التسجيل الرسمي لمنظمات حقوق الإنسان وغيرها من منظمات المجتمع المدني التي تنتهك واجبات تونس في ضمان حرية الاشتراك في الجمعيات.

  5. ضمان إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة أو الهجمات الفعلية وغيرها من الهجمات على المدافعين عن حقوق الإنسان، وتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة.

  6. توجيه دعوات إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان لزيارة تونس قبل نهاية العام 2006.


إلى الحكومات المشاركة في القمة العالمية لمجتمع المعلومات :

  1. السعي لعقد اجتماعات رفيعة المستوى مع السلطات التونسية من أجل توضيح قلقها إزاء استمرار سجن سجناء الرأي ومضايقة المدافعين عن حقوق الإنسان واضطهادهم وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، ودعوة الحكومة التونسية إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لمعالجة بواعث القلق هذه؛

  2. التوضيح للحكومة التونسية بأنها، كمضيفة للقمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات، يترتب عليها واجب محدد في ضمان مستويات رفيعة في مراعاتها للحقوق في حرية التعبير، بما فيها الحصول على المعلومات وحرية الاشتراك في الجمعيات والاجتماع.

  3. توجيه دعوة إلى المدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان لزيارة بلدانها من أجل إطلاع المسؤولين فيها ومنظمات المجتمع المدني ذات الصلة على أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في تونس.


إلى الاتحاد الأوروبي :

  1. وضع عملية تتسم بالشفافية والفعالية ضمن إطار اتفاقية الشراكة التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع تونس لتسهيل المراقبة المتواصلة لاتجاهات حقوق الإنسان وتطوراتها ومبادرة الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات فعالة للمساعدة على تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها في تونس.


حرية التعبير والمعلومات في تونس

عاش التونسيون على مدى أكثر من عقد من الزمن في مناخ من القمع السياسي جرى فيه فرض قيود شديدة على حقوقهم في حرية التعبير والحصول على المعلومات. واحتفظت الحكومة برقابة شديدة على وسائل الإعلام والصحافة والتلفزيون وجرى توسيع هذه الرقابة لتطال أشكال أخرى من الاتصالات، لاسيما استخدام شبكة الإنترنت.


وكانت هناك درجة من التحرر السياسي بعدما تسلم الرئيس زين العاب�583?ين بن علي زمام السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني 1987، لكنها لم تدم طويلاً، ومنذ ذلك الحين ابتليت البلاد بمشاكل متواصلة لحقوق الإنسان. وبشكل خاص سعت الحكومة إلى مراقبة أنشطة الجماعات الإسلامية التي تتهمها بمحاولة الإطاحة بالحكومة، وقد استنجدت بعدد كبير من تدابير "مكافحة الإرهاب" لهذا الغرض والتي لا تأخذ حقوق الإنسان الأساسية بعين الاعتبار. كذلك شنت الحكومة حملة قمع متزايدة ضد الذين ينتقدون سياساتها أو يدعون لدرجة أكبر من الحرية والذين ينتمون إلى مختلف ألوان الطيف السياسي، وضايقت نشطاء الطلبة والنقابيين وسواهم وألقت بهم في غياهب السجون. وتم اعتقال الصحفيين أو الزج بهم في السجون، ومُنعت الصحف من الصدور أو صودرت أعدادها، واعتُقلت الشخصيات المعارضة وصدرت عليها أحكام بعد محاكمات جائرة. ومنعت منظمات حقوق الإنسان والمنظمات المهنية التي اعتُبرت بأنها تنتقد الحكومة من التسجيل الرسمي وتعرض قادتها وناشطوها للاعتداءات في الشوارع ولحملات التشهير في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة ولغير ذلك من أشكال المضايقة والاضطهاد.


واستمر الضغط الذي مارسته السلطات على منتقديها بلا هوادة؛ رغم أنه مضى أكثر من عقد من الزمن الآن على القضاء الفعلي على الحركة الإسلامية المحلية في تونس. وانعكس هذا بشكل خاص في موقف السلطات من ظهور وسائل إعلامية جديدة، لاسيما تكنولوجيا المعلومات وقدرة الإنترنت فيانتشار وتبادل المعلومات. وعوضاً عن اعتبار هذا الأمر بأنه يوفر وسيلة لازمة جداً لزيادة حصول التونسيين على المعلومات، أثبتت السلطات أنها تشعر بقلق شديد من الإنترنت بسبب الفرص التي تتيحها للناس للاطلاع على آراء ووجهات نظر متنوعة ومعلومات تفضل الحكومة ألا تطلعهم عليها. وتمنع السلطات الرسمية الدخول إلى مواقع الإنترنت التي تعرف أو تشتبه بأنها تعرض معلومات تنتقد الحكومة. وعلاوة على ذلك، يتعرض الأشخاص الموجودون داخل البلاد، والذين ينشرون مقالات على الإنترنت تعترض عليها الحكومة، للمقاضاة والسجن بموجب مجلة الصحافة.


وقد وضعت الحكومة قانونين جديدين في السنتين الماضيتين أديا إلى تشديد القيود وزيادة العقوبات المتوافرة للاستخدام ضد منتقدي الحكومة. وفي ديسمبر/كانون الأول 2003، وضعت الحكومة قانوناً جديداً "لمحاربة الإرهاب"، يتضمن تعريفاً واسعاً جداً "للإرهاب"، وقد استُخدم لسجن أشخاص يسعون إلى ممارسة حقهم في حرية التعبير.3


وفي يوليو/تموز 2004، نشرت الحكومة القانون الأساسيالذي يتعلق بحماية المعطيات الشخصية، الذيقالت السلطات إنه يهدف إلى حماية الخصوصيات الشخصية. بيد أنه عملياً، يزيد من القيود المفروضة علىالإطلاع على المعلومات عبر اشتراط حصول الصحفيين والكتّاب والمنظمات غير الحكومية على إذن مسبق قبل نشر أي شيء يمكن أن يعتبر بيانات شخصية؛ ومن المحتم أن يؤثر هذا الأمر سلباً على حرية الصحافة، ويقلل من إمكانية تمكّن الصحفيين من التحدث مثلاً عن الفساد الرسمي أو غيره من أشكال التقصير من جانب السلطات، كما هو شائع في المجتمعات الأخرى. وتشرف على القوانين لجنة عينتها الحكومة ولا تخضع للمساءلة أمام الجمهور.


وسائل الإعلام السمعية البصرية

تمارس السلطات التونسية رقابة مشددة على وسائل الإعلام وتخنق حرية الصحافة وتمنع ظهور وسائل إعلام مستقلة داخل تونس. ولا يبث التلفزيون والإذاعة في تونس آراء انتقادية للسياسة التونسية، ولا يمنح عملياً أي وقت على الهواء للسياسيين المعارضين. وبينما تُملأ نسبة كبيرة من وقت البث المباشر بتقارير وأنباء حول أفعال وأنشطة الرئيس التونسي بن علي، لا يُشاهد ممثلو الحركة المحلية لحقوق الإنسان في البلاد على شاشة التلفزيون التونسي أبداً. وقد اتجه العديد من التونسيين إلى مشاهدة القنوات التلفزيونية التي تبث من الدول الأخرى من أجل الإطلاع على معلومات لا تتوافر لهم من وسائل الإعلام المحلية في تونس، ويُعتقد أن حوالي 50 بالمائة من العائلات التونسية تشاهد القنوات التلفزيونية الفضائية.4


وفي السنوات الأخيرة، اتخذت السلطات بعض الخطوات الصغيرة لتحقيقالانفتاح في وسائل الإعلام السمعية – البصرية المحلية، التي كانت جميعها في السابق خاضعة لملكية الدولة وسيطرتها. ومنذ أواخر العام 2003، سًمح لمحطة تلفزيونية خاصة ولمحطتين إذاعيتين خاصتين بالبث،5في أعقاب إدخال تغييرات على مجلة الاتصالات التونسية للعام 2001. بيد أن القنوات الخاصة الجديدة تُعنى بصورة رئيسية بتقديم البرامج الترفيهية وليس الأخبار وشؤون الساعة أو نشر المعلومات التي يمكن أن تثير الخلاف بينها وبين السلطات.


وقد اشتكت مجموعات حقوق الإنسان التونسية والمنظمات الدولية لحرية التعبير من أن تراخيص البث الخاصة صدرت عبر عملية افتقرت إلى الشفافية؛ ويبدو أنه لم يصدر إخطار مسبق وتوجيه دعوة إلى المنافسة وفق طلب عروض تتعلق بهذه التراخيص، رغم أن مجلة الاتصالات تقتضي ذلك، ولم تكشف السلطات النقاب عن الأسس التي تم عليها بناء توزيع التراخيص الجديدة.6وهناك شخصان على الأقل قدما طلبات للحصول على تراخيص للبث في الوقت ذاته لم يتلقيا إقراراً بالاستلام من السلطات ولا رداً.7


كذلك سعت الحكومة إلى منع وسائل الإعلام الخاصة والأجنبية من بث آراء سياسية معارضة، لاسيما خلال الانتخابات. وفي العام 2003، عدلت قانون الانتخاب لحظر استخدام وسائل الإعلام الخاصة والمحطات والقنوات التلفزيونية والإذاعية الأجنبية لدعوة الناخبين إما للتصويت لمرشح أو لقائمة من المرشحين أو الامتناع عن التصويت لهم. وعبر فرض غرامة تصل قيمتها إلى 25 ألف دينار تونسي (ما يوازي 19 ألف دولار أمريكي) على كل إخلال بهذا القانون، جرى تقييد نطاق الحملات السياسية لمرشحي المعارضة في الانتخابات التونسية بشكل ملموس.

الصحافة

رغم تعهد الرئيس بن علي في الفترة التي تسبق انعقاد القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات بتوسيع حرية الصحافة8، تظل الصحافة التونسية متسقة بشكل ملفت في مضمونها ولهجتها، حيث لا تنشر شيئاً يذكر بخلاف الخط الحكومي الرسمي. والصحافة عموماً لا تنشر معلومات حول أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة الصادرة عن المنظمات التونسية أو الدولية لحقوق الإنسان. والصحف الخاصة التي تشكل وفقاً للإحصاءات الرسمية حوالي 90 بالمائة من الصحف، لا يمكن تمييز لهجتها عن الصحف الرسمية.


وفي الوقت ذاته، منعت السلطات ظهور صحافة انتقادية من خلال منع توزيع هذه الصحف. فموجب مجلة الصحافة التونسية، فإن الذين يريدون إصدار صحيفة أو مجلة دورية يُطلب منهم تسجيل المطبوعة لدى وزارة الداخلية. وعند تقديم المعلومات المطلوبة، ينبغي على الوزارة أن تصدر إيصالاً تلقائياً.9


لكن من الناحية العملية، امتنعت السلطات عن إصدار هذه الإيصالات لعدد من المطبوعات المستقلة، عادة من دون إبداء أسباب. والمغزى هو أن المطبوعات لا يمكن طباعتها في تونس لأن المطابع ملزمة قانونياً بأن تطلب رؤية الإيصال الصادر عن وزارة الداخلية قبل المباشرة بالطباعة.10


وقد حُرمت عدة مطبوعات مرتبطة بمنتقدي الحكومة من الحصول على دليل التسجيل لدى وزارة الداخلية، وبالتالي، تعذرت طباعتها في تونس. وهي تشمل كلمة، مجلة ترأس تحريرها سهام بن سدرين الناطقة باسم المجلس الوطني للحريات بتونس وقوس الكرامة التي يترأس تحريرها جلال زغلامي، وهو ناقد معروف للحكومة وLa Maghrebine التي تترأس تحريرها نورا بورصلي؛ وAlternatives Citoyennes التي تترأس تحريرها نادية عمران.


ويضطر الصحفيون التونسيون إلى العمل في ظروف صعبة جداً، وعليهم أن يتنبهوا لعدم إغضاب السلطات. والرقابة متفشية ويُعتقد أن العديد من الصحفيين يشعرون أيضاً بأنهم مضطرون إلى ممارسة الرقابة الذاتية، سواء الصحفيون العاملون في وسائل الإعلام الرسمية وأولئك العاملون في وسائل الإعلام الخاصة. وفي مارس/آذار 2004، لفتت مجموعة من الصحفيين الانتباه بشجاعة إلى هذا الأمر في رسالة وُزعت على المسؤولين الحكوميين ومنظمات المجتمع المدني. وأعربت الرسالة عن القلق إزاء ما وصفه الصحفيون بالرقابة المفرطة على تقاريرهم من جانب المديرين التنفيذيين الذين يشرفون على عملهم، بسبب الضغط الذي تمارسه السلطات الرسمية كما يبدو.


وبعد شهرين من ظهور هذه الرسالة، التقى حوالي 150 صحفياً لتشكيل نقابة مهنية جديدة سميت نقابة الصحفيين التونسيين، بوصفها هيئة مستقلة مكرسة للدفاع عن حقوق الصحفيين وتعزيز حرية الإعلام. واعتبرتها الحكومة فوراً بأنها تشكل خطراً وتعرضت لضغط شديد من السلطات الرسمية. وخضعت أنشطة النقابة لقيود عديدة واستُدعي رئيسها لطفي حجي للاستجواب بصورة متكررة من جانب إدارة الأمن في وزارة الداخلية. وعندما استدعي في أغسطس/آب، أبلغته السلطات بمنع عقد المؤتمر التأسيسي لنقابة الصحفيين التونسيين، المقرر في سبتمبر/أيلول 2005، لكن من دون إعطائه أي تفسير.


وتعرض عدد من الدوريات والصحفيين العاملين فيها لضغط جماعي من السلطات بعد نشر مقالات اعتُبرت تحدياً للنظام السياسي القائم. فمثلاً في العام 2002 أُرغم هادي يحمد على الاستقالة من منصبه كصحفي في مجلةحقائقالأسبوعية بعدما كتب مقالاً حول أوضاع السجون التي كانت حتى ذلك الحين موضوعاً محرماً على الصحافة التونسية.


وبموجب مجلة الصحافة، تستطيع السلطات تنظيم الأوضاع التي يتم فيها توزيع الصحف الأجنبية وغيرها من المطبوعات في تونس. وتمارس عملياً رقابة منظّمة على المطبوعات الأجنبية، فتمنع فعلياً أن تُوزّع في تونس نسخ من صحف مثل الصحف الفرنسية اليومية ليبراسيون ولوموند وصحف عربية مثل القدس العربي والحياة عندما تتضمن تقارير انتقادية حول تونس. ونتيجة ذلك، يقال إن صحيفة الحياة التي تصدر في لندن لم تعد ترسل نسخاً إلى تونس بسبب مستوى التدخل الذي تعرضت له على أيدي السلطات.


وقارن الدبلوماسيون الأجانب هذه التجربة في الرقابة بالعيش وراء "جدار واقٍ من الحريق". فمثلاً بعد انفجار الشاحنة الملغومة خارج كنيس يهودي في جربة في إبريل/نيسان 2002، الذي أودى بحياة 19 شخصاً، معظمهم مواطنين ألمان، امتنعت السلطات التونسية عن نشر كافة المعلومات حول الحادثة لعِدّة أيام. والتزمت الصحافة التونسية الصمت، حيث لم تنشر أنباء حول هذه الحادثة الفظيعة ومُنع توزيع الصحف الأجنبية التي أشارت إلى الحادثة. وهكذا حُرم التونسيون من الاطلاع على معلومات حول حادثة وقعت في بلدهم في وقت تناقلتها وسائل الإعلام على نطاق واسع في سائر أنحاء العالم.


الكتب وغيرها من المطبوعات

كذلك يخضع توزيع الكتب والمطبوعات الأخرى داخل تونس لرقابة صارمة من جانب السلطات. ووفقاً لمجلة الصحافة، يجب قبل طباعة أية مطبوعة في تونس الحصول على موافقة السلطات عبر عملية تُعرف بـ dépôt légal (أو الإيداع القانوني) حيث يقتضي بموجبها تقديم عدة نسخ من المطبوعة إلى سلطات مختلفة قبل طباعتها.11والمطبوعات التي تُعتبر بأنها تتضمن انتقادات للحكومة أو لسجلها في مجال حقوق الإنسان أو لسياساتها، قد يرفض إعطاؤها دليل وثائقي على الإيداع القانوني أو مصادرتها من الناشر بعد طباعتها أو من المكتبات بعد توزيعها.12


وفي مايو/أيار 2005، أعلن الرئيس بن علي أنه سيضع حداً لنظام الإيداع القانوني في إطار تحرير أنظمة الطباعة والنشر. وبعد هذا انخفض عدد القيود المفروضة بموجب شرط الإيداع القانوني رغم عدم تعديل مجلة الصحافة. بيد أن التغيير كان محدود القيمة لأن الرقابة لم تكن ناجمة عن شرط الإيداع القان ?ني الرسمي بقدر ما كانت ناجمة عن الطبيعة التعسفية لتطبيقه.


وقد حالت هذه القيود التعسفية دون توزيع المطبوعات التي يصدرها نشطاء حقوق الإنسان والخصوم السياسيون ومنتقدو الحكومة، بما فيها البعض منها التي لا تتضمن انتقادات مباشرة أو صريحة للحكومة التونسية، مما يوحي أنالسلطات ربما ترغب في استخدام الرقابة لعرقلة تطور منظمات معينة. فمثلاً، مُنع توزيع دليل لتعليم حقوق الإنسان أعده بصورة مشتركة فرعا تونس والنرويج التابعان لمنظمة العفو الدولية لاستخدامه في تقديم تعليم وتدريب حقوق الإنسان في تونس، مُنع لمدة خمس سنوات بعد طباعته بسبب القيود التعسفية التي تفرضها وزارة الداخلية.


وتؤثر قيود مشابهة على الكتب وغيرها من المطبوعات التي تُطبع خارج تونس، والتي يمكن أن يصادرها موظفو الجمارك التونسيون عند وصولها إلى البلاد أو يُرفض إيداعها القانوني داخل البلاد، وبالتالي يُمنع توزيعها داخل تونس.13 وبشكل خاص، لا تتوافر أعمال المنفيين التونسيين الذين ينقدون الحكومة أو أعمال المعلقين الأجانب وكتابات بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين في المكتبات التونسية. وعموماً ترفض السلطات منح إذن بطباعة هذه الكتب محلياً لبيعها في السوق التونسية.


شبكة الإنترنت

بسبب القيود المفروضة على المطبوعات، التجأ العديد من التونسيين إلى شبكة الإنترنت لعرض تعليقات وتحليلات سياسية، فضلاً عن المعلومات المستقلة حول الشؤون الاقتصادية والسياسية وحقوق الإنسان. وتصدر عدة صحف ومجلات رُفض منحها إذن للطباعة في تونس، مثلكلمةوAlternatives Citoyennes ، بصورة منتظمة على شبكة الإنترنت، كذلك ازداد استخدام مجموعات حقوق الإنسان لمواقع الإنترنت ومجموعات النقاش عبر البريد الإلكتروني للفت الانتباه إلى الانتهاكات التي تُرتكب في تونس. بيد أن القيام بذلك، يعرض المرء لخطر جدي. فالقيود المفروضة على استخدام الإنترنت لا تقل شدة عن تلك المفروضة على المطبوعات، والأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت لتوزيع المعلومات التي تخضع للرقابة في مكان آخر قد يعرضون أنفسهم لخطر المقاضاة والسجن.

ويخضع إنتاج المعلومات على الإنترنت وتبادلها وتخزينها لمجلة الصحافة ولمرسوم وزاري صدر في العام199714، لكن تتم مؤازرتهما عملياً بتدابير عقابية أخرى لردع الناس عن استخدام الإنترنت للكلام السياسي الذي ينتقد الحكومة. وفي هذا الصدد، بعثت مقاضاة وسجن زهير يحياوي في إبريل/نيسان 2002 بتهمة "بث معلومات كاذبة" و"إساءة استخدام خطوط الاتصالات السلكية واللاسلكية" بإشارة واضحة مفادها أن الحكومة لا تسمح بالمعارضة عبر الإنترنت. وسُجن زهير يحياوي الذي شغَّل Tunezine، وهو منتدى إخباري ونقاشي بديل على الإنترنت، منذ منتصف العام 2001، لمدة سنتين بعدما عرض موقعه رسالة مفتوحة وجهها إلى الرئيس بن علي قاض سابق اشتكى من عدم استقلال القضاء في تونس. وأمضى زهير يحياوي، وهو سجين رأي زعم أنه تعرض للتعذيب في الاعتقال السابق للمحاكمة، سنة ونصف السنة من عقوبته قبل الإفراج عنه. وتوفي بنوبة قلبية في مارس/آذار 2005 وهو في السادسة والثلاثين.


وفي قضية أخرى، جرى تغريم الصحفية والمدرسة نزيهة رجيبةوصدرت عليها عقوبة بالسجن مع وقف التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 بعد إدانتها بمخالفة أنظمة التبادل، لمعاقبتها على ما يبدو على نشر رسالة مفتوحة إلى وزير التعليم في مجلة كلمةالتي تصدر على الإنترنت، انتقدت فيها نظام التعليم في البلاد وأعلنت استقالتها الشخصية بعدما أمضت 34 عاماً كمدرسة.


ونتيجة لاستهداف النقاد على هذا النحو، ازدادت الآن استضافة مواقع الإنترنت المستقلة المتعلقة بتونس في خارج البلاد، رغم أن الأشخاص الموجودين داخل البلاد الذين يساهمون في تقديم المقالات الانتقادية إلى هذه المواقع يظلونعرضة للخطر، كما توضح قضية محمود عبّو المبينة أدناه.


وما برحت السلطات التونسية تدير رقابة منهجية على شبكة الإنترنت منذ بدأ استخدامها كوسيلة جديدة للاتصالات في تونس وحولها. وتمت هذه الرقابة خارج أي إطار قانوني، وبالتالي أحبطت إمكانية أي تحدٍ قانوني لها، وكان لها تأثير ملموس، كما أظهرت الاختبارات التي أجرتها على مر السنين منظمة العفو الدولية ومجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونسالتابعة لإيفكس. ومن جانبها تنفي الحكومة التونسية أنها تفرض رقابة على الإنترنت باستثناء المواقع التي تتضمن ما تعتبره محتوى "إرهابياً" أو تؤثر بشكل آخر على الأمن القومي.


وبين العامين 1999و2001، أجرت منظمة العفو الدولية اختبارات متكررة أظهرت أن المواقع التي تعرض معلومات تنتقد الحكومة، بما فيها مواقع الأخبار الدولية لا يمكن لمستعملي الإنترنت داخل تونس الدخول إليها. وتبين لمنظمة العفو الدولية أن المستعملين داخل تونس الذين حاولوا الدخول إلى هذه المواقع تلقوا رسالة نموذجية تشير إلى وجود خطأ، موحية أن جهاز الخادم معطل أو أن الشبكة تعاني من عطل أو أن الموقع غير موجود. وتشمل المواقع المتضررة مواقع الأمم المتحدة وهيئات حقوق الإنسان التابعة لها، فضلاً عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وبالتالي عندما أجرت مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونساختباراً آخر خلال زيارة معلنة إلى تونس في العام 2005، تبين لها أن حوالي 20 موقعاً غير متوافرة بصورة منهجية في تونس، إلا عبر شركات خدمة الإنترنت التي تعمل عبر الأقمار الصناعية. والمواقع الممنوعة تشكل مصادر معلومات حول تونس مستقلة عن الحكومة، ومن ضمنها صحف على شبكة الإنترنت تحظر طباعتها في تونس. وبعض المواقع الممنوعة يشغلها خصوم سياسيون وأخرى تُشغلها مجموعات ونشطاء لحقوق الإنسان.15وتبين لمجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونسأنها تس8?طيع الدخول إلى مواقع المنظمات العالمية لحقوق الإنسان16، لكنها خلصت إلى أنه ربما جرى توفيرها مؤقتاً خلال فترة زيارتها.


وبينما تفرض الحكومة رقابة على الإنترنت من ناحية، فإنها استخدمتها أيضاً لإعطاء صورة إيجابية عن تونس كبلد يحمي حقوق الإنسان،17حيث أطلقت حملات دعائية واسعة مستخدمة منظمات غير حكومية مقربة من الحكومة.18 فمثلاً في العام 1998، أنشئ موقع اسمه amnesty-tunisia.org لإعطاء صورة إيجابية جداً عن أوضاع حقوق الإنسان في تونس في الوقت ذاته الذي كان يجري فيه منع دخول المستعملين التونسيين إلى موقع منظمة العفو الدولية. ونفت الحكومة أية صلة لها بالذين سجلوا الموقع الدعائي وتم وقفه في نهاية الأمر.


وفي إبريل/نيسان 2005، سجنت السلطات المحامي والمدافع المعروف عن حقوق الإنسان محمد عبّو لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة بسبب نشره مقالات انتقادية على الإنترنت. ووُجهت إليه تهم بموجب قانون العقوبات (المادتان 121 و122) ومواد مختلفة من مجلة الصحافة، واتُهم أيضاً باعتماد سلوك عنيف ضد محام آخر، رغم أن شهود العيان على الحادثة الأخيرة أعلنوا أن التهم عارية عن الصحة، ولم تُقدم أية أدلة مؤيدة باستثناء شهادة طبية غير موقعة.


ويُعتقد أن السبب الحقيقي لإلقاء محمد عبّو في السجن، وهو عضو ناشط في عدة منظمات تونسية لحقوق الإنسان، هو انتقاده العلني لقرار الحكومة التونسية بدعوة رئيس وزراء إسرائيل آرييل شارون لحضور القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات. كذلك استخدم محمد عبّو الإنترنت للتنديد باستخدام التعذيب في تونس بعدما عرف العالم بأمر التعذيب والانتهاكات التي مارسها الجنود الأمريكيون ضد السجناء العراقيين في سجن أبو غريب ببغداد.


وحضر مراقبون دوليون محاكمة محمد عبّو واتسمت باحتجاجات قام بها المحامون التونسيون ونشطاء المجتمع المدني. وعمدت الشرطة إلى مضايقة المحتجين الذين تعرض بعضهم للضرب على أيدي أفراد من الشرطة يرتدون ملابس مدنية.


ومحمد عبّو مسجون حالياً في سجن الكف الذي يبعد بحوالي 200 كيلومتر عن تونس العاصمة التي تقطن فيها عائلته. وبحسب ما ورد، رُفض عدة مرات منح إذن لمحاميه لزيارته في السجن. وتعتبره منظمة العفو الدولية سجين رأي وتواصل الدعوة للإفراج عنه فوراً ودون قيد أو شرط.


القيود المفروضة على المدافعين عن حقوق الإنسان

أثرت القيود الحكومية المفروضة على حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات تأثيراً خاصاً على المدافعين عن حقوق الإنسان الذين قُيدت أنشطتهم بشدة في انتهاك للواجبات المترتبة على الحكومة بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب والإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان؛ علماً أن الأخير اعتمدته الجمعية العامة الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 1998.


ولكي تعمل بصورة قانونية، ينبغي على المنظمات غير الحكومية أن تسجل نفسها رسمياً لدى السلطات الرسمية، لكن رُفض إتمام هذا التسجيل في حالة عدة منظمات مستقلة رائدة تُعنى بحقوق الإنسان. وهي تضم مركز تونس لاستقلالية القضاء، والجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين، والجمعية التونيسة لمقاومة التعذيب في تونس.


وبما أنها ليست معترف بها قانونياً، يمنع على هذه المنظمات طلب إذن رسمي لإقامة مناسبات عامة أو استئجار أماكن لإقامتها أو لطلب تمويل داخل تونس، ويمكن تجريم أنشطتها بسهولة. وبما أنها تفتقر إلى التسجيل القانوني، لا تستطيع هذه المنظمات أيضاً أن تُعتمد للمشاركة في القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات؛ وستكون ثلاث منظمات وطنية مستقلة لحقوق الإنسان فقط ضمن العديد من منظمات المجتمع المدني التونسي التي ستتمكن من المشاركة في القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات، وهي الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية.


بيد أنه حتى التسجيل الرسمي والاعتراف القانوني لا يُعطيان ضمانة بأن تتمكن المنظمة من العمل بدون تدخل رسمي، كما يُستدل على ذلك من تجربة المعهد العربي لحقوق الإنسان، وهو منظمة إقليمية يقع مقرها في تونس العاصمة.وغالباً ما فرضت السلطات قيوداً على أنشطته بما فيها عن طريق تجميد أمواله لبضعة أشهر بموجب قانون "مكافحة الإرهاب" للعام 2003.


وينبغي على المنظمات المسجلة قانونياً أن تحصل على إذن رسمي مسبق لعقد اجتماعات ومناسبات عامة، لكن غالباً ما تُحجب هذه الموافقة إذا كانت المناسبة تتعلق بحقوق الإنسان في تونس، وتمنع الشرطة محاولات القيام بمظاهرات أو تجمعات بدون موافقة رسمية وتعمد إلى تفريقها.


وفي الأشهر الأخيرة، تعرضت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لضغط شديد من السلطات وأنصارها. وفي سبتمبر/أيلول 2005، مُنعت من عقد مؤتمرها الوطني السادس ودبت فيها الفوضى قبل يومين من الموعد المقرر لانعقاد المؤتمر، بعدما صدر أمر عن المحكمة نيابة عن 22 شخصاً يقال إنهم مقربون من السلطات، زعموا أن لجنتها التنفيذية طردتهم بصورة مجحفة من المنظمة. بيد أن هذا الأمر لم يكن إلا أحدث حلقة في سلسلة من الإجراءات القضائية ضد الرابطة. وفي نوفمبر/تشرني الثاني 2000، أدت دعوى رفعها أربعة أعضاء في الرابطة يُعتقد أنهم مقربون من السلطات إلى صدور قرار عن المحكمة بوقف القيادة المنتخبة حديثاً للرابطة عن العمل والاستيلاء على مكاتبها. وإضافة إلى ذلك، منعت السلطات التونسية الرابطة فعلياً من قبض القسط الثاني من منحة قدمتها لها المفوضية الأوروبية في العام 2002 ضمن إطار المبادرة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان بحرمانها من التصريح الضروري للإفراج عن الأموال من البنك.


وفضلا

u1611? عن المصاعب الناجمة عن الحاجة إلى الحصول على تسجيل رسمي، تخضع أنشطة المدافعين عن حقوق الإنسان لقيود أخرى، يشكل بعضها انتهاكاً للقانون في الحالات القصوى، وهي تشمل الاعتداءات والهجمات الفعلية التي يقوم بها أفراد من الشرطة أو رجال يرتدون ملابس مدنية يُعتقد أنهم رجال أمن أو يتصرفون نيابة عنهم، إما بمفردهم أو بعضهم مع بعض. وقد وقعت اعتداءات كثيرة كهذه على المدافعين عن حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة، غالباً بهدف تخويفهم ومعاقبتهم، كما يبدو. وفي مارس/آذار 2005، تعرضت المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان راضية نصراوي للضرب في الشارع على أيدي أفراد في الشرطة؛ بينما كانت في طريقها للمشاركة في مظاهرة أُقيمت احتجاجاً على الدعوة التي وجهتها الحكومة التونسية لآرييل شارون لحضور القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات. وقد أصيبت راضية نصراوي التي تشكل عضواً مؤسساً للجمعية التونسية لمقاومة التعذيب، بكسر في أنفها وجروح في جبهتها وبكدمات كثيرة. ولا يعرف بأنه تم اتخاذ أي إجراء ضد المسؤولين عن ذلك.


وقد تعرَّف بعض المدافعين عن حقوق الإنسان الذين اعتُدي عليهم بهذه الطريقة على مهاجميهم كأفراد قاموا سابقاً بمراقبتهم خارج منازلهم أو أماكن عملهم. بيد أنه على حد علم منظمة العفو الدولية، لم تُجر السلطات التونسية أية تحقيقات أو ملاحقات قضائية رداً على الهجمات والاعتداءات التي ارتُكبت ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، الأمر الذي يوحي بوجود درجة كبيرة من القبول الرسمي بهذه الانتهاكات.


وتشمل التدابير الأقل وضوحاً، لكن التي لا تقل تخويفاً والمتخذة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، مراقبة الشرطة لمنازلهم وأماكن عملهم وعائلاتهم وأصدقائهم؛ واعتراض بريدهم وخطوط هواتفهم وفاكساتهم؛ وحتى القيام بحملات تشهير ضدهم في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة. فمثلاً في مايو/أيار 2005 نشرت عدة صحف أنباء أشارت فيها إلى سهام بن سدرين الناطقة باسم المجلس الوطني للحريات بتونس، كغانية وأوحت بأنها تخدم مصالح الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية. وتضمنت حملات التشهير الأخرى ضد المدافعين عن حقوق الإنسان نشر صور مسيئة أو تم التلاعب فيها تقنياً في عدة صحف تونسية وإهانات وثلب وقدح.


وُمنعت هناء جيلاني، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان من الدخول إلى تونس بعدما ذكرت في فبراير/شباط 2002، في أعقاب زيارة رسمية قامت بها إلى البلاد، أن الحكومة تتقاعس عن توفير الحماية للمدافعين التونسيين عن حقوق الإنسان. ولم تسمح الحكومة للممثلة الخاصة للأمم المتحدة بالقيام بزيارة ثانية، وعندما دعتها المنظمات غير الحكومية التونسية للمشاركة في ندوة حول حقوق الإنسان تُعقد في مارس/آذار 2005، أخرت السلطات إصدار تأشيرة دخول لها في الوقت المناسب لحضور الندوة.


هوامش :

1. إعلان مبادئ القمة "بناء مجتمع المعلومات: تحدٍّ عالمي في الألفية الجديدة".، UN Doc WSIS-03/GENEVA/DOC/4-E ، 12 ديسمبر/كانون الأول 2003.

وثقت مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونسالتابعة لإيفكس انتهاكات حقوق الإنسان من جانب الحكومة التونسية. وهذا الائتلاف الذي يضم 14 منظمة غير حكومية أُنشئ في العام 2004 من جانب الشبكة الدولية لتبادل المعلومات حول حرية التعبير (الايفيكس) في سياق القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات. وقامت مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونس بثلاث بعثات لتقصي الحقائق إلى تونس في العام 2005 وأصدرت تقريرين حول النتائج التي توصلت إليها. كذلك كلفت ثلاث منظمات، هي الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، والحقوق والديمقراطية، ثلاثة خبراء للتحقيق في الوضع القائم في تونس فعقدوا اجتماعات مع السلطات في يناير/كانون الثاني 2005. وصدر تقرير حول النتائج التي توصلوا إليها في مايو/أيار 2005. وفي يونيو/حزيران 2005، نشرت مجموعة حرية التعبير مراسلون بلا حدود تقريراً حول حرية التعبير ووسائل الإعلام في تونس.


الفصل 4:

"توصف بإرهابية، كل جريمة، مهما كانت دوافعها، لها علاقة بمشروع فردي أو جماعي من شأنه ترويع شخص أو مجموعة من الأشخاص، أو بث الرعب بين السكان، وذلك بقصد التأثير على سياسة الدولة وحملها على القيام بعمل أو على الامتناع عن القيام به، أو الإخلال بالنظام العام أو السلم أو الأمن الدوليين، أو النيل من الأشخاص أو الأملاك، أو الإضرار بمقرات البعثات الديبلوماسية والقنصلية أو المنظمات الدولية، أو إلحاق أضرار جسيمة بالبيئة بما يعـرِّض حياة المتساكنين أو صحتهم للخطر، أو الإضرار بالمواد الحيوية أو بالبنية الأساسية أو بوسائل النقل أو الاتصالات أو بالمنظومات المعلوماتية أو بالمرافق العمومية".

2. انظر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وسائل الإعلام تحت المراقبة، مايو/أيار 2004، ص18.

3. راديو موزاييك، أول محطة إذاعية خاصة في تونس بدأ بث برامجه في نوفمبر/تشرين الثاني 2003، وأُطلقت محطة إذاعية ثانية خاصة تعمل على موجة أف أم هي راديو الجوهرة من سوس في يوليو/تموز 2005. ونُقل بث تلفزيون هنيبعل عبر الأقمار الصناعية.

4. تنص المادة 20 من مجلة الاتصالات على أن المرشح يتم اختياره بعد توجيه دعوة عامة لتقديم عطاءات.

5. انظر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وسائل الإعلام تحت المراقبة، مايو/أيار 2004، ص18.

6. في 3 مارس/آذار 2005، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن الرئيس بن علي قوله إن "حرية التعبير وحرية الصحافة من الحقوق الأساسية للفرد والمجتمع".

7. المادة 13 من مجلة الصحافة.

8. المصدر ذاته، المادة 14.

9. المادة 2 وو من مجلة الصحافة.

للاطلاع على أمثلة حديثة على هذه الممارسات انظر مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونس، تونس : حرية التعبير تحت �575?لحصار، فبراير/شباط 2005، ص 26وو.

10. تقارير منظمة العفو الدولية حول تونس أو التقرير السنوي الذي يوثق انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، وكلاهما يطبعان خارج تونس، يتأخران بصورة منتظمة في الجمارك لفترات طويلة من الزمن.

11. يخضع استخدام شبكة الإنترنت لمرسوم صادر عن وزارة الاتصالات في 14 مارس/آذار 1997، إضافة إلى أربعة قرارات وزارية صدرت في 22 مارس/آذار 1997. انظر مرسوم وزارة الاتصالات رقم 97-501 الصادر في 14 مارس/آذار 1997، المتعلق بخدمات الاتصالات ذات القيمة المضافة.

انظر مجموعة مراقبة حالة حرية التعبير في تونس التابعة لإيفكس ، تونس : حرية التعبير تحت الحصار، فبراير/شباط 2005، ص 22وو.

12. كان هناك استثناء هو موقع الإنترنت الخاص بمراسلين بلا حدود الذي ظل ممنوعاً بصورة ثابتة في تونس. ويتضمن الموقع معلومات حول الرقابة على الإنترنت في تونس وغيرها من الدول، إضافة إلى نصائح حول كيفية نشر المعلومات على الإنترنت مع إبقاء الاسم مجهولاً، فضلاً عن كيفية الالتفاف على الرقابة على الإنترنت.

13. انظر مثلاً، الموقع الرسمي على شبكة الإنترنت للحكومة التونسية للاطلاع على المرحلة الثانية من القمة العالمية الخاصة بمجتمع المعلومات، في الموقع http://www.smsitunis2005.org/plateforme/home.htm.

14. انظر تقرير منظمة العفو الدولية، تونس : الشعارات مقابل الواقع : فشل بيروقراطية لحقوق الإنسان (رقم الوثيقة : MDE 30/001/1994)، يناير/كانون الثاني1994.

Page 7 of 7