Document - Occupied Palestinian Territories: Torn apart by factional strife

الصراعات الفئوية تمزق الأراضي الفلسطينية المحتلة

مسرد

كتائب الأقصى: كتائب شهداء الأقصى، الجناح المسلح لفتح

القوة التنفيذية: القوة التنفيذية التي أنشأتها حكومة حماس في2006

فتح: الفصيل الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية الذي ترأسه فيما سبق أول رئيس للسلطة الفلسطينية، ياسر عرفات

حماس: حركة المقاومة الإسلامية

الصليبب الأحمر: اللجنة الدولية للصليب الأحمر

الميزان: منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان

المخابرات: المخابرات العامة

الأراضي المحتلة: الأراضي الفلسطينية المحتلة

السلطة: السلطة الفلسطينية

المركز الفلسطيني: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان

اللجنة الفلسطينية المستقلة: اللجنة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطنين

م. ت. ف. منظمة التحرير الفلسطينية

كتائب القسام: كتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحماس

آر بي جيه: المقذوفات المدفوعة صاروخياً


تسلسل تاريخي للأحداث

يناير/كانون الثاني 2006: حماس تفوزبانتخابات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتهزم حركة فتح، حزب الرئيس محمود عباس

مارس/آذار 2006: حماس تشكل حكومة برئاسة إسماعيل هنية

فبراير/شباط 2007: قادة فتح وحماس يلتقون في المملكة العربية السعودية للتفاوض من أجل وقف الاقتتال بين الفصيلين وتتفقان على تشكيل حكومة وحدة وطنية

17 مارس/آذار 2007 فتح وحماس تشكلان حكومة وحدة يترأسها رئيس الوزراء هنية

مارس/آذار – مايو/أيار: استمرار الاشتباكات والهجمات المتقطعة بين قوات الأمن والجماعات

2007: المسلحة التابعة لفتح وحماس

مايو/أيار 2007: تصاعد الاشتباكات بين فصيلي فتح وحماس المسلحين

يونيو/حزيران 2007: قوات حماس وجماعات مسلحة تهاجم جميع المرافق الأمنية والمباني الحكومية للسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح في قطاع غزة وتسيطر عليها بحلول 14يونيو/حزيران. وفي 14يونيو/حزيران يُقيل الرئيس عباس حكومة رئيس الوزراء هنية ويعلن حالة الطوارئ ويقيم حكومة طوارئ مقرها الضفة الغربية ويرأسها وزير المالية السابق، رئيس الوزراء الحالي سلام فياض. وحماس ترفض الاعتراف بحكومة الطوارئ وتقيم إدارة أمر واقع في قطاع غزة.


سياق تاريخي


في 1994، أدى توقيع اتفاقات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية (منظمة التحرير) إلى إنشاء السلطة الفلسطينية (السلطة)، حيث شملت ولايتها القضائية أجزاء من الأراضي الفلسطينية المحتلة (الأراضي المحتلة – الضفة الغربية وبضمنها القدس الشرقية، وقطاع غزة) التي تحتلها إسرائيل منذ 1967. ولم تغير إقامة السلطة الفلسطينية من الوضع القانوني للأراضي المحتلة شيئاً بمقتضى القانون الدولي بصفتها أراض تخضع للاحتلال العسكري الإسرائيلي، حيث احتفظت إسرائيل بالسيطرة الفعلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى سكانهما ومواردهما الطبيعية.


وأعطت اتفاقات أوسلو السلطة الفلسطينية الولاية على الشؤون المدنية (كالصحة والتعليم والأمن الداخلي) في نحو 40بالمائة من الضفة الغربية، مشظّاة إلى نحو 230منطقة منفصلة محصورة ضمن مناطق تخضع للإدارة العسكرية الكاملة. وقُسِّم قطاع غزة بالطريقة نفسها وأُحيط بسياج زاد من تقييد إمكانات الانتقال منه إلى الضفة الغربية.


وفي عقد التسعينيات من القرن الماضي، صعَّدت إسرائيل من إنشاء المستوطنات الإسرائيلية – غير المشروعة بحكم القانون الدولي – ومن توسعتها فوق أراض فلسطينية قامت بمصادرتها ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما أدى في المحصلة إلى مضاعفة عدد المستوطنين الإسرائيليين هناك، كما بنت شبكة واسعة من الطرق لخدمة هذه المستوطنات. وأقدمت السلطات الإسرائيلية على هدم مئات البيوت الفلسطينية، مدّعية أنها قد أقيمت من دون الحصول على تصاريح اتخذت السلطات الإسرائيلية من عدم منحها سياسة معتمدة.


وبعد اندلاع الانتفاضة (الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي) في سبتمبر/أيلول 2000، أخذ العنف الإسرائيلي – الفلسطيني يتعاظم. ومنذ ذلك الوقت، قتلت القوات الإسرائيلية نحو 4,200فلسطيني، بمن في07?م ما يربو على 800طفل، وذلك بواسطة الضربات الجوية والقصف المدفعي وغيرهما من أشكال الهجمات ضد مخيمات اللاجئين والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية في مختلف الأراضي المحتلة. وفي الفترة نفسها، قتلت الجماعات الفلسطينية المسلحة نحو 1,100إسرائيلي، بينهم 120طفلاً، أثناء هجمات بالأسلحة وتفجيرات انتحارية لحافلات ومطاعم ومراكز للتسوق. وقد تضاءل قتل الإسرائيليين بصورة كبيرة في السنتين الماضيتين، ولكن لم يقابل ذلك تراجع في عمليات قتل الفلسطينيين. فمنذ مطلع 2006، قُتل على أيدي الجماعات الفلسطينية المسلحة عشرون إسرائيلياً، بينما قتلت القوات الإسرائيلية نحو 900فلسطيني.


وفضلاً عن ذلك، عانى الفلسطينيون في الأراضي المحتلة الكثير من الانتهاكات الأخرى لحقوق الإنسان. إذ دمَّرت القوات الإسرائيلية الآلاف من منازل الفلسطينيين ومناطق زراعية شاسعة، ناهيك عن البنية التحتية المدنية الأساسية. فقد جرى تدمير محطات توليد الكهرباء والطرق والجسور وشيكات المياه والمجاري والهاتف في قطاع غزة أو أُلحقت بها أضرار بالغة جراء الهجمات الجوية الإسرائيلية رداً على استمرار الهجمات بالصواريخ على إسرائيل من جانب الجماعات الفلسطينية المسلحة. وقصف الجيش الإسرائيلي مرافق قوات الأمن والسجون التابعة للسلطة الفلسطينية، كما منع قوات الأمن التابعة للسلطة من العمل في مناطق عديدة من الضفة الغربية. وتواصل القوات الإسرائيلية كذلك اقتحاماتهاوهجماتهاوعمليات رجالها المتخفين في مختلف الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأدت القيود المتزايدة باطِّراد على انتقال الأشخاص والسلع إلى الأراضي المحتلة ومنها إلى شل الاقتصاد الفلسطيني وجعلت أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية أمراً مستحيلاً لمن يعيشون في الأراضي المحتلة من الفلسطينيين، البالغ عددهم 3.5مليون فلسطيني.


ففي الضفة الغربية، يُعرقل نحو 500نقطة تفتيش وحاجز عسكري تحيط بالمدن والقرى الفلسطينية تنقُّل الفلسطينيين، بينما يفاقم جدار العزل البالغ طوله 700كيلومترا ، والذي أعلنت محكمة العدل الدولية عدم شرعيته، من صعوبات التنقل هذه. وتدعي السلطات الإسرائيلية أن الحواجز ضرورية لمنع الانتحاريين الفلسطينيين من دخول إسرائيل، بيد أن نقاط التفتيش والحواجز و80بالمائة من جدار العزل موجود داخل الضفة الغربية – وليس بينها وبين إسرائيل. وهي تعرقل التنقل بين المدن والقرى الفلسطينية، وتفصل المجتمعات وتعزلها عن بعضها البعض، وتحول دون وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية، وتعرقل وصولهم إلى أعمالهم ومدارسهم ومشافيهم، ناهيك عن تدميرها الاقتصاد الفلسطيني.


وفي قطاع غزة، شددت إسرائيل من إغلاقاتها التي فرضتها إثر انتصار حماس في انتخابات يناير/كانون الثاني 2006، وكذلك بعد سيطرة حماس بالقوة على القطاع في يونيو/حزيران 2007، وهي الآن تبقي علىالفلسطينيين من سكان القطاع، البالغ عددهم مليوناً ونصف المليون، في حالة انقطاع تام عن باقي العالم. وكانت حصيلة ذلك زيادة حادة في معدلات الفقر والبطالة والمشكلات الصحية بين الفلسطينيين، وتدهور للأوضاع الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة. إذ يعيش نحو 80بالمائة من سكان قطاع غزة الآن دون خط الفقر (دولارين أمريكيين في اليوم) ويعتمد هؤلاء على المعونات الدولية في بقائهم على قيد الحياة. ويؤجج اليأس وفقدان الأمل بمستقبل منظور العنف وروح التطرف للسكان الفلسطينيين، الذين يشكل الشبان الأغلبية الساحقة بينهم ولا يرون أي أفق لإيجاد فرصة للعمل أو للعيش الطبيعي، اللذين لم يعد لهما وجود.


وفي السنوات الأخيرة، أدت الصراعات والاقتتال داخل قيادة السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية والسياسية، وبين الفصائل السياسية الفلسطينية، إلى مزيد من التدهور في الأوضاع وإلى الاتساع المتزايد لحالة غياب القانون.


1. مقـدمة


أدت مستويات العنف السياسي غير المسبوقة بين الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة خلال السنة الماضية، التي بلغت ذروتها في يونيو/حزيران 2007بسيطرة حماس على المؤسسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في القطاع، إلى مقتل أعداد كبيرة من السكان الفلسطينيين وضاعفت من الآثار المدمرة لعقود من الاحتلال الإسرائيلي والحملات العسكرية الإسرائيلية، مسببة مزيداً من التدهور في الأوضاع المعيشية، ومؤدية إلى المزيد من العزلة الدولية.

وبصورة إجمالية، لقي نحو 350شخصاً حتفهم وجرح ما يربو على 2,000 شخص غيرهم في النصف الأول من 2007، نتيجة الاقتتال بين قوات الأمن المتناحرة والجماعات المسلحة الموالية للحزبين السياسيين الفلسطينيين الرئيسيين –حركة فتح بزعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وحركة حماس التي ينتمي إليها رئيس الوزراء المُقال إسماعيل هنية. وكان بين من لاقوا حتفهم أو جرحواالعديد من المارة العزل غير المشاركين في المواجهات؛ بينما كان آخرون من المقاتلين التابعين لهذا الطرف أو ذاك، الذين قتل العديد منهم بدم بارد.


وارتكبت قوات الأمن التابعة سواء لفتح أولحماسانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما أظهرت عدم اكتراث فاضح حيال سلامة السكان المدنيين. وتنكَّرت قوات الأمن المتصارعة، التي كانت مسؤولة عن احترام القانون وتنفيذه، وعن حماية السكان، لمسؤولياتها هذه، وعوضاً عن ذلك، تصرفت كأطراف نزاع، بالتناغم مع الجماعات المسلحة التي كانت تتصرف كمليشيات تابعة، فقامت بنفسها بخرق القانون وارتكاب انتهاكات جسيمة دونما خشية من عقاب.

وأقدم كلا الجانبين على قتل خصومهم بعد القبض عليهم،كما قاما باختطاف العشراتمن أعضاء الجم5?عات المناوئة واحتجازهم كرهائن لمبادلتهم لاحقاًبأصدقاء وأقارب محتجزين لدى الطرف الآخر. وأدتالهجمات العشوائية والمعارك اللامسؤولة بالسلاح في المناطق السكنية إلى محاصرة السكان المدنيين بحيث أصبحوا من الناحية الفعلية سجناء في بيوتهم. وعرَّضت حواجز الطرق التي أقامها مسلحون من كلا الجانبينسلامة السكان لمزيد من الأخطار، وأعاقت حركتهم.

ووقع القسط الأكبر من الاقتتال داخل المباني السكنيةومنها وحولها، ما عرَّض للخطر المقيمين والمارة علىحد سواء. إذ سيطر مسلحو حماس على أسطح المباني المرتفعة، التي كانوا يشنون منها هجماتهم على قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، بينما استخدم مسلحو فتح الأبنية بالطريقة نفسها لمهاجمةمواقع حماس. وأطلق المسلحون قذائف الآر بي جيه وغيرها من القذائف الصاروخية من المباني السكنيةالتي يقطنها المدنيون وعليها، معرضين بذلك المباني لأضرار واسعة النطاق ومشعلين فيها الحرائق، التي كانت تؤدي إلى مزيد من الدمار. كما شنّواهجماتداخل المستشفيات وحولها، معرِّضينبذلك حياة المرضى والموظفين للخطر، ناهيك عن عرقلة عمل الجهاز الطبي والحيلولة دون وصول المحتاجين إلىالرعاية الصحية إلى مبتغاهم. وفي بعض الأوقات، كانوا يستهدفون المرضى في أسرة المستشفى على نحو مباشر.

وأثناء زيارتها للأراضي الفلسطينية المحتلة في يونيو/تموز – يوليو/حزيران، سمعت منظمة العفو الدولية روايات مفزعة من ضحايا كلا الجانبين ومن السكان الذين تضرروا على نحو مباشر من موجات الاشتباكات المسلحة التي وقعت في قطاع غزة في يونيو/حزيران والأشهر التي سبقتة. وعلى الرغم من الاختلافات في الروايات حول الاشتباكات المسلحة وغيرها من الهجمات التي قتل فيها أو جرح مسلحون وأشخاص عزَّل من غير المشاركين في المواجهات، إلا أن هناك أدلة لا خلاف حولها بأن كلا الجانبين تصرف بصورة لا مسؤولة حيال سلامة السكان المحليين وارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.


إن الأوضاع التي نشأت منذ استيلاء حماس على السلطة عن طريق العنف في قطاع غزة في يونيو/حزيران المنصرم قد أدت إلى مزيد من التقويض لحكم القانون. فقد خلق قرار الرئيس عباس بتجميد جميع عمليات قوات الأمن والمؤسسات القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة فراغاً قانونياً ومؤسسياً ملأته حماس بإنشاء جهاز أمني بديل لإنفاذ القانون يفتقر إلى الأفراد المدربين تدريباً مناسباً ولآليات المساءلة والضمانات الكافية. إذ تواصل القوة التنفيذية التابعة لحماس ومعها كتائب عز الدين القسام (كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس) العمل خارج الإطار القانوني واستهداف ناشطي فتح وغيرهم من منتقديها. وهي تستخدم العنف بصورة روتينية لتفريق المظاهرات وغيرها من التجمعات، كما تقوم باعتقالات تعسفية وكثيراً ما تُخضع المعتقلين للضرب والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة. ولم تُتبت تعهدات رئيس الوزراء المقال هنية وغيره من قادة حماس بفتح تحقيقات في مثل هذه الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ومنع تكرار الانتهاكات، فعاليتها. وقد تزايدت الانتهاكات بصورة عامة.

وفي الضفة الغربية، لم تفعل حكومة الطوارئ التي عينها الرئيس عباس في يونيو/حزيران شيئاً يُذكر لمحاسبة مسلَّحي فتح الذين ردوا على هجمات حماس في غزة بمهاجة مؤيدي حماس واختطافهم وحرق منازلهم ومقرات أعمالهم، وكذلك مكاتب الجمعيات الخيرية التي يُعتقد أنها على صلة بحماس. ومع أن الهجمات التي استهدفت أعضاء حماس ومؤيديها انتهت في العادة بعد بضعة أيام، إلا أن الجناح المسلح لفتح، كتائب شهداء الأقصى، لا يزال يعمل خارج القانون ويهاجم مؤيدي حماس ويخوِّفهم دون خشية من عقاب. فقد اعتقلت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية المئات من مؤيدي حماس المعروفين أو المفترضين وغيرهم من منتقدي فتح، بينما تكرَّر انتهاك الإجراءات المتعلقة بالاعتقال والاحتجاز. وضاق كذلك المجال المتاح لحرية الكلام وللأنشطة السياسية اللاعنفية في كلا الضفة الغربية وقطاع غزة بصورة كبيرة، سواء بسبب المضايقة والترهيب على أيدي المليشيات العاملة خارج إطار القانون، أم نتيجة لتدابير مباشرة اتختها السلطة الفلسطينية لإسكات خصومها.

إن قلقاً بالغاً يساور منظمة العفو الدولية بشأن سلوك قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية والجماعات المسلحة التي تسيطر عليها فتح وتلك الخاضعة لسيطرة حماس، وعلى وجه الخصوص بشأن:



- الاستخدام المتهور للقوة من قبل جميع أطراف المواجهات المسلحة، ما أدى إلى مقتل وجرح المارة العزل، بمن فيهم الأطفال؛


- القتل المتعمد للخصوم السياسيين والرهائن، وكذلك للمسلحين الذين قُبض عليهم أو تم حبسهم؛


- استخدام جميع الأطراف المستشفيات والمدارس والمباني السكنية المدنية منطلقاً لشن الهجمات المسلحة ضد خصومهم، بما في ذلك الهجمات التي تشن ضد مثل هذه المباني، ولا سيما المستشفيات، أو في داخلها؛


- عمليات الاختطاف واحتجاز الرهائن والاعتقال التعسفي؛


- تعذيب المعتقلين والرهائن وغيره من ضروب سوء المعاملة؛


- حرمان المعتقلين من الاتصال بمستشار قانوني؛


- استخدام القوة المفرطة وغير الضرورية وحتى المميتة ضد المتظاهرين السلميين؛


- إفلات أفراد قوات الأمن والجماعات المسلحة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بشكل منهجي من العقاب في الضفة الغربية وقطاع غزة.


ففي قطاع غزة، تساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق بشأن:



- أعمال القتل السياسي وعودة حالة انعدامسيادة القانون؛


- استهداف مؤيدي فتح وغيرهم من الخصوم السياسيين من جانب القوة التنفيذية وكتائب القسام بالاعتقالات التعسفية وعمليات الاختطاف ضمن حملة ذات دوافع سياسية؛


- التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة للمعتقلين والرهائن؛


- الاحتجاز التعسفي للمعتقلين في أماكن لم يصرِّح بها القانون لهذا الغرض، وتعرِّض المعتقلين للخطر؛

- إنشاء إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس هيئات وآليات لتنفيذ القانون وتسيير العدالة، ولكن دون أن تتمتع هذه بمتطلب الاستقلالية والمهارات والمساءلة التي تؤهلها للقيام بهذا الدور وضمان احترام حكم القانون للضحايا والمتهمين على السواء، وكذلك ضمان عدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وتمتع الضحايا بفرصة اللجوء إلى آليات فعالة للحصول على الإنصاف، ومراعاة الإجراءات المرعية بشأن من يتهمون بارتكاب جرائم جنائية؛


- الحصانة من العقاب التي يتمتع بها مرتكبو الجرائم وغياب الإرادة السياسة لدى إدارة حكم الواقع التابعة لحماس في مساءلة مثل هؤلاء الجناة واحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات.


وفي الضفة الغربية، تساور بواعث القلق منظمة العفو الدولية بشأن:


- استهداف قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية مؤيدي حماس بالاعتقال التعسفي والتخويف ضمن حملة ذات دوافع سياسية؛

- تعذيب المعتقلين الذين تحتجزهم قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وغيره من ضروب سوء المعاملة؛

- الخروقات المنهجية للإجراءات التي أرساها القانون الفلسطيني بشأن اعتقال ومقاضاة المشتبه بهم؛ وعمليات الاعتقال التي تقوم بها قوات الأمن غير المخولة بمثل هذه السلطة بموجب القانون؛ والاحتجاز التعسفي للمعتقلين في مرافق قوات الأمن غير المخصصة بحكم القانون لهذا الغرض؛

- امتناع قوات الأمن عن جلب المعتقلين للمثول أمام المدعين العامين والقضاة ضمن المهلة الزمنية التي ينص عليها القانون، ومواصلة الاحتجاز التعسفي للمعتقلين الذين صدر بحقهم أمر بالإفراج من قبل قاض؛

- الهجمات التي يشنها أعضاء في كتائب الأقصى ضد مؤيدي حماس وآخرين؛

- الحصانة من العقاب التي يتمتع بها أفراد قوات الأمن وكتائب الأقصى، وغياب الإرادة السياسية لدى إدارة السلطة الفلسطينية بخصوص مساءلة الجناة؛ واحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات؛ وتوفير الإجراءات الواجبة لإنصاف الضحايا.


2. خلـفية


في يناير/كانون الثاني 2006، فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، ملحقة هزيمة بحزب الرئيس محمود عباس، فتح، الذي استمر في السلطة بلا انقطاع منذ تأسيس السلطة الفلسطينية في 1994. وشكَّلت حماس حكومة في مارس/آذار 2006برئاسة إسماعيل هنية.


وعلى مدار الأشهر التي تلت، تطورت التوترات السياسية بين الطرفين المتصارعين ومؤيديهما إلى مواجهات مسلحة وقفت فيها قوات الأمن والجماعات المسلحة ذات الطابع المليشوي التابعة لفتح ضد قوات الأمن والجماعات المسلحة ذات الطابع المليشوي المماثلة التابعة لحماس. واشتدت وتيرة هذه المواجهات بصورة متزايدة وأصبحت أكثر شدة مع فشل المحاولات المستمرة للتوصل إلى تسوية وتشكيل حكومة ائتلاف تضم فتح وحماس، واندلعت موجة جديدة من الاقتتال الفئوي بعد إعلان الرئيس عباس في ديسمبر/كانون الأول 2006أنه يعتزم الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة للسلطة الفلسطينية.


وفي فبراير/شباط 2007، التقى زعماء الطرفين في مكة تحت رعاية الملك عبدالله، ملك المملكة العربية السعودية، وتوصلوا إلى ما أصبح يعرف بـ "اتفاق مكة.(1)وفي الأساس، شكَّل الاتفاق تعهداً من جانب الطرفين بوضع حد للاقتتال الفئوي وبتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ بيد أن الاتفاق خلا بصورة حاسمة من تحديد التدابير الملموسة التي ينبغي على الطرفين اتخاذها لتحقيق الهدف المعلن.

وأُلِّفت بعد ذلك حكومة وحدة وطنية في 17 مارس/آذار 2007.حيث ظل رئيس الوزراء هنية على رأس الحكومة الجديدة، ولكنها ضمت وزراء من فتح وحماس، وكذلك مستقلين وممثلين لأحزاب صغيرة. بيد أن حكومة الوحدة لم تجلب معها أي تحسينات تذكر، وأدى استمرار حماس في السلطة إلى إبقاء المجتمع الدولي بمعظمه على مقاطعته وعلى العقوبات التي كان قد فرضها على الحكومة التي تقودها حماس منذ انتخابها في 2006، كما واصل اقتصار اتصالاته وتمويله للسلطة الفلسطنية على الرئيس عباس وعلى الوزراء غير المنتسبين لحماس. ولم تستسغ حماس استمرار العزلة الدولية حولها، ولكنها واصلت رفضها التقيد بالشروط التي وضعتها "الرباعية" (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة)، وتحديداً الاعتراف بدولة إسرائيل ونبذ العنف في كفاحها ضد الاحتلال الإسرائيلي وقبول الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل.


واستمر تصاعد التوترات ولا سيما في قطاع غزة، حيث ظلت قيادة حماس محاصرة وتزايَد شعورها بالامتعاض من استمرار عزل وزرائها ومؤسساتها من خلال المقاطعة والعقوبات الدولية، بينما تمتعت قيادة فتح، التي تمركزت بصورة رئيسية في الضفة الغربية، بالاعتراف الدولي واستمر تلقيها للدعم المالي الأجنبي.


ومع تنامي مستوى الشعور بعدم الثقة بين فتح وحماس، غدت قابلية حكومة الوحدة الوطنية الجديدة للاستمرار موضع تساؤل بصورة مطردة، واتهم كل من الجانبين الجانب الآخر بالسعي إلى زعزعتها. وفي ال8?قت نفسه، تدهور الوضع الأمني، واتسمت هذه الفترة باختطاف الأجانب وتزايد الهجمات عليهم، وزعمت حماس أن أفراداً بعينهم من داخل فتح كانوا يزرعون الفوضى عن عمد في قطاع غزة بهدف إسقاط حكومة الوحدة بالقوة.


وفي مايو/أيار 2007، استؤنفت الاشتباكات المسلحة بين الجانبين بزخم جديد. وتوصلت قيادتا فتح وحماس إلى سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار، إلا أن هذه كانت تنهار في غضون أيام وحتى ساعات. وفي كل مرة، كانت الإصابات والأضرار الناجمة عن المواجهات تزيد من الشعور بالكره وعدم الثقة بين الجانبين، ما أدى إلى تفاقم الانشقاق فيما بينهما وزاد من احتمالات اندلاع اشتباكات جديدة. ومع انتشار حالة انعدام القانون، اختلطت الصورة وأصبح من الصعب التمييز بين الهجمات على خلفية الدوافع السياسية وتصفية الحسابات من قبل مجموعات فرعية تتبع كلا الجانبين، والهجمات التي تقوم بها جماعات سياسية أخرى والخصومات العائلية التي طال عليها الزمن. وفي مايو/أيار، استقال وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية هاني طالب القواسمي من منصبه وسط توتر متصاعد بين فتح وحماس، وأفعال أقدم عليها الجانبان وأدت إلى تقويض منصبه.(2)وبعد أن صرَّحت الحكومة الإسرائيلية لاحقاً لمئات من مقاتلي فتح ممن تلقوا تدريباً جديداً في مصر ضمن برنامج مولَّته الولايات المتحدة بدخول غزة، ونصب مسلحون من حماس كميناً لقافلة زعموا أنها كانت تنقل أسلحة سُلِّمت حديثاً إلى فتح، اتهم كل جانب الجانب الآخر بالتحضير لانقلاب ضده. واندلعت إثر ذلك مواجهات مسلحة عنيفة وواسعة النطاق.


وهاجمت قوات حماس وجماعات مسلحة جميع مواقع قوات الأمن وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية واستولت عليها، وسيطرت عملياً على الشؤون الداخلية لقطاع غزة. ورداً على ذلك، أقال الرئيس عباس حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، وأعلن حالة الطوارئ وعيَّن وزير المالية في الحكومة المقالة، سلام فياض، رئيساً لحكومة طوارئ جديدة مقرها الضفة الغربية. وجرى تعيين حكومة الطوارئ في 17يونيو/حزيران ولفترة 30 يوماً، وفق ما ينص عليه القانون الأساسي الفلسطيني،(3)ولكنها ما زالت باقية حتى تاريخه دون أن تحصل على موافقة المجلس التشريعي الفلطسيني (البرلمان).(4)ويمثل هذا انتهاكاً للقانون الأساسي، الذي ينص على أنه: "يجوز تمديد حالة الطوارئ لفترة أخرى من (30) يوماً إذا صوَّتت أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي إلى جانب التمديد". (5)


وقد رفضت حماس الاعتراف بحكومة الطوارئ في الضفة الغربية، مصِرَّة على أن رئيس الوزراء هنية المقال هو رئيس الوزراء الشرعي المنتخب ديمقراطياً، وداعية إلى استئناف الحوار مع فتح. ويصر الرئيس عباس وفتح وحكومة الطوارئ على أن تتخلى حماس عن سيطرتها على جميع المرافق الأمنية وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة قبل النظر في أي حوار سياسي معها. وامتنعت الأحزاب السياسية الأخرى الممثلة في البرلمان الفلسطيني عن المشاركة في حكومة الطوارئ باستثناء حزب "الطريق الثالث" الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء فياض، ولكن بعض هذه الأحزاب ساند الرئيس عباس في دعوته إلى العودة إلى واقع الحال السابق في قطاع غزة.


3. الإطار القانوني


القانون الفلسطيني والقانون الدولي لحقوق الإنسان

لفترات وجيزة وقليلة، وحتى 14يونيو/حزيران 2007، عندما وصل العنف بين قوات الأمن والجماعات المسلحة التابعتين لفتح وحماس في قطاع غزة إلى درجة معينة من الاتساع والكثافة، كانت القواعد ذات الصلة للقانون الإنساني الدولي(6) المتعلقة بسير الأعمال العدائية نافذة، إلى جانب معايير حقوق الإنسان.


ويحدد القانون الإنساني الدولي معايير السلوك الإنساني الذي ينطبق على جميع الأطراف في المنازعات المسلحة، بما في ذلك على الجماعات المسلحة. وإذا ما استخدمنا كلمات اللجنة الدولية للصليب الأحمر (الصليب الأحمر)، وهي الجهة الأوثق معرفة وصلة بالقانون الإنساني الدولي، فإنه "حيثما استخدمت القوة المسلحة، لا يعود اختيار الوسائل والأساليب أمراً غير خاضع للتقييد". وتنعكس هذه القاعدة الأساسية صراحة في عدد من معاهدات القانون الإنساني

الدولي. فالمادة العامة 3لاتفاقيات جنيف الأربع المنعقدة في العام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني الملحق بها، هماالصكان الدوليان الأوثق صلة بالمنازعات المسلحة التي ليس لها طابع دولي. ويكمِّل القانون العرفي الدولي هذه المعاهدات بصورة متزايدة. وقد أقرت الدراسة المرجعية للصليب الأحمر بشأن القانون الإنساني الدولي العرفي أن العديد من قواعد القانون الإنساني الدولي التي سُنَّت لمعالجة المنازعات الدولية تنطبق الآن بالمثل على المنازعات التي ليس لها طابع دولي. وتتضمن هذه القواعد العرفية(7) حظر الهجمات المباشرة على المدنيين؛ وحظر الهجمات العشوائية – الهجمات التي لا تتخذ الاحتياطات اللازمة للتمييز بين المدنيين والمقاتلين - والهجمات غير المتناسبة، أي الهجمات التي يمكن توقُّع أن تتسبب بخسائر عرضية في أرواح المدنيين، أو أن تلحق إصابات بالمدنيين، أو أضراراً بالأهداف المدنية، أو كلها مجتمعة، والتي يمكن أن تعتبر مفرطة بالعلاقة مع الفوائد العسكرية المباشرة المتوخاة منها. وقد غدا الآن من المسلم به أن أعمال القتل العمد والتعذيب؛ واحتجاز الرهائن ومهاجمة الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية من الأمور المحظورة بمقتضى القانون الإنساني الدولي الخاص بالمنازعات المسلحة غير الدولية. (8)


ويقضي القانون الجنائي الدولي بمسؤولية الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي مسؤولية فردية فينبغي تقديمهم إلى العدالة. وتعتبر الانتهاكا�? الخطيرة للقانون الإنساني الدولي جرائم حرب.


أما الحق في الحياة وفي الحرية وفي الأمن الشخصي فقد كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الإعلان العالمي – المادة 3).


ومع أن القوانين الفلسطينية لا تتماشى بصورة تامة مع المعايير المعترف بها دولياً لحقوق الإنسان، إلا أنها تتضمن العديد من الأحكام التي يمكن أن توفر للمعتقلين ضمانات مهمة – إذا ما طُبقت –في مواجهة الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة.


فالمادة 13من القانون الأساسي تحظر حظراً قطعياً استخدام التعذيب والإكراه ضد المعتقلين، وتنص على اعتبار الأقوال أو الاعترافات التي يتم الحصول عليها نتيجة لمثل هذه الانتهاكات لا قيمة لها.


إن واجب عدم إخضاع الأشخاص للتعذيب أو لغيره من ضروب سوء المعاملة قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، والحظر المفروض على التعذيب مطلق في كل الأحوال. وقد جرى النص على هذا الحظر المطلق في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك في عدة معاهدات لحقوق الإنسان، ولا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وأيضاً في اتفاقيات لحقوق الإنسان لم تكتسب بعد صفة

المعاهدات. حيث تنص مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال

الاحتجاز أو السجن (مجموعة المبادئ من الآن فصاعداً)(9)في المبدأ 6على ما يلي: "لا يجوز إخضاع أي شخصيتعرضلأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.(10)ولا يجوز الاحتجاج بأي ظرف كان كمبرر للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية".


ويحظر القانون الإنساني الدولي التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أيضاً باعتبارهما خرقاً فاضحاً لاتفاقيات جنيف وجريمة حرب.


وتحظر المادة 9من الإعلان العالمي الاعتقال والاحتجاز التعسفيين. ويعتبر حظرُ الحرمان التعسفي من الحرية كذلك عُرفاً من أعراف القانون الدولي العرفي.(11) وتم تكريس هذا الحظر أيضاً في مجموعة المبادئ. فالمبدأ 2 ينص على أنه: "لا يجوز إلقاء القبض أو الاحتجاز أو السجن إلا مع التقيد الصارم بأحكام القانون وعلى أيدي موظفين مختصين أو أشخاص مرخص لهم بذلك".


وينص المبدأ 36 (2)على أنه: "لا يجوز القبض على هذا الشخص أو احتجازه على ذمة التحقيق والمحاكمة إلا لأغراض إقامة العدل وفقاً للأسس والشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون. ويحظر فرض قيود على هذا الشخص لا تقتضيها مطلقاً أغراض الاحتجاز أو دواعي منع عرقلة عملية التحقيق أو إقامة العدل أو حفظ الأمن وحسن النظام في مكان الاحتجاز".


وفضلاً عن ذلك تقتضي المعايير الدولية أن تتم جميع عمليات الاعتقال بناء على أوامر نافذة تصدرها سلطة قضائية مستقلة، وأن تكون خاضعة للطعن أمامها وتحت إشرافها. حيث ينص المبدأ 4من مجموعة المبادى على أن:

"لا يتم أي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن ولا يتخذ أي تدبير يمس حقوق الإنسان التي يتمتع بها أي شخص يتعرض لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن إلا إذا كان ذلك بأمر من سلطة قضائية أو سلطة أخرى أو كان خاضعاً لرقابتها العملية".


وينص المبدأ 11 على أنه: "لا يجوز استبقاء شخص محتجزاً دون أن تتاح له فرصة حقيقية للإدلاء بأقواله في أقرب وقت أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى. ويكون للشخص المحتجز الحق في أن يدافع عن نفسه أو أن يحصل على مساعدة محام بالطريقة التي يحددها القانون".


ويقنضي المبدأ نفسه أيضاً أن "تعطىعلى وجه السرعة للشخص المحتجز ومحاميه … معلومات كاملة عن أي أمر بالاجتجاز وعن أسبابه"، وكذلك أن "تكون لسلطة قضائية أو سلطة أخرى صلاحية إعادة النظر حسب

الاقتضاء في استمرار الاحتجار". ولا يجوز تعليق الحق في الطعن في قانونية الاعتقال، حتى في أوقات الطوارئ.(12)

ويتضمن القانون الفلسطيني أحكاماً مماثلة: فالمادة 11من القانون الأساسي تعتبر مخالفاًللقانون توقيف أي شخص وسجنه إلا بأمر قضائي وفقاً لأحكام القانون، وتقتضي أن يُحتجز الموقوفون في أماكن تصرِّح بها القوانين المتعلقة بتنظيم السجون. وتنص المادة 29من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: "لا يجوز على أحد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانوناً. كما يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً".


زد على ذلك، تحظر المعايير الدولية(13) والقانون الفلسطيني، على السواء، احتجاز الأشخاص في أماكن اعتقال غير رسمية. فتنص المادة 68من قانون الإجراءات الجزائية على أنه: "لا يجوز اعتقال أو احتجاز أي شخص إلا في مركز للإصلاح و إعادة التأهيل [سجن] وفي أماكن اعتقال مخصصة لهذا الغرض من جانب القانون". ويجعل عدم التقيد بأحكام القانون المذكور آنفاً و/أو هذه المعايير الدولية من أي احتجاز أو اعتقال احتجازاً أو اعتقالاً تعسفياً بمقتضى المعايير الدولية لقانون الإنسان.


وتنص مجموعة المبادئ على أنه "لا يجوز للسلطات التي تلقي القبض على شخص ... أن تمارس صلاحيات غير الصلاحيات الممنوحة لها بموجب القانون، ويجوز التظلم من ممارسة تلك الصلاحيات أمام سلطة قضائية أو سلطة أخرى" (المبدأ 9)، كما تنص على وجوب مراجعة قرارات التوقيف على وجه السرعة من جانب سلطة قضائية أو سلطة أخرى، وع�604?ى وجوب السماح للأشخاص المحتجزين أو المسجونين على وجه السرعة الاتصال بأسرهم أو محامييهم (المبدأ 15).


ويتضمن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني أحكاماً مماثلة يتعين بموجبها مراجعة أي عملية توقيف لشخص تتم قبل اتهامه بجرم خلال 24ساعة من جانب مدع عام (المادة 34)، الذي يجوز له تمديد فترة التوقيف مدة48ساعة إضافية. وبعد 72ساعة من التوقيف، يجب أن تتم مراجعة القضية من قبل قاض (المادة 51)، ويجوز له تمديد فترة التوقيف السابقة على الاتهام مدة 15يوماً (المادتان62 و63) قابلة للتجديد من قبل قاض كل 15يوماً لمدة أقصاها 45يوماً.(14)ويمنح القانون الموقوفين فرصة الاتصال بسرعة وبلا معوقات بمحام (المادة 46). وفضلاً عن ذلك، تقتضي المادة 12من القانون الأساسي توجيه الاتهام إلى من يجري القبض عليهم وتقديمهم إلى المحاكمة بلا إبطاء.


النظام القضائي الفلسطيني

يضم النظام القضائيفي مناطق الأراضي الفلسطينية المحتلة الخاضعة للولاية القضائية للسلطة الفلسطينية مجموعة من القوانين والمراسيم تتضمن تلك المتبقية من قرون سابقة عندما كانت المنطقة تحت سيطرة قوى أخرى – العثمانيين والبريطانيين والأردنيين (في الضفة الغربية) والمصريين (في قطاع غزة) والإسرائيليين – وتشريعات أُقرت منذ 1994، ولا سيما المراسيم التي أقرها الرئيس السابق ياسر عرفات والرئيس الحالي محمود عباس، وكذلك قوانين أقرها البرلمان الفلسطيني، أي المجلس التشريعي الفلسطيني (المجلس التشريعي). وعُقدت أولى الانتخابات للمجلس التشريعي، الذي يضم 132عضواً، في 1996. وتصبح القوانين التي يقرها المجلس التشريعي نافذة حالما يُصدِّق عليها رئيس السلطة الفلسطينية. ولا يزال القانون الثوري الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية للعام 1979(الذي صاغته هياكل منظمة التحرير الفلسطينية في المنفى قبل إقامة السلطة الفلسطينية) ساري المفعول، وهو الأساس الذي ينبني عليه نظام القضاء العسكري. ويقوم القانون الأساسي للعام 2003، الذي جرى تعديله في 2005، مقام الدستور إلى حين قيام الدولة الفلسطينية.


ويتألف نظام المحاكممن محاكم الصلح، التي تنظر قضايا الجنح؛ ومحاكم البداية، التي تنظر قضايا جرمية أكثر خطورة والاستئنافات المقدمة ضد الأحكام الصادرة عن محاكم الصلح؛ ومحاكم الاستئناف، التي تنظر الاستئنافات ضد الأحكام الصادرة عن محكمة البداية؛ والمحكمة العليا، التي تنظر في الاستئنافات على أعلى مستوى قضائي وتنظر في التماسات التمييز بشأن الطعون المتعلقةبالمخالفات الإجرائية. وأُنشئت في 2006المحكمة الجزائية العليا لنظر جرائم مثل القتل والاختطاف والاغتصاب، وما يسمى جرائم الشرف والاعتداءات على المال العام والأمن الوطني. وتنظر المحاكم العسكرية القضايا المتعلقة بمنتسبي قوات الأمن وتطبق القانون الثوري لمنظمة العفو الدولية للعام 1979. وفي 2006، أُقر قانون أُنشئت بموجبه المحكمة الدستورية العليا، ولكنه لم يوضع بعد موضع التطبيق.(15) وتنظر المحاكم المدنية القضايا المدنية، بينما تنظر المحاكم الشرعية قضايا الأسرة وتلك التي يشملها قانون الأحوال الشخصية (من قبيل الزواج والطلاق). وألغى وزير العدل في 2003محاكم أمن الدولة. (16)


ويتولى النائب العام والمدعون العامون التحقيق في الجرائم ومقاضاة مرتكبيها، ويشرفون على قانونية الاعتقالات ويحققون في الشكاوى التي يتقدم بها المعتقلون. وتتم تسمية النائب العام والقضاة من قبل المجلس القضائي الأعلى، الذي يرأسه رئيس المحكمة العليا، ولكن تعيينهم يتم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية.


وإلى جانب النظام القضائي، ما زال نظام العرفالتقليدي للمصالحة والوساطة الذي يتولاه الزعماء العشائريون/ القبليون وغيرهم من الوجهاء الآخرين موجوداً على مستوى المجتمع المحلي ويقوم بدور مواز لنظام المحاكم؛ وبالنسبة للعديد من الفلسطينيين، يظل هذا هو الوسيلة المفضّلة التي يمكن من خلالها تسوية الخلافات العائلية والعشائرية وغيرها من المنازعات، بدءاً بالأمور المتصلة بـ"شرف" العائلة، وانتهاء بجرائم القتل والتسبب بالإصابة والأمور المالية. وقد استُخدم نظام الوساطة هذا أيضاً كأساس لمعالجة المصادمات بين الفصائل السياسية، بما في ذلك التوسط في اتفاقاتٍ لوقف إطلاق النار ومفاوضات بشأن المرور الآمن لمقاتلين/قادة يواجهون الخطر، وتسوية قضايا أخرى تتصل بالصراع بين فتح وحماس كانت تبرز في مجرى المواجهات الدامية التي وقعت في قطاع غزة في النصف الأول من 2007(17).


الفراغ المؤسسي والقضائي في قطاع غزة

على إثر سيطرة حماس على المقار الأمنية للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة في يونيو/حزيران، أصدر الرئيس عباس أوامره إلى منتسبي الشرطة وقوات الأمن بعدم الالتحاق بوظائفهم في غزة تحت طائلة العقاب بعدم صرف رواتبهم. وفي 10يوليو/تموز، أكد النائب العام، المسؤول عن التحقيق في القضايا الجنائية ومقاضاة مرتكبيها(18)، لمنظمة العفو الدولية أن مكتبه لم يزاول أياً من مهامه في قطاع غزة منذ منتصف يونيو/حزيران(19).


وفي 2 يوليو/تموز، أصدر رئيس القضاة ورئيس المجلس القضائي الأعلى والمحكمة العليا التعليمات التالية إلى رؤساء محاكم البداية والصلح:


"نظراً للأوضاع الراهنة في قطاع غزة، وببسبب عدم وجود قوة شرطة تساعد على تنفيذ القرارات القضائية وحمايتها، نطلب من جميع القضاة والعاملين في المديريات المسؤولة عن تنفيذ القرارات القضائية تعليق جميع ا ?قرارات التي تتطلب المساعدة من جانب الشرطة لتنفيذها، وذلك من أجل حماية استقلال وكرامة القضاء وحمايتهمن أي تدخل يمكن أن يتهدد استقلاليته".(20)


ولم تستمر في عملها سوى المحاكم الشرعية، غير أن الأحكام القضائية التي كانت تتطلب التنفيذ من جانب الشرطة لم يمكن تنفيذها بسبب غياب قوات الشرطة بناء على أمر الرئيس عباس إلى الشرطة بعدم القيام بمهامهم.


وفاقم هذا من حالة انعدام القانون السائدة أصلاً.فلعدة سنوات، لم يحدث أن قُدِّم إلى لعدالة أي شخص من المسؤولين عن أعمال القتل السياسي والاختطاف – ومعظم هؤلاء من الجماعات المسلحة المرتبطة بفتح، ولاحقاً بالجناح العسكري لحماس والجماعات الأخرى. فمع عدم قدرة قوات الأمن والنواب العامين والمدعين العامين على مقاضاة أصحاب القضايا السياسية، أو عدم رغبتهم في ذلك، ظلت عمليات التوقيف والمقاضاة تقتصر عموماً على قضايا القانون العام، بينما ظلت معالجة الجرائم التي ارتكبت في سياق المواجهات السياسية والمصادمات العشائرية والعائلية تتم عبر جهود الوساطة غير الرسمية بين الأطراف المعنية، وعلى أيدي قادة المجتمع المحلي المرموقين، أو تترك ببساطة لشأنها دون معالجة. وكان هذا مؤشراً على فشل السلطة الفلسطينية وقوات أمنها وهيئتها القضائية في أن تحقق وفيأن تقاضي مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، وأسهم إلى حد كبير في حالة الانفلات الأمني التي أصبحت أكثر تجذراً بمرور الوقت في قطاع غزة، كما في الضفة الغربية(21).


"اندفع داخلاً إلى المركز رجل بدا عليه أنه مضطرب عقلياً. لم نعرف ماذا نفعل، فلم تعد هناك شرطة ولم نرغب في اللجوء إلى قوات حماس، ولكننا اضطررنا إلى ذلك في نهاية الأمر، إذ إن الرجل بدأ بالسباب وبإحداث المتاعب، ولكننا لم نشعر بالارتياح حيال ذلك". (عامل في إحدى المنظمات غير الحكومية، يوليو/تموز 2007).


"لا توجد شرطة للتحقيق في الجرائم ولا محاكم لمقاضاة المجرمين. هناك أشخاص حصلوا على أحكام لصالحهم من المحاكم قبل 14 يونيو/حزيران تتطلب تدخل الشرطة لتنفيذها؛ قضايا نزاعات حول الأراضي وقضايا لنساء مطلقات يرفض أزواجهن دفع مستحقاتهن وقضايا أخرى كثيرة – ولكن ليست هناك شرطة لتنفيذ هذه الأحكام. أين هم الأشخاص الذين يفترض أن يتلقوا شكاوى الناس؟ حتى إذا قامت حماس بتوقيف المجرمين، ماذا بعد؟ هل نرغب حقاً في أن يبدأوا بإنشاء محاكم وأنظمة جديدة؟ ينبغي أن يبقى القضاء والمؤسسات التي يفترض فيها خدمة المواطنين بعيدين عن السياسة. إن لقرار وقف عمل الشرطة والمحاكم نتائجه السلبية. وهو غلطة كبيرة". (محام لحقوق الإنسان، يوليو/تموز 2007).


إن أوجه الفشل والنواقص البنيوية هذه أكدت على ضرورة القيام بإصلاحات عاجلة وبعيدة المدى – من قبيل تعيين شرطة وموظفين رسميين غير متحزبين، وتوفير تدريب أفضل، وإنشاء آليات فعالة للإشراف والمحاسبة تستطيع المساعدة على استئصال شأفة الانتهاكات من جانب قوات الأمن، وتدابير لتمكين القضاء وتعزيز استقلاليته. وعوضاً عن ذلك، أدى قرار الرئيس عباس بتجميد أنشطة الشرطة والقضاة في قطاع غزة إلى فراغ مؤسسي وقضائي ترك 1.5 مليون من السكان في قطاع غزة فعلياً من دون أي مؤسسات لإنفاذ القانون ليعودوا إليها.(22)كما فتح الباب أمام إدارة حكم الواقع التابعة لحماس كي تضع أنظمة بديلة لملء هذا الفراغ القضائي والشرطي تفتقر، على أية حال، إلى لاستقلال وغدم التحيز والتدريب والإشراف والمساءلة العامة على نحو كاف.


قبل يونيو/حزيران 2007، كان سكان قطاع غزة يواجهون صعوبات أكبر في الحصول على العدالة أو تحقيق الإنصاف من جانب المؤسسات والآليات القضائية المعطوبة للسلطة الفلسطينية. بيد أن الأوضاع قد تدهورت أكثر منذ تولي حماس زمام الأمور. فليست أمام أهالي غزة الآن أية فرصة لتحقيق العدالة أو الإنصاف من خلال القانون بسبب غياب المؤسسات الرسمية. وفي الماضي، كانت الشرطة والمحاكم التابعة للسلطة الفلسطينية نادراً ما تتخذ إجراءات ضد قوات الأمن والمليشيات المسؤولة عن جرائم "سياسية" مثل القتل والاختطاف، إلا أنها كانت تتصرف حيال أنواع أخرى من القضايا كجرائم القانون العام، وكذلك تنفذ الأحكام الصادرة عن المحاكم المدنية والشرعية.

ومنذ يونيو/حزيران، ترك غياب مؤسسات السلطة الفلسطينية سكان قطاع غزة بلا خيار آخر سوى أن يتولوا بأنفسهم تنفيذ القانون أو يلجأوا إلى أجهزة الأمن وتنفيذ القانون المتحزِّبة التي أقامتها حماس. وفي نهاية الأمر، شجَّع الفراغ حماس على وضع أنظمة موازية واتخاذ تدابير آنية خارج الإطار القضائي والمؤسسي.

ومنذ يوليو/تموز، أخذ منتسبو قوات الأمن في قطاع غزة يتلقون رواتبهم كاملة من حكومة الطوارئ التابعة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بعد أشهر عديدة تسلموا خلالها جزءاً من رواتبهم فقط، أو لم يصلهم أثناءها شيء. بيد أن دفع الرواتب مقتصر حصرياً على الأشخاص الذين لا يلتحقون بعملهم – ما يعني في المحصلة قبضهم الرواتب حتى لا يعملوا. أما من واصلوا العمل تحت إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس فأوقفت رواتبهم(23). وبذا، وبينما كان على قوات الأمن أن تقوم بواجباتها لأكثر من سنة دون أن تقبض رواتبها، فإن المطلوب منها الآن أن لا تعمل كشرط لتسلُّم رواتبها.


انتشار الأنظمة الموازية خارج الإطار القانوني في قطاع غزة

ملأت حماس الفراع بنشر القوة التنفيذية في مختلف أرجاء قطاع غزة. وأعضاء هذه القوة النظاميون يتحدرون من كتائب القسام التابعة لحماس (أنظر الجزء4) التي تدرب أفرادها على شن هجمات ضد أهداف إسرائيلية وعلى مقاتلة القوات الإسرائيلية أثناء دخولها قطاغ غزة للإغ

u1575?رة عليه، وليس على القيام بدور الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون. وكما كان الحال في الماضي، حيث ظلت الولاءات السياسية والشخصية – وليس المهارات والكفاءة – هيالعامل الحاسم في تجنيد قوات الأمن والأجهزة القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح، واصلت إدارة الأمر الواقع لحماس النهج نفسه بتجنيد مؤيدي حماس في قواتها وفي غيرها من المؤسسات العامة.


فشاركت كتائب القسام في هجمات على المتظاهرين إلى جانب القوة التنفيذية، كما قامت أيضاً باختطاف أشخاص بصورة مستقلة عن القوة التنفيذية وأقامت مركزي اعتقال في الضفة الغربية. علماً بأنه لا كتائب القسام ولا القوة التنفيذية تملك أي سلطة قانونية لاعتقال الأشخاص؛ فكتائب القسام جماعة مسلحة تعمل خارج إطار القانون، والقوة التنفيذية قوة لا تملك التخويل القانوني الذي يمكنها من ممارسة توقيف الناس واحتجازهم. والاعتقالات التي تقوم بها تعسفية وتشكل انتهاكاً للقانون الفلسطيني وللمعايير الدولية.


ومنذ يوليو/تموز 2007، أعلنت حماس سلسلة من الهيئات أو الآليات الجديدة لتحل محل قوات الأمن والمؤسسات القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية التي رفضت العمل تحت مظلة إدارة حماس للأمر الواقع أو إلى جانبها. فوفق الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان)،(24)شكَّلت القوة التنفيذية في 9 يوليو/تموز لجنة لمعالجة قضايا المعتقلين المحتجزين في سجن غزة المركزي في مجمع السرايا الأمني قبل سقوط المجمع بأيدي

قوات حماس.(25)

وفي 21يوليو/تموز، أعلن الناطق بلسان القوة التنفيذية أن حماس قد شكلت لجنة قانونية لمعالجة غياب المؤسسات القضائية العاملة في قطاع غزة وقال إن هذه اللجنة تحل محل مكتب الادعاء العام التابع للسلطة الفلسطينية "وتمنعها من التدخل في قضايا الجمهور الفلسطيني".(26) بيد أن القوة التنفيذية لم تستولِ على مكاتب النيابة العامة للسلطة الفلسطينية في غزة حتى 16أغسطس/آب. وبعد ذلك بفترة وجيزة، أعلن المدير العام للشؤون القانونية في وزارة العدل التابعة لإدارة الأمر الواقع لحماس أن الوزارة قد عينت ثمانية نواب عامين و20مدعياً عاماً مساعداً ليحلوا محل من توقفوا عن العمل في منتصف يونيو/حزيران.(27)


وفي 16أغسطس/آب، اعتقلت القوة التنفيذية النائب العام، الذي كان في الضفة الغربية منذ بداية الأزمة، بعد فترة وجيزة من عودته. وفي شهادة أدلى بها للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، قال إنه اقتيد من مكتبه وتعرض للضرب أثناء نقله إلى السجن المركزي، حيث طُلب منه أن يوقع تعهداً بعدم ممارسة أي مهام تتعلق بواجبات الادعاء العام، وبعدم السفر إلى الضفة الغربية أو الإدلاء بأي تصريحات إلى وسائل الإعلام، وبالتوقف عن "التحريض" ضد إدارة حماس. ورفض توقيع التعهد، إلا أنه أُفرج عنه بعد فترة وجيزة. وأبلغ الناطق بلسان القوة التنفيذية المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أنه قد تم اعتقال النائب العام لساعة واحدة بشبهة تهريب ملفات قانونية لقضايا تتعلق بالفساد وبجرائم قتل، غير أن النائب العام أنكر هذه المزاعم. وقام أعضاء القوة التنفيذية كذلك بتفتيش مساعدي النائب العام تفتيشاً جسدياً وبمسح الصور من على هواتفهم النقالة وبتهديدهم بالسلاح. كما اعتقل محام يعمل مع المنظمة الفلسطينية لحقوق الإنسان "الميزان" لفترة وجيزة على يد القوة التنفيذية عندما حاول تصوير أعضاء القوة التنفيذية وهم يحاصرون مكتب النائب العام. واقتيد أيضاً إلى مجمع السرايا الأمني واحتجز هناك لمدة ساعة قبل أن يطلق سراحه.


وأعلن رئيس القوة التنفيذية، جمال جرّاح، في 18أغسطس/آب أنه يجري تشكيل قوة جديدة للرد السريع، وأنه سيتم نشرها قريباً لمعالجة أمر "المتعاونين" (جواسيس إسرائيل) والتعامل مع المسائل الأمنية التي تحتاج إلى التدخل السريع، مثل تهريب المخدرات. وفي 27أغسطس/آب، أعلن الأمين العام لإدارة الأمر الواقع، محمد عواد، عن تشكيل ثلاثة أجهزة شرطة فلسطينية جديدة – قوى الأمن الداخلي، وحرس السواحل، وقوة أمن نسائية.


وفي 4سبتمبر/أيلول، أعلنت إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس إنشاء المجلس القضائي الأعلى، المسؤول عن تعيين القضاة، بالتعاون مع الدائرة القضائية. والقصد من هذا المجلس هو الحلول محل مجلس القضاء الأعلى، الذي يتولى تسمية النائب العام والقضاة، لتعيينهم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، كما يتولى تدريب القضاة. ومثل هذا الإجراءات لا تتساوق مع مبدأ استقلالية السلطة القضائية، وتشكل خرقاً للعديد من القوانين الفلسطينية – ولا سيما قانون السلطة القضائية(28).

وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أن الهيئات والآليات التي أقامتها إدارة الأمر الواقع لحماس لتنفيذ القانون وإدارة العدالة تفتقر إلى المهارات والاستقلالية والرقابة والمساءلة اللازمة لضمان احترام حكم القانون بالنسبة للضحايا والمتهمين على السواء؛ وعدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان؛ وتمكين الضحايا من الوصول إلى آليات فعالة للحصول على الإنصاف؛ وتمتع الأشخاص المتهمين بالإجراءات القانونية الواجبة. وعلى العكس من ذلك، فمن الواضح أن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان ما زالوا يتمتعون بالحصانة من العقاب، وأن إدارة الأمر الواقع لحماس تفتقر إلى الإرادة السياسية اللازمة لمساءلة مرتكبي الجرائم عما فعلوه، ولا سيما أعضاء حماس نفسها، ولاحترام حقوق الإنسان الأساسية، بما فيها الحق في حرية التعبير والتجمع والانتساب إلى الجمعيات. وفي الجوهر، تسارع إدارة الأمر الواقع لحماس في قطاع غزة إلى تكرار الانتهاكات والنواقص التي أعلنت استنكارها لها فيما سبق، وليس دون أسباب صحيحة، لا بل تتجاوز في ممارساتها العديد من هذه الانتهاكات والنواقص التي ارتكبته

u1575? مؤسسات السلطة الفلسطينية تحت سيطرة فتح، ولا سيما استهتار قوات الأمن بحقوق الإنسان وغياب الإرادة السياسية اللازمة لإعمال حكم القانون، ما أدى إلى غياب سيادة القانون على نطاق واسع.


4. قوات الأمن والجماعات المسلحة – خطوط متداخلة


قوات الأمن


أنشأت السلطة الفلسطينية في عقد التسعينيات من القرن الماضي نحو 10أجهزة أمنية مختلفة، بما فيها جهاز الأمن الوقائي، والقوة 17، والمخابرات العامة، والمخابرات (الاستخبارات) العسكرية، والدفاع المدني، التي تضم في مجملها ما يربو على 30,000منتسب. ولسنوات عدة، كان التعذيب أمراً شائعاً بالنسبة للمعتقلين السياسيين والموقوفين المتهمين بـ"التعاون" مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.(29)واحتفظ كل جهاز أمني بمراكز اعتقاله الخاصة به، خارج الإطار القانوني، وفي بعض الأحيان، كان الموقوفون يحتجزون لسنوات بلا محاكمة أو أي وسيلة فعالة لتصحيح وضعهم أو إنصافهم(30).


وفي 2005، وحَّد الرئيس عباس قوات الأمن في ثلاثة فروع: الأمن الوطني، والأمن الداخلي، والمخابرات العامة، وضم كل منها عدة أجهزة.(31) وتضم المخابرات العامة الاستخبارات العسكرية والشرطة العسكرية، وهي تخضع للسيطرة المباشرة لرئيس السلطة الفلسطينية، كما يخضع لسيطرته حرس (أمن) الرئاسة/القوة 17.(32)وتم تعريف الأمن الوطني على أنه "هيئة عسكرية نظامية"(33) ويضم عدة أجهزة. ويضم الأمن الداخلي جهاز الأمن الوقائي والشرطة والدفاع المدني. ويخضع الأمن الوطني والأمن الداخلي لولاية وزيري الأمن الوطني والداخلية، على التوالي، إلا أن قيادتي القوتين تُعينان من قبل رئيس السلطة الفلسطينية.(34)


وبعد كسب حماس الانتخابات التشريعية وتشكيلها الحكومة في أوائل 2006، لم تتمكن من اكتساب أي نوع من السيطرة على قوات الأمن، التي تحدت على المكشوف، ولا سيما الحرس الرئاسي/القوة 17 والأمن الوقائي، سلطة الحكومة الجديدة وقامت بعمليات اغتيال وبهجمات أخرى ضد أعضاء حماس.


وأُنشئت القوة التنفيذية في أبريل/نيسان – مايو/أيار 2006من قبل وزير الداخلية في حكومة حماس آنذاك، الذي قال إنه مع عدم وجود سيطرة على قوات الأمن العاملة التابعة للسلطة الفلسطينية، التي ظلت هياكل لفتح في الأساس، فإنه ليس ثمة آلية لتنفيذ القانون تحت سيطرة الحكومة ولا تستطيع بالتالي القيام بواجباتها وبمعالجة حالة انعدام الأمن المتنامية وعمليات الاختطاف المتكررة. وتتألف القوة التنفيذية من أعضاء في كتائب عز الدين القسام (كتائب القسام) ومؤيدين لحماس، بينما تضم قيادتها اللواء توفيق جابر، وهو قائد شرطة سابق لدى حكومة فتح.


واعترض الرئيس عباس على إنشاء القوة التنفيذية ودعا إلى حلها، ولكنه لم يتخذ أي تدابير لأكثر من سنة لإجبار حكومة حماس على التقيد بتعليماته هذه.(35)وفي هذه الأثناء، لم تبذل حماس أي مساع لجعل البرلمان، الذي تملك فيه الأغلبية، يسن تشريعاً لإضفاء الطابع الشرعي على القوة التنفيذية وتنظيم عملها.(36)ولذا فإن القوة التنفيذية ما زالت تعمل خارج إطار القانون.


وطبقاً للتقارير، فقد عقدت مفاوضات بين فتح وحماس بشأن إمكان دمج القوة التنفيذية مع قوات أمن السلطة الفلسطينية، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بشأن ذلك. وأصبحت الاغتيالات وعمليات الاختطاف والمواجهات المسلحة المتقطعة بين مسلحي فتح وحماس تتزايد باطراد، حيث قامت كتائب الأقصى التابعة لفتح وكتائب القسام التابعة لحماس بدور مليشيات داعمة لقوات الأمنالتابعة للسلطة الفلسطينية وللقوة التنفيذية.

ولم يصدر الرئيس عباس أي مراسيم رئاسية لاعتبار القوة التنفيذية لحماس خارجة عن القانون إلا بعد قيامها مع كتائب القسام بالسيطرة على المرافق الأمنية وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.(37)


الجماعات المسلحة

تملك معظم الفصائل السياسية الفلسطينية أجنحة مسلحة أو جماعات مسلحة تتبعها.(38) بيد أن الاشتباكات والهجمات المسلحة بين الفصائل اقتصرت بصورة شبه حصرية على الجناح المسلح لفتح، كتائب الأقصى، والجناح المسلح لحماس، كتائب القسام، الجماعتين المسلحتين الأكبر.


وأُنشئت كتائب الأقصى من جانب ناشطي فتح، بمن فيهم أعضاء في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ولا سيما القوة 17والأمن الوقائي(39) في أواخر 2000/أوائل 2001، وبعد فترة وجيزة من اندلاع الانتفاضة (الانتفاضية الفلسطينية ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة).(40)وعُرفت أول ما عرفت في نابلس، التي ظلت أحد معاقلها الرئيسية في الضفة الغربية، وتم تشكيل مجموعات لها لاحقاً في المدن والبلدات الأخرى، ولا سيما جنين ورام الله، وكذلك في قطاع غزة. وهدفها المعلن هو المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك عبر استخدام التفجيرات الانتحارية وغيرها من الهجمات ضد الإسرائيليين، بمن فيهم المدنيون الإسرائيليين، داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. بيد أنها، وبخاصة في السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ 2004 – 05، كانت مسؤولة بصورة متزايدة عن عمليات اختطاف فلسطينيين ومواطنين أجانب، وعلى الأغلب بغرض انتزاع امتيازات من السلطة الفلسطينية – مثل الحصول على الوظائف وضمان الإفراج عن الأصدقاء والأقارب المعتقلين لدى السلطة الفلسطينية لقيامهم بأنشطة إجرامية أو لتسجيل عدم موافقتها على مواقف تتخذها قيادة السلطة الفلسطينية في مفاوضاتها مع إسرائيل. وكانت كتائب الأقصى مسؤولة كذلك عن الأغلبية الساحقة من عمليات قتل الفلسطينيين الذين ا

u1578?هموا بـ"التعاون" (التجسس) لصالح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، كما قامت باختطاف أشخاص وبتعذيبهم لإجبارهم على دفع الفدية لها. وقد تمتعت كتائب الأقصى بصورة ثابتة بالتغطية للإفلات من العقاب عما ترتكبه من انتهاكات لحقوق الإنسان – سواء أكان ذلك ضد فلسطينيين أم ضد مواطنين أجانب أو مدنيين إسرائيليين.


ومع أن فتح والسلطة الفلسطينية لم تعترفا أبداً بصورة رسمية بكتائب الأقصى بصفتها الجناح المسلح لفتح، إلا أن كتائب الأقصى ظلت على الدوام تعرِّف بنفسها على أنها الجناح المسلح لفتح ولم يحدث أن جرى التنكر لها من جانب السلطة– سواء في عهد الرئيس الحالي أم في عهد الرئيس السابق، أو من جانب قيادة فتح. وعلى العكس من ذلك، كثيراً ما قدَّم قادة فتح في السلطة الفلسطينية الامتيازات والاعتراف لكتائب الأقصى. فعلى سبيل المثل، جرى تصوير الرئيس عباس محمولاً على كتفي زكريا الزبيدي، قائد كتائب الأقصى في جنين، أثناء الحملة للانتخابات الرئاسية في 2005.(41) وبعد انتخابه بفترة وجيزة، أمر الرئيس عباس بدمج أعضاء كتائب الأقصى في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، حيث عنى ذلك إعطاءهم وضعاً رسمياً وخوّلهم الحصول على رواتب من السلطة الفلسطينية.(42)وفي 12يوليو/تموز 2007، أصدر الرئيس عباس مرسوماً رئاسياً منح بموجبه وسام القدس إلى سميح المدهون، وهو عقيد في الحرس الرئاسي/القوة 17وقائد كتائب الأقصى في قطاع غزة قُتل ونُكِّل به في يونيو/ حزيران 2007على أيدي مسلحين تابعين لحماس بعد يوم واحد من مفاخرته في مقابلة إذاعيةبأنه قد أحرق 20من بيوت مؤيدي حماس(43).


وقد تم إدماج عدد غير محدد من أعضاء كتائب الأقصى في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على مر السنين، ولا سيما في الحرس الرئاسي/القوة 17؛ وأصبح غيرهم أعضاء في كتائب الأقصى بينما كانوا لا يزالون يخدمون في قوات الأمن. وزادت الأوضاع المعقدة تعقيداً اعتباراً من 2004مع ظهور جماعات منشقة في صفوف كتائب الأقصى وانخراطها في عمليات اقتتال داخل فصيل فتح نفسه أولاً، ومن ثم ضد حماس. وتزايدت الهجمات التي شنتها كتائب الأقصى ضد أعضاء حماس بعد سيطرة حماس على عدة بلديات في الانتخابات البلدية الفلسطينية الأولى في 2005، وقبل الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006،(44)وتصاعدت هذه الهجمات بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية.


وأُنشئت كتائب القسام في أوائل التسعينيات من القرن الماضي،(45) وبقيادة يحيى عياش، حسبما ذُكر، الذي اغتيل لاحقاً على أيدي الجيش الإسرائيلي. وهدفها المعلن هو المقاومة المسلحة للاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك عبر استخدام التفجيرات الانتحارية وغيرها من أشكال الهجمات ضد الإسرائيليين، بمن فيهم المدنيون الإسرائيليون، داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة. بيد أنها انخرطت في السنوات الأخيرة في صدامات وهجمات مسلحة ضد أعضاء فتح، ولا سيما في قطاع غزة. كما كانت مسؤولة عن قتل بعض الفلسطينيين ممن اتهموا بـ"التعاون" مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

وخلافاً لأعضاء كتائب الأقصى، فقد ظل أعضاء كتائب القسام وأعضاء حماس بصورة دورية هدفاً للسلطة الفلسطينية وقوات أمنها – ولا سيما في منتصف إلى أواخر عقد التسعينيات. ففي هذه الفترة، اعتقلت السلطة الفلسطينية مئات من مؤيدي كتائب القسام وحماس وأخضعتهم للتعذيب أو لسوء المعاملة والسجن بناء على محاكمات جائرة، أو للاحتجاز لفترات مطولة بلا تهمة أو محاكمة. وبدا أن الاعتبارات السياسية كانت هي الدافع الأساسي وراء هذه الاعتقالات – وقصد بها منع الانشقاق عن السلطة الفلسطينية وكذلك التجاوب مع الضغوط الإسرائيلية والدولية على السلطة الفلسطينية كيما تتحرك ضد الجماعات المسلحة - وليس الرغبة الحقيقية في تقديم مرتكبي الجرائم الخطيرة إلى العدالة. فالسلطة الفلسطينية، ومنذ بدء الانتفاضة في أواخر 2000وحتى استيلاء حماس على السلطة في غزة في منتصف يونيو/حزيران 2007، لم تتخذ أي إجراءات بوجه عام ضد كتائب الأقصى أو كتائب القسام أو أي جماعة مسلحة أخرى قامت بهجمات ضد مدنيين إسرائيليين، مع أن مثل هذه الهجمات ضد المدنيين شكلت انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.


انتشار الأسلحة غير المرخصة – سبب جذري لحالة انعدام حكم القانون

أسهم انتشار الأسلحة النارية والمفرقعات وإساءة استخدامها بلا رادع في تنامي حالة انعدام القانون والأمن إلى حد كبير في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت له آثار كارثية على حياة السكان المدنيين. فلاقى مئات الفلسطينيين، ومن ضمنهم أطفال، مصرعهم على أيدي فلسطينيين آخرين كانوا يستخدمون الأسلحة النارية والمتفجرات، إما عن عمد أو بصورة عرضية، في السنوات الأخيرة.


وسهَّل تواجد الأسلحة النارية والمفرقعات، التي ادعت الجماعات المسلحة أنها للاستعمال بشكل حصري في سياق المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، تأجيج المصادمات المسلحة في قطاع غزة والهجمات في الضفة الغربية، حيث أصبحت هذه الأسلحة تستخدم على نحو متزايد ضد فلسطينيين آخرين، ولا سيما من قبل الجماعات المسلحة لفتح وحماس. وعلى مر السنين، أدت حالة انعدام الأمن المتزايدة، وعدم تحرك قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في وجه مثل هذا العنف، إلى لجوء العديد من الفلسطينيين ممن لا صلة لهم بالجماعات المسلحة إلى حيازة السلاح لحماية أنفسهم. وأجج حصول هؤلاء على الأسلحة النارية بدوره العنف في صفوف المجتمع الفلسطيني وفاقم من نتائج المواجهات، حيث أصبحت الخلافات الصغيرة بين الجيران كثيراً ما تتصاعد لتتحول إلى معارك بالأسلحة لفترات طويلة تهدد بالخطر حياة سكان الحي بأسره.


ويقضي قانون رقم (2) لسنة 1998 بشأن الاسلحة الناريه وال

u1584?خائربأنه لا يجوز لأحد حيازة السلاح الناري ما لم يكن قد حصل على ترخيص بذلك من وزارة الداخلية (المادتان 2و3)؛ وبأنه يجوز لأي شخص بلغ سن 21سنة حيازة السلاح الناري وحمله (المادة 5.أ)؛ وبأنه لا يجوز لأي شخص حيازة أكثر من قطعة سلاح ناري واحدة (المادة 11)، وبأنه لا يجوز حمل الأسلحة النارية في الأماكن العامة، أو أثناء المؤتمرات أو الاجتماعات أو الاحتفالات أو حفلات الأعراس؛ وبأنه من المحظور حظراً مطلقاً الاستعراض (المباهاة) بالأسلحة النارية (المادة 14).


أما في الممارسة العملية، فنادراً ما وجد هذا القانون سبيلاً إلى التطبيق. فالكبار، وحتى الأطفال، يحملون الأسلحة النارية غير المرخصة ويستخدمونها بصورة روتينية في جميع الأماكن، بما في ذلك في المستشفيات والمدارس. وكثيراً ما كانت الشوارع المكتظة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية ساحة للمعارك بالأسلحة بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن المتناحرة أو العائلات المتشاحنة، ناهيك عن الأفراد المسلحين وأفراد قوات الأمن الذين كثيراً ما يطلقون الرصاص الحي في الأماكن العامة المزدحمة للاحتفال أو الاحتجاج، أو ببساطة لاستعراض أسلحتهم والمباهاة بها. ومثل هذا الانتشار للأسلحة غير مبرر ويمثل تهديداً حقيقياً مستمراً للحقوق الإنسانية للعديد من الفلسطينيين.


5. الانتهاكات في قطاع غزة


القتل غير المشروع والاختطاف

تصيَّد مسلحو حماس أعضاء في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وفي كتائب الأقصى سواء أثناء المصادمات التي انتهت بسيطرة حماس بحكم الأمر الواقع على قطاع غزة أو بعدها، واتهمت هؤلاء بأنهم جزء من مجموعة كانت قد أصدرت الأوامر باغتيالات لأعضاء في حماس ونفذتها.(46)ولقي أعضاء ذوو رتب عالية في هذه المجموعة المستهدفة ممن قبض عليهم أعضاء القوة التنفيذية وكتائب القسام حتفهم، بينما أُطلقت النار في كثير من الأحيان على سيقان الأعضاء الأقل بروزاً أو مساعديهم ضمن سياسة متعمدة ترمي إلى الثأر منهم وترويع الآخرين.


شهادة ف. هـ.، وهو ميكانيكي يعمل مع أمن الرئاسة/القوة 17:

"في ساعة متأخرة من صباح الأحد 10يونيو/حزيران، حوالي الساعة 10.30 - 11صباحاً، أًُرسلنا أنا وزميلي، محمد سويركي، الذي يعمل طباخاً، لتسليم الطعام إلى زملائنا الذين كانوا في برجالبكري[مبنى سكني مرتفع في مدينة غزة]. إلا أننا ذهبنا إلى المبنى الخطأ بالصدفة، إلى برج الغفري القريب، حيث كانت مجموعة لحماس. وعندما فتحوا لنا الباب أسفل الدرج أبلغناهم أننا من القوة 17فأدخلونا وربطوا أيدينا وعصبوا عيوننا وأخذونا إلى طابق علوي؛ لا أدري إذا كان الطابق الأخير في المبنى أو الذي تحته. ولا أعرف ما إذا كانوا من كتائب القسام أو من القوة التنفيذية، إذ كانوا يلبسون الأسود ومقنعين. وسألوني عن أسماء وأرقام هواتف ضباط في القوة 17، ونوع الأسلحة التي يملكونها وقلت إنني لا أعرف؛ فأنا ميكانيكي ووظيفتي هي إصلاح السيارات، ومحمد طباخ؛ ولا علاقة لنا بالمسائل الأمنية. ثم تركوني بسرعة وذهبوا ليقاتلوا لأنهم تعرضوا لهجوم من قبل القوة 17. وأبقوا علينا أنا ومحمد منفصليْن. وفي حوالي الساعة 4أو 5 بعد الظهر، سمعت صراخاً وعادت مجموعة حماس إلي وأبلغوني أن محمد قد سقط عن السقف. وأعطوني ماء وسمحوا لي بالاعتسال والصلاة. وفي هذه الأثناء، كان بعض أقاربي قد سمعوا وحدث تدخل وأتى أحد الأشخاص لأخذي وسمح لي بالمغادرة. ووجدت جثة محمد في الشارع أسفل المبنى؛ وكانت يداه مقيدتين كما كانت عيناه معصوبتين. كان عمره 26عاماً؛ وكان متزوجاً ولكن من دون أطفال".


بعد انتشار نبأ وفاة محمد سويركي سرت إشاعة بأنه قد ألقي به عن السطح من قبل مسلحين تابعين لحماس، وسرعان ما قام مسلحون مقنعون من فتح بمحاصرة منـزل الدكتور علاء الرفاتي، عميد كلية الأعمال في الجامعةالإسلامية بمدينة غزة، واختطفوا أخاه، محمد الرفاتي، وهو إمام مسجد في الخامسة والثلاثين من العمر ورد أنه من مؤيدي حماس. ووجد بعد ذلك مقتولاً وقد امتلأت جثته بالثقوب الناجمة عن العيارات النارية قرب المجمع الأمني للسلطة الفلسطينية في منطقة أنصار بمدينة غزة.


وفي وقت لاحق من ذاك المساء، اختطف مسلحون حسام أبو قينصعندما كان عائداً إلى بيته من العمل في خان يونس في سيارة تكسي تقاسمها مع آخرين. ووضعه الخاطفون في سيارة جيب، قيل إنها كانت تابعة لأمن الرئاسة/القوة 17، وأخذوه إلى برج مهنا (مبنى سكني مرتفع) في مدينة غزة وألقوا به من على السطح موثوق اليدين. وكانوا قبل ذلك قد أطلقوا النار على رأسه، ولكن من غير المعروف ما إذا كان حياً عندما ألقي به من سطح البناية. وحسام أبو قينص بلّيط في الخامسة والثلاثين ومتزوج وزوجته حامل بطفله الأول، وكان متديناً ولكنه لم يكن، حسبما ذُكر، عضواً في حماس. ويعتقد أن كلا الهجومين تما للثأر لمقتل محمد سويركي.


واندلعت معارك دامت ساعات في الأحياء السكنية حول بيوت الشخصيات القيادية في كتائب الأقصى والأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية وفتح. واستخدمت المقذوفات الصاروخية (الآر بي جيه) وغيرها من الأسلحة الثقيلة بصورة متهورة، ما عرَّض سلامة سكان هذه الأحياء والمارة للخطر. وواجه بعض من شاركوا في الاقتتال وقُبض عليهم القتل بلا محاكمة رغم أنهم استسلموا أو لم يعودوا يشاركون في القتال – بما في ذلك داخل المستشفيات وحولها. وجرى اختطاف آخرين ممن لم يشاركوا في القتال وقتلوا عن سابق تصميم أثناء احتجازهم كرهائن.



شهادة أحد أقرباء جمال أبو الجديان (أبو ماهر)،الأمين العام لفتح في شمال غزة البالغ من العمر 52عاماً، والعقيد في حرس الرئاسة – القوة 17وآمر قيادة كتائب الأقصى في شمال غزة والمقرب من محمد دحلان، الرئيس السابق للأمن الوقائي، والرجل القوي للرئيس عباس في قطاع غزة:


"في حوالي الرابعة من بعد ظهر 11يونيو/حزيران، حاصر مسلحو حماس منـزلنا؛ وهناك ست شقق في المبنى ويعيش فيه نحو 50شخصاً؛ العديد منهم من النساء والأطفال. استولوا على المنـزل المقابل واستخدموه للهجوم على منـزلنا. واستخدموا مقذوفات الآر بي جيه والصواريخ، التي تسببت بكل هذا الدمار والحريق. وجُرح جمال في وجهه بسبب انفجار أحد الصواريخ، كما جُرح أقارب آخرون لنا وأفراد من الحرس. وتمكنا من الخروج من الجهة الخلفية لنذهب إلى مستشفى كمال عدوان القريب. وعندما وصلنا إلى المستشفى، هاجمنا مسلحو حماس هناك. وأطلقوا الرصاص على أبو ماهر عدة مرات في رأسه.(47)ثم اقتادوا 10من الأقارب والحرس [جميعهم من الشبان]إلى الخارج قريباً من المستشفى وأطلقوا النار على سيقانهم جميعاً. وأدى ذلك إلى بتر ساقي كل من شادي أحمد وبسام أبو ركبة؛ كما توجب بتر ساق واحدة من ساقي كل من صامد أبو جديان وعلاء عوده؛ بينما أُصيب آخرون بكسور في أرجلهم نظراً لأن إطلاق النار تم من مسافة قريبة".


وبعد ظهر اليوم نفسه، 11يونيو/حزيران، اندلعت مواجهات مسلحة بين أعضاء في القوة التنفيذية لحماس وأفراد من عشيرة المصري، وهي عشيرة جيدة التسليح ظلت لسنوات عديدة طرفاً في خصومات عائلية دامية. ويرأس العشيرة رئيس المخابرات العامة في قطاع غزة. وجرت الاشتباكات عند المجمع السكني للعائلة في بيت حانون، في شمالي قطاع غزة. وبعد مقتل أحد أفراد القوة التنفيذية في المواجهات، قامت القوة التنفيذية بمطاردة أفراد من عشيرة المصري وأمسكت بهم في مستشفى بيت حانون.


شهادة ف. أ.، البالغة من العمر 24 عاماً، وهي أم لخمسة أطفال صغار:


"كان هناك إطلاق نار خارج المستشفى، ثم دخل مسلحو حماس إلى داخل المستشفى للبحث عن أقاربي. وأخذوا عيد، وهو أب لعشرين ولداً، وابنه إبراهيم، البالغ من العمر 21عاماً، وابن أخيه فرج، البالغ من العمر 22عاماً، إلى غرفة منفصلة وأطلقوا عليهم الرصاص فأردوهم قتلى؛ كانت إصاباتهم في الرأس والصدر. وعندما أطلق المسلحون الرصاص وألقوا قنابل خارج المستشفى، أصيبت ابنة عمي، تغريد[وهي في السابعة عشرة وفي الصف الثاني الثانوي]، بجروح خطيرة في وركها وأسفل ظهرها. وقد تظل تعاني من الإعاقة بسبب إصابتها. وعندما وجدت فرج ورأيت أنه قد قتل، ركضت خلف المسلحين وصرخت بهم فقام أحدهم بركلي. والتقطت حجراً لألقيه عليه فأطلق علي النار؛ أصبت في بطني؛ وأنا الآن أتعافى ولكن ذلك يحتاج إلى بعض الوقت".

الأطفال والمارة العزل الذين حاصرتهم الاشتباكات


أثناء الاشتباكات، لاقى عدد من المارة العزل، بمن فيهم أطفال، مصرعهم أو أصيبوا بجروح نتيجة تبادل إطلاق النار. فأصيبت شاهد ثامر مقداد، وهي طفلة تبلغ من العمر 18شهراً، وعمتها، نداء أحمد مقداد، بجروح خطيرة في يومين متتاليين أثناء وجودهما في شقتهما بالطابق الرابع من مشروع إسكان المجوسي في مدينة غزة إثر اندلاع اشتباكات مسلحة متهورة حول بيت الناطق باسم فتح، ماهر مقداد، بين مسلحين في حماس وفتح.


شهادة جدة شهد:

"في 13يونيو/حزيران وفي الساعة السادسة مساء، كانت شهد في هذه الغرفة مع أمها؛ وكانتا جالستين؛ ثم طلبت شهد من أمها شيئاً حلواً[حبة] ونهضت والدتها لتحضر لها قطعة حلوى من الخزانة، بينما ظلت شهد واقفة في وسط الغرفة. وفي تلك اللحظة دخلت رصاصة عبر النافذة وأصابت شهد في رأسها. ضربتها الرصاصة بجانب عينها اليسرى وخرجت من مؤخرة رأسها. ففقدت عينها اليسرى وهي لا تزال في حالة خطيرة. فهي لا تتكلم أو تتحرك حتى الآن؛ ولا نعرف ما إذا كانت ستنجو بروحها. وفي التاسعة من صباح اليوم التالي كانت نداء في الغرفة نفسها عندما دخلت رصاصة من النافذة نفسها وأصابتها أسفل ظهرها. وهي الآن تستعيد عافيتها".

ومن غير الواضح ما إذا كانت الطلقات التي أصابت شهد ونداء رصاصات طائشة نتيجة الاشتباكات أم أنها نتيجة استهداف للشقة، ربما عن طريق الخطأ أو بسبب عمل أفراد آخرين في العائلة مع قوات الأمن.


وفي الوقت نفسه، عرَّض العديد من الطلاب أرواحهم للخطر لتقديم امتحانات فاصلة بالنسبة لهم بدأت في 11 يونيو/حزيران، حيث كانوا يضطرون إلى عبور نقاط تفتيش أقامها المسلحون ومناطق تحتدم فيها المواجهات المسلحة. وبالنسبة للبعض، كان ثمن ذلك حياتهم.


شهادة أحد أقاربعائشة ماهر الشوا، البالغة من العمر 17عاماً


"كانت عائشة في طريقها إلى المدرسة في حافلة صغيرة؛ وكانت في سنتها النهائية من المرحلة الثانونية وكانت علاماتها دائمة عالية جداً والمدرسة مهمة جداً بالنسبة لها. وفي ذلك الصباح، كانت خائفة ولكن كانت لديها رغبة ملحة في أن لا تغيب عن امتحاناتها؛ فذهبت. كانت الحافلة الصغيرة في منطقة قريبة من مركز رشادالشوا (في مدينة غزة)، وعندما وصلت إلى زاوية سوق أبو كاس التجاري، أبلغ عضوان في كتائب القسام كانا عند زاوية المبنى سائق الحافلة بأن يتوخي الحذر بسبب وجود قناصين من الأمن الوقائي والأمن الوطني فوق مبنى سوسي في شارع الثلاثيني. وحالما انعطفت الحافلة الصغيرة، اخترقت رصاصة نافذتها قادمة من ارتفاع عال وأصابت عائشة في ظهرها مخترقة أحشاءها وملحقة بها أذىً بالغاً. وتظهر جميع المعلومات التي حصلنا عليها أن الرصاصة أطلقت من على ظهر عمارة سوسي، حيث اتخذت مجموعة تابعة للأمن الوقائي وبعض زملائهم من الأمن الوطني مواقع لهم".


وأصيب موسى أحمد أبو عودة، البالغ من العمر 9سنوات، بجروح مميتة عندما أصابته شظية صاروح انفجر في الشارع القريب من بيته في 13يونيو/حزيران. وأصيبت شقيقته خلود، البالغة من العمر 12عاماً، بجرح في ساقها اليسرى. وكان الطفلان قد حاولا الاستفادة من هدوء في تبادل إطلاق النار للخروج من أجل شراء الحلوى. وقتل عابر طريق آخر في العشرين من العمر ويدعى رائد محمد أبو عبيدفي الانفجار أيضاً بينما أصيب محمد موسى السيسي، البالغ من العمر 13عاماً، في ساقيه. وبحسب أقوال عائلات الضحايا الثلاثة، تم إطلاق الصاروح من مركز المخابرات وكان موجهاً نحو سيارة جيب تابعة للقوة التنفيذية، إلا أن السيارة انعطفت عند زاوية الشارع فانفجر الصاروخ في الشارع. وطبقاً لمصادر أخرى، فإن من المرجح أن مقاتلي حماس هم الذين أطلقوا الصاروخ في اتجاه مركز المخابرات، كما يمكن أيضاً أن تكون الرصاصة الطائشة التي قتلت عائشة ماهر الشوا قد أطلقت من قبل مسلحين تابعين لحماس أيضاً. وفي هاتين الحالتين، كما في حالات أخرى، فإن السلوك المتهور لكلا الجانبين قد انتهى إلى نهاية مأساوية ذهب ضحيتها أشخاص عابرون لا صلة لهم بالمواجهات.


إطلاق النار على المتظاهرين السلميين


تعرضت مسيرة سلمية ضد المواجهات ما بين فتح وحماس وكانت تدعو كلا الجانبين إلى وقف الاقتتال لإطلاق نار في صباح 13يونيو/حزيران في مدينة غزة. ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من تحديد ما إذا كان المتظاهرون قد استُهدفوا عن عمد، أم أنهم كانوا أيضاً ضحايا الاستخدام المتهور للأسلحة الذي اتسمت به المصادمات المسلحة. وكانت المظاهرة من تنظيم الأحزاب اليسارية والمخاتير المحليين والجهاد الإسلامي والوفد المصري في غزة.(48)وانطلقت المظاهرة من حي الشجاعية وواصلت مسيرتها من جانب مبنى البرلمان على طول شارع عمر المختار، حيث تعرضت لإطلاق النار. وقتل اثنان من المتظاهرين بينما جرح 20آخرون، بمن فيهم محمد محمود عدس، الذي ورد لاحقاً أنه فارق الحياة. وأصيبت تغريد صلاح العليا، وهي موظفة تبلغ من العمر 31عاماً، بجروح توفيت على إثرها؛ بينما أصيب شادي تيسير العجلة، وهو طالب علم نفس وناشط سلمي في الثانية والعشرين من العمر، وتوفي بعد يومين.


شهادة والدة شادي تيسير العجلة:


"كان شادي نشيطاً جداً في المجتمع؛ وأراد أن يسهم في بناء مجتمع أفضل وإيجاد حلول سلمية للنـزاعات. وفي العام الماضي، شارك في مظاهرة أخرى في رفح تدعو إلى وضع حد للعنف. وشارك في ورشات عمل وفي تعليم الأطفال. وبعد يومين من وفاته، اتصلت[وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين في الشرق الأدنى] الأونروا لدعوته إلى المشاركة في أنشطة مخيم صيفي للأطفال. أصيب برصاصة في صدره أثناء مساعدته متظاهراً آخر كان قد أصيب".

شهادة والدة تغريد صلاح العليا:

"كانت تغريد تحب فعل الخير دائماً. وكانت قد تلقت دورة في الإسعافات الأولية مؤخراً بسبب الأحداث، حتى تستطيع المساعدة في معالجة الجرحى؛ وكانت قادرة على تقديم المساعدة للطبيب في العيادة في "البحرية"، حيث كانت تعمل كموظفة مكتبية. وفي ذاك الصباح، كانت تشعر بالقلق من المشاركة في المظاهرة، ولكنها كانت مؤمنة بأنها مبادرة جيدة. وأبلغتها أنني كنت سأذهب معها لولا أنني أشعر ببعض التوعك نتيجة عملية جراحية اجريت لعيني مؤخراً. وعندما أصابتها الرصاصة، كانت منحنية على متظاهر آخر أصيب قبلها. ونُقلت إلى مستشفى الشفاء القريب، ولكن صديقتها نقلتها بعد انتظار دام 45 دقيقة دون تلقيها أي علاج في سيارة تكسيإلىمستشفى القدس، إلا أنها فارقت الحياة بعد فترةوجيزةمن وصولها المستشفى".


وأصيب الطالبان الجامعيان موشقيقه أكلاهما في المظاهرة. فأصيب م، وهو في التاسعة عشرة من العمر، في ساقه اليمنى وبكسر في قصبة ساقه، بينما تلقى أ، وهو في العشرين من العمر، رصاصة في ظهره. وأبلغا منظمة العفو الدولية أنهما لا يعلمان ما إذا كان مصدر الطلقات هو مسلحي حماس أم مسلحي فتح، أو ما إذا كانت مصوَّبة نحو المتظاهرين أو في اتجاه المسلحين الذين كانوا قريبين من المتظاهرين.(49)


إطلاق النار "العقابي" ينشر الخوف

إلى جانب عمليات الاغتيال والاختطاف، هاجمت قوات الأمن التابعة لفتح وحماس ومسلحوهما أعضاء ومؤيدي الطرف الآخر بغرض الانتقام وزرع الخوف. وانتشرت مثل هذه الهجمات على نحو خاص ما بين أواخر 2006ويونيو/حزيران 2007. وأصبح اختطاف الخصوم وإطلاق النار على سيقانهم ممارسة يزداد انتشارها باطراد على أيدي مسلحي فتح وحماس على السواء. وأثناء الموجة الأخيرة من المصادمات المسلحة وبعدها، طيلة شهر يونيو/

حزيران 2007، ارتُكبت هذه الهجمات بصورة أوسع نطاقاً من جانب مسلحي حماس ضد الرهائن والناجين منالمواجهات المسلحة ممن لم يعودوا مشتركين في القتال. وفي وقت سابق من العام، كانت هذه الممارسات كثيراً ما ترتكب على أيدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ومسلحي فتح ضد أعضاء حماس. وفي معظم الحالات التي تقصَّت منظمة العفو الدولية بشأنها، كان إطلاق النار يتم من على مسافة قريبة، ومن الواضح أن ذلك كان عن عمد بقصد إحداث أقصى أذى ممكن عن طريق التسبب بكسور متعددة في عظام قصبة الرجل والفخذ. وفي عدة حالات، كانت الأضرار بالغة إلى حد الاضطرار إلى بتر الأطراف.


شهادة ت أ،وهو في الخامسة والعشرين ويعمل حارساً شخصياً لعمه، رئيس الشعبة الإقليمية للأمن الوقائي:

"صباح الثلاثاء 12يونيو/حزيران 2007، كنت في طريقي من منـزل شقيقتي، حيث قضيت الليلة، إلى منـزل أهلي مع قريب لي أرسلته والدتي كي يصطحبني لأنها كانت تريد مني أن أذهب إلى البيت. وكنت أحمل بندقية كلاشنيكوف وقنبلة يدوية. وعندما وصلنا مفترق طرق القرارة (في جنوب قطاع غزة) أوقفت مجموعة من أعضاء كتائب القسام، 20 مسلحاً أو نحو ذلك، سيارتنا وقالوا لي: "أنت حرس فلان". وطلبوا مني مغادرة السيارة وجعلوني أفرد ساقيّ وقالوا: "هذه مجرد البداية مع الأمن الوقائي". ضربوني في ذلك المكان ثم أبعدوني عن جانب الطريق إلى حقل مجاور وجعلوني أستلقي ووجهي إلى أسفل وسألوني عن اسمي ووظيفتي وعمن أعمل عنده، وما إلى ذلك. ثم وضعوني في سيارة، وكانت سوبارو بيضاء، وعصبوا عيني حالما أصبحت داخل السيارة. أخذوني إلى بيت أو مبنى، فلم أكن أرى. وهناك سألوني عن سبب توقفي عن العمل مع جهاز الأمن الوطني وانتقالي إلى الأمن الوقائي. وسألوني عما إذا كانت لدي أسلحة أخرى فأجبت بالنفي، ولكنهم ظلوا يصرون على أن لدي أسلحة أخرى. وسألوني عن طبيعة عمل رئيسي وقلت إنني لا أعرف، ولكنهم لم يصدقوني وظلوا يلِّحون. أرادوا أن يعرفوا مكان قاذفات الآر بي جيه والصواريخ التي استخدمت في اليوم السابق في المواجهات عند بيت رئيسي. وقلت إنني لا أعرف. وراحوا يقرصون إبطيَّ بزرادية وكان ذلك مؤلماً جداً. وطلب أحدهم من الآخرين قتلي. ثم وضعوني في السيارة مجدداً ووضعوا ماسورة الكلاشنيكوف في فمي وتظاهروا بأنهم يطلقون النار. وبعد ذلك أخرجوني من السيارة ونزعوا عصابة العينين؛ وكنا مقابل مستشفى ناصر في خان يونس. وضعوني على الأرض ووجهي إلى أسفل وأطلقوا الرصاص مرتين على ساقي اليمنى، واحده في بطة الرجل والأخرى في فخذي. وبينما كانوا على وشك إطلاق النار على ساقي الأخرى ألقت امرأة كانت مارة وتحمل طفلاً بنفسها على ساقي اليسري وقالت لهم إن عليهم أن يقتلوها قبل أن يطلقوا النار على ساقي اليسري. كانت في غاية الشجاعة وأنقذتني. وبعد يومين من سيطرة حماس على غزة (في 15أو 16يونيو/حزيران)، بعثوا بورقة إلي في البيت يسألونني عن الأسلحة ويطلبون مني جلب أية أسلحة إلى مسجد عبد الله بن بن مسعود في القرارة. ولم يكن بإمكاني التحرك، ولذا ذهب والدي بدلاً مني وواجههم بما فعل مسلحوهم معي فاعتذروا. ومنذ ذلك الوقت لم يحاولوا إزعاجي في بيتي، ولم أغادر المنـزل؛ ولن يكون بإمكاني المشي لأسابيع".


شهادة محمود أبو كرش، البالغ من العمر 23عاماً وكان يعمل في مطعم للعائلة:


"مساء الجمعة 18مايو/أيار2007، وفي حوالي الساعة الخامسة، كنت مع أخي محمد. وهو في السادسة والعشرين ومتزوج وله ابنة صغيرة وكان يعمل في مطعم للعائلة. كنا عائديْن في طريقنا من مستشفى الشفاء (في مدينة غزة) وذاهبين إلى مستشفى القدس لزيارة أطفال مصابين بالسرطان، ضمن نشاط نقوم بها كعمل خيري. وكنا في سيارة تكسي في شارع مجمع الوزراء عندما أوقفتنا مجموعة من أعضاء الأمن الوقائي وحرس الرئاسة. كانوا في سيارتي جيب فيلوكس بنوافذ قاتمة ومقنعين ومسلحين ببنادق كلاشنيكوف وببنادق رشاشة. كان هناك نحو 20منهم ووصل آخرون بعد فترة وجيزة. سألونا عن اسم عائلتنا ثم اقتادونا إلى مركز حرس الرئاسة أولاً. تعرضنا هناك للضرب لبعض الوقت؛ وضربوا رأسينا بالحائط ووضعوهما في جرن المرحاض. كانوا يقولون لأخي: "أكفر" [يأمرونه بأن يشتم العلي القدير ويكفر به]فرفض. ثم أخذونا إلى مركز الأمن الوقائي في تل الهوى وعصبوا أعيننا، ولكنني تمكنت من أن أرى بعض الشيء من تحت العصابة. ووُضعنا هناك في زنزانتين منفصلتين؛ وكان المكان في غاية القذارة. وفي اليوم التالي أخرجونا كلينا في الشمس لفترة قصيرة ولكن أبلغونا بأنهم سيطلقون علينا النار إذا تكلمنا مع بعضنا البعض. وكانوا قد ضربوا أخي بمجرفة على رأسه وضربوا رأسه بالباب المعدني وكان ينـزف، لم يسمحوابه بأن يغتسل. قالوا إنهم سوف يقتلون واحداً منا ويطلقون النار على ساقي الآخر، وعلينا أن نختار؛ قلت إن عليهم أن يقتلوني أنا لأن لأخي طفلاً وأنا لست متزوجاً. وفي اليوم التالي، يوم الأحد، وضعونا كلينا في صندوق سيارة وكنا ما زلنا معصوبي العينين وأيدينا مقيدة. وعند إحدى نقاط التفتيش التابعة لهم سمعناهم يقولون إنهم سيقتلوننا. وعندما توقفوا وأخرجونا من صندوق السيارة طلبوا منا أن نمشي، ولكن أخي لم يستطع المشي؛ بدا أن ساقية قد كسرتا. وراحوا يطلقون الرصاص من حولنا وفي اتجاهنا. وانزلقت إحدى الطلقات وكسرت إحدى أسناني الأمامية، ثم أصبت برصاصة عالية السرعة في بطة ساقي اليسرى، بينما أصابتني أخرى في [ظاهر]فخذي اليسرى، ورابعة في ركبتى اليسرى وأخرى في قدمي اليمنى، واستقرت ثلاثة في قصبة رجلي اليسرى؛ ولم يكن بالإمكان إخراج هذه الثلاثة الأخيرة، وستبقى في الداخل. وتلقى أخي خمس رصاصات على الأقل في كل من ساقيه؛ وفي المستشفى، لم يتمكنوا من معرفة عدد الرصاصات التي اخترقت ساقه اليسرى على وجه الدقة لأنه لم يتبق في واقع الحال أي لحم وكانت العظام مشظاة. وبعد قضاء بضعة أيام في مستشفى الشفاء، نُقل إلى مشفى في مصر وما زال هناك. وأثناء احتجازنا، اتصل والدي بهاتفي النقال ورد الأمن الوقائي بأنهم من كتائب القسام، لكن والدي عرف أن ذلك كان كذباً لأن سائق التكسي كان قد أُخذ إلى مركز الحرس الرئاسي وأطلق سراحه لاحقاً وحذَّر أهلي. أعتقد أنهم فعلوا ذلك بنا بدافع الثأر منا لأن أحد أقاربنا قتل عضواً في الأمنالوقائي".


شهادة س أ، ضابط في قوات الأمن الوطني، القوة الخاصة، العمر 21عاما:

"ذهبت مع مجموعة من الزملاء إلى مقر قيادة الأمن الوقائي في تل الهوى (في مدينة غزة) لمساعدتهم على الدفاع عن الموقع، الذي كان يتعرض لهجوم من حماس. وعندما سقط الموقع في أيدي مسلحي حماس، في 14يونيو/حزيران، دخلوه واستسلم معظمنا؛ ولم يواصل إطلاق النار سوى البعض. كنا حوالي 25في مجملنا. وضعونا وظهرنا إلى الحائط وطلب�608?ا منا التقدم إلى الأمام وفتحوا علينا النار، مصوبين بنادقهم على سيقاننا، ولكن عندما راح الأشخاص يسقطون، كانت الرصاصات تصيبهم في أجزاء أخرى من أجسامهم. رأيت زملائي وهم يسقطون أرضاً؛ ولم أعرف من فارق الحياة ومن جُرح؛ كانت مجزرة. ثم غادر المسلحون المكان وبقينا هناك، ولا أعرف لِكم من الوقت، إلى أن وصلتنا النجدة ونُقلنا إلى المستشفى. علمت أن 17من زملائي توفوا وأن جميع الباقين جرحوا".


أصيب س أ بثلاث رصاصات في ساقه اليسرى، فوق الركبة بقليل. وأصابت إحدى الرصاصات الثلاث شرياناً وكان لا بد من قطع ساقه. ومع ازدياد حالته الصحية سوءاً، نُقل إلى مستشفى في إسرائيل. وأبلغ منظمة العفو الدولية بأنه يعتزم العودة إلى غزة حالما يشفى: "لست خائفاً من العودة إلى غزة. فقد نلت عقابي وانتهى، فما الذي يستطيعون فعله معي؟"


شهادة أحد أفراد عائلة عاشور:


"في 16مايو/أيار، وفي الساعة السادسة صباحاً، قدِمت مجموعة من 40عضواً من أعضاء الأمن الوقائي إلى البيت؛ وكان معظمهم بزيهم الرسمي بينما وضع بعضهم الأقنعة؛ وكانوا جميعاً مسلحين. سألوا عن ابننا علي وقلنا إنهم نائم في الطابق العلوي. فذهبوا إليه وأخذوا علي، وهو طالب جامعة في السنة الثانية ويدرس علم الاجتماع ويبلغ من العمر 21عاماً، كما أخذوا ابننا الآخر محمد، الذي لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة بعد؛ وهو في سنته الأخيرة في المدرسة الثانوية. واقتادوهما إلى المقر الرئيسي للأمن الوقائي القريب منا. وأطلق سراح محمد ظهر اليوم التالي ولكنه تعرض للضرب المبرح؛ وكانت الجروح والكدمات تملأ وجهه ورأسه وذراعيه وساقيه وظهره عندما عاد، وكانت الإصابات في ظهره هي الأسوأ؛ فلم يتمكن من الحركة لأيام. وبينما كانا محتجزين، اتصلنا بالجميع، بما في ذلك بأشخاص رفيعي المستوى في الأمن الوقائي، طالبين منهم التدخل".


يضيف علي عاشور:

"حالما أصبحنا داخل مقر قيادة الأمن الوقائي ضربونا بالكلاشنيكوفات على رأسينا؛ ثم أطلقوا الرصاص على ساقي اليمنى، فوق الركبة بقليل، من مسافة متر ونصف المتر؛ فسقطت على الأرض. نقلوني إلى غرفة أخرى وعصبوا عيني وألقوا بي على الأرض ووجهي إلى أسفل، واستجوبوني لساعات؛ وكانوا يريدون مني ذكر أسماء مسلحي حماس، ولكنني لم أكن أعرف أياً منها وظلوا يضربونني على ساقي التي أطلقوا عليها النار. ثم انهرت وجاءت ممرضة من مستشفى القدس قالت إنه ينبغي أن يأخذوني إلى المستشفى فوراً ففعلوا ذلك. وفي المستشفى، نزعوا عصابة عيني. وكان المستشفى يعج بالرجال المسلحين، العديد منهم من الأمن الوقائي. وقال الطبيب الذي فحص ساقي إن الحالة خطيرة جداً وإنه ينبغي نقلي إلى مستشفى الشفاء. لم يرغبوا في إدخالي وأرسلوني إلى هناك في سيارة إسعاف".


شهادة ن أ، 30 عاماً، حارس شخصي للقائد في فتح ماهر مقداد:

"في 26مايو/أيار، وفي حوالي الساعة 7.15صباحاً، أخذتُ سيارة تكسي شراكة للذهاب إلى عملي كالمعتاد، وفي شارع الجلاء (في مدينة غزة) اعترضت سيارة ميتسوبيشي بيضاء طريقنا ونزل منها أربعة رجال مسلحين ومقنعين؛ وكان ثلاثة منهم يحملون بنادق كلاشنيكوف بينما كان الرابع يحمل مسدساً، ولكن لا أعرف ما إذا كانوا تابعين للقوة التنفيذية أم لكتائب القسام. كنت أجلس في المقعد الخلفي وتوجهوا إلي مباشرة وقالوا: صباح الخير يا ن، هل تسمح بالنـزول من السيارة. وعندما نزلت وضعوا حشروا رأسي في كيس ووضعوني في سيارتهم دون أن يقولوا شيئاً لي أو للأشخاص الذين كانوا في التكسي معي. وطلبوا مني أن أعطيهم كل ما معي وأعطيتهم هاتفي و8 شيكل (دولارين أمريكيين). وقالوا: 'كيف حال ماهر مقداد وحرسه؟ لا تقلق، ليس لدينا شيئاً ضدك، أنت من الأشخاص المحترمين وسوف ندعك تذهب قريباً.'وبعد وهلة، توقفنا في طريق النفق وخرجنا من السيارة. قالوا 'إننا أمام بيتك، ستدخل البيت وتغلق الباب، ولا تقل أي شيء ولن يحدث لك شيء'. ثم أمسك بي اثنان منهم، واحد من كل جانب، وأطلق الثالث النار مرتين على ساقي اليسرى ومرة واحدة على ساقي اليمنى. ثم نزعوا الكيس عن رأسي وغادروا دون أن يقولوا كلمة واحدة، وتركوني على الأرض. احتفظوا بهاتفي الذي كان يضم نحو 200 رقم هاتف. ولم يذهب أي من حرس ماهر مقداد الآخرين إلى أي مكان منذ ما قبل ذلك في مايو/أيار، عندما تكثفت الاشتباكات؛ وقتل أحدهم في وقت لاحق بينما جرح آخر أثناء المواجهات. وبعد ذلك غادر ماهر مقداد غزة".


شهادة الدكتور سمير مسلَّم الأخرس، العمر 49، أب لسبعة أطفال:


"أنا طبيب أسنان وأعمل مديراً إدارياً في الرعاية الأساسية للأسنان في عيادة حكومية في خان يونس (في جنوب قطاع غزة)، ولدي كذلك عيادة خاصة أعمل فيها مساءً. وفي 29 يناير/كانون الثاني 2007، كنت في إجازة في ذلك اليوم وذهبت إلى مركز خان يونس. كنت أقود سيارتي واقتربت من مركز القوة 17؛ ولم تكن هناك نقطة تفتيش ولكن كانت هناك مجموعة من الرجال يقفون قرب باب المركز، بعضهم مقنَّع، ويرتدون زي المخابرات ومسلحون. وكانت هناك عدة سيارات أمام سيارتي، ولكنهم أتوا إلي مباشرة. فقلت لهم: 'أنا طبيب، ماذا تريدون مني؟'فطلب مني أحد الرجال المقنعين أن أنزل من السيارة فقلت إنني لن أنزل. فتحوا الباب وحاولوا إخراجي بالقوة وأزاحوا يدي عن عجلة القيادة فتحركت السيارة قليلاً إلى الأمام [أوتوماتيك]. فأطلقوا النار على باطن ساقي، تحت الركبتين بقليل، وعلى الجزء السفلي من ظهري. وانفجرت تلك الرصاصة في بطني وسببت لي تلفاً داخلياً. تركوني هناك، ونقلتني سيارة مارة إلى المستشفى. وتوقع الأطباء أن لا أنجو لأن التمزق الداخلي في معدتي كان خطيراً جداً. ولم أتشاف بعد. وجاءت الشرطة المدنية لأخذ أقوالي والتقاط صورة ل

u1604?سيارة، ولكن لم يقوموا بأية متابعة البتة".


إسكات الأصوات المنشقة

شهدت الأيام والأسابيع التي تلت استيلاء حماس على المرافق الأمنية للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة، في أواسط يونيو/حزيران 2007، تحسناً ملحوظاً في الحالة الأمنية العامة في المنطقة. فانتهت الاشتباكات المسلحة، ولم يعد المسلحون المقنعون يملأون الشوارع، بينما تراجع التهديد بالاختطاف، الذي ظل حاضراً فيما مضى طوال الوقت. وأمَّنت حماس إطلاق سراح اثنين من الرهائن طال احتجازهما:(50) مراسل البي بي سي ألان جونستون، وهو مواطن بريطاني اختطف قبل ذلك بأربعة أشهر على أيدي عشيرة دغمش وجماعة جيش الإسلام، وسليم صبرة، وهو مهندس فلسطيني من قطاع غزة كان محتجزاً لأكثر من سنة لدى أفراد من عشيرة أبو خوصة، التي كانت تطالب بفدية كبيرة لإطلاق سراحه، وكان أحد أبنائها موظفاً كبيراً في حكومة السلطة الفلسطينية. وأفرج عن كليهما دون أن يلحق بأي منهما أذى.


بيد أنه حل محل حالة انعدام حكم القانون التي سادت فيما سبق في غزة تزايد للقمع مع مواصلة القوة التنفيذية وكتائب القسام استهداف أعضاء قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وكتائب الأقصى، وكذلك ناشطين آخرين في فتح. وفي البداية، بدا أن هذه الهجمات تستهدف أفراداً تحمل حماس ضغينة ضدهم على نحو خاص، وكذلك مصادرة الأسلحة. بيد أن القوة التنفيذية وكتائب القسام بدأت خلال أسابيع في تفريق المظاهرات والتجمعات التي كان يعقدها نشطاء فتح. واستخدمتا القوة غير الضرورية لتفريق الاحتجاجات التي نظمها ناشطو فتح، كما قامت بالإغارة على حفلات الأعراس أو غيرها من الاحتفالات التي زُعم أن المشاركين فيها كانوا يهتفون لفتح أو لكتائب الأقصى. وأخضع الناس للمضايقة لعرضهم أعلام فتح على سقوف منازلهم أو لوجود صور أو لقطات فيديو علىهواتفهم النقالة لقادة من فتح و/أو كتائب الأقصى، ولا سيما لسميح المدهون. وتعرض الصحفيون الذين كانوايغطون مظاهرات الاحتجاج وغيرها من الأحداث للهجمات في عدة مناسبات فأُتلفت أشرطة التصوير أو الأجهزة أو دمرت لمنع نقل الهجمات العنيفة على المتظاهرين وعمليات اعتقالهم. وزعم الناطقون باسم حماس أن ناشطي فتح استخدموا العنف ضد القوة التنفيذية أثناء المظاهرات، إلا أن الأدلة تشير إلى أن المظاهرات كانت سلمية، إلا فيما يتعلق ببعض المشاحنات الثانوية، وأن هجمات القوة التنفيذية وكتائب القسام لم يكن لها ما يبررها وقصد بها، كما زُعم، إسكات المعارضة لحماس ومنع نقل وسائل الإعلام لأعمال القمع.

وجرى اعتقال مئات الناشطين، معظمهم من أعضاء فتح، لمشاركتهم في احتجاجات ومظاهرات لم تتسم بالعنف. وأطلق سراح معظمهم خلال 24إلى 48ساعة، ولكن طُلب منهم كشرط لذلك توقيع تعهدات بعدم المشاركة في المظاهرات أو في أنشطة الاحتجاج. وفي العديد من الحالات، طلبت القوة التنفيذية من المعتقلين دفع غرامات أو اشترطت دفع مبالغ تصل إلى 4,000دولار أمريكي أو التعهد بدفعها للإفراج عنهم إذا ما شاركوا في أنشطة احتجاج من هذا القبيلفي المستقبل. وكانت قوات أمن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية هي أول من ابتدع مثل هذه الشروط ابتداء في يونيو/حزيران 2007، واقتفت القوة التنفيذية أثرها في غزة لاحقاً.


ووقع أكثر الهجمات خطورة في 7سبتمبر/أيلول عندما قامت القوة التنفيذية وكتائب القسام بتفريق تجمعات كبيرة من الأشخاص الذين كانوا يؤدون فريضة الجمعة في مناطق خلوية في قطاع غزة على إثر دعوة من فتح وفصائل أخرى في منظمة التحرير الفلسطينية إلى أداء الصلوات خارج المساجد احتجاجاً على ما زُعم من قيام حماس بالدعاية لنفسها فيها وسيطرتها عليها. فهوجم المتظاهرون والصحفيون الذين كانوا يغطون الحادثة بالعصي وبأعقاب البنادق، ما خلف عشرات من الجرحى. وأطلق أعضاء القوة التنفيذية الرصاص في الهواء، فيما بدا أنه محاولة لتخويف الحاضرين. واستُهدف الصحفيون أثناء تصويرهم أشرطة فيديو أو التقاطهم الصور أو إجرائهم مقابلات مع ناشطين في فتح؛ وصودرت أشرطة البعض بينما لحقت أضرار بمعداتهم. ومع أن بعض المتظاهرين ألقوا بالحجارة على القوة التنفيذية، حسبما ذُكر، إلا أن التجمعات كانت سلمية في معظمها ولم يكن مستوى القوة الذي استخدمته القوة التنفيذية ضرورياً وكان مفرطاً في بعض الأحيان. بيد أنه وعلى الرغم من جهود القوة التنفيذية لمنع وسائل الإعلام من نقل تدابيرها القمعية، إلا أن هذه تم الترويج لها على نطاق واسع سواء في وسائل الإعلام الإخبارية للسلطة الفلسطينية أو من جانب قنوات أجنبية. وفي 9 سبتمبر/أيلول، أعرب رئيس الوزراء المقال، إسماعيل هنية، علانية عن أسفه للهجمات على الصحفيين التي قامت بها القوة التنفيذية وأكد أنه قد أصدر أوامره بفتح تحقيق في الحوادث. وتعهد مسؤولون آخرون في حماس بالمثل بالالتزام بضمان حرية الصحافة.(51) إلا أنه لم يعرف حتى الآن عن اتخاذ أية تدابير للتحقيق في الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها.


وسعت حماس إلى تبرير قمعها باتهام ناشطي فتح بالمسؤولية عن هجمات بالقنابل وإطلاق النار على أعضاء في حماس تزايدت منذ أغسطس/آب 2007. وعلى سبيل المثل، انفجرت في 1سبتمبر/أيلول قنبلة في سيارة عضو حماس فراس تيسير أبو عيدةقرب منـزله في مدينة غزة؛ ولم ينجم عن الإنفجار أية إصابات. وخلال ليلة 3 – 4سبتمبر/أيلول، انفجرت قنبلة أخرى في سيارة طلال الدهشان، عضو القوة التنفيذية ومساعد وزير الخارجية السابق في حكومة حماس، خارج منـزله في مدينة غزة. وأدى الانفجار إلى إلحاق أضرار بعدة بيوت مجاورة، وإلى جرح بائع متجول في رأسه، ولكن طلال الدهشان نجا من الإصابة. وفي اليوم نفسه، انفجرت قنبلة خارج مبنى قيد الإنشاء في رفح.


وبالإضافة إلى الهجمات بالقنابل، تزايدت عمليات الاختطاف والقتل المتعمد أي�590?اً على أيدي مسلحين غير معروفين منذ أغسطس/آب، واستهدفت هذه أعضاء في حماس وفي فتح وآخرين، مع أنها لم تكن بالوتيرة نفسها التي سادت في النصف الأول من 2007. وفي 6سبتمبر/أيلول، اختطف مسلحون غير معروفون طرزانوإبراهيم دُغمش، وهما عضوان في الأمن الوقائي وفي عشيرة دغمش كانا متورطين في اختطاف مراسل البي بي سي، ألان جونستون. وتمكن إبراهيم دغمش من الفرار وأطلق عليه الرصاص فأصيب في ظهره، بينما عُثر على جثة طرزان دغمش لاحقاً جنوبي مدينة غزة وقد استقرت رصاصة في رأسه. وأثارت هذه الهجمات المخاوف بأن حالة انعدام الأمن على نطاق واسع التي سادت في قطاع غزة قبل يونيو/حزيران 2007ربما تتكرر.


ووقعت مواجهات مسلحة بصورة متكررة أيضاً عندما حاول أعضاء في القوة التنفيذية القيام باعتقالات، ما أدى في بعض الحالات إلى إصابة متفرجين عزل بجروح نتيجة لما يبدو أنه استخدام متهور للقوة من جانب القوة التنفيذية. وطبقاً لمدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، فإنه "لا يجوز للموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين استعمال القوة إلا في حالة الضرورة القصوى وفي الحدود اللازمة لأداء واجبهم". وفضلاً عن ذلك، وطبقاً لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين لسنة 1990، فإنه "لا يجوز استخدام الأسلحة النارية القاتلة عن قصد إلا عندما يتعذر تماماً تجنبها من أجل حماية الأرواح". وقد تجاهلت القوة التنفيذية هذه المعايير، ولم تفعل قيادة حماس شيئاً لوضع حد لمثل هذا السلوك العنيف والخطير؛ وقد شجع امتناعها عن اتخاذ التدابير المناسبة، في نهاية الأمر، على استمرار مثل هذه الانتهاكات.


الاعتقال التعسفي والاختطاف والتعذيب على أيدي قوات حماس

منذ منتصف يونيو/حزيران، اعتقلت القوة التنفيذية ما يربو على 1,000شخص في سياق حملة اعتقالات بدوافع سياسية.(52)وفي بعض الحالات، قامت كتائب القسام أيضاً باختطاف الأشخاص واعتقالهم، جنباً إلى جنب مع القوة التنفيذية أو بمفردها. وأفرج عن معظم من جرى اعتقالهم بعد ساعات أو أيام قليلة من توقيفهم، ولكن البعض احتجزوا لمدد أطول – وفي بعض الحالات لأكثر من أسبوعين، وفق ما ذُكر.


وكما ورد في الجزء 4، فإن القوة التنفيذية ليست مخولة قانوناً بتوقيف الأشخاص واحتجازهم، ولذا فإن أي اعتقال قامت به هذه القوة هو اعتقال تعسفي.ويعتبر حظر الاعتقال التعسفي عُرفاً من أعراف القانون الدولي العرفي (كما جرى تفصيله في الجزء3).


زد على ذلك، فإن قوات حماس قد احتجزت معتقلين في ما لا يقل عن 23 مكاناً في قطاع غزة معظمها مرافق أمنية للسلطة الفلسطينية ليس مسموحاً بحكم القانون استخدامها كمرافق للاعتقال، ما يشكل خرقاً للقانون الذي ينظم شؤون السجون ومراكز الاعتقال.(53) وبإقدامها على ذلك، فإن إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس في غزة تواصل الممارسة التي طال عليها الزمن لقوات أمن السلطة الفلسطينية، التي ظلت بالمثل تخرق القانون حتى يونيو/حزيران 2007 باحتجاز المعتقلين في جملة مواقع غير مرخص لها بذلك.


وطبقاً لمعلومات تلقتها منظمة العفو الدولية من معتقلين أفرج عنهم ومن عائلات معتقلين، لم يُسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة أماكن الاعتقال في مناطق شتى من قطاع غزة منذ الأيام الأولى لسيطرة حماس على غزة. كما لم يسمح للهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن وغيرها من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بزيارة مراكز الاعتقال(54).


وذكر معتقلون سابقون أدلوا بشهاداتهم لمنظمة العفو الدولية أنهم تعرضوا للتعذيب ولغيره من ضروب سوء المعاملة أثناء احتجازهم، ومثل هذه الانتهاكات شائعة، حيث يتعرض المعتقلون بصورة روتينية للضرب المبرح. وقد أَبلغت

الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن ومنظمات فلسطينية أخرى لحقوق الإنسان، ومن ضمنها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان و"الميزان" و"الضمير"، جميعاً عن تلقي شكاوى بشأن التعرض للضرب والتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة من معتقلين سابقين ما زالت آثار الجروح والكدمات بادية عليهم بما يتماشى مع مزاعمهم.

كما جرى الإبلاغ أيضاً عن أشكال أخرى من التعذيب أو سوء المعاملة، بما في ذلك حلق رؤوس المعتقلين بالقوة وربط المعتقلين في أوضاع مؤلمة (الشبح)، وتهديدهم، بما في ذلك بقتلهم أو بإطلاق النار على سيقانهم.


شهادةأ ب، البالغ من العمر 21 عاماً:

"اعتقلتني القوة التنفيذية في 26 يونيو/حزيران في خان يونس. وكانوا عدة أشخاص في سيارتيْ جيب زرقاوتين. أخذوني إلى مقرهم الرئيسي في مستوطنة غوش قطيف الإسرائيلية السابقة قرب حي التفاح. وهناك ضربوني ضرباً شديداً على كل أنحاء جسمي. وفي اليوم الأول، ضربوني فقط ولم يسألوني أي أسئلة. ثم سألوني عن عملي وأبلغتهم بأنني أعمل في الشرطة. فضربوني بشدة أكبر إلى درجة أنهم اضطروا لأخذي إلى المستشفى في اليوم التالي للمعالجة. وجاء الصليب الأحمر لزيارة المركز في 27 يونيو/حزيران ولكنني كنت في غرفة أخرى ولم أرهم. وأفرجوا عني بعد ثلاثة أيام. أنزلوني قريباً من بيتي في منتصف الليل. وما زلت لا أعلم لماذا اعتقلوني وضربوني. وكان هناك تسعة آخرون محتجزين في المكان نفسه، معظمهم في قضايا عادية؛ كان أحدهم متهماً بسرقة هاتف نقال وآخر لأنهم كانوا يريدون منه معلومات عن أخيه المتهم بقتل أحد الأشخاص في نزاع بين عائلتين".


اعتُقل بعض الأشخاص وأُخضعوا للتعذيب لإجبارهم على تسليم أسلحتهم. فبعد سيطرتها على قطاع غزة مباشرة، أعلنت حماس أن القوة التنفيذية سوف تصادر كل الأسلحة "غير المرخصة" من الشوارع وتجمع كل الأسلحة المستخدمة في الاقتتال الفلسطيني الد�?خلي وفي حكم العصابات، ولكنها لن تصادر الأسلحة "الشخصية" (التي يمكن أن يحتفظ بها الأشخاص لأغراض الدفاع عن النفس) أو الأسلحة المستخدمة "لمقاومة الاحتلال". (55)


شهادة طارق محمد عصفور، العمر 43 عاماً، شرطي سابق وأب لـ 11 طفلاً، من خان يونس:

"جاءت القوة التنفيذية وكتائب القسام إلى بيتي في نهاية يونيو/حزيران وطلبوا مني أن أرتدي ملابسي وأخذوني إلى أحد الحقول وربطوا يدي خلف ظهري. لم يكن أي منهم مقنعاً. ضربوني لست ساعات بكيبلات معدنية وبالعصي وبمجرفة. وكانوا يضربونني لمدة 10 دقائق في كل مرة ويسألونني: 'دحلان ومدهون، أين هم الآن، لن يستطيعوا مساعدتك الآن'. قالوا إنني قد أطلقت النار على أشخاص من حماس وقتلتهم وقلت إن هذا ليس صحيحاً. وظلوا يسألونني عن أسلحة أخي وأبلغتهم أنها ليست عندي. كان أخي في كتائب شهداء الأقصى وكان قد غادر غزة سابقاً. وفي النهاية وضعوا ستة مسامير في ساقي (قصبة رجلي) ودقوها بشاكوش. اعترفت بأن لدي بندقية واحدة دفنتها في الحديقة قريباً من بيت الكلب وناديت ابني كي يحفر ليخرجها ويحضرها. وعندما انهرت، أعطوني ماء بارداً وهرعوا بي إلى مستشفى ناصر وطلبوا من الطبيب تحسين وضعي لإرسالي إلى منـزلي".


وفي 7 يوليو/تموز، أوردت وكالة الأنباء الفلسطينية "معا الاخبارية" أن رئيس تحريرها قد تلقي تهديداً هاتفياًمن متحدث باسم حماس بعد نشره مقالاً بالعربية أورد فيه تفاصيل قضية طارق محمد عصفور.(56)

شهادة م أ، العمر 25 عاماً، عاطل عن العمل:

"اعتُقلت مساء 29 سبتمبر/أيلول في الشارع القريب من منـزلي (في جنوب قطاع غزة) مع صديق، وأُخذنا إلى مركز القوة التنفيذية القريب. قالوا إنهم يريدون الأسلحة التي لدي ولكنني أبلغتهم بأنني لا أملك أي أسلحة. أصروا على أن لدي أسلحة واتهموني بأنني أثير لهم المشاكل. وطلبوا مني أن أُنزل علم فتح عن سطح بيتي. ضربوني بالعصي والحبال، وركلني أحدهم ولكمني. وواصلوا ضربي لفترة طويلة، وربما لنصف ساعة. وعندما أصبحت غير قادر على الحركة، وضعوني في زنزانة وحدي. وفي اليوم التالي، سألوني مرة أخرى عن الأمور نفسها وضربوني من جديد؛ كان جسمي مليئاً بالكدمات وكنت أتألم من ضرب اليوم السابق فانهرت بسرعة وتركوني، ثم أطلقوا سراحي وأبلغوني بأن آخذ حذري وبأنه قد تم تحذيري".


وتوفي ما لايقل عن معتقليْن اثنين أثناء احتجاز القوة التنفيذية لهما في قطاع غزة منذ 15يونيو/حزيران. فقد اعتقل وليد أبو ضلفة، وهو في الخامسة والأربعين، مع أخيه، في 9يوليو/تموز 2007 من منـزلهما واحتجز في مجمع المشتل الأمني (سابقاً مجمع المخابرات العامة)، الذي تسيطر عليه كتائب القسام. وفي 15يوليو/تموز، أُحضرت جثته إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة وعلى جسمه علامات التعذيب. وشهد شقيقه الذي اعتقل معه وأخ ثان له اعتقل بعد ذلك بثلاثة أيام أمام المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأن ثلاثتهم قد تعرضوا للتعذيب وأن وليد توفي نتيجة لذلك. ووفق ما أوردهالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، الذي كانت ممثله حاضراً أثناء تشريح الجثة، كانت الجثة تحمل "كدمات على اليدين والساقين، وتهتكات في الساقين، وعلامات خنق على الرقبة". (57)


وفي 10يوليو/تموز، توفي فضل دهمش، البالغ من العمر 31عاماً، في حجز القوة التنفيذية في سجن غزة المركزي، حيث كان محتجزاً منذ 6يوليو/تموز بشبهة "التجسس" لصالح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. واختطف فضل دهمش للمرة الأولى في 5يوليو/تموز على أيدي أعضاء سرايا القدس، الجناح المسلح للجهاد الإسلامي، التي أصدرت شريط فيديو يظهر الرجل وهو يخرج من سيارة جيب عسكرية إسرائيلية وينـزع بزته العسكرية ويرتدي ملابس مدنية. ودعا المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان سرايا القدس إلى عدم إلحاق الأذى بفضل دهمش وتسليمه إلى السلطة الفلسطينية. وأبلغ شقيق فضل دهمش المركز الفلسطيني أن سرايا القدس أطلقت سراح أخيه في اليوم نفسه، بعد تعرضه للتعذيب، ولكنه اعتقل على أيدي القوة التنفيذية في اليوم التالي، 6يوليو/تموز. وفي وقت لاحق من صباح ذلك اليوم، وطبقاً لسجلات المستشفى، أُدخل فضل دهمش لفترة وجيزة إلى المستشفى أثناء وجوده في حجز القوة التنفيذية. وفي 10 يوليو/تموز، نُقلت جثته إلى مستشفى مدينة غزة، ومعها رسالة من مدير سجن غزة المركزي تقولإن فضل دهمش قد تعرض لنوبة قلبية وصعوبات في التنفس.(58)وبحسب الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، فإن جثة فضلدهمش كانت تحمل آثار التعذيب؛ بيد أن منظمة العفو الدولية لم تتمكن حتى الآن من الحصول على معلومات حول سبب الوفاة.


وبعد توالي التقارير على نحو متكرر بشأن تعذيب المعتقلين وغيره من ضروب سوء المعاملة على أيدي القوة التنفيذية، اعترف قائدها، جمال جراح، بأن أعضاء في القوة قد استخدموا العنف وارتكبوا انتهاكات. وفي مقابلة مع وسائل الإعلام الفلسطينية في19أغسطس/آب، نُقل عنه قوله:


"إننا نحاول تقليص الانتهاكات إلى الحد الأدنى وتجنُّبها من خلال تدريب أعضائنا ... لقد وقعت بعض الحالات الثانوية [من التعذيب] اعترفنا بها ونحن ندين أي ممارسات من هذا القبيل ... وقد شكلت القوة التنفيذية لجاناً للتحقيق من أجل تقصي جميع الانتهاكات والمعالجة الجادة لجميع القضايا في السجون".


بيد أنه لم تُنشر أي معلومات على الملأ من جانب القوة التنفيذية أو إدارة الأمر الواقع لحماس في غزة بشأن المعطيات التي توصلت إليها أي تحقيقات أجريت، أو بشأن أي تدابير اتخذت لمنع المزيد من الانتهاكات، واستمر ورود أنباء عن تعذيب المعتقلين وغير ذلك من صنوف سوء المعاملة إلى منظمة العفو الدولية والمنظمات الفلسطينية لحقوق الإنسان. (59)


tap0 6. الانتهاكات في الضفة الغربية


حملة القمع ضد مؤيدي حماس

كانت للمصادمات المسلحة بين فتح وحماس في قطاع غزة عواقب قاسية في مختلف أنحاء الضفة الغربية. فشنت كتائب الأقصى، الجناح العسكري لفتح، والتي ظلت لها هياكل أقوى في الضفة الغربية من هياكل حماس لسنوات، عشرات الهجمات على مؤيدي حماس والمتعاطفين المفترضين معها في الضفة الغربية انتقاماً لهجمات حماس على فتح في قطاع غزة. وشملت الهجمات أعمال قتل واختطاف وإشعال حرائق وهجمات مسلحة على المنازل والمحلات التجارية والجمعيات الخيرية والمراكز الإعلامية ذات الصلة بحماس، وكذلك على الآخرين الذين اعتبرتهم من منتقدي فتح. وتمت معظم الهجمات في وقت واحد تقريباً ومباشرة إثر الجولة الأخيرة من الاشتباكات الدامية بين فتح وحماس في قطاع غزة، في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران 2007، ولكن الهجمات المتقطعة استمرت ضد الأشخاص والممتلكات على السواء.


وبينما كانت موجة الهجمات الانتقامية ضد حماس في أوجها، في منتصف يونيو/حزيران، شنت قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية حملة قمعية ضد أنصار حماس والمتعاطفين المفترضين معها، وقامت باعتقال المئات. وزعمت السلطة الفلسطينية أن من اعتُقلوا كانوا يخططون لإنشاء قوة تنفيذية وشن هجمات ضد المرافق الأمنية للسلطة في

الضفة الغربية، كما حدث في قطاع غزة. بيد أن هدف حملة الاعتقالات، التي استهدفت المتعاطفين مع حماس وليس ناشطيها، كانت تهدف بصورة رئيسية إلى ترهيب مؤيدي حماس. وفي منتصف يوليو/تموز، أبلغ مسؤولون أمنيون كبار في السلطة منظمة العفو الدولية أنه قد أفرج عن جميع من اعتقلوا في الأسابيع الأربعة المنصرمةتقريباً، نحو 300

إلى 400شخص، بعد بضعة أيام من تعهدهم بعدم الاقتراب من حماس – ما يشير إلى أنه لم يجر التحقيق معهم بشأن أي جرائم محددة. وأبلغ أشخاص اعتقلوا في الفترة نفسها منظمة العفو الدولية أنهم لم يُخضعوا لأي استجواب جدي حول أنشطتهم، وإنما طُلب منهم إدانة استيلاء حماس على غزة وحُذروا وهددوا بأن عليهم أن لا يتورطوا مع حماس و/أو مع القوة التنفيذية.


وتواصلت عمليات اعتقال مؤيدين معروفين أو مفترضين لحماس، فوصل العدد إلى ما يربو على 1,000من هؤلاء في أوائل أكتوبر/تشرين الأول. وتزايد لاحقاً ورود أنباء عن تعرض المعتقلين للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، الأمر الذي كان نادراً في الأسابيع الأولى، كما تزايدت انتهاكات القانون الناظم لشؤون الاعتقال.


وأظهرت حملة الاعتقالات المستمرة لمؤيدي حماس على أيدي قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية أن باستطاعة السلطة الفلسطينية ضمان تعاون قوات الأمن الإسرائيلية عندما ترى ضرورة في أن تسمح لها هذه باعتقال واحتجاز ونقل المعتقلين بين المدن والقرى في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وكانت السلطات الفلسطينية قد ادعت لسنوات أن وجود القوات الفلسطينية في البلدات والقرى الفلسطينية وحولها قد جعل من المستحيل عليها اعتقال الفلسطينيين المشاركين في هجمات ضد مدنيين إسرائيليين.(60)


وبالإضافة إلى الاعتقالات واسعة النطاق لمؤيدي حماس، اتخذت السلطة الفلسطينية تدابير أخرى ضد مؤيدي حماس في الضفة الغربية، بما في ذلك قرار من جانب حكومة الطوارئ للسلطة الفلسطينية بإغلاق ما يربو على مئة جمعية خيرية على صلة بحماس،(61) كما استخدمت قوات أمن السلطة الفلسطينية العنف ضد المتظاهرين المحتجين والتجمعات الشعبية لمتعاطفين مع حماس. ففي 9سبتمبر/أيلول، فرقت قوات الأمن التابعة للسلطة بالعنف تجمعاً كبيراً لطلبة حماس خارج جامعة الخليل، حيث قامت بضرب الطلبة والصحفيين وبمنع هؤلاء الأخيرين من توثيق الحادثة وبمصادرة معداتهم. وأصيب عدة صحفيين وطلاب بجروح، بينما جرى اعتقال نحو 10طلاب. وفي 22

سبتمبر/أيلول، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مظاهرة في وسط رام الله نظمتها نساء للدعوة إلى الإفراج عن أقاربهن المحتجزين لدى السلطة الفلسطينية. واشتكت بعض النسوة أيضاً من أنهن كن يدفعن إلى الخلف بقوة من جانب الشرطة.

وكذلك الأمر، لم تتخذ حكومة السلطة الفلسطينية وقوات الأمن أي إجراءات ضد أعضاء كتائب الأقصى المسؤولين عن عمليات اختطاف وقتل وهجمات استهدفت مؤيدي حماس وممتلكاتهم، كما استهدفت وسائل الإعلام الإخبارية التابعة لحماس.


استمرار إفلات مجموعات فتح المسلحة من العقاب

أصدر الرئيس عباس مرسومين أصبحت "القوة التتنفيذية والميليشيات التابعة لحركة حماس" بموجبهما خارج القانون.(62) ويعتبر مرسوم ثالث "كافة الميليشيات المسلحة والتشكيلات العسكرية أو شبه العسكرية غير النظامية أياً كانت تابعيتها محظورة الوجود بكل الأشكال"،(63) ولكنه لا يأتي على ذكر كتائب الأقصى – أكبر الجماعات المسلحة في الضفة الغربية وأكثرها نشاطاً والمسؤولة عن الأغلبية العظمى من أعمال القتل والهجمات ما بين الفلسطينيين داخل الضفة الغربية – أو أية جماعات مسلحة أخرى.(64)


وتُبرز عمليات الاعتقال والاحتجاز التي قامت بها السلطة الفلسطينية لما يربو على 1,000نصير مفترض لحماس، ممن اعترفت قوات أمن السلطة نفسها بأن معظمهم غير متهمين بأي جرم، التناقض الفاضح الذي أظهره عدم اعتقالها وتقديمها للعدالة أياً من أعضاء كتائب الأقصى المسؤولين عن أعمال قتل غير مشروعة واحتجاز للرهائن وهجمات أخرى ضد الأشخاص والممتلكات. ومع أن هؤلاء المسؤولين عن مثل هذه الهجمات كثيراً ما كانوا معروفين في مجتمعاتهم المحلية وتصرفوا على مرأى من قوات الأمن بلا تخفٍ وغالباً ما كانوا يتفاخرون بأفعالهم في وسائل الإعلام، إلا أنه لم يجر توقيفهم، ولم يعلم أحد بأنه قد اتُّخذت ضدهم أية إجراءات قانونية.


وفي اجتماعات مع موفد منظمة العفو الدولية عقدت في يويو/حزيران ويوليو/تموز 2007، لم يتمكن كبار المسؤولين في المخابرات العسكرية والأمن الوقائي وأمن الرئاسة/القوة 17الذين التقاهم تقديم أي معلومات بشأن ولو حالة واحدة تم فيها اعتقال عضو في كتائب الأقصى أو اتخاذ إجراءات أخرى ضده بالعلاقة مع أعمال القتل العمد واحتجاز الرهائن، أو الهجمات الأخرى ضد الأشخاص والممتلكات التي وقعت، كما لم يُبدِ هؤلاء أي اهتمام بمتابعة مثل هذه القضايا. واعترفوا بأن بعض أعضاء كتائب الأقصى هم أعضاء أيضاً في قوات الأمن، ولا سيما في الحرس الرئاسي/القوة 17.


وفاقمت حالة الحصانة من العقاب التي تتمتع بها كتائب الأقصى من جو الخوف من الترهيب لدى الأشخاص من غير أعضاء حماس الذين يمكن أن يُنظر إليهم على أنهم متعاطفين معها. وأبلغ عدة أشخاص من ضحايا هجمات كتائب الأقصى منظمة العفو الدولية أنهم لا يرغبون في أن يعرف عنهم أنهم قد أبلغوا عن الهجمات أو تعرفوا على الجناة. وقال البعض إنهم لم يتقدموا بشكاوى إلى قوات الأمن لأنهم يرون أن ذلك غير ذي جدوى أو لأنهم يخشون من أن يعرضهم ذلك للأنتقام من جانب كتائب الأقصى. وقال آخرون إن قوات الأمن كانت حاضرة عندما وقعت الهجمات غير أنها لم تحرك ساكناً لوقف الهجمات أو توقيف الجناة. وزاد آخرون على ذلك أن مسلحين قد اعترضوا سبيل عربات الإطفاء في تدخلاتها لإطفاء الحرائق. وأبلغ محاضر جامعي أطلقت كتائب الأقصى نحو 60 رصاصة على سيارته في يونيو/حزيران في نابلس منظمة العفو الدولية أنه عندما قام بتبليغ الشرطة عن الهجوم أعطاها اسمي عضوين في المجموعة التي قامت بالهجوم، إلا أن الشرطة رفضت تدوين الإسمين في تقرير الشكوى.


الهجمات المسلحة ضد مؤيدي حماس المفترضين

اختطف أنيس هشام أنيس السلعوس، وهو خياط من نابلس في السابعة والثلاثين ومتزوج ولديه طفلتان، على يد مجموعة من الرجال المسلحين المقنعين أثناء مغادرته المسجد القريب من بيته في نابلس في 14يونيو/حزيران 2007 بعد صلاة العشاء. ونُقل بالسيارة إلى مكان يقع بين مخيم عسكر القديم والجديد للاجئين، وأردي قتيلاً بإطلاق النار عليه. ولفت شهود عيان نظر عائلته في البداية إلى أنه قد اختطف وقتل، وسمعت العائلة بعد ذلك من التلفزيون أنه قد لقي مصرعه. وعندما ذهبت العائلة إلى المشرحة للتعرف على الجثة، وجدوا أنه قد أصيب في رأسه وصدرهوبطنه. وبحسب أقوال العائلة، لم يُجر أي تشريح لجثته. وأخذت العائلة شهادة وفاة من المستشفى وقدمتها للشرطة، ولكن لم يتصل بهم أحد من أجل متابعة الموضوع، ولم يبلُغهم أنه قد فُتح أي تحقيق في مقتله.


واختُطف جمال سليم عارف الأسطة، وهو أب لأربعة أطفال في السادسة والأربعين من العمر، على يد جماعة من الرجال المسلحين المقنعين أثناء خروجه من المسجد في نابلس في 16 يونيو/حزيران 2007. وألقي به في سيارة وأُحذ إلى مكان انهالوا فيه عليه بالضرب قبل أن يطلقوا سراحه. وفي اليوم التالي، قدِم أربعة مسلحين مقنعين إلى مكان عمله وأطلفوا عليه النار في رأسه وتركوه بعد أن اعتقدوا أنه توفي. وأُبلغ عن وفاته، ولكنه، في حقيقة الأمر، كان قد أصيب إصابة خطيرة ودخل في غيبوبة ونجا من الموت.


منير عبد الله عبد المجيد عمر، رئيس مكتب وزارة التعليم العالي في طولكرم، العمر 49، متزوج وأب لستة أطفال:


"صباح 3 يوليو/تموز2007، اختطفت من مكتبي على أيدي مسلحين مقنعين. ففي حوالي الساعة 11.30، دخل أربعة رجال مسلحين مقنعين يرتدون ملابس مدنية مكتبي بالقوة وطلبوا هويتي الشخصية. وقاموا بتحطيم أشياء في مكتبي وطلبوا مني الوقوف في مواجهة الحائط، حيث قاموا بضربي وإهانتي طوال الوقت. وأنذروني بأن لا آتي إلى المكتب مرة ثانية وأن لا أقوم بعملي. وأخبروني بأن أغادر خلال خمس دقائق ثم غيروا رأيهم وأخذوني في سيارة عادية لا تحمل أي أرقام. وفي السيارة، قاموا بضربي على نحو متكرر على ظهري ورقبتي وهددوا بقتلي وهم يصوبون مسدساً نحوي. وبعد مسافة 500متر، ألقوا بي من السيارة وأطلقوا الرصاص فوقي مباشرة، ثم غادروا. وفي العادة، يكون هناك شرطيان يحرسان المكتب، ولكن في ذلك الصباح لم يكن هناك أي شرطي. اتصلت بالأمن الوقائي وطلبت منهم فتح تحقيق في الأمر".


شاهر سعيد، الأمين العام للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ورئيس لجنة المؤسسات في نابلس:

"في حوالي الساعة 2.30من بعد ظهر الثلاثاء 10يوليو/تموز 2007، رافقت مجموعة من الناشطين النقابيين الإيطاليين في زيارة للاطلاع على أحوال العمال الفلسطينيين وتناول الغداء في مطعم العصفورة في منطقة رفيديا غربي نابلس. وبينما كنا جالسين في المطعم، فوجئت بأربعة مسلحين مقنعين يطلبون مني تحت تهديد السلاح بترك الضيوف ومرافقتهم. أخذوني في سيارتهم إلى منطقة قرب مصنع أحذية ملحيس في شارع تونس في رفيديا. وأبلغوني بأنهم مليشيا لا تتبع أي حزب. وطلبوا مني أن أستقيل من الاتحاد ومن لجنة المؤسسات في المدينة. واتهموني بالتعاون مع حماس، وبالعمل مع حماس. واختطفت لمدة 90 دقيقة بغرض أيصال هذه الرسالة لي".(65)


واختُطف أحمد الخالدي، وزير العدل السابق (في حكومة حماس) والمحاضر في جامعة النجاح بنابلس، بالمثل وهُدد في 22يونيو/حزيران 2007على أيدي مسلحين اتهموه بأنه وثيق الصلة بحماس.


شهادة ربيع حسين ربيع، وهو محام وعضو في مجلس بلدي رام الله: (66)

"ليلة 13 – 14يونيو/حزيران وفي حوالي الساعة الواحدة صباحاً، كنت في منـزلي مع العائلة وتلقيت إنذاراً هاتفياً بشأن مكتبي؛ حيث إن نظام الإنذار متصل بالشرطة، ولذا فإنهم يتلقون إنذاراً حالما يعمل جرس الإنذا85? في مكتبي. اتصلت بالشرطة وقالوا إنهم سيتقصون الأمر ويتصلون بي، وبعد فترة وجيزة اتصلوا معي وطلبوا مني أن أذهب إلى مكتبي. وجاءت زوجتي معي. كانت هناك سيارات شرطة في الشارع خارج المبنى. وكان الباب الرئيس للمبنى مفتوحاً، وكان الدخان يغطي الدرج ولم تكن هناك إضاءة. صعدنا الدرج إلى مكتبي ووجدنا أن الباب المعدني الذي يحمي الباب الخارجي قد انتُزع ولكن الباب الخارجي نفسه كان سليماً ومقفلاً، إلا أن داخل المكتب كان يشتعل. وعلى ما يبدو، فإن مُشعلي الحريق لم يتمكنوا من كسر الباب، فالقوا بعض النفط تحت الباب وأشعلوا النار بهذه الطريقة. وصورت كميرات المراقبة الموجودة داخل المكتب الحريق، الذي تسبب بأضرار كبيرة. وبعد ذلك مباشرة تقريباً، ظهر أمامنا خمسة رجال مسلحين مقنعين قالوا إنهم من كتائب شهداء الأقصى وطلبوا منا أن نرافقهم. وعندما سألتهم عن السبب وإلى أين، أبلغوني بأن أخرس. أخذوني إلى الطابق السفلي ومن ثم إلى موقف سيارات في الجانب المقابل من الشارع. وكانت هناك سيارات أخرى، منها سيارات رسمية لقوات الأمن وسيارات ليست عليها أية علامات وكان هناك إطلاق نار في الهواء. اقتادوني إلى مكان لا أعرفه في الهواء الطلق وسألني رجل بدا من طريقة كلامه ورائحته أنه ثمل عن رأيي في أحداث غزة فقلت إن الجانبين على خطأ. وطلبوا مني إدانةحماس فقلت إنني لست على اطلاع كاف على التفاصيل المتعلقة بما حدث في غزة. ثم طلبوا مني أن أتصل بزوجتي وأبلغها بأنني بخير، ففعلت ذلك. ثم أوثقوا يدي ووضعوني في صندوق سيارة ونقلوني إلى مكان آخر قالوا إنه مكان لاستجواب "الجواسيس". وسألوني لماذا انتُخبت لعضوية المجلس البلدي على قائمة التغيير والإصلاح الانتخابية[إسم القائمة التي خاضت حماس تحته الانتخابات]. قلت إنني اقترحت قائمة مشتركة ولكن ذلك لم يتحقق، فترشحت على قائمة التغيير والإصلاح لإنهم كانوا أشخاصاً جيدين ومعتدلين يرغبون في فعل الخير على مستوى العمل البلدي. أنا بوضوح لست عضواً في حماس. ثم وضعوني في سيارة مرة أخرى وأنزلوا رأسي إلى أسفل. وأخذوا يتحدثون في جهاز اتصال داخلي قائلين إنه ينبغي توخي الحذر لأن ثمة قوات إسرائيلية في المنطقة. وصلنا إلى مبنى وصعدنا ثلاثة أو أربعة طوابق؛ وكانت رأسي ما زالت محشورة في كيس فلم أتمكن من الرؤية. وهناك أخذوا حزامي وساعتي ومحفظتي وكذلك نظارتي، التي لا أستطيع الرؤية من دونها. ولا بد أن الساعة كانت الرابعة أو الرابعة والنصف صباحاً آنذاك. أبلغوني بأن أنام. أحضروا معتقلين آخرين إلى الغرفة وسمعت صوت أخي الأصغر. كان قد ذهب إلى مكتبي للبحث عني بعد اتصال زوجتي به، واقتادوه من هناك. وسمح لنا أنا والآخرون بأن نزيح الأغطية عن رؤسنا للصلاة، ولكنهم أعادوها بعد ذلك. واشتكى أخي من أنه مصاب بصداع وسألوه ما إذا كان يريد تلقي الرصاصات في رأسه أم في ساقيه. وكان هناك رجل آخر في الغرفة نفسها وخمسة في الغرفة التالية. جلبوا لنا الماء وبعض الطعام. وكنت معصوب العينين ولكن دون قناع الرأس. كانوا يرتدون ملابس عادية باستثناء واحد منهم كان يرتدي زياً رسمياً. وكان بعضهم مؤدبين وقالوا إن لديهم أوامر باعتقالنا، بينما كان آخرون عدوانيين للغاية. وقالوا إنهم قد قتلوا الزهار وصيام [قائدين لحماس في غزة]. وفي اليوم التالي، وكان يوم جمعة، سُمح لنا بأن نصلي جماعة، وبعد ظهر ذلك اليوم أعطوناً طعاماً. وأبلغونا بأنهم سوف يطلقون سراحنا وأعادوا لنا أشياءنا، ولكن بينما كانوا ينـزلون بي الدرج، عاملوني بخشونة؛ وأمسكوا بي من رقبتي ودفعوا بي إلى الحائط وصوبوا مسدساً إلى مؤخرة رأسي. وأصيب معتقل آخر بالغثيان وفقد الوعي، فأخذوا [السجانون] مني بعض النقود لنقله إلى المستشفى ... وعندما وصلنا إلى الدور الأرضي، نزعوا عصابة عيني ورأيتُني في غرفة قذرة فيها أربعة أسِرّة مرتفعة. وجرى تفتيشنا مجدداً وأخذت مقتنياتنا منا مرة أخرى، ولكننا ملأنا نماذج هذه المرة أُدرج فيها ما أُخذ منا. وكتبت على النموذج كلمة "إستخبارات"[المخابرات العسكرية]. وأدركت أنني والستة الآخرين كنا طوال الوقت في مبنى الاستخبارات في منطقة أم شريب من رام الله. لم نكن معصوبي العينين وقال ضباط بملابس مدنية إننا كنا في محطة الاستخبارات وأننا بأمان، ولكنهم قالوا إن علينا أن نقف عندما يدخلون الغرفة. كان المكان قذراً فطلبنا ماء وقمنا بتنظيف الغرفة. ثم كتبت قائمة بالأشياء التي احتاج من الدكان: فرشة أسنان وصابون، وما إلى ذلك، وأحضروا لنا بعض ما طلبا. وأبلغني رئيس المركز أن من اعتقلوه لم يكونوا موظفين رسميين. وأفرج عني مع معتقل آخر في ذلك اليوم [15يونيو/حزيران] في الساعة 11مساء. وأثناء اعتقالي، كانت زوجتي قد اتصلت بمسؤولين رفيعي المستوى للفت نظرهم إلى القضية. وأفرج عن أخي وعن معتقل آخر في اليوم التالي. وأفرج عن الشخص الأخير من مجموعتنا في 25يونيو/حزيران. ولكن أثناء احتجازي هناك، سمعت أصوات آخرين يجلبون إلى المكان. وبعد الإفراج عني سمعت عن آخرين. وأحد هؤلاء شاب يفترض أن يتزوج الشهر القادم، ولكنه اعتقل في 16يونيو/حزيران[أفرج عن هذا الأخير في 1يوليو/تموز]".


وبعد بضعة أسابيع، ذكر ربيع حسين ربيع أنه قد استقال من المجلس البلدي الذي تسيطر عليه حماس نتيجة للتهديدات المتكررة.


وأكد رئيس مركز المخابرات العسكرية في رام الله لمنظمة العفو الدولية أن ربيع حسين ربيع قد اختطف على أيدي أعضاء في كتائب الأقصى، ولكن ادعى أنه سُلِّم إلى رجال المخابرات العسكرية قبل وصوله إلى مجمع المخابرات العسكرية. وقال إنه لم يتم اكتشاف هوية المسلحين الذين اختطفوا ربيع حسين ربيع، ولذا لم يكن بالإمكان اتخاذ أي تدابير ضدهم.


شهادة حسن التيتي، صحفي وصاحب المركز الإعلامي الأجنبي الرئيسي في نابلس:


"في 17يونيو/حزيران 2007، وقبل الساعة التاسعة مساء بقليل، اقتحمت مجموعة من المسلحين المقنعين بيتي وأحرقوا الطابق الأول من المنـزل، الذي ي�?م مركز الإعلام الفلسطيني، وهو مركز إعلامي مستقل وجزء من مجموعة الاتصالات الفلسطينية. وتم تدمير جميع المعدات الموجودة. ولحسن الحظ لم تكن زوجتي وأولادي في البيت، في الطابق الثاني من المبنى، حيث كان يمكن أن يلحق الحريق الأذى بهم. ومكتبي هو المكان الوحيد الذي توجد فيه المعدات اللازمة للبث الحي، والجميع يستخدمونه. ولا صلة للمكتب بأي قناة فضائية محددة؛ وعلى العكس من ذلك، فهو يقدم الخدمات لجميع وكالات الأنباء والقنوات الفضائية. ومن الواضح أن الهجوم كان نتيجة تحريض ضد قناة الجزيرة الفضائية، التي اتُّهمت بالانحياز إلى حماس. بيد أنني مراسل للجزيرة؛ وفي بعض الأحيان أبعث بتقارير إلى الجزيرة عن حوادث تقع في نابلس، ولكنني أبعث بتقارير إلى العديد من وسائل الإعلام الأخرى".


وفي الوقت نفسه، شُن أكثر من عشر هجمات على وسائل الإعلام الإخبارية المؤيدة لحماس، حيث تراوح ذلك بين إحراق المكتب وتدمير المبنى، والاستيلاء على على الصحف وإحراقها قبل أن يكون بالإمكان توزيعها، ومهاجمة الصحفيين وتهديدهم.


شهادة س أ، رئيسة مركز التدريب المهني النسائي في نابلس (يفترض أنه مرتبط بحماس):

"قدِم رجال مسلحون حوالي الساعة 11.30من مساء 14 يونيو/حزيران، وكانوا موزعين على ثلاث سيارات وأشعلوا النار بالمركز. ورأي زميل يعيش في الطابق الذي فوق المركز كل شيء ولكنه لم يستطع فعل شيء لوقفهم أو لإطفاء الحريق. وإلى أن وصلت سيارات الإطفاء، كان كل شيء قد احترق. كان معظم ما في المركز مطرَّزات ونماذج ورقية احترقت بسرعة. كان هذا مركزاً نسائياً موجوداً منذ 1998. فمنا بتدريب النساء على صنع المطرزات، التي كانت تباع في السوق، أو كنا نعد الطعام للشركات وللمؤسسات الحكومية لحفلات الإفطار في رمضان وغيرها من الحفلات، كما كنا نقدم مساقات دراسية في الثقة بالنفس ومهارات الاتصال للفتيات في سن 14 – 18عاماً، كما كانت لدينا دار حضانة لأطفال المنطقة. وكان المركز يوفر دخلاً لنحو 90امرأة وعائلة، لنساء فقيرات كان هذا الدخل قد غير حياتهن".


شهادة علي دادو، صاحب مخزن كبير للسجاد في طولكرم (ناشط سابق في حماس، قبل نحو 14سنة):


"في 12يونيو/حزيران 2007، حوالي الساعة 12.30ظهراً، أطلق مسلحون النار على المحل وكسروا بعض النوافذ. وفي 14يونيو/حزيران، حوالي الساعة10.30مساء، قدِمت مجموعة من الرجال المسلحين المقنعين بلباس رسمي إلى المنـزل، الذي لم تكن فيه سوى والدتي وأصغر أبنائي، حيث كنت في المستشفى في رام الله. ودخل عشرة من هؤلاء البيت، بينما أحاطت عشر سيارات رسمية بالبيت. كانوا يريدون اعتقالي، وفي غيابي قاموا بتنفيش المنـزل وهددوا بقتل ابني. وبعد بضع ساعات، وفي حوالي الثالثة صباحاً، ذهب سبعة أو ثمانية رجال مقنعين إلى دكان السجاد الذي أملكه وأشعلوا فيه النار، بينما كانوا يطلقون الرصاص في الهواء. ومُنعت سيارات الإطفاء من إطفاء الحريق فوراً نتيجة إطلاق النار عليها من قبل هؤلاء، ولكنه سمح لهم في النهاية بإطفاء الحريق بعد أن انتقل إلى الحوانيت المجاورة. وتلقى أخي مكالمة هاتفية بأن دكاننا يحترق، وفي طريقة إلى هناك مر ببعض المسلحين المقنعين الذين حذروه من الذهاب إلى الدكان. انتظر قليلاً قبل أن يذهب، وعندما وصل إلى المكان كان كل شيء قد احترق. استدعى فرقة الإطفاء فأبلغوه بأنهم قد مُنعوا من إطفاء الحريق من قبل رجال مسلحين مقنعين. اتصل بالشرطة وقالوا إن ذلك ليس من مسؤوليتهم وأبلغوه بأن يتصل بالمخابرات العامة. وجاءت الشرطة والأمن الوقائي ولكن في وقت لاحق، حوالي الساعة 5صباحاً. وتقدر قيمة الخسائر بمليون إلى مليون ونصف المليون دولار أمريكي. وقد تقدمت بشكوى ولكن لم أسمع بأن أي تحقيق قد فتح في الأمر".


وقد حاولت السلطة الفلسطينية التقليل من شأن الهجمات التي شنتها كتائب الأقصى ضد مؤيدي حماس وغيرهم من منتقدي فتح وضد ممتلكاتهم، سواء من حيث اتساع نطاقها أو خطورتها، في مسعى، على ما يبدو، لتبريرها باعتبارها رد فعل مفهوم للهجمات التي قامت بها حماس على فتح في قطاع غزة. ولم يُعلم عن مباشرة أي تحقيقات في هذه الهجمات، التي تواصلت بأمان تام.


ففي 24يوليو/حزيران 2007، أطلق أحد أعضاء مجموعة شبابية فتحاوية النار عن قرب على رأس محمد رداد، البالغ من العمر 21عاماً والعضو في المجلس الطلابي لجامعة النجاح في نابلس وأحد مؤيدي حماس، فتوفي بعد ثلاثة أيام. والمعروف أن أعضاء في المجموعة الطلابية الفتحاوية كانوا قد تورطوا مع كتائب الأقصى في مجرى مصادمات جرت بين طلاب فتح وطلاب حماس داخل الحرس الجامعي.


وما بين 7و10سبتمبر/أيلول، شنت كتائب الأقصى ثلاث هجمات منفصلة في نابلس وطولكرم. ففي مساء 7 سبتمبر/أيلول، قام رجال مقنعون بتفجير سيارتي إسعاف في مستشفى الزكاة في طولكرم. وكان مسلحان قد هددا المستشفى في اليوم السابق وأمرا الإداريين فيه بطرد الموظفين الذين عينتهم حكومة حماس.

وفي مساء 9 سبتمبر/أيلول، اختطف أربعة مسلحين مقنعين يلبسون القمصان القطنية لكتائب الأقصى عبد الفتاح فايز سعيد، وهو تاجر من طولكرم، وأخذوه إلى حقل قريب. ثم ألقوا به على الأرض واستجوبوه عن علاقته بحماس، وقاموا بضربه بالعصي وبأعقاب البنادق أثناء استجوابه. ثم أخذ المسلحون بطاقة هويته ومفاتيح البيت ونقوداً وتركوه في مكانه.


وفي 10 سبتمبر/أيلول حوالي منتصف النهار، أغلق مسلحون من كتائب الأقصى بالقوة مكتب نادي الأسير في نابلس. وأبلغ مدير النادي، رائد عامر، المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن نحو 20مسلحاً اقتحموا مكتبه وأمروه بإغلاقه، حيث أبلغوه بأن عملية الإغلاق رسالة إلى ا�604?سلطة الفلسطينية والأحزاب الأخرى، التي اتهموها بإهمال واجباتها نحو الأسرى.


الاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة

نادراً ما وردت في الأسابيع الأولى التي تلت بدء حملة الاعتقالات في يونيو/حزيران تقارير موثوقة بشأن التعذيب. ولم يرد كثير من التقارير بشأن سوء المعاملة أيضاً، وكان معظم هذه يتصل بعملية الاعتقال والنقل إلى أماكن الاعتقال، وليس بعمليات الاستجواب. بيد أنه ساد نمط يمكن تصوره من الترهيب، حيث لم يبدِ المعتقلون استعداداً للحديث عن اعتقالهم أو احتجازهم، معربين عن خشيتهم من التداعيات. وبحلول نهاية يوليو/تموز، أخذت التقارير المتعلقة بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة أثناء الاعتقال تتزايد، ومع حلول أوائل أكتوبر/تشرين الأول، ورد مع كل حالة أُبلغت عنها منظمة العفو الدولية شواهد ذات مصداقية بأن المعتقلين قد تعرضوا للتعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة.


واتسم معظم الاعتقالات بالتعسف لأنها كانت تتم على أيدي قوات الأمن، وبخاصة الأمن الوقائي، الذي لا يخوله القانون توقيف المشتبه بهم؛(67)وبسبب احتجاز المعتقلين في أماكن لم يصرح باستخدامها كأماكن اعتقال؛ ونظراً لأن عمليات الاعتقال لم تتم بناء على تفويض من المدعين العامين والقضاة ضمن المهلة الزمنية التي ينص عليها القانون الفلسطيني.


وفي نهاية يونيو/حزيران، التقى مندوب عن منظمة العفو الدولية رئيس مجمع الجنيد للحرس الرئاسي/القوة 17في نابلس، حيث احتجز معظم من اعتقلوا في منطقة نابلس. وأعطى العقيد أبو علي الترك منظمة العفو الدولية نسخة من استمارة طُلب من المعتقلين توقيعها قبل الإفراج عنهم، وتنص على ما يلي:


"بسم الله الرحمن الرحيم، أنا الموقع أدناه ... لا علاقة لي، من قريب أو من بعيد، بمنظمة حركة حماس، ولن أشارك فيها في المستقبل. وإنني أدين الأعمال الإجرامية التي ارتكبتها كتائب عز الدين القسام والقوة التنفيذية التابعة لحماس في قطاع غزة ضد شعبنا وضد مرافق السلطة الفلسطينية، وأعتبرها عصابات إجرامية وقاتلة ومعادية للقضية الفلسطينية". (68)


واستُخدمت نماذج مشابهة، مع بعض الاختلافات الطفيفة في الصياغة، في مختلف أنحاء الضفة الغربية. إن مطلب أن يوفع الشخص المعتقل، الذي كثيراً ما يكون اعتقاله خارج إطار القانون، على تعهد بأن لا تكون له صلة بحماس – التي لم يحدث أن حظرتها السلطة الفلسطينية – وبأن يدين أحداثاً لم يشهدها كشرط للإفراج عنه، ليس سوى مؤشراً على الطبيعة التعسفية لمثل هذه الاعتقالات.


وقد سمح للهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن وبعض المنظمات الفلسطينية لحقوق الإنسان بزيارة معظم مراكز الاعتقال، ولكنها لم تقابل سوى أقلية فقط من مئات المعتقلين المحتجزين فيها بسبب القيود الزمنية والقيود على الموارد، ونتيجة للدخول والخروج السريع للمعتقلين. كما زار الصليب الأحمر مراكز الاعتقال أيضاً. وأبلغ معتقلون سابقون منظمة العفو الدولية أنهم لم يكشفوا عن أنهم قد عانوا من التعذيب أو سوء المعاملة، لا للزائرين ولا للمدعين العامين، خشية أن تزداد معاملتهم سوءاً.


والعديد ممن اتصلت بهم منظمة العفو الدولية إما رفضوا الحديث عن المعاملة التي تلقوها أثناء الاعتقال أو اشترطوا عدم نشر تفاصيل شخصية عنهم، قائلين إنهم يخشون أن يعاد اعتقالهم أو يُستهدفوا مجدداً.


ولم يحدث في أي من الحالات المعروفة لمنظمة العفو الدولية أن جرى إبلاغ عائلة المعتقل باعتقاله أو بمكان وجوده. فإما إن عائلات المعتقلين كانت تخمِّن بسبب معرفتها أي جهاز تابع لقوات الأمن هو الذي قام بالاعتقال، أو إنها تكون قد أبلغت بصورة غير رسمية عن طريق أصدقاء أو أقارب في قوات الأمن، أو عبر معتقلين أُفرج عنهم. وفي بعض الحالات، سُمح للمعتقلين ممن احتجزوا لفترات طويلة تلقي زيارات من عائلاتهم، وفي أغلب الأحيان يتم ترتيب ذلك من خلال الصلات الشخصية وليس من خلال إجراءات معتمدة للزيارة.


شهادة أُ هـ، العمر 21 عاماً، من نابلس:

"في 18يونيو/حزيران، تلقيت اتصالاً من الأمن الوقائي لاستدعائي. واتصلت بجار لنا يعمل ضابطاً في الأمن الوقائي وأُخذت إلى مبنى الأمن الوقائي، حيث قضيت ليلتي الأولى. وطلبوا مني تسليم أسلحتي وسألوني بعض الأسئلة الأولية. وفي اليوم التالي نُقلت في سيارة لا تحمل أي علامات إلى مجمع الجنيد الأمني. وكانت المعاملة في الجنيد مختلفة تماماً. فعند وصولي، ضُربت على رأسي وكتفي ببندقية كلاشنيكوف وأجبرت على الوقوف لمدة نحو أربع ساعات على ساق واحدة ويداي مرفوعتان [شبح]. واحتجزت وحدي في زنزانة قذرة لا ضوء فيها. ونمت في الليلة الأولى على الأرضية الإسمنتية بلا فراش. وكنت أجبر على الوقوف على ساق واحدة ويداي مرفوعتان كل ليلة. وفي الليل، كان الحراس يقرقعون على الأبواب لمنعنا من النوم ويشتموننا نحن وقادة حماس. ودخل الحراس زنزانتي غير المضاءة أيضاً وسلطوا ضوءاً أزرق في عيني. واستجوبت مرتين فقط، في غرفة حمام. إذا أجلسوني في مواجهة الحائط بعد أن نزعوا عصابة عيني وجلسوا خلفي دون أن أراهم. سألوني إن كنت من أعضاء حماس، أو في القوة التنفيذية، وحول أحداث غزة، وعن علاقاتي مع بعض الأشخاص، وإذا ما كانت لدي أسلحة. وسألوني عن وظيفتي في محطة التلفزيون المحلية التابعة لحماس، ثم طلب مني توقيع ورقة تستنكر حماس وأحداث غزة. فوقعت حتى أخرج وأُطلق سراحي بعد يومين، في 23يونيو/حزيران. وعند الإفراج عني، هددوني قائلين إنه قد يستدعونني مرة أخرى وإنهم لا يستطيعون حمايتي من الرجال المقنعين. وأثناء اعتقالي، رأيت طبيب السجن بسبب مشكلة في عيني، وزارني الصليب الأحمر ولكن فقط لأخذ إسمي ورقم هاتف عائلتي، كما زارني صحفي تابع للأسوشييتيد برس".

tlch وأبلغ معتقل آخر كان محتجزاً في الفترة نفسها في المكان نفسه منظمة العفو الدولية أنه أُخضع للتعذيب ولغيره من ضروب سوء المعاملة بالطريقة نفسها، ولكن آخرين ممن احتجزوا هناك أبلغوا المنظمة بأنهم لم يتعرضوا للضرب أو سوء المعاملة.


ن أ، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 36واعتقل في مركز اعتقال الجنيد من 19 إلى 24 يونيو/حزيران 2007، قال:

"عند وصولي الجنيد، ضربوني على رأسي وكتفي ببندقية كلاشنيكوف وأجبروني على الوقوف حوالي ساعة على ساق واحدة وذراعاي مرفوعتان. واحتجزت وحدي في زنزانة قذرة مغطاة بالغائط وتعج بالصراصير وبلا إضاءة. وشعرت بالمرض نتيجة ذلك وأصبحت متوتراً للغاية وانهرت. فنُقلت إلى المستشفى وبقيت هناك طوال النهار والليل. ورافقني نحو 10مسلحين مقنعين إلى المستشفى. ثم أُعدت إلى الجنيد وإلى الزنزانة القذرة. وقاموا بتنظيف الزنزانة قبل قدوم الصليب الأحمر؛ ولم يفعل الصليب الأحمر شيئاً سوى تسجيل الأسماء وتفاصيل الاتصال بالعائلات. وفي إحدى المرات، دخل أحد الحراس وداس ببسطاره على رأسي. وفي الليل كان الحراس يقرقعون على الأبواب لكي لا أتمكن من النوم؛ وشتموا قادة حماس، وكذلك الأمر شتمت أنا حماس أيضاً حتى أخلص من الحارس ويتركني أنام. ودعوني بالكافر عدة مرات. وقالوا لي إنه علي إذا أردت الخروج أن أوقع ورقة أستنكر فيها حماس وما فعلته في غزة، ووقعت على الورقة حتى يمكنني الخروج. وقبل الإفراج عني، أبلغوني بأنهم لا يستطيعون حمايتي من المسلحين المقنعين".


وأبلغ ن إ، وهو أحد مؤيدي حماس وأفرج عنه في 15أغسطس/آب بعد 47يوماً من الاحتجاز لدى الأمن الوقائي في بيت لحم ورام الله، أنهم شدوا وثاقه في وضع غير مريح وأجبروه على الوقوف لساعات متتالية، وأخضعوه للحرمان من النوم للضغط عليه كي "يعترف" بأنشطة لم يكن له علاقة بها – ولا سيما إنشاء قوة تنفيذية في الضفة الغربية وحيازة الأسلحة. وعند الإفراج عنه، دخل المستشفى وتبين أنه يعاني من نزيف داخلي. واحتاج إلى المعالجة لإصابات أخرى، ولا سيما في أطرافه. ولم يُعرض على محكمة أبداً، بحسب ما يقتضى القانون الفلسطيني، وفي الأيام الأخيرة من احتجازه، وعندما كان سيعرض على قاض في النهاية، نُقل من الأمن الوقائي في بيت لحم إلى مركز آخر للأمن الوقائي في منطقة بيتونيا، برام الله. وبينما كان هناك، أصدر قاضي بيت لحم أمراً بالإفراج عنه، ولكن لم يفرج عنه إلا بعد عدة أيام. وبعد إطلاق سراحه، توقف راتبه الذي كان يقبضه من الوزارة التي كان يعمل فيها. وأُبلغ بأنه قد فُصل من عمله بسبب اعتقاله، رغم عدم توجيه أي تهمة إليه.


خرق القوانين الناظمة للاعتقال


علمت منظمة العفو الدولية عن عدة حالات أخرى قام الأمن الوقائي فيها بنقل معتقلين من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها إلى مركز الأمن الوقائي في بيتونيا (رام الله)، عوضاً عن التقيد بأوامر القضاة بالإفراج عنهم، أو لمنعهم من المثول أمام قاض. وقد أصبح رفض قوات الأمن الامتثال لأوامر القضاة بالإفراج أمراً متكرر الحدوث على نحو متزايد منذ أغسطس/آب. وبالمثل، لم يُعرض معظم المعتقلين على قاض خلال مهلة 72 ساعة التي ينص عليها القانون الفلسطيني، هذا إذا تم عرضهم أبداً.


وينظُم شؤون التوقيف السابق على توجيه الاتهام قانون الإجراءات الجزائية(69) .ويقتضي هذا القانون مراجعة المدعي العام أمر الاعتقال خلال 24 ساعة من التوقيف (المادة 34). ويجوز للمدعي العام بعدئذ تمديد فترة الاحتجاز مدة 48ساعة إضافية. وما لم يفرج عن المحتجز خلال 72ساعة، يتعين مراجعة القضية من قبل قاض (المادة 51). ويجوز للقاضي تمديد فترة التوقيف السابقة على جلب المتهم للمرة الأولى أمام المحكمة لمدة تصل إلى 15يوماً (المادتان 62 – 63). وبعد ذلك، يجب أن تتم مراجعة أي تمديد إضافي للتوقيف لمدة أقصاها 45يوماً من جانب قاض كل خمسة عشر يوماً. وبناء على طلب من الادعاء يُقدَّم إلى محكمة أعلى، يجوز تمديد احتجاز الشخص لفترة إضافية لا تتجاوز 45يوماً. كما يمنح القانون الموقوفين حق الاتصال السريع وبلا عراقيل مع محام (المادة 46).


بيد أن أمور الاعتقال خلال فترة الأيام الثلاثين من حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس عباس، من 14يونيو/حزيران حتى 13يوليو/تموز 2007، استندت إلى المادة 112من القانون الأساسي، الذي ينص على أن: "تتم مراجعة أي توقيف يتم بناء على مرسوم قانون بإعلان حالة الطوارئ من جانب النائب العام أو من قبل المحكمة المعنية خلال فترة لا تتجاوز خمسة عشر (15)يوماً من تاريخ التوقيف". وكان من شأن تطبيق المادة 112من القانون الاساسي خلال فترة الثلاثين يوماً هذه، لو جرى تطبيقها، أن يحل محل أحكام قانون الإجراءات الجزائية إلى الحد المتعلق بالمراجعة الأولى للتوقيف المنتهيةبحلول اليوم الخامس عشر اللازمة لمراجعة النائب العام (وليس من جانب مدع عام بعد الساعات الأربع والعشرين الأولى ومن جانب قاض بعد ذلك باثنتين وسبعين ساعة من التوقيف وما يلي ذلك). بيد أنه وبحسب المعلومات المتوافرة لدى منظمة العفو الدولية، فإن عدة أشخاص ممن اعتقلوا قبل 13يوليو/تموز ولفترة تتجاوز 15يوماً لم يعرضوا على النائب العام.(70)


فاعتُقل إبراهيم يوسف الشيخ، وهو طالب يبلغ من العمر 18عاماً، في 4سبتمبر/أيلول من كلية سالسيان، حيث يدرس في بيت لحم، واقتيد إلى مركز الأمن الوقائي في المدينة. ولم يُعرض على قاض حتى 16سبتمبر/أيلول، أي بعد تسعة أيام من انقضاء فترة 72ساعة التي يجب أن يمثل المعتقلون بعدها أمام قاض أو يُفرج عنهم. وأمر القاض¡? بالإفراج عنه، ولكنه كان لا يزال في الحجز عند كتابة هذه السطور، أي بعد 40يوماً من توقيفه، ما يشكل خرقاً للقانون الفلسطيني. واعتقل اثنان من أقاربه، هما إبراهيم قاسم الشيخ وبكر علي قاسم الشيخ، في 8و6سبتمبر/ أيلول على التوالي. ولم يمثلا أمام قاض حتى 23 سبتمبر/أيلول، أي بعد تأخير دام 10أيام على الأقل، وأمر القاضي بإطلاق سراح كليهما، غير أنهما كانا لا يزالان رهن الاحتجاز في وقت كتابة هذه السطور، أي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع، وورد أنهما تعرضا للتعذيب.


واعتقل إسماعيل عبد الكريم محمد إسماعيل، وهو دهّين (نقّاش) في الحادية والثلاثين وأب لخمسة أطفال صغار، من بيته في بيت إيبا، قرب نابلس، في 25أغسطس/آب؛ وبعد مرور أكثر من ستة أسابيع، لم يكن قد مثل أمام قاض. وكان في وقت كتابة هذه السطور لا يزال رهن الاعتقال، وورد أنه تعرض للتعذيب.


واعتقل قريب رابع لهم، ويدعى حسين الشيخ، وهو محام يعمل مع نادي الأسير، المنظمة غير الحكومية التي تقدم الدعم والمشورة القانونية للفلسطينيين المعتقلين من جانب السلطات الإسرائيلية، في 14سبتمبر/أيلول على يد الأمن الوقائي في بيت لحم؛ وبعد ثلاثة أيام مثُل أمام قاض أمر بإطلاق سراحه، ولكن لم يفرج عنه حتى30سبتمبر/أيلول، بعد أن تدخل عدة زملاء للدفاع عنه. وبعد إطلاق سراحه، أبلغ منظمة العفو الدولية أنه أُخضع أثناء احتجازه للحرمان من النوم وللشبح، وأنه قد فقد 14كيلوغراماً من وزنه خلال أسبوعين من الاحتجاز. وفي 11أكتوبر/ تشرين الأول، اعتقلته القوات الإسرائيلية وكان لا يزال في الحجز الإسرائيلي في وقت كتابة هذه السطور. وبالمثل، اعتقل عضو خامس في العائلة، ويدعى مصطفى طه الشيخ، وهو طالب يبلغ من العمر 19عاماً، على أيدي القوات الإسرائيلية في 11أكتوبر/تشرين الأول، بعد يومين من إطلاق سراحه من مركز الأمن الوقائي في بيت لحم، حيث ظل معتقلاً بلا تهمة أو محاكمة لأسبوعين. واعتقلت القوات الإسرائيلية بالمثل عدة أشخاص آخرين إثرفترة وجيزة من اضطرار الأمن الوقائي الإفراج عنهم بعد أن كانوا معتقلين على نحو تعسفي لديه. وبحلول منتصف أكتوبر/تشرين الأول، بدأ نمط من الاعتقالات على أيدي السلطات الإسرائيلية يتكشف للعيان يستهدف أشخاصاً كانوا محتجزين لدى القوات الأمنية للسلطة الفلسطينية لفترات تتجاوز الحدود المسموح بها بموجب القانون الفلسطيني، وعلى نحو يخرق أوامر القضاة بالإفراج عنهم، وذلك بعد إطلاق سراح هؤلاء من حجز السلطة الفلسطينية، ما يشير إلى درجة متزايدة من التعاون "الأمني" بين الأمن الوقائي للسلطة الفلسطينية والقوات الإسرائيلية.


خاتمة وتوصيات

حالة انعدام حكم القانون التي أمسكت بخناق الضفة الغربية وقطاع غزة على نحو متزايد، وبلغت ذروتها في الاقتتال الداخلي غير المسبوق الذي اندلع في النصف الأول من 2007 هي بدرجة كبيرة نتاج الامتناع المنهجي ولفترات طويلة من جانب السلطة الفلسطينية عن احترام القانون وتنفيذه، والحد من انتشار الأسلحة غير المرخصة بين أيدي الأفراد والمجموعات غير النظامية، وعدم إخضاع الجماعات المسلحة والأفراد، على السواء، ممن يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان للمساءلة عن جرائمهم. فحالة غياب سيادة القانون قد وجدت محفزاً لها على نحو متزايد في مناخ الإفلات من العقاب الذي تجذَّر، والذي لم ينجم عنه سوى تأجيج الانتهاكات وتلطيخ صورة مجمل عملية إنفاذ القوانين من جانب السلطة الفلسطينية ومؤسساتها وآلياتها القضائية ضمن الإطار الأوسع للمجتمع الفلسطيني الذي يفترض فيها أن تخدمه.


إن منظمة العفو الدولية تعترف بأن قدرة السلطة الفلسطينية على إنفاذ القانون وإدارة العدالة قد واجهت قيوداً شديدة جراء عوامل خارجية ناجمة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، بما يعنيه ذلك من هجمات متكررة قام بها الجيش الإسرائيلي ضد المرافق الأمنية للسلطة الفلسطينية وغيرها من المؤسسات، وفرض القيود على تنقل قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية وعلى قدراتها التشغيلية في المناطق الخاضعة للولاية القضائية للسلطة الفلسطينية. وبغض النظر عن هذه الحقيقة، فإن المنظمة تعتقد أن السلطة الفلسطينية كثرما استخدمت هذه القيود كذريعة لتبرير افتقارها للإرادة السياسية وامتناعها عن التصرف حيال الجماعات الفلسطينية المسلحة ومجموعات المصالح القوية المسؤولة عن جرائم خطيرة – سواء ضد فلسطينيين آخرين أم ضد مدنيين إسرائيليين أم ضد أجانب.


وترى منظمة العفو الدولية أن من الضروري الآن اتخاذ خطوات عاجلة وملموسة للتصدي لهذا الخلل المنهجي والبدء في فرض الاحترام لحكم القانون في الأراضي الفلسطينية المحتلة الخاضعة لولاية السلطة الفلسطينية. وعلى وجه الخصوص، تُقدِّم منظمة العفو الدولية التوصيات التالية:


إلى السلطة الفلسطينية وإلى إدارة الأمر الواقع التابعة لحماس في قطاع غزة:


تشكيل لجنة خبراء

- الاتفاق على تشكيل لجنة من الخبراء المستقلين وغير المتحيزين أوالمتحزبين لتقصي انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها كلا الطرفين وقواتهما والجماعات المسلحة التابعة لهما في سياق المواجهات الفئوية التي وقعت منذ مطلع 2006.

- التعهد بالتعاون مع هذه اللجنة لتيسير مهمتها.

- التعهد باتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة المعطيات والتوصيات التي تتوصل إليها التحقيقات، التي ينبغي نشرها على الملأ.


إلى السلطة الفلسطينية:


وضع حد لإفلات الجناة من العقاب


- إنهاء الحصانة من العقاب التي تلازم الانتهاكات، بما في ذلك عن طريق إصدار أوامر واضحة تقتضي من جميع قوات الأمن التقيد بالقانون واحترام حقوق الإنسان، وكذلك بتوجيهها إلى أنه سوف يتم القبض على الأعضاء والجماعات المسلحة وغيرهم ممن يرتكبون الجرائم وتقديمهم إلى العدالة بغض النظر عن الفصيل السياسي أو العشيرة التي ينتمون إليها.

وضع حد للاعتقال والاحتجاز التعسفي


- ضمان الإفراج عن جميع من جرى اعتقالهم تعسفاً، وإيقاف عمليات الاعتقال التعسفي فوراً، وعدم حرما