Document - Israel and the Occupied Territories: Shielded from scrutiny: IDF violations in Jenin and Nablus

رقم الوثيقة : MDE 15/143/200

4 نوفمبر/تشرين الثاني 2002

إسرائيل والأراضي المحتلة:

بعيداً عن أنظار العالم -انتهاكات جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين ونابلس


المقدمة :

"أُعطي جنود جيش الدفاع الإسرائيلي وضباطه أوامر واضحة : بدخول المدن والقرى التي أصبحت ملاذاً آمناً للإرهابيين؛ للقبض على الإرهابيين واعتقالهم، لاسيما مرسيلهم وأولئك الذين يمولونهم ويدعمونهم؛ ومصادرة الأسلحة المزمع استخدامها ضد المواطنين الإسرائيليين؛ واكتشاف مرافق الإرهابيين ومتفجراتهم ومختبراتهم ومصانع إنتاج أسلحتهم ومنشآتهم السرية وتدميرها. والأوامر واضحة :استهداف أي شخص يحمل السلاح ويحاول اعتراض قواتنا أو مقاومتها أو تعريضها للخطر وشل قدرته – وتفادي إلحاق الأذى بالسكان المدنيين."


[آرييل شارون، رئيس وزراء إسرائيل، أمام الكنيست في 8 إبريل/نيسان 2002].


"ذهبت إلى مدن جرى فيها قتال من منـزل إلى منـزل : في رواندا ونيكاراغوا وإلسلفادور وكولومبيا، ومدينة ضربها زلزال هائل هي مدينة مكسيكو. وقد تضمن الدمار الذي شاهدته في مخيم جنين أسوأ العناصر في كلا الوضعين، فلم يتم تدمير المنازل بالجرافات أو بالديناميت وحسب، بل جرى تحويلها إلى تراب تقريباً جراء مرور الجرافات والدبابات عليها جيئة وذهاباً بصورة متكررة ومتعمدة. وجرى اختراق المنازل من جدار إلى آخر بنيران الدبابات أو المروحيات الحربية. وشُطرت المنازل نصفين كما لو أنه تم بفعل مقص عملاق. وفي داخلها منظر موحش لغرفة طعام أو غرفة نوم بقيت تقريباً سليمة. ولم توجد دلائل على الإطلاق على أن غرفة النوم أو الطعام أو حتى المنـزل قد استخدمه مقاتلون. وهذا دمار لا مبرر له ومتعمد وغير ضروري. وقد تناثرت عربات الأطفال وألعابهم وأسرَّتهم في كل مكان. فأين كان هؤلاء الأطفال؟ لا أعرف، لكنني أعرف أين سيكون الناجون في المستقبل."


[خافيير زونيغا، مدير الاستراتيجية الإقليمية في منظمة العفو الدولية الذي دخل إلى مخيم جنين للاجئين في 17 إبريل/نيسان 2002]


وفي 29 مارس/آذار 2002، شن جيش الدفاع الإسرائيلي هجوماً جديداً تحت اسم عملية السور الواقي، على المناطق السكنية الفلسطينية. وبحسب الجيش المذكور، كان غرض الهجوم شأنه شأن عمليات التوغل في مخيمات اللاجئين التي سبقته في مارس/آذار واحتلال الضفة الغربية الذي أعقبها في يونيو/حزيران، هو تدمير البنية الأساسية "للإرهاب"، وبخاصة عقب قتل الجماعات المسلحة الفلسطينية 40 مدنياً إسرائيلياً بين 1 مارس/آذار و1 إبريل/نيسان.(1)

بدا الهجوم بحصار مقر الرئيس ياسر عرفات في رام الله. ثم دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى بيت لحم وطولكرم وقلقيلية اعتباراً من إبريل/نيسان، وبعدها إلى جنين ونابلس اعتباراً من ليلتي 3 و4 إبريل/نيسان وأعلن هذه المناطق "مناطق عسكرية مغلقة"، مانعاً العالم الخارجي من الدخول إليها. وقطع جيش الدفاع الإسرائيلي الماء والكهرباء عن معظم المناطق وفرض حظراً صارماً للتجول على السكان المقيمين داخل المدن.

وفي جنين ونابلس، ضُرب طوق شديد بواسطة الدبابات وناقلات الجند المدرعة والجنود على المناطق التي نفَّذ فيها جيش الدفاع الإسرائيلي عملياته : في مخيم جنين للاجئين والبلدة القديمة في نابلس. وتعرضت المنازل لهجمات مكثفة بالصواريخ التي أطلقتها مروحيات الأباتشي.

وبعد اليوم الأول، تُرك الذين سقطوا قتلى وجرحى في جنين ونابلس من دون دفن أو معالجة طبية. وظلت الجثامين في الشوارع، حيث تعرض السكان الذين غامروا بالخروج لنقل جثث القتلى أو الاعتناء بالجرحى لإطلاق النار. وقامت الدبابات التي كانت تجوب الشوارع الضيقة بهدم الجدران الخارجية للمنازل بلا رأفة؛ وكان جزء كبير من الدمار الذي ألحقته الدبابات بالممتلكات متعمداً وغير ضروري. وفي عملية واحدة مروعة وواسعة، هدم جيش الدفاع الإسرائيلي حياً سكنياً كبيراً في مخيم جنين ودمره بالمتفجرات أو سوته جرافات الجيش بالأرض، وبدا أن جزءاً كبيراً منه دُمر بعد انتهاء القتال.

وفي الأشهر الأربعة الممتدة بين 27 فبراير/شباط ونهاية يونيو/حزيران 2002 – وهي الفترة التي شهدت الهجومين الرئيسيين اللذين شنهما جيش الدفاع الإسرائيلي وإعادة احتلال الضفة الغربية – قتل جيش الدفاع الإسرائيلي قرابة 500 فلسطيني. ورغم أن الكثير من الفلسطينيين لقوا مصرعهم خلال المواجهات المسلحة، إلا أن العديد من عمليات القتل هذه التي ارتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي بدا أنه غير قانوني، وكان ما لا يقل عن 16 بالمائة من الضحايا، أكثر من 70، من الأطفال. وتعرض أكثر من 8000 فلسطيني اعتُقلوا في عمليات اعتقال جماعية في الفترة ذاتها لسوء المعاملة بصورة روتينية(2)وهُدمت مناز4? أكثر من 3000 فلسطيني.

كذلك ازداد عدد الإسرائيليين الذين قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة والأفراد الفلسطينيين : وتضاعف العدد خلال شهر مارس/آذار إبان عمليات التوغل الإسرائيلية الأولى؛ وفي الأشهر الأربعة التي سبقت نهاية يونيو/حزيران 2002، قُتل أكثر من 250 إسرائيلياً، بينهم 164 مدنياً؛ من ضمنهم 32 طفلاً.(3)

ويحق لإسرائيل اتخاذ تدابير لمنع وقوع أعمال عنف غير قانونية لا بل تقع على عاتقها مسؤولية اتخاذها. وبالمثل يترتب على الحكومة الإسرائيلية واجب التأكد من تنفيذ الإجراءات التي تتخذها لحماية الإسرائيليين وفقاً للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان. وبوصفها دولة احتلال في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، يترتب على إسرائيل واجب احترام الحقوق الإنسانية لجميع سكان هذه المناطق وحمايتها.


تحاشي التحقيقات

منع جيش الدفاع الإسرائيلي، طوال الفترة الممتدة بين 4 و15، إبريل/نيسان دخول أي كان إلى مخيم جنين للاجئين، بمن في ذلك الأطباء والممرضون وسيارات الإسعاف، وخدمات الإغاثة الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان والصحفيون. وحاولت منظمة العفو الدولية وسواها من المنظمات الحصول على معلومات بالطريقة الوحيدة التي بدت ممكنة: حيث أجرت مكالمات هاتفية بصورة مستمرة مع السكان الخاضعين لحظر التجول. وبحلول 12 إبريل/نيسان، قال السكان إن الحظر المتواصل أدى إلى حدوث نقص حاد في الأغذية والمياه. وفي بعض الحالات، شرب الأطفال المياه المبتذلة وأُصيبوا بالمرض نتيجة لذلك. وقال أحد السكان الذي يسكن في طرف المخيم إن : رائحة الموت تفوح من المخيم بسبب الجثث المتناثرة، فبعض الجثث دُفنت تحت الأنقاض، والجثث الأخرى سحقتها الدبابات والجثث الباقية تُركت ملقاة في الشوارع."

وفي الحي العتيق في نابلس، كان الوضع مشابهاً جداً. وبسبب قطع أي اتصال بينه وبين العالم الخارجي بواسطة طوق من الدبابات الإسرائيلية من 3 إلى 22 إبريل/نيسان، اعتمدت منظمة العفو الدولية وغيرها من المدافعين عن حقوق الإنسان على الهاتف لمعرفة ما يجري؛ وقد عُزل كل واحد من السكان ولم يكن يستطيع التحدث إلا عن المنطقة المجاورة له مباشرة. ووصف السكان النقص الحاصل في الأغذية والماء وحقيقة أنهم غير قادرين على الخروج من منازلهم. وأبلغ سكان أحد المنازل عن وجود جثة، يبدو أنها تعود لمقاتل فلسطيني، ملقاة في الشارع خارج المنـزل؛ وقالوا إنه عندما حاول الناس الوصول إليها، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار عليهم. ومن داخل المنـزل شاهدوا فلسطينياً مجهول الهوية يقضي نحبه؛ ثم رأوا الكلاب وهي تقتات على الجثة بعد تحللها.

ويوماً بعد يوم، توسل السكان على الهاتف تقديم المساعدة لهم، واصفين المشهد والروائح للمنظمات الطبية، ولم يتمكن المدافعون عن حقوق الإنسان من الوصول إليهم وكانوا عاجزين عن تقديم يد العون.

والحواجز التي أقامها جيش الدفاع الإسرائيلي لحجب أنظار العالم الخارجي عن جنين ونابلس خلال شهر إبريل/نيسان 2002، تمثل نموذجاً للحواجز التي أقامتها السلطات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين من الانتفاضة. واليوم تُسد مداخل كل مدينة أو قرية فلسطينية بأكوام التراب أو بكتل خرسانية أو بحواجز يحرسها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي. ولا يُسمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة من دون إذن خاص يصعب عليهم الحصول عليه. ويُمنع فلسطينيو الأراضي المحتلة من التنقل على الطرق الرئيسية، ويتم تفتيشهم عند الحاجز الإسرائيلي المقام خارج كل مدينة – وغالباً ما تتم إعادتهم من حيث أتوا. ومنذ مايو/أيار 2002 لا يستطيع الفلسطيني التنقل من مدينة إلى أخرى في الأراضي المحتلة من دون تصريح مرور خاص. ومعظم الفلسطينيين لا يملكون تصاريح وبالتالي لا يتنقلون. وغزة مقطوعة عن الضفة الغربية والدخول إلى القدس ممنوع على جميع الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة من دون تصريح خاص.

وتزعم السلطات الإسرائيلية أن هناك أسباباً لهذا. ولا يجوز لأي إسرائيلي أن يدخل إلى منطقة فلسطينية لأن العديد من الإسرائيليين كانوا هدفاً للجماعات الفلسطينية المسلحة التي قتلتهم. ولا يجوز لأي فلسطيني دخول القدس أو التنقل على بعض الطرق لأن العديد من الفلسطينيين المسلحين شنوا فيها هجمات مسلحة على الإسرائيليين. وباستثناء دبابات جيش الدفاع الإسرائيلي وناقلات الجند المدرعة وسيارات الجيب التابعة له، لا يتنقل أحد بحرية على طرقات الأراضي المحتلة. وفي إبريل/نيسان 2002، لم تُمنع فقط سيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من الدخول إلى جنين ونابلس؛ بل مُنعت أيضاً سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر. ولم يُمنع فقط الإسرائيليون والفلسطينيون من مشاهدة ما كان يحدث في جنين ونابلس، بل مُنع أيضاً الدبلوماسيون والصحفيون والمنظمات الدولية الإنسانية ولحقوق الإنسان من الدخول إلى المناطق العسكرية المغلقة.

ولم يُسمح لبعثة زائرة تابعة للأمم المتحدة، أمرت بتشكيلها لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 5 إبريل/نيسان وترأستها ماري روبنسون، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، من الدخول إلى إسرائيل وجرى حلها؛ لا بل إن بعثة رفيعة المستوى لتقصي الحقائق اتفق على إرسالها وزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان وقوبلت بالترحيب عبر تصويت بالإجماع جرى في مجلس الأمن، مُنعت من الدخول إلى إسرائيل وجرى حلها بعد مفاوضات دامت أسابيع.

ويترتب على دولة إسرائيل واجب أساسي بموجب القانون الدولي للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان ومقاضاة الجناة وإنزال العقاب بهم ووضع آليات تكفل دفع تعويضات سريعة وكافية إلى الضحايا وتضمن عدم تكرار الانتهاكات. لكن الحكومة الإسرائيلية التي شكلت لجنة أور للتحقيق في مقتل 13 فلسطينياً في إسرائيل على يد قوات الأمن في بداية الانتفاضة في سبتمبر/أيلول – أكتوبر/تشرين الأول 2000، لم تجر تحقيقاً سريعاً وشاملاً ومستقلاً في مقتل أي من الـ 1700 فلسطيني الذين لقوا حتفهم في الأراضي المحتلة.


إذا كنت تود الوصول إلى نقطة معينة في الضفة الغربية أعلنتها إسرائيل "منطقة عسكرية مغلقة"، فليس أمامك خيارات عديدةوقد شاهدنا قوافل الإغاثة التابعة للأمم المتحدة وهي تمنع من دخول جنين في 15 إبريل/نيسان. وشاهدنا سيارات تحمل لوحات دبلوماسية وسيارات تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تُجبر على الانتظار طوال ساعات قبل السماح لها بالتوجه إلى نقطة التفتيش التالية. ويبدو أن تصريح الدخول كان يُعطى بصورة تعسفية ويتخذه القادة الميدانيون. ولم يُسمح للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بالدخول حتى وإن ذكرنا أنهم يساعدوننا في عملية الترجمة وبالتالي يمكن اعتبارهم من ضمن الوفد.

ويمكنك أن تصادف بين نقاط العبور أرتالاً من الدبابات التي قد لا تعرف بأنه أُذن لك بالدخول. وقد أوقفتنا إحداها. واضطر طاقمها إلى أن يتصل لاسلكياً للحصول على تأكيد على أنه سُمح لنا بالدخول إلى المنطقة. وهي تنطلق بسرعة عالية وتكون جميع أبوابها وكواتها (منافذها) مغلقة. وهناك دائماً خطر في أن يعتقدوا بأنك تخالف حظر التجول ساري المفعول على مدار الساعة ويطلقون النار عليك.

خافيير زونيغا، منظمة العفو الدولية


خلفية هذا التقرير

منذ بداية الانتفاضة الحالية، أرسلت منظمة العفو الدولية 15 بعثة بحثية إلى المنطقة؛ وأُرسل أكثر من نصفها خلال العام الثاني من الانتفاضة. وصدرت ثمانية تقارير خلال الفترة ذاتها.

وبعد بدء عملية السور الواقي، بقيت مندوبة منظمة العفو الدولية الدكتورة كاثلين كافانو، وهي خبيرة في القانون الدولي، في الأراضي المحتلة لأكثر من شهرين لمراقبة تطورات حقوق الإنسان. ومن بين مندوبي منظمة العفو الدولية الذين جاءوا خلال شهري إبريل/نيسان ومايو/أيار 2002 الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أيرين خان ودريك باوندر أستاذ الطب الشرعي (الجنائي)، الذي زار جنين وأجرى عمليات تشريح للجثث، والرائد (المتقاعد) ديفيد هولي، وهو مستشار عسكري، أمضى عدة أسابيع في المنطقة من أجل تحليل الاستراتيجيات العسكرية وتقييم الضرورات العسكرية.

ويتناول هذا التقرير بشكل محدد الأفعال التي ارتكبها جيش الدفاع الإسرائيلي في جنين ونابلس بين إبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2002. وينظر في مزاعم عمليات القتل غير القانوني؛ واستخدام "الدروع البشرية"؛ وممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية ضد المعتقلين؛ ومنع وصول المعونة الطبية والطعام والماء؛ وتدمير الممتلكات، بما في ذلك تدمير البنية التحتية والمباني التجارية والمباني والمنازل التاريخية والدينية أو إلحاق أضرار بها. كما يعكس هذا التقرير الوسائل التي استخدمتها دولة إسرائيل للحيلولة دون إجراء تحقيقات داخلية وخارجية في ممارساتها على صعيد حقوق الإنسان.

وزار مندوبو منظمة العفو الدولية مواقع الحالات الموثقة في التقرير وفحصوا مسرح الانتهاكات المزعومة. وتضمنت أبحاثهم استعراضاً لقضايا المحكمة العليا الإسرائيلية وفحصاً للسجلات الكتابية (قوائم المستشفيات والسجلات الطبية وسجلات سيارات الإسعاف) والتصريحات العامة والتوثيق التلفزيوني. وأجرى المندوبون مقابلات مع ممثلي البلديات وأفراد الجسم الطبي المحلي والدولي ومراقبين من وسائل الإعلام والعديد من الإسرائيليين والفلسطينيين والأفراد الدوليين العاملين لدى المنظمات المحلية والدولية الإنسانية ولحقوق الإنسان، وأجروا عشرات المقابلات مع سكان جنين ونابلس والضحايا أو عائلاتهم. وجرى التدقيق بالأقوال والشهادات وسواها من الأدلة للتأكد من دقتها.

وبهذه الطريقة استطاع باحثو منظمة العفو الدولية رسم صورة الأحداث التي وقعت في جنين ونابلس.


ونوقشت بواعث القلق المتعلقة بالعمليات العسكرية، والتي أُثيرت في هذا التقرير، في مايو/أيار مع اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي والعقيد دانييل ريزنر، رئيس دائرة القانون الدولي في جيش الدفاع الإسرائيلي. وتنعكس تعليقاتهما وتوضيحاتهما في هذا التقرير. وفي يونيو/حزيران ويوليو/تموز قدمت منظمة العفو الدولية جميع الحالات الواردة في التقرير إلى جيش الدفاع الإسرائيلي للتعليق عليها؛ وبحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2002، لم تكن قد تلقت أي رد.

وفي جنين ونابلس، ارتكب جيش الدفاع الإسرائيلي أفعالاً تنتهك القانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، ويصل بعض هذه الأفعال إلى حد الانتهاكات الخطيرة لاتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب الصادرة في العام 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة) ويُشكل جرائم حرب.


موجز الأحداث

في جنيندخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مخيم اللاجئين من جميع الجوانب، لكن التوغل الأوسع لجيش الدفاع الإسرائيلي تم كما يبدو في حارة الدمج خلال يوم 3 إبريل/نيسان 2002. ثم تقدم جنود جيش الدفاع الإسرائيلي عبر منطقة جورة الذهب في المخيم ودخلوا أخيراً إلى حي الحواشين. ويتماشى هذا النمط من التحرك مع آثار الدمار البادي للعيان في المخيم. وغالباً ما استخدمت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي الجرافات لتوسيع الأزقة وهدمت جدران المنازل الخارجية للسماح بمرور الدبابات وغيرها من العربات العسكرية عبر الطرق الضيقة في المخيم. وبلغت حدة القتال ذروتها بين 3 و9 إبريل/نيسان ووجه جيش الدفاع الإسرائيلي نداءات لإخلاء المنطقة، لكن العديد من السكان قالوا إنهم لم يسمعوها أو لم يفهموها؛ وقال آخرون إنهم عندما حاولوا أن يُخلوا المنطقة حوصروا بين النيران المتبادلة واحتموا بمنازلهم أو بمنازل أخرى. وفي أوقات مختلفة دعا جيش الدفاع الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت جميع الذك ?ر الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عاماً إلى الحضور. وقال عديدون إنهم لم يجرؤا على مغادرة منازلهم. وأُجبر معظم الرجال الذين اعتُقلوا على خلع ملابسهم باستثناء الداخلية منها ونقلوا سيراً على الأقدام أو بالمركبات إلى مركز اعتقال في بير سالم لبضعة أيام؛ وأُطلق سراح معظمهم في قرى نائية أُمروا بألا يغادروها. وطلب جيش الدفاع الإسرائيلي من النساء اللواتي اعتُقلن بمغادرة المخيم.

وخلال عمليات التوغل السابقة في مخيمات اللاجئين في شهر مارس/آذار دخل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مخيم جنين للاجئين من دون مقاومة تُذكر من الجماعات الفلسطينية المسلحة؛ وهذه المرة أبلغ أحد أعضاء فتح باحثي منظمة العفو الدولية أنهم قرروا مقاومة غزو جيش الدفاع الإسرائيلي.


"اتخذ السكان قرار التصدي والقتال بعدما حدث في مارس/آذار. وإذا لم نفعل ذلك فإلى أين سنذهب؟ وضرب الإسرائيليون طوقاً حول البلدة؛ ولم يكن أمامنا أي خيار. وليس هناك مكان آخر نقاتل فيه."


وكان هناك ما بين 120 و150 مقاتلاً، معظمهم لكن ليس جميعهم مزودين بالأسلحة؛ وكان بينهم حوالي 30 فرداً من أفراد قوات الأمن الفلسطينية، معظمهم من جهاز الأمن الوقائي، كانوا أعضاءً في التنظيم، الجناح العسكري لفتح. وأبلغ أعضاء الجماعات المسلحة منظمة العفو الدولية أن النساء كن يجلبن الطعام للمقاتلين وأن الأطفال كانوا ينقلون الرسائل.

وفي المخيم، تقدم جيش الدفاع الإسرائيلي من منـزل إلى منـزل بحثاً عن الأسلحة أو أعضاء الجماعات المسلحة. وأبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي منظمة العفو الدولية أن الجنود تعاملوا على حدة مع كل منـزل من منازل المخيم البالغ عددها 1800، حيث أعطوا تحذيرات للناس بالمغادرة، وإذا لم يخرج أحد من المنـزل كان جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يستخدمون مكبرات الصوت لإصدار تعليمات إلى من بداخله للخروج. وتبين شهادات عديدة أن وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي، غالباً ما أجبرت الفلسطينيين على المشاركة في العمليات بإجبار المقيم الفلسطيني في المخيم على دخول أحد المنازل أولاً ثم تفتيشه؛ كذلك استخدموا الفلسطينيين "كدروع بشرية" يحتمون خلفها. وفجرت دوريات جيش الدفاع الإسرائيلي أبواب المنازل لفتحها غالباً من دون الانتظار لمعرفة ما إذا كان من بداخلها سيفتحون الباب. ودُمرت المنازل، أحياناً من دون التأكد من خروج شاغليها منها.

واستخدمت الجماعات المسلحة الفلسطينية المنازل الفارغة كقواعد تقاتل منها وغالباً ما وضعت فيها أجساماً مفخخة عندما كانت تنسحب إلى مبنى آخر. وكان القتال على أشده بين 3 و9 إبريل/نيسان وشرساً للغاية في 5 –6 إبريل/نيسان. وأوقعت تكتيكات الجماعات المسلحة خسائر جسيمة في الأرواح في صفوف جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذي كان قد فقد أصلاً عشرة رجال في جنين بحلول 9 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي قُتل فيه 13 جندياً آخرين في كمين واحد. وتسارعت عملية هدم منازل الفلسطينيين بالجرافات الثقيلة من طراز دي – 9 (والذي لم يقتصر على هذه الفترة) بعد هذا التاريخ. وأبلغ اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي منظمة العفو الدولية أنه :


"بعد سبعة إلى ثمانية أيام، وبعد سقوط 23 قتيلاً، قررنا تغيير تكتيكاتنا واستخدام الجرافات. وكنا نضع الجرافة بالقرب من المنـزل، وننادي على شاغليه بالخروج، ثم ندمره… وفي الأيام الخمسة إلى الستة الأخيرة لم تلحق بنا أية إصابات. وفي طريقها اضطرت الجرافات إلى تدمير المزيد من المنازل، لأنها كانت بحاجة إلى المرور. وكانت هذه الطريقة الأكثر إنسانية للتعامل مع الوضع".


وبدا أن استسلام حوالي 34 مسلحاً فلسطينياً محاصرين في مبنى إلى جيش الدفاع الإسرائيلي في 11 إبريل/نيسان 2002 بموجب مفاوضات أذن بانتهاء المقاومة المسلحة في المخيم. وأبلغت الجماعات المسلحة مندوبي منظمة العفو الدولية أنها بعد 10 إبريل/نيسان حاولت الاختباء أو المغادرة؛ وعرَّض بعضهم نفسه للاعتقال مع الرجال الآخرين الذين قُبض عليهم والذين لم يشاركوا في القتال. وأكد سكان المخيم، فضلاً عن عمال الإغاثة والصحفيين الأجانب والمحليين الذين كانوا في محيط المخيم أنه لم يُسمع إطلاق نار يذكر بعد هذا التاريخ. لكن كما تبين الصور الجوية لمخيم اللاجئين على الصفحة (؟)، جرى جزء كبير من هدم المنازل بالجرافات في منطقة الحواشين، التي تبلغ مساحتها 400×500 متر، بين 11 و14 إبريل/نيسان.


وسُمح لسيارات الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى مخيم اللاجئين للمرة الأولى في 15 إبريل/نيسان 2002، ولم يُرفع الحصار الذي فرضه جيش الدفاع الإسرائيلي إلا في 17 إبريل/نيسان. وحاول معظم سكان الخيم الذين أمكنهم ذلك مغادرته خلال الغزو؛ وبعد رفع الحصار عادوا إليه بأعداد كبيرة؛ وراقب مندوبو منظمة العفو الدولية الفلسطينيين المذهولين وهم يحدقون غير مصدقين في أنقاض المنازل ويحفرون على عجلة بأيديهم فقط محاولين إنقاذ أي شخص دُفن تحت الأنقاض وما زال حياً.

ودخل باحثو منظمة العفو الدولية إلى مخيم جنين في 17 إبريل/نيسان، بعد دقائق من رفع الحصار الإسرائيلي. وفي 14 إبريل/نيسان كان أحد مندوبي المنظمة وهو دريك باوندر أستاذ الطب الشرعي ينتظر خارج المحكمة العليا الإسرائيلية ليرى ما إذا كان سيتم السماح للمنظمات الطبية بالدخول. وفي 15 إبريل/نيسان سُمح للجنة الدولية للصليب الأحمر ولجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالدخول إلى المخيم للمرة الأولى. وانتظر مندوبو منظمة العفو الدولية ثلاث ساعات عند نقطة التفتيش في سالم عندما سُمح لهم بالمرور، من دون أية مركبة، فمشوا مسافة 12 كيلومتراً عبر المناطق الريفية الوادعة، وهم يحملون معدات طبية ثقيلة، حيث وصلوا عند الغسق إلى بلدة تخضع لحظر التجوال. وكانت الكهرباء مقطوعة عن معظم المنازل في جنين ولا يوجد فيها إلا المياه التي تمت تعبئتها في أوعية. ولكي يعثروا على الكهرباء من أجل شحن أجهزة هاتفهم المحمولة، خاطر المندوبون بالخروج في رحلة ليلية بعد سريان الحظر إلى حي ما زالت فيه كهرباء. وفي 16 إبريل/نيسان انتظر المندوبون يوماً بأكمله، خارج مستشفى جنين العام الواقع على طرف مخيم اللاجئين، حيث منعهم جيش الدفاع الإسرائيلي من الدخول. وهناك شاهدوا امرأة في المخاض تسعى جاهدة لقطع المائة متر الأخيرة سيراً على الأقدام بعدما أوقف جيش الدفاع الإسرائيلي سيارة الإسعاف التي كانت تُقلها. وأبلغهم مدير المستشفى بأن جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا ملقاة على أكوام التراب في أرض المستشفى، لكن لم يُسمح للبروفيسور باوندر بالدخول لإجراء فحوص طبية جنائية.

وفي صبيحة 17 إبريل/نيسان، سمح جيش الدفاع الإسرائيلي الذي كان يسد مدخل المستشفى للبروفيسور باوندر بالدخول. ومع ورود خبر رفع الحصار الإسرائيلي، دخل المندوبون إلى مخيم جنين للاجئين. وشاهدوا حي الحواشين الذين كان يوماً يؤوي أكثر من 800 عائلة، وقد تحول الآن إلى أنقاض. وكان رجل عجوز يقف بالقرب من أنقاض منـزل عند الطرف الغربي من الحي، ينادي ويقول إن ابنته دُفنت تحت الأنقاض.


وبعد رفع الحصار وحظر التجول من جانب الجيش الإسرائيلي في 17 إبريل/نيسان 2002، أُعيد فرضهما بصورة متكررة. وفي يونيو/حزيران، انتقلت الدكتورة كاثلين كافانو، وهي خبيرة في القانون الدولي وعضو في وفد منظمة العفو الدولية، من منـزل إلى آخر وهي تحاول القيام بأبحاث والاحتماء وإجراء مقابلات مع السكان، وتسعى إلى إجراء تحقيق في عمليات القتل الأخيرة للأطفال في جنين خلال الساعات القليلة التي رُفع فيها حظر التجول. وبينما كانت تجري مقابلة مع شهود عيان، أقدم جيش الدفاع الإسرائيلي على قتل طفل آخر خالف حظر التجول.

ورغم أن الهجوم الذي شنه جيش الدفاع الإسرائيلي ضد نابلسفي إبريل/نيسان 2002 لم يحظ بالاهتمام الذي سُلِّط على جنين، فقد وقع فيها عدد أكبر من الإصابات في صفوف الفلسطينيين 80 قتيلاً وقُتل عدد أقل من الجنود الإسرائيليين (أربعة) وفي البلدة القديمة، كان الجرحى يلفظون أنفاسهم الأخيرة من دون أن يحصلوا على مساعدة طبية في الشوارع والمنازل التي ألحقت الصواريخ أو الجرافات أضراراً بها أو دمرتها فيما استمر سريان حظر التجول والحصار طوال 20 يوماً تقريباً. ورغم أن نطاق هدم المنازل لم يكن مساوياً لما جرى في الحواشين، إلا أن العديد من البيوت والمباني التاريخية دُمر أو لحقت به أضرار.

وضرب جيش الدفاع الإسرائيلي طوقاً حول نابلس بحلول 3 إبريل/نيسان. وفي البداية وضع الجيش المذكور قناصة في المباني العالية، التي تتركز حول البلدة القديمة بصورة رئيسية. وكما حدث في جنين، بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي هجومه بإطلاق صواريخ على مبانٍ معينة، لكن لا يبدو أن كمية الصواريخ كانت توازي العدد المرتفع الذي أُطلق منها في جنين. وبعد ذلك تقدمت القوات البرية وبحلول 6 إبريل/نيسان، تقهقر أعضاء الجماعات الفلسطينية المسلحة كما يبدو وتركزوا في منطقتين رئيسيتين من البلدة القديمة، الياسمينة والقصبة اللتين يصل تعداد سكانهما إلى 3000 نسمة. وعلى عكس ما حصل في جنين، لم يزج جيش الدفاع الإسرائيلي بأعداد كبيرة من المشاة للقتال من منـزل إلى آخر؛ ويبدو أن ذلك كان عائداً كما يُفترض إلى أن منازل البلدة القديمة كانت أكثر متانة وبالتالي ليس من السهل هدمها كما حصل في جنين. لكن عدداً من المنازل لحقت به أضرار من القصف الصاروخي، وعمد جيش الدفاع الإسرائيلي إلى هدم عدة منازل مستخدماً جرافات من طراز دي – 9، في مناسبتين على الأقل أثناء وجود شاغليها فيها وهم أحياء. ولم يبذل الجيش أية محاولة للتحقق من وجودهم أو إنقاذهم. كذلك استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي المباني التجارية المهمة لاقتصاد نابلس مثل : مصنع الصابون ومبنى الهندية. ولم ينشب قتال من منـزل إلى منـزل كما حدث في جنين، وبحلول 11 إبريل/نيسان كان الجزء الأكبر من القتال قد توقف وبسط جيش الدفاع الإسرائيلي سيطرته على المدينة.

وتوقعت الجماعات المسلحة الفلسطينية توغل جيش الدفاع الإسرائيلي داخل نابلس، لكن تبين لها أن دقة قناصة جيش الدفاع الإسرائيلي أحبطت تكتيكاتها. ووصف عضوان ينتميان إلى فتح في نابلس الوضع خلال العمليات العسكرية لمندوبي منظمة العفو الدولية قائلين إنه:


"من الصعب تقدير عدد المقاتلين الموجودين، لأن المقاتلين انقسموا إلى مجموعتين : واحدة لزرع القنابل والأخرى للقتال بالبنادق؛ ربما كان هناك ما مجموعه حوالي 400 مقاتل؛ 60 منهم تقريباً من مخيمات اللاجئين. وكان هناك تعاون جيد بين مجموعات المقاومة؛ وتقرر استخدام القنابل فقط عند بدء الهجوم ضد الدبابات الإسرائيلية. وحالما اخترقت الدبابات المدينة وأصبحت على مشارف البلدة القديمة، وقد احتاج جيش الدفاع الإسرائيلي إلى ثلاثة أيام للقيام بذلك، تقررت مقاومته بنيران الأسلحة الصغيرة.


"ما أن حاصر جيش الدفاع الإسرائيلي البلدة القديمة، احتدم القتال على مدى خمسة أيام، حيث تركز في جزأين من البلدة القديمة : القصبة والياسمينة. وكان لدى الجنود الإسرائيليين خرائط جيدة للشوارع وصور جوية للبلدة، وبدا أنهم يعرفون إلى أين يذهبون وما هي المنازل التي يدخلون إليها ويفتشونها. وكان القتال صعباً جداً، لأننا لم نكن نملك اتصالات جيدة، وكان تصويب القناصة الإسرائيليين دقيقاً للغاية : حيث استحال التنقل بين الأزقة والشوارع بسبب القناصة والهجمات التي شنتها المروحيات مستخدمة الصواريخ.


"ولم تصدر إلينا أوامر من رام الله بالمقاومة، فقررنا القيام بذلك من تلقاء أنفسنا بعدما رأينا صور القتال في رام الله. وتركزت المجموعات في الأحياء السكنية الخاصة بها وكان على رأس كل منها قائد، لكن الاتصالات بين المجموعات كانت بدائية وصعبة. وخلال الأيام الثلاثة الأولى من القتال لم يطلق مقاتلونا النار، بل استخدموا فقط القنابل ضد الدبابات الإسرائيلية. وحاول بعض المقاتلين إيصال الطعام والغذاء إلى الذين نفذت منهم المؤن الغذائية، لكنهم كانوا أهدافاً سهلة للقناصة : وقد صُدمت بدقة نيرانهم. وكنت اعتقد أيضاً أنهم لن يدخلوا البلدة القديمة أبداً لكنهم فعلوا، ولا أعتقد أننا كنا مستعدين لما حصل."


وكما حصل في جنين، قطع جيش الدفاع الإسرائيلي الماء والكهرباء عن معظم المنازل. ويبدو أنه لم يصدر أمر عام بالإخلاء قبل 10 إبريل/نيسان، عندما أُمر الرجال أيضاً بالحضور لاعتقالهم. وكان بعض السكان يخشون المغادرة. وفُرض حظر تجول في جميع أنحاء نابلس، بما فيها مخيمات اللاجئين، منذ اليوم الأول لتوغل جيش الدفاع الإسرائيلي وظل ساري المفعول حتى 22 إبريل/نيسان. وهكذا دام حظر التجول مدة أطول منه في جنين؛ وعانت العائلات من مصاعب جمة مع تناقص مخزون الطعام والمياه، ولم يتجرأ أحد على الخروج خوفاً من نيران القناصة الذين كانوا يستهدفون أي شخص في الشوارع. وبحسب العديد من الأنباء، استمر القناصة في إطلاق نيرانهم حتى بعد رفع حظر التجول. ومُنع الوصول إلى المستشفيات وإلى القتلى والجرحى في البلدة القديمة منعاً باتاً بين 3 و8 إبريل/نيسان. وفي أماكن أخرى، وبسبب عدم قدرة سيارات الإسعاف على التنقل، أقيمت مستشفيات ميدانية في المساجد أو في أي مبنى مناسب. ورُفع حظر التجول في 10 إبريل/نيسان لمدة ساعة واحدة، ومن ثم كل 48 ساعة تقريباً حتى 22 إبريل/نيسان.

وبينما رفع جيش الدفاع الإسرائيلي الإغلاق وحظر التجول داخل المدينة في 22 إبريل/نيسان، إلا أن نابلس ظلت خاضعة لإغلاق عام واستمر فيها الوجود العسكري البارز للعيان، وبخاصة بالقرب من مخيمي بلاطة وعسكر للاجئين (يقع مخيم عسكر للاجئين على الحدود بين المنطقتين أ وج). واستمرت العمليات العسكرية داخل المخيمات ومن حولها. وخلال زيارة قام بها أحد باحثي منظمة العفو الدولية إلى نابلس، كانت الدبابات مرابطة على التلال التي تطل مباشرة على مخيم بلاطة للاجئين وفي الجانب الشرقي من مخيم عسكر، وكانت الدبابات وناقلات الجند المدرعة تتنقل بصورة متكررة على طريق عسكر الرئيسية. وتابع باحثو منظمة العفو الدولية عملهم بصعوبة، من دون أن يكونوا متيقنين أبداً مما إذا كان سيُسمح لهم بالدخول أم لا. وفي مناسبة أخرى، مشى باحثو منظمة العفو الدولية مسافة ستة كيلومترات على التلال من بورين ونزلوا إلى طرف البلدة القديمة، وكانت تقاطعات الطرق مسدودة بالدبابات ودوريات جيش الدفاع الإسرائيلي، وكانت البلدة بأكملها خاضعة لحظر التجول. وبعدما عجزوا عن الوصول إلى منازل المدافعين عن حقوق الإنسان الذين اتصلوا هم بهم، غادروا البلدة قاطعين مسافة ثمانية كيلومترات عبر الشوارع المؤدية إلى خارج وسط المدينة.


جنين

قبل بدء الانتفاضة الثانية، كانت جنين إحدى البلدات الفلسطينية التي تقيم أوثق الصلات مع إسرائيل. ويعود ذلك جزئياً إلى قربها الجغرافي، إذ إن البلدة لا تبعد إلا 12 كيلومتراً عن "الخط الأخضر" الذي يفصل بين الضفة الغربية وإسرائيل. وينتمي العديد من اللاجئين في جنين إلى قرى داخل إسرائيل لا تبعد إلا بضعة كيلومترات، ولدى العديد من العائلات التي تعيش في جنين أقرباء في إسرائيل. وفي الماضي كان عدد كبير من الفلسطينيين التابعين لمحافظة جنين يعملون في إسرائيل، وكان العديد من الإسرائيليين يأتون إلى جنين لشراء البضائع الرخيصة.

وأبلغ اللواء غيورا إيلاند مندوبي منظمة العفو الدولية أن جيش الدفاع الإسرائيلي يعتبر مخيم جنين للاجئين مركزاً للانتحاريين حيث مولت السلطة الفلسطينية قطاعاً ضخماً من القدرات "الانتحارية". وقال إن 90 من الإسرائيليين الذين لقوا حتفهم في الأشهر الثمانية عشر حتى مايو/أيار 2002 قُتلوا على أيدي أشخاص جاءوا من جنين. وبحسب ما قالته الحكومة الإسرائيلية، جرى التخطيط لـ 28 هجوماً انتحارياً في جنين ونُفِّذ انطلاقاً منها بين أكتوبر/تشرين الأول 2000 وإبريل/نيسان 2002.

وشدد محافظ جنين التابع للسلطة الفلسطينية في مناقشة مع مندوبي منظمة العفو الدولية جرت في يناير/كانون الثاني 2002، على العلاقات الطيبة السابقة التي كانت قائمة بين سكان جنين والإسرائيليين، وأعرب عن اعتقاده بأن عدد الهجمات التي شُنت على الإسرائيليين انطلاقاً من جنين له علاقة بعدد الأشخاص الذين قُتلوا من محافظة جنين خلال الانتفاضة؛ فكل عملية قتل لفلسطيني، قد تدفع أصدقاءه وأقرباءه إلى الانتقام لمقتله. وقد جرت أول عملية انتحارية نفذها أحد سكان جنين خلال الانتفاضة الحالية في مايو/أيار 2001، بعد مضي ثمانية أشهر على بدء الانتفاضة.(4)

وخلال العام 2001، قصف جيش الدفاع الإسرائيلي المباني التابعة للإدارة والشرطة في جنين قصفاً شديداً، بما فيها السجناء وقام بعدد من عمليات التوغل داخل جنين قبل إبريل/نيسان 2002. وفي ديسمبر/كانون الأول 2001 جرى سد جميع الطرقات المؤدية إلى خارج البلدة لمدة 27 يوماً وعُزلت البلدة عن المنطقة المجاورة لها؛ وبعد ذلك ظل الوجود الأمني الإسرائيلي وعمليات الإغلاق يؤثران تأثيراً شديداً على حياة الناس.

وقام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل في مخيم جنين في 28 فبراير/شباط 2002 استمرت مدة ثلاثة أيام ثم انسحب منه في 2 مارس/آذار. وخلال التوغل في مخيم جنين في ظل عملية السور الواقي، أُعلنت جنين والعديد من القرى المجاورة لها مناطق عسكرية مغلقة، وعُزلت عن العالم الخارجي. واستمرت العمليات في جنين ومخيم اللاجئين من 3 إلى 18 إبريل/نيسان. لكن عمليات التوغل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي داخل جنين ومخيم اللاجئين تكررت مرات عديدة خلال إبريل/نيسان ويونيو/حزيران ويوليو/تموز إلى أن أعاد جيش الدفاع الإسرائيلي احتلال جنين مع مدن الضفة الغربية الأخرى خلال عملية الدرب الحازم.


عمليات القتل غير القانونية

وفقاً لقوائم المستشفيات التي استعرضتها منظمة العفو الدولية، حدثت 54 حالة وفاة في صفوف الفلسطينيين بين 3 و17 إبريل/نيسان 2002 في كل من مخيم جنين للاجئين ومدينة جنين نتيجة التوغل وبالتالي القتال. ويتضمن هذا العدد سبع نساء وأربعة أطفال وستة رجال تزيد أعمارهم على 55 عاماً. وسُحق ستة منهم تحت أنقاض منازلهم. ولم تُنتشل جثة شخص واحد عُرف أنه سُحق تحت أنقاض منـز ?ه.(5)

وتعكس سجلات الفلسطينيين الذين قُتلوا في عملية التوغل ونُقلوا إلى مستشفى مدينة جنين تأثير الحصار الذي ضربه جيش الدفاع الإسرائيلي حول المستشفى بين 5 و15 إبريل/نيسان. وأُحضرت خمس جثث إلى المستشفى الذي يقع عند طرف مخيم اللاجئين مباشرة، وذلك في 3 إبريل/نيسان، اليوم الأول من عملية التوغل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي داخل المخيم. وأُحضرت جثة واحدة في 4 إبريل/نيسان. وبعد ذلك أُحكم الحصار حول المستشفى والمخيم، ورغم أن المستشفى يقع عند مدخل المخيم، لم تُحضر أية جثة إلى المستشفى اعتباراً من 5 إبريل/نيسان وحتى 15 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي تلا تقديم التماسين من جانب منظمتين لحقوق الإنسان، هما العدالة والقانون، أمام المحكمة العليا الإسرائيلية أسفرا عن موافقة الدولة على السماح للجمعية الدولية للصليب الأحمر بالدخول إلى مخيم اللاجئين. وظلت جثث معظم المقاتلين أو غير المشاركين في القتال الذين قُتلوا بين 5 و15 إبريل/نيسان حيث هي؛ ونُقل القليل منها من الشوارع إلى المنازل، ودفن الأقارب حفنة من الجثث التي تخصهم في باحات المنازل أو حدائقها، ونُقلت أربع جثث إلى مستشفى الرازي. وعثر مندوبو منظمة العفو الدولية الذين دخلوا المخيم عقب رحيل جيش الدفاع الإسرائيلي في 17 إبريل/نيسان على أنقاض تفوح منها رائحة الموت، حيث برزت أجزاء من أجساد بشرية بين أنقاض المنازل المدمرة.

وتبين قائمة الجرحى الذين أُحضروا إلى مستشفى مدينة جنين أنه في 3 و4 إبريل/نيسان، أُدخل 24 جريحاً فلسطينياً إلى المستشفى. وفي الأيام العشرة الممتدة بين 5 و15 إبريل/نيسان، لم يتمكن إلا 10 جرحى فلسطينيين، نجحوا في عبور الطوق الذي فرضه جيش الدفاع الإسرائيلي، من الدخول إلى المستشفى. وتحكي قوائم الإدخال إلى مستشفى الشفاء الحكاية ذاتها؛ فبين 4 و10 إبريل/نيسان، بدا أن شخصاً واحداً فقط، طفل، أُدخل إلى المستشفى. وفي 10 و11 إبريل/نيسان أُدخل ما مجموعه تسعة جرحى. وبعد ذلك لم يتم إدخال أي جرحى فلسطينيين إلى حين بدء انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي من المخيم في 16-17 إبريل/نيسان.

وأثناء القتال، شاهد المقيمون الفلسطينيون والصحفيون الفلسطينيون والأجانب وسواهم من الأشخاص الموجودين خارج المخيم مئات الصواريخ تنهال على منازل المخيم من مروحيات الأباتشي التي كانت تحلق في طلعات متتالية. ودفع مشهد القوة النارية التي تنصب حممها على مخيم جنين للاجئين الذين شاهدوا الغارات الجوية، بمن فيهم الخبراء العسكريون ووسائل الإعلام، دفعهم إلى الاعتقاد بأن عشرات الفلسطينيين على الأقل قُتلوا. ونتيجة الطوق المحكم الذي ضُرب حول مخيم اللاجئين والمستشفى الرئيسي بين 4 و17 إبريل/نيسان لم يكن لدى العالم الخارجي أية وسيلة لمعرفة ما كان يجري بداخله؛ وتمكن بضعة صحفيين من التسلل إلى المنطقة معرضين حياتهم للخطر بعد 13 إبريل/نيسان، لكنهم لم يشاهدوا إلى جزءاً صغيراً من المخيم، بما في ذلك بعض جثث القتلى قبل أن يغادروا. وحوصر الذين أمكن الاتصال بهم عبر الهاتف في منازلهم داخل المخيم ولم يتمكنوا من الإبلاغ عما يجري. وفي هذه الظروف انتشرت القصص حول وقوع "مجزرة". وحتى قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي بدت غامضة بشأن عدد الفلسطينيين الذين توفوا : وقال الجنرال رون كيتري إنه في 12 إبريل/نيسان قُتل المئات في جنين قبل أن يصحح ما قاله بعد بضع ساعات بالقول إن المئات قُتلوا أو أصيبوا بجروح.

وعندما توجه مندوبو منظمة العفو الدولية إلى مستشفى جنين في 17 إبريل/نيسان، لم يجدوا إلا "الجرحى القادرين على المشي" – أي أولئك الذين استطاعوا المرور عبر طوق جيش الدفاع الإسرائيلي. وتساءل الأطباء والخبراء الدبلوماسيون أو الخبراء العسكريون الآخرون الذين زاروا مسرح العمليات، وهم يعلمون أنه في القتال يكون هناك عادة ثلاثة أو أربعة أشخاص مصابين بجروح خطيرة مقابل كل قتيل، تساءلوا عن مصير المصابين بجروح بليغة. وانتشرت قصص دفن الجثث في أماكن سرية أو نقلها في شاحنات مقفلة مبردة. وبعدما انسحب جيش الدفاع الإسرائيلي بصورة مؤقتة من مخيم جنين للاجئين في 17 إبريل/نيسان، شكلت الأونروا فرقاً لاستخدام القوائم الإحصائية لمعرفة مصير جميع الفلسطينيين (حوالي 14000) الذين يُعتقد أنهم كانوا مقيمين في المخيم في 3 إبريل/نيسان 2002. وفي غضون خمسة أسابيع عُرف مصير جميع السكان باستثناء شخص واحد.

وكانت الحالات التالية لعمليات القتل غير المشروع من ضمن تلك التي جرى توثيقها في سياق الأبحاث التي أجرتها منظمة العفو الدولية في جنين. وقدمت منظمة العفو الدولية جميع هذه الحالات إلى جيش الدفاع الإسرائيلي لتوضحيها والتعليق عليها في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2002، لكنها لم تتلق أي جواب. ولا يبدو أن السلطات الإسرائيلية فتحت تحقيقاً صحيحاً في أي من هذه الحالات. ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن يعطي التقاعس عن التحقيق في حالات القتل غير القانوني، أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي حرية كاملة في متابعة عمليات القتل.


منذر محمد أمين الحاج

في 3 إبريل/نيسان، اليوم الأول من عملية التوغل، أصيب منذر الحاج، 21 عاماً، وهو عضو في جماعة مسلحة فلسطينية كما ورد، بأعيرة نارية. وأبلغ موظفو مستشفى الرازي منظمة العفو الدولية أنهم قاموا بثلاث محاولات لإنقاذ منذر الحاج حاملين أعلاماً بيضاء، لكن في كل مرة كان جيش الدفاع الإسرائيلي يطلق النار عليهم. واستطاع موظفو المستشفى الوصول إليه بعد حوالي ساعتين من إبلاغهم للمرة الأولى أنه بحاجة إلى مساعدة طبية. وبحلول ذلك الوقت كان قد فارق الحياة.


وكانت سمر قصراوي، ممرضة، من ضمن الموظفين الأوائل الذين حاولوا الوصول إلى الرجل الجريح؛ وصرَّحت قائلة:

"في صبيحة 3 إبريل/نيسان… بين الساعة 11,30 و12 ظهراً، سمعنا صوت إطلاق نار حول منطقة المستشفى مصدره طائرات مروحية ودبابات. وفي هذا الوقت، جاء أحدهم ماراً من سُلَّم المسجد إلى المستشفى صائحاً بأن شخصاً قد أُصيب. ونزلت بصحبة ممرضين آخرين على الدرج وسرنا باتجاه بوابة المسجد. وعندما وصلنا إلى خارجه، اتجهنا �606?حو الرجل المصاب. وكنا نحمل أعلاماً بيضاء. وشاهدت ثلاث دبابات بدأت تطلق علينا النار. وقالوا لنا باللغة العربية "إذا عدتهم فأطلق النار عليكم". ولم أستطع رؤية الرجل الجريح، لكنني سمعته يقول "ساعدنا يا رب". وعدنا إلى المستشفى واحتمينا في الدور الثاني. وعندما توقف إطلاق النار، قمنا بمحاولة ثانية للوصول إلى الرجل الجريح. وغيَّرنا اتجاهنا وقررنا التوجه نحو حمام المسجد. وكان هناك جدار وبعض النوافذ وكان الرجل الجريح ممدداً على الدرج في الجانب الآخر. ولم استطع رؤيته.


"وبدأت أتحدث إليه. وعندما بدأت الكلام، أدركت أنه كان قريباً جداً. وقال لي ‘أرجوك يا أختي، إنني أموت، هل تستطيعين إنقاذي لأنني أموت’. وحاولت تهدئته. وعندما كنت أتحدث إليه كان يصرخ، وكان صوته أشبه بالرعد. وشاهدت جندياً عندها وكان قادماً نحوي واتخذ موقعاً له كقناص. فغادرت مرة أخرى وعدت أدراجي إلى الدور الثاني في المستشفى. وبعد 10 دقائق تقريباً، ذهبت إليه مرة أخرى. وفي المحاولة الثالثة، سألت الرجل الجريح عما إذا كان يستطيع الاقتراب من البوابة. فقال لي إنه لا يستطيع وإنه مصاب في كلا ذراعيه وساقيه. عندئذ طلبت منه أن يتكلم ببطء وبصوت منخفض لأنه إذا سمعه الجنود، فسيطلقون النار عليه. ثم سألته ما إذا كان يستطيع أن يجر نفسه نحوي إذا ألقيت إليه حبلاً فقال ‘لا، فأنا مصاب في ذراعيَّ وساقيَّ’. وفي هذا الوقت، بدأ الجنود يطلقون النار نحو المسجد والمستشفى. وأُطلق وابل من النيران باتجاه الرجل. واعتقد أنه أُصيب في ظهره.


"وعدت أدراجي من جديد إلى المستشفى. وكان الأطباء فيها يحاولون تنسيق عملية إنقاذ الرجل المصاب مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وكانوا يواصلون محاولة الحصول على إذن للوصول إلى الرجل. وذهبت من جديد إلى المسجد وحاولت التحدث إلى الرجل. قلت "يا أخي، يا أخي" فقال لي بصوت خافت جداً، ‘لا أستطيع سماعك جيداً’. وعلى عكس المرات السابقة لم يكن صوته قوياً. لذا عدت إلى المستشفى وتحدثت إلى رئيسها. فقال لي إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد تفاوضت على إرسال ممرضين لإنقاذ الرجل الجريح، وسألني عما إذا كنت أقبل بالذهاب. فقلت له نعم، وغادرت بصحبة ممرض آخر وطبيبة. لكن عندما وصلنا إلى الرجل كان قد مات. وكانت عيناه مفتوحتين. وحاولنا حمل جثمانه لكننا لم نستطع. لذا عدت إلى المستشفى طلباً للمساعدة فأتى معي شخصان إضافيان ونقلناه إلى المستشفى بمساعدة الشخصين الآخرين اللذين بقيا بجانب الجثة. فوصل إلى المستشفى بعد حوالي ساعتين من أول محاولة لنا لإنقاذه.


ويبين التقرير الذي أعده المستشفى حول جروح منذر الحاج أنه بالإضافة إلى الجروح التي أًصيب بها في ذراعيه وساقيه، كانت هناك طلقات نارية في ظهره. وأشارت المقابلات التي أُجريت مع سمر قصراوي وكذلك الدكتور محمود أبو عاليه الذي فحصه بعد وفاته، إلى أن الجرح الموجود في ظهره ربما أصابه به قناص بينما كان مستلقياً على الدرج. وعندما وصف جروحه للممرضة لم يشر إلى أي جرح في ظهره. وقد فحص مندوبو منظمة العفو الدولية الموقع ورأوا أن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا متمركزين في مبنى فوقه وإلى يسار المكان الذي كان منذر الحاج مستلقياً فيه وكانوا قادرين على رؤيته بسهولة. والقانون الإنساني الدولي واضح في هذا الشأن. فلا يمكن منع الرعاية الطبية عن شخص جريح ولم يعد يشارك في القتال. وفي ذلك الوقت كان منذر الحاج جريحاً ولم يعد مسلحاً ولم يشكل تهديداً للجنود، فقد أصبح عاجزاً عن مواصلة القتال.


عفاف علي حسن الدسوقي

خلال العمليات العسكرية التي جرت في مخيم جنين للاجئين، كما في سواه، غالباً ما استخدم جيش الدفاع الإسرائيلي المتفجرات لفتح أبواب المنازل والمباني، أحياناً من دون الانتظار لإتاحة المجال لشاغليها بفتحها، ما أدى إلى مقتل أو جرح عدد من النساء والرجال. وفي 5 إبريل/نيسان، قُتلت عفاف الدسوقي، 59 عاماً، عندما استُخدمت متفجرة على باب منـزلها وهي قادمة لفتحه. ونادت عليها لفتح الباب جارتها أسمهان أبو مراد التي استخدمها جش الدفاع الإسرائيلي "كدرع بشري" لتقود أفراده إلى المنـزل. وأكدت أسمهان أبو مراد القصة التي روتها عائشة علي حسن الدسوقي، شقيقة عفاف والتي قالت لمنظمة العفو الدولية إن :


"عائلتي كانت في المنـزل يوم الجمعة في 5 إبريل/نيسان. وكانت الساعة تشير تقريباً إلى الثالثة أو الثالثة والربع بعد الظهر. وسمعنا قرع الباب ودعوتنا لفتحه. وقالت شقيقتي عفاف ‘لحظة’. وقالت ذلك على الفور. وفي ذلك الوقت، كنا في صالة الاستقبال المواجهة للشارع. وذهبت عفاف لفتح الباب؛ وكنا نتبعها. وعندما وصلت إليه، مدت يدها للإمساك بقبضة الباب الذي انفجر. وانفجر الباب إلى الداخل نحوها. فتطاير الجزء الأيمن من وجهها أشلاءً. وأُصيبت يدها اليسرى بجروح وكذلك الجزء الأيسر من صدرها. واعتقد أنها توفيت على الفور. وبدأنا بالصراخ. وكان الجنود خارج ذلك الباب مباشرة. وبدأ جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يطلقون النار على الجدران كما لو أنهم كانوا يحاولون إخافتنا. فصرخنا في وجوههم لإحضار سيارة إسعاف، لكنهم لم يستجيبوا لنا. عندئذ ذهب شقيقي وأخذ جثة عفاف. ولم يكن لدينا هاتف؛ فقد قُطع خطه منذ الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. واتصل الجيران بالمستشفى وقيل لهم إن سيارة الإسعاف اضطرت إلى الانتظار للحصول على إذن. وانتظرنا لكن سيارة الإسعاف لم تأتِ.


"وواصلتُ يومي الجمعة والسبت رشها بالعطور. وبدَّلنا ملابسها يوم الأحد، لأنها كانت ملطخة بالدم، وضمدنا جروحها. وبما أنني ممرضة، كنت أعرف ما يعنيه إبقاء الجثة في المنـزل معنا طيلة هذا الوقت، لذا كنا نذهب لننام عند شقيقي ليلاً ونعود إلى المنـزل لنكون مع شقيقتي في النهار. ويوم الخميس [11 إبريل/نيسان]، رُفع حظر التجول لبضع ساعات ونُقل جثمان عفاف في سيارة جارنا إلى مستشفى الرازي. فلم نستطع الوصول إلى مستشفى جنين لأنه كان منطقة عسكرية محظورة. ودفنا عفاف في مقبرة تقع في الجزء الشرقي من المدينة.


240 وبعد مقتلها حاول جيش الدفاع الإسرائيلي القول إن عفاف كانت انتحارية وأنها فجرت نفسها. وهذا ليس صحيحاً. انظروا إلى الباب لقد فُجر من الخارج. ولم يكن لشقيقتي أي شأن بالسياسة؛ ولم تكن تشارك في أي شيء."


وزارت منظمة العفو الدولية الموقع واستطاعت فحص الباب، فضلاً عن العبوة الناسفة التي احتفظت بها العائلة. وتشير آثار الانفجار على الباب بوضوح إلى أنه فُجِّر بمتفجرة من الخارج، ويتماشى هذا الدليل مع الشهادة التي استشهدنا بها أعلاه.


جمال الصباغ

في 6 إبريل/نيسان 2002، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار على جمال الصباغ البالغ من العمر 33 عاماً بعد أن اعتقله. وبحسب أحد الشهود، فإن جمال كان أعزل عند إطلاق النار عليه ولم يشكل أي خطر على الجنود الذين اعتقلوه.


وقبل يوم من مقتل جمال الصباغ، دمر صاروخ منـزله. وفي 6 إبريل/نيسان أمر جيش الدفاع الإسرائيلي عبر مكبرات الصوت جمال الصباغ مع رجال آخرين من المخيم تتراوح أعمارهم بين 16 و45 عاماً، بالخروج إلى الشارع. وحدث ذلك عند قرابة الساعة السادسة مساءً.


وفي هذا الوقت، كان مظفر جمال الزبيدي البالغ من العمر 16 عاماً، وهو من حي الحواشين في المخيم، في المنـزل. وسمع التعليمات التي تأمر رجال الحي عبر مكبرات الصوت بالخروج إلى الشارع، لكنه كان وحيداً وخائفاً. وكان الجنود يتنقلون سيراً على الأقدام وفي الدبابات. وقال لمندوبي منظمة العفو الدولية إنه انتظر بجانب منـزله وكان يجول ببصره ليرى ما إذا كان يعرف أحداً من الأشخاص الخارجين إلى الشارع. وعندما شاهد جاره جمال الصباغ، غادر المنـزل ليمشي معه. وكان الظلام قد بدأ يهبط بحلول ذلك الوقت. وقال إن الجنود أمروا كل رجل بأن يخلع ملابسه باستثناء الداخلية منها وأن يدلي بمعلومات تتضمن اسمه ورقم بطاقته الشخصية. وكان جمال الصباغ يحمل كيساً معه وأوضح بأن الجنود سمحوا له بحمل دوائه، لأنه كان مصاباً بدار السكر، وبعدم خلع ملابسه. وأمر الجنود الرجال بالتوجه سيراً على الأقدام إلى ميدان يقع بالقرب من العيادة الصحية. ومشى مظفر الزبيدي وجمال الصباغ معاً نحو المكان.


"أُمرنا بأن نستلقي على الأرض، ففعلنا. وكان جمال على مسافة قريبة تبعد بضعة أمتار عني. وقد استلقى جمال على الأرض لكنه أمسك بكيسه. ثم أمرنا الجنود بالوقوف وأمروا جمال بأن يضع كيسه على الأرض بعيداً عنه. فوضعها بجانبه مباشرة. وعندما قالوا لنا بأن نخلع سراويلنا. وكنت قد بدأت بخلع سروالي عندما سمعت بعض الطلقات. ومرت إحدى الرصاصات قريباً جداً مني. فهويت على الأرض. وأُصيب جمال في جانب رأسه. وسمعته يصلي ثم ساد الصمت. وبقيت على الأرض صامتاً. واعتقد أن الطلقة أتت من قناص موجود على نافذة في الدور الثالث. وبعد ذلك بفترة وجيزة، لست متأكداً من طولها، جاءت مجموعة أخرى من الرجال إلى الساحة. وأمرهم الجنود بأن يخلعوا ملابسهم باستثناء الداخلية منها. وذهبت مع هؤلاء الرجال إلى غرفة وقيَّد الجنود أيدي معظمنا خلف ظهورنا. وكان هناك ثلاثة رجال لم تُقيَّد أيديهم. فحملوا جثمانه إلى مدخل الباب وأمرهم الجنود بأن يفتشوه. وفتشوه لكنهم لم يعثروا على أي شيء. عندئذ وضع جيش الدفاع الإسرائيلي جثمانه في ثلاجة – وكان محلاً لمشتقات الحليب استولى عليه جيش الدفاع الإسرائيلي."


وعاد مظفر زبيدي إلى جنين بعد قضاء يومين رهن الاعتقال و11 يوماً في قرية رمانة. واتصل بأقرباء جمال الصباغ، لكنه لم يعثر على جثته. وقال مدير مستشفى جنين العام الدكتور محمد أبو غالي :


"عند الساعة الخامسة من مساء 15 إبريل/نيسان، عثرنا على رفات جثة شوهتها دبابة بالقرب من محل الحليب – عبارة عنإصبعوبعض قطع اللحم وسروال بالقرب من ما تبقى من جثة إنسان. واتصلت بجيش الدفاع الإسرائيلي وقلت لهم : "أين الجثة؟" فلم يقولوا شيئاً".


ويُعتقد أي رفات الجثة، التي دهستها الدبابة عدة مرات، تعود إلى جمال الصباغ.


عبد الكريم يوسف سعدي ووضاح فتحي شلبي

في 6 إبريل/نيسان 2002، أُردي بالرصاص كل من عبد الكريم سعدي، 27 عاماً، ووضاح شلبي، 37 عاماً، على يد جيش الدفاع الإسرائيلي في زقاق قريب من منـزل آل السعدي. وكان الرجلان جارين يعيشان بالقرب من مدخل مخيم جنين للاجئين. وعند مقتلهما، كانا بصحبة فتحي شلبي والد وضاح الذي لم يصب بأذى. وقد وصف أحداث ذلك اليوم :


"لدى ابني وضاح ستة أطفال : أربعة صبيان وابنتان. ويبلغ عمر الطفل الأكبر 10 سنوات والأصغر أربعة أشهر. وكان يوم السادس من إبريل/نيسان عند حوالي الساعة 6,30 مساء. وكان جيش الدفاع الإسرائيلي قد توجه إلى منـزل يوسف عبد الكريم السعدي. وهو يعيش في منـزل لا يبعد كثيراً عن منـزلي، ربما مسافة 15متراً. وكان عبد الكريم ابن يوسف في بيتي في ذلك الوقت. ثم انتقل جيش الدفاع الإسرائيلي من هذا المنـزل إلى منـزل جاري. وعادة لا يمكث ابني وضاح معنا، لكن بسبب الوضع جاء إلى هنا ليبقى مع عائلته. وكنت أنا وزوجتي وابني وعائلته وابنتي وعائلتها جميعاً هنا. وشاهد جيش الدفاع الإسرائيلي أولادي يلعبون في الباحة الخليفة لمنـزلي، فأمرهم بالذهاب إلى الدور السفلي في بيتي. وذهبنا جميعنا إلى الدور السفلي، وكنا سبعة عشر شخصاً، ومكثنا في الدور السفلي خمس دقائق. ثم أُمرنا بالذهاب إلى البيت المجاور، لكن عوضاً عن أن يدعونا نمر عبر المدخل الرئيسي، أمرونا بالسير في الشارع ثم الاقتراب من منـزل جاري عبر أحد الأزقة. وعندما وصلنا إلى نهاية الزقاق، قام الجنود بفصل الرجال عن النساء والأطفال. وكان كل من ابني وعبد الكريم يحملان أطفالاً. فسلما الأطفال إلى النساء وبقيا في الزقاق. وعادت النسوة والأطفال إلى الحديقة الخلفية لمنـزل عبد الكريم، والتي كانت تقع عبر باب حديدي قبالة الزقاق. وعندما أصبحت النساء والأطفال في الحديقة، أغلق الجنود الباب. وذهب بعض الجنود مع النساء وبقي ثلاثة جنود معنا؛ وكانوا لا يبعدون عنا إلا مترين داخل الزقاق الضيق. وكان اثنان منهما يدعيان غابي وديفيد … وأمرونا بخلع قمصاننا.


"ولم نكن نحمل بأيدينا شيئاً. وعندما أمرونا برفع قمصاننا، فعلنا ذلك. وسمعت غابي يقول بالعبرية "اقتلهم، اقتلهم، ثم شهر الجندي الآخر سلاحه وأمطرنا بوابل من الرصاص. وأطلق النار من اليسار إلى اليمين، لذا كان عبد الكريم أول من أُصيب ثم وضاح. ولا أدري كيف لم أُصب، إلا أنه عندما سمعت الطلقات، سقطت على الأرض. وكانت جثة ابني فوق جسمي. وكنت أشعر بالبلل تحتي ورأيت أنها دماء، وتبين لي أن ابني قد أُصيب. ولم أحرك ساكناً وتظاهرت بأنني ميت."


وبحسب ما قاله فتحي شلبي، مكث الجنود هناك مدة تزيد على الساعة. وكانوا يتفحصون الجثث من حين لآخر وقد وجه أحد الجنود ضوءاً بالقرب من عينيه. وحاول ألا يتحرك. وبعدما تأكد من مغادرة الجنود، ذهب واختبأ في منـزله. وعرف أن كلا من ابنه وعبد الكريم السعدي قد توفي. وظل في المنـزل حتى فترة لاحقة من ذلك الصباح، ثم غادر إلى منـزل آل السعدي حيث كانت عائلته تحتمي. وظلت جثتا الرجلين في الزقاق طوال تسعة أيام (ويشير سجل المستشفى إلى أنهما أُحضرتا في 15 إبريل/نيسان).


وزارت منظمة العفو الدولية موقع إطلاق النار. وكانت المسافة بين موقع الجنود وموقع الضحايا تقل عن مترين. وقد جرت عملية إطلاق النار عند بداية المساء، لكن الظلام لم يكن قد حل. وأُشير إلى أن عبد الكريم كان يرتدي حمالة للظهر (؟) وظن الجنود خطأ أنها حزام متفجرات؛ لكن شقيق عبد الكريم السعدي ووالده أصرا على أنه لم يكن يرتدي حمالة ظهر. وأجرى البروفيسور دريك باوندر تشريحاً لجثة وضاح شلبي وخلص إلى أنه توفي متأثراً بطلق ناري دخل من الجزء الأيسر من ظهره وخرج من الجزء الأمامي الأيمن من جسمه. كذلك أُصيب وضاح بطلق ناري في القدم.


وقد وصف اللواء غيورا إيلاند، رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي هذه القضية بأنها واحدة عثر فيها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي على ثلاثة رجال مختبئين يرتدي أحدهم حزاماً ناسفاً :


"في الماضي كان قائد السرية يدعو الناس للخروج. فخرجت بعض النسوة. وسألهن الجنود عما إذا كان هناك أشخاص آخرون في المنـزل. فأجبن ‘بعض الزوار’. ‘قولوا لهم بأن يخرجوا’. فخرج الرجال الثلاثة؛ وكان أحدهم يحمل طفلاً. وأمره الضابط التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي بتسليم الطفل للنساء، فرفض فأصر الضابط، وفي النهاية فعل ذلك. عندئذ أمروا الرجال بالاقتراب وخلع قمصانهم. فخلع اثنان قمصانهما ورفض الثالث. وفي النهاية فعل ذلك وكان يرتدي حزاماً. فأُطلقت عليه النار."


ويصعب التوفيق بين هذا التوضيح للقضية وبين موقع وجود الجثتين، في زقاق ضيق جداً بحيث لا يحتمل لجندي يقف على مسافة 1,7 متر بأن يأمر المعتقلين أن يقتربوا. وهذه قضية حظيت بتغطية واسعة والاسمان الأولان للجنديين المشاركين في إطلاق النار معروفان. ويظل الغموض يحيط بالأسباب التي حالت دون إجراء تحقيق كامل وعام لكشف ملابسات الوفاة.


علي نائل سليم مقصقص

أجرى البروفيسور ديرك باوندر تشريحاً لجثة رجل عمره 52 عاماً، عُرف فيما بعد أن اسمه علي نائل سالم مقصقص، في مستشفى مدينة جنين في 17 إبريل/نيسان 2002. وأظهر التشريح وجود طلقة واحدة مميتة في الجانب الأيمن من الصدر والقلب لا بد أنها سببت موتاً سريعاً.


وقال حسان ابن علي مقصقص :

"كان يوم السبت المصادف 6 إبريل/نيسان. وكنا جميعاً في غرفة نوم. وكان هناك تسعة أشخاص؛ أربعة أطفال وامرأة شابة وأربعة رجال، ومن ضمنهم أنا ووالدي. وكان الإسرائيليون يطلقون النار. وكنت أعرف أن جيش الدفاع الإسرائيلي هو مصدر النار، لأنها تختلف عن النيران التي تطلقها المقاومة. وفي اليوم الأول من الغزو، أصاب قناص خزان المياه لدينا، لذا قمنا بتخزين بعض الماء تحت سلم الدرج خارج المنـزل مباشرة. وعند الساعة حوالي 12,30 من بعد ظهر ذلك اليوم، خرج والدي لإحضار بعض الماء للعائلة. وكان يعرف أين يمكنه أن يمشي، لأننا شاهدنا القناص من قبل وسبق أن أطلق النارعلينا. وكنا نعرف مدى القناص، لذا كان والدي يعرف أنه يمكنه أن يمكث في مناطق معينة أو أن يسير بسرعة في مناطق أخرى وإلا تُطلق النار عليه. وفي ذلك اليوم، ركض والدي عبر المنطقة الأولى، وهي المنطقة الأولى الخطرة. ثم سمعت طلقتين. وسمعت صوت والدي يقول إنه أُصيب. وخرجت كي أحاول الوصول إليه، لكن جرى إطلاق نار باتجاهي. ولم أستطع الوصول إليه. وحاولت أن أتحدث إليه، لكنه لم يجب. وكان سلم الدرج يبعد حوالي 20 متراً عن الغرفة التي كنا فيها. وحاولت مناداة جاري لأرى ما إذا كان يستطيع الوصول إلى والدي بطريقة أخرى، ربما بالتسلق فوق الجدار. وأبلغني جاري أبو خالد أنه لا يستطيع التسلق فوق الجدار، فهو رجل عجوز. ثم جاء وأخذ يقرع الباب. وكان يقرعه بشدة لدرجة أني ركضت لكي أفتحه. وكانت هناك طائرة مروحية تحلق في حينه فوق رؤوسنا وكذلك نيران قناصة. وبدأ إطلاق النار وأُصيب أبو خالد في صدره. ولم يكن جرحاً عميقاً؛ إذ إن الرصاصة خدشته فقط. والآن أصبحت لدي مشكلتان.


"فأحضرت جاري إلى الغرفة الخلفية وحاولنا إعطاءه إسعافاً أولياً. وبعد إصابة أبو خالد بالرصاص، أدركت أن القناص لم يكن في مكانه المعتاد. ونظرت من النافذة الخلفية للغرفة التي كنا فيها وشاهدت حركة في المنـزل المقابل وعرفت عندها أن جيش الدفاع الإسرائيلي موجود في ذلك المنـزل، لأن معظم جيراننا غادروا المنطقة. وأنا الابن الأكبر وكان القرار يعود لي في تلك اللحظة، فقررت إخراج العائلة من المنـزل. وكانت عملية محفوفة بخطر شديد. وعندما غادرنا، كنا ما زلنا نأمل بأن يكون ووالدي على قيد الحياة. وظللنا نناديه ‘أبي، أبي’، لكنه لم يرد علينا. وكسرنا زجاج نافذة في الغرفة الخلفية وتسلقنا عبرها. فوصلنا إلى زقاق وإلى منـزل عمي القريب منا. وبقينا في هذا المنـزل إلى ما بعد انتهاء الغزو. وكنا ننادي على والدي من هذه النافذة. وكانت العودة خطرة للغاية، لكننا كنا نحاول التحدث معه ومعرفة ما إذا كان لم يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد. ولم نستطع الوصول إليه إلى أن حضر الصليب الأحمر وبعض الأطباء وسحبوا جثته في 15 إبريل/نيسان. وكان قد فارق الحياة."


وتتماشى نتائج التشريح مع رواية العائلة لقصة مقتله.

جمال فايد

من الواضح أن الناس لم يمنحوا دائماً وقتاً كافياً لإخلاء منازلهم قبل أن يبدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بجرفها. وفي حالة من هذا النوع، قُتل جمال فايد، البالغ من العمر 38 عاماً، عندما تسببت عملية هدم بيته بانهيار جدار عليه.

وأبلغت فتحية محمد سليمان شلبي والدة جمال فايد مندوبي منظمة العفو الدولية أن ابنها كان مقعداً منذ ولادته. ولم يستطع أن يتحرك من تلقاء نفسه وكان عاجزاً عن النطق. ويقع منـزل العائلة في منطقة جورة الذهب بالمخيم، بالقرب من حي الحواشين. وأشارت إلى وقوع قتال عنيف في منطقتها ومن حولها في 10 إبريل/نيسان، بعد أسبوع واحد تقريباً من التوغل الأول داخل المخيم. وقالت إنه في اليوم التالي، أصاب صاروخ منـزلها وبدأت النيران تلتهم الأدوار العليا منه. وعندما حاولوا مغادرته، أُصيبت عمتها فوزية محمد. عندئذ تسلقت العائلة عبر نافذة جانبية وخرجت من المنـزل، لكنها لم تستطع حمل جمال فايد معها. وعندما غادرت المنـزل، أبلغت جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذي أقام موقعاً له في منـزل مجاور، أن جمال فايد كان داخل البيت وأنهم يجب أن يوقفوا إطلاق النار. وكان هناك مسعف طبي تابع للجيش المذكور، وعالج فوزية محمد من الجروح التي أُصيبت بها. ثم لجأت العائلة إلى منـزل أحد الأعمام وظلت فيه طيلة المساء.


وفي اليوم التالي عادت أم جمال وشقيقته إلى منـزلهما للاطمئنان على جمال. وفي هذه اللحظة كان ما زال على قيد الحياة ولم يُصب بأذى. وتقول والدته :


"غادرنا المنـزل وذهبنا إلى الجنود لإبلاغهم بأن جمال كان في المنـزل وأنه مشلول. وأخذت بطاقته الشخصية معي كإثبات وطلبنا منهم أن يساعدوننا على نقله. وفي ذلك الوقت كان جميع الشبان قد قُبض عليهم، لكن كان هناك بعض الرجال المسنين وسألنا الجنود عما إذا كانوا يستطيعون مساعدتنا. فقالوا لا. لكننا ألححنا في السؤال، ثم وجدنا بعض الجنود الآخرين في بيت آخر وسألناهم السؤال نفسه. وسمحوا لنا في النهاية بدخول منـزلنا، لكن للنساء فقط. وكنا خمس نساء : أنا وابنتي وشقيقتي وجارتان. وما أن دخلنا المنـزل، حتى سمعتُ صوت جرافة. وكانت متجهة نحو المنـزل. وبدأت بتدميره، لذا خرجنا إلى الشارع وصرخنا في السائق كي يتوقف. وكنا نصرخ، ‘هناك نساء في الداخل’ وأن جمال في الداخل ولا يستطيع أن يتحرك. وحتى جنود جيش الدفاع الإسرائيلي كانوا يصرخون فيه كي يتوقف. لكنه لم يصغِ. وشاهدنا الجدار الشرقي للمنـزل ينهار. فهرعنا إلى خارج المنـزل. ما بيدنا أن نفعله؟"


وعندما زار مندوبو منظمة العفو الدولية الموقع للمرة الأولى بعد ثلاثة أسابيع من وقوع الحادثة، كانت والدة جمال فايد تجلس على أنقاض منـزلها المهدم وعلامات اليأس والقنوط بادية على وجهها.


أحمد وجميل يوسف غزاوي

في 21 يونيو/حزيران 2002، بعد مضي شهرين على عملية السور الواقي، وخلال الأيام الأولى من عملية الدرب الحازم وإعادة احتلال جيش الدفاع الإسرائيلي للضفة الغربية، أطلق الجيش المذكور النار من دبابة على الدكتور سامر الأحمد وقتل شقيقين هما أحمد البالغ من العمر ست سنوات وجميل يوسف غزاوي البالغ من العمر 12 عاماً، وأصاب شقيقهما طارق والدكتور الأحمد بجروح خطيرة.


وعقب إعلان جيش الدفاع الإسرائيلي عن رفع الحظر، أخذ أحمد غزاوي البالغ من العمر ست سنوات شيكلاً من والده لشراء حلوى. وذهب مع شقيقه جميل، البالغ من العمر 12 عاماً وطارق البالغ من العمر 11 عاماً. وكانت المنطقة التي تعيش فيها العائلة عبارة عن منطقة سكنية تقع عند طرف مدينة جنين في المنطقة ج (خاضعة للسيطرة الإسرائي

لية الكاملة). وقد صور أحد الجيران جزءاً من الحادثة بآلة تصوير فيديو من سطح أحد المنازل. وأظهر الفيلم سيارة الدكتور سامر الأحمد وسبعة أطفال (تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً) أربعة منهم يركبون دراجات. ولم يُسمع صوت إطلاق نار، لكن فجأة ظهر وميض أحمر وسُمع دوي انفجار. وخرَّ أحمد صريعاً وقُطعت إحدى ساقيه وكانت الأخرى شبه مبتورة، وكان جميل مثخناً بالجراح والدماء وطارق ممدداً بالقرب من عمود كهرباء وكان هناك ثقب في جنبه وبطنه.


وقال الدكتور سامر الأحمد، البالغ من العمر 40 عاماً، وهو طبيب بيطري ومدير لجان الإغاثة الزراعية الفلسطينية في منطقة جنين، إنه بعدما أعلن جيش الدفاع الإسرائيلي رفع حظر التجول بين الساعة العاشرة صباحاً والثانية بعد الظهر، توجه بسيارته إلى مكتبه لإحضار الفاكسات، ثم ذهب إلى دكان محلي حيث أُبلغ بأن الجيش يجول المنطقة وعليه الذهاب إلى منـزله. وكان الدكان يبعد 200 متر عن منـزله. وعندما توجه بسيارته إلى الطريق الرئيسية، رأى دبابة تسير عليها بادرت إلى إطلاق النار عليه، فأصابته بجروح من خلال الزجاج الخلفي للسيارة. وانعطف بسرعة إلى أول شارع جانبي حيث شاهد مجموعة من الأطفال يلعبون، ويركب بعضهم دراجات هوائية. وأطلقت الدبابة نيرانها مرة أخرى، هذه المرة قذيفة يبدو أنها أدت إلى تناثر الجدار.


وقال أحد الفتيان واسمه رامي وعمره 12 عاماً :

"سمعت أن حظر التجول رُفع. وعندما سمعت ذلك، ذهبت مع أصدقائي جميل وطارق وأحمد ومحمد ووائل ووسام. وتوجهنا جميعاً إلى الشارع الرئيسي. وكان جميل وطارق وأحمد ووائل يركبون دراجاتهم الهوائية أما بقيتنا فكنا نسير على الأقدام. وعندما وصلنا إلى التقاطع مع الشارع الرئيسي، شاهدنا سيارات جيب تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي قرب الميدان وشعرنا بالخوف. وقفلنا عائدين إلى منازلنا، وتوقفنا ووقفنا بجانب مبنى يقع في شارعنا عندما سمعنا صوت دبابة مارة. ثم رأينا دبابة أخرى تبعد حوالي 300 متر عنا، لذا غادرنا المبنى وأسرعنا في العودة إلى المنـزل. وكان جمي4? يقول لأحمد وطارق بأن يغادرا بسرعة بسبب وجود الدبابات. وأصبحت الدبابة الآن في نهاية الشارع، ثم شاهدت سيارة الدكتور سامر متجهة نحونا. وكان يستخدم بوق السيارة لتحذيرنا بالابتعاد عن طريقه. وكان الشيء التالي الذي أتذكره ضوءاً أحمر ثم دوي انفجار.


"وتنحيت جانباً عندما سمعت دوي القنبلة. وبعد ذلك عدت صوب الشارع وشاهدت أولاً أحمد. وقد بُترت ساقه اليسرى وبُقرت بطنه واندلقت أمعاؤه على الطريق. ورأيت جميل : وكان مصاباً في ظهره ويداه ترتعشان. وفتح عينيه لمدة دقيقة ثم أغلقهما. وكان طارق بالقرب من عمود كهربائي، وعثرنا عليه أخيراً. وكان هناك ثقب في إحدى ساقيه واخترقت شظايا القنبلة بطنه وأذنه وظهره.


"وأوقف الدكتور سمير سيارته أمام منـزلنا ومشى نحو مرآبنا. وعندما خرج من سيارته، طلب منه الجيران أن يأتي إلى الداخل، ثم ما لبث أن انهار. فحمله جارنا يزيد. ولم يكن الدكتور سامر يرتدي حذاءً وكان يرتدي قميصاً وسروالاً".


وفارق أحمد الحياة في الطريق، وأسلم جميل الروح في المستشفى. وتابعت الدبابة طريقها، دون أن تنظر لمشاهدة الدمار الذي أحدثته. ويقول الناس في الحي أنهم أُبلغوا بأن حظر التجول قد رُفع. لكن جيش الدفاع الإسرائيلي يطعن في ذلك ويقول إن الحظر عند إطلاق النار كان لا يزال سارياً. وأجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات مع الشهود على إطلاق النار وراجعوا شريط الفيديو الذي صور الحادثة : ومن الواضح أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يفِ بالتزامين أساسيين – حماية السكان المدنيين واستخدام درجة من القوة تتناسب وحجم التهديد المتصور. وقال جيش الدفاع الإسرائيلي إنه سيجري تحقيقاً في عمليات القتل، لكن لا تُعرف حتى الآن نتائج التحقيق؛ ولم يُستدع أي من الشهود للإدلاء بأقوالهم، بمن فيهم الدكتور سامر الأحمد الذي مكث في مستشفى إسرائيلي مدة تسعة أيام.


وفي اليوم ذاته الذي قُتل فيه جميل وأحمد، قُتلت فتاة اسمها سجود فحماوي، بعد مغادرتها المنـزل أيضاً على ما يبدو معتقدةً أن حظر التجول قد رُفع. وفي 26 يونيو/حزيران، وهو اليوم الذي أجرت فيه منظمة العفو الدولية مقابلة مع عائلة الغزاوي في جنين، أطلق جنود جيش الدفاع الإسرائيلي النار على طفل عمره سبع سنوات وأردوه قتيلاً في جنين في ظروف مشابهة كما يبدو.


فارس حسن السعدي

عشية 21 يونيو/حزيران 2002، فجر جيش الدفاع الإسرائيلي منـزلاً مهجوراً في الحي القديم بجنين. كذلك دمر الانفجار منـزلاً ملاصقاً له كان بداخله ثمانية أفراد من عائلة واحدة، حوصروا جميعهم بين الأنقاض. وأصيب اثنان بجروح خطرة وتوفي طفل عمره 12 عاماً اسمه فارس. وبحسب ما قالته العائلة والجيران، لم يوجه أي تحذير إلى العائلة قبل الانفجار، رغم احتجاج أحد الجيران الذي استُخدم خلال هذه العملية العسكرية لتفتيش المنـزل الملاصق. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع الجيران، وكذلك مع أفراد العائلة. وكانت روايتهم للحادثة متوافقة. وزعم جيش الدفاع الإسرائيلي أن العقار المستهدف كان يُستخدم مستودعاً للذخيرة. وبصرف النظر عن صحة هذا الزعم، يتحمل أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي المشاركون في العمليات مسؤولية الحفاظ على سلامة السكان المدنيين الموجودين في المنطقة المحيطة بالعمليات مباشرة.


وقد وصف أحد جيران عائلة السعدي كيف أجبره جيش الدفاع الإسرائيلي على تفتيش غرف منـزل خال من السكان بحثاً عن المتفجرات :


"[…] أبلغني الجنود أنهم سيهدمون المنـزل. وشاهدت القنبلة. وأوضحت للجنود أن هناك في الحقيقة منـزلين، وليس منـزلاً واحداً، وأن جداراً مشتركاً هو الذي يفصل بينهما فقط. وقلت لهم إنهم إذا فجروا هذا المنـزل، فإن المنـزل الآخر سينهار أيضاً. وقلت أن هناك أطفالاً في المنـزل الآخر. وطلبت من الجنود السماح لي بقرع الباب وتحذيرهم، لكنهم قالوا ‘لا’".


وقال حسان فارس السعدي، والد فارس لمنظمة العفو الدولية :

"فجأة، حدث انفجار وهوى السقف. فأصبحت تحت الأنقاض. وعندما خرجت، كنت أنادي أطفالي. وسمعت أولاً صوت محمد (11 عاماً) الذي كان مصاباً بجرح في كاحله الأيسر. ثم سمعت صوت ابنتي أصيل (8 أعوام) التي كُسرت ساقها وأُصيبت بجرح في رأسها. وكانت زوجتي مثخنة بالجراح في الجانب الأيسر من جسمها وكانت تنـزف دماً. وحتى الآن لا تستطيع أن تسمع في أذنها اليسرى. ثم عثرت على ابنتي هديل التي كانت فاقدة الوعي. وبعد ذلك وجدت ابنة أختي منى؛ وكانت مصابة بجروح في ظهرها وساقها. ثم عثرنا على فارس. وفي تلك اللحظة لم أدر ما إذا كان حياً أو ميتاً."


وتوفي فارس السعدي في سيارة الإسعاف التي كانت تنقله إلى المستشفى.


وتقتضي المعايير الدولية، بما فيها مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة إجراء تحقيقات سريعة وشاملة وحيادية في عمليات القتل هذه. وتقع المسؤولية الأساسية عن إجراء هذه التحقيقات على عاتق الدولة. وتحث منظمة العفو الدولية الحكومة على المباشرة دون المزيد من التأخير بإجراء تحقيق يتسم بالشمولية والشفافية في الحالات المذكورة أعلاه ونشر نتائجه على الملأ. ويتحمل المجتمع الدولي مسؤولية في التأكد من إجراء هذه التحقيقات وفق مبادئ الأمم المتحدة وتقديم المسؤولين عن عمليات القتل غير القانونية إلى العدالة.


إجبار الفلسطينيين على المشاركة في العمليات العسكرية واستخدامهم "كدروع بشرية"

أجبر جيش الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين على المشاركة في العمليات العسكرية. وقال عدة فلسطينيين أجرت منظمة العفو الدولية معهم مقابلات حول مواضيع أخرى إنهم أُجبروا على المشاركة في العمليات العسكرية "كدروع بشرية". وتنتهك هذه الممارسات القانون الإنساني الدولي. ورغم أن جيش الدفاع الإسرائيلي أعلن على لسان النائب العام في 24 مايو/أيار 2002 أنه لن ي�587?تخدم المدنيين في عمليات عسكرية، فقد ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى أنباء حول حالات استخدم فيها أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية، بما في ذلك "كدروع بشرية" (انظر مثلاً وصف الحالة التي أدت إلى مقتل فارس السعدي أعلاه).


ويكشف العدد الكبير من الحالات التي استُخدم فيها الفلسطينيون "كدروع بشرية" في العمليات العسكرية التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي وجود نمط واضح. وعادة يجبر جيش الدفاع الإسرائيلي ذكراً راشداً(6) في عملية عسكرية على تفتيش الممتلكات في كل منطقة من مخيم اللاجئين. ويُحتجز الفلسطيني لفترة معينة لدى جيش الدفاع الإسرائيلي، تصل أحياناً إلى عدة أيام. وقد عُرِّض هؤلاء الفلسطينيون لخطر شديد، وأدى ذلك في بعض الحالات إلى الإصابة بجروح، كما توضح الحالة التالية.


فيصل أبو سرية

قال فيصل أبو سرية، وهو معلم عمره 42 عاماً، لمندوبي منظمة العفو الدولية أنه أُجبر على مرافقة جيش الدفاع الإسرائيلي في عملياته العسكرية لمدة يومين، وخلال هذه الفترة استُخدم "كدرع بشري". وأثناء المدة التي أمضاها في حجز جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، ذكر أنه تعرض للضرب وسوء المعاملة. وخلال الفترة التي استُخدم فيها "كدرع بشري"، أُصيب بطلق ناري في ركبته، لكنه لم يحصل على رعاية طبية كافية ولم يستطع الحصول على علاج إلا بعد ثلاثة أيام.


وفي 4 إبريل/نيسان 2002، وهو اليوم الثاني من عمليات التوغل، كان فيصل أبو سرية في منـزله مع عائلته في مخيم جنين للاجئين. وعند حوالي الساعة الرابعة فجراً قُرع باب داره. وأمر جيش الدفاع الإسرائيلي جاراً له عمره 15 عاماً بالدخول إلى منـزل فيصل أبو سرية وإصدار تعليمات للعائلة بالذهاب إلى غرفة واحدة. ثم فتش الجنود المنـزل واحتلوه في ذلك اليوم حتى المساء. وقال فيصل أبو سرية أنه خلال هذه الفترة اقتيد إلى غرفة جانبية وتعرض للضرب. وقال لمندوبي منظمة العفو الدولية :


"أمرني ضابط عرفته باسم إيتان أن أوجه عبارة مهينة إلى جندي آخر. فرفضت. عندئذ قال لي ‘إن هذا أمر’، لكنني استمريت في الرفض. عندئذ بدؤوا بضربي بنعالهم وقبضاتهم على كتفيَّ وساقيَّ. وبعد ذلك أمسكوا بجهاز التلفزيون وألقوا به على الأرض."


وفي صبيحة 5 إبريل/نيسان، اقتاد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي فيصل أبو سرية من منـزله :


"وقال لي الضابط إيتان : ‘تعال معنا’. فسألته ‘لماذا ينبغي علي أن أذهب معكم؟ فأنا لست مطلوباً’. وأمرني بأن أذهب معه لمدة 10 دقائق، فقط إلى منـزل أحد الجيران. فقلت له إنني إذا ذهبت فسيبدأ أطفالي بالبكاء. وأمرني مجدداً بأن أذهب معه لمدة عشر دقائق فقط ثم قال ‘أفضل ألا استخدم القوة’. وبعد ذلك ذهبت معهم. وعندما كنا نغادر المنـزل، جال الضباط ببصره يساراً ويميناً ثم أمسكني من ياقتي وأوقفني أمامه عندما خرجنا وتوجهنا نحو بيت الجار. ولم يكن هناك إطلاق نار في حينه، لكن إيتان انحنى مباشرة خلفي وبدأ بإطلاق النار إلى ناحية اليسار، بينما تقدم الجنود الآخرون نحو بيت الجار.


"دخلنا منـزل الجار. ولم يكن فيه أحد. وكان معنا حوالي 15 جندياً في ذلك الحين. وأُمرت بأن أبقى في غرفة واحدة. ثم نُقلت من هذا المنـزل وأُمرت بالذهاب إلى منـزل آخر بمفردي وبقرع الباب. ففعلت ذلك، لكن لم يجبني أجد. وأمروني بأن أعود أدراجي. ورأيت أنهم يحملون نوعاً من الصناديق المعدنية وأنهم أحضروه إلى الباب. ثم سمعت دوي انفجار. فأُمرت عندها بالعودة إلى المنـزل وإذا وجدت أحداً فيه أن أبلغهم بالتجمع في غرفة واحدة. وعندما عدت، وجدت باباً آخر. ومرة أخرى قرعت الباب، لكن لم يجبني أحد. وفجَّر الجنود هذا الباب. وفي ذلك الوقت، أدخلوا كلباً إليه وأمروني بأن أدخل وإذا وجدت أية أبواب مغلقة، فيجب أن أفتحها. ثم تبعني الجنود.


"شارفت الساعة الآن على الثالثة والنصف بعد الظهر، فقلت للجنود إنني أريد الذهاب إلى المنـزل، فأجابني أحد الجنود بأنني أستطيع العودة عندما يعثرون على شخص آخر يحل محلي. وفتش الجنود المنـزل، ثم نزلنا إلى الدور السفلي فيه حيث أحدثوا حفرة في الجدار الفاصل بين هذا المنـزل والمنـزل التالي. واقتادني الجنود وأمروني بأن أمر عبر الحفرة أولاً. وتبعني حوالي ستة أو سبعة جنود. ومن هناك، أخذوني إلى منـزل آخر، ومرة أخرى فتش الجنود المنـزل، ولم يكن فيه أحد. وعند مغادرته، أمسكني إيتان من عنقي ووجه مدفعه الرشاش إلى خاصرتي اليمنى. ومشيت مسافة 20 متراً تقريباً على هذه الحال. ثم أخذوني إلى منـزل آخر يعود لجار اسمه إبراهيم فريحات، كنت أعرفه. وعندما دخلنا، وجدنا جنوداً في المنـزل، وُضعت مع إبراهيم في غرفة واحدة. وأمضينا الليل فيها."


وخلال هذه الفترة، واليوم التالي، لم يكف فيصل أبو سرية عن مطالبة الجنود بإخلاء سبيله. وفي كل مرة كان الجنود يقولون له إنهم سيطلقون سراحه عندما يجدون شخصاً آخر يحل محله. وقال إنه خلال هذه الفترة كان هو أو معتقل آخر يُوضع في مقدمة الجنود خلال عمليات التفتيش من منـزل إلى منـزل. وفي ثلاث مناسبات مختلفة، ذكر أن جندياً وضع مسدساً بالقرب من جسده أو على جسده مباشرة، وفي إحدى المرات أُجبر على الوقوف أمام الجندي عندما أطلق النار. وعند حوالي الساعة الخامسة من مساء 6 إبريل/نيسان، أُمر فيصل أبو سرية بعبور طريق صغير وقرع باب مبنى مقابل لأن الجنود شاهدوا أسلاكاً متدلية من المبنى. وبينما كان يهم بعبور الطريق، فتحت عليه النار وحدة تابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي كانت متمركزة على سطح في الجوار، فأصابت فيصل أبو سرية بجرح بليغ في ساقه. فقفل عائداً إلى الوحدة التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي التي كان بصحبتها، فقدموا له بعض الإسعافات الأولوية، لكنهم لم يرسلوه إلى مستشفى، وعوضاً عن ذلك أوعز الجنود لبعض الشبان الفلسطينيين بحمله. ولم يستطيعوا الوصول إلى المستشفى، لذا تركوه في منـزل يقع في حي الدمج بالمخيم. ولم يتمكن من تلقي علاج طبي حتى 9 إبريل/نيسان عندما أمر جيش الدفاع الإسرائيلي سكان هذه 75?لمنطقة بإخلاء منازلهم.


ممارسة التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ضد المعتقلين

خلال العمليات التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في مخيم جنين للاجئين بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2002، أساء معاملة المئات من الرجال المعتقلين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و55 عاماً ومارس التعذيب ضدهم أحياناً.(7) وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي عن اعتقال 685 فلسطينياً في جنين بحلول 11 إبريل/نيسان. ويبدو أن الشرط الوحيد للاعتقال هو جنس المعتقل وجنسيته وعمره.(8) وقد فُصل الرجال عن النساء والأطفال والرجال الذين تتجاوز أعمارهم 55 عاماً. وجُردوا من ملابسهم باستثناء الداخلية منها، وعُصبت أعينهم ورُبطت أيديهم بأصفاد بلاستيكية. وتكررت أنباء إساءة المعاملة وقال البعض إنهم تعرضوا للضرب، وتوفي أحد المعتقلين نتيجة عمليات الضرب هذه.


ونُقل المعتقلون من مخيم اللاجئين واقتيدوا أولاً إلى بـير سعادة حيث احتُجزوا بين يومين وخمسة أيام. وخلال هذه الفترة أُسيئت معاملتهم : وقال المعتقلون السابقون الذين أُجريت مقابلات معهم إنهم أجبروا على جلوس القرفصاء مطأطئي الرأس فترات طويلة من الوقت؛ وكانت أيديهم لا تزال مقيدة خلف ظهورهم بأصفاد بلاستيكية وأعينهم معصوبة. وطوال فترة الأربع والعشرين الساعة الأولى لم يُقدم إليهم أي طعام، كما ورد، ولم يتم توزيع الماء عليهم بصورة منتظمة (ذكر بعضهم أنه تلقى بعض الماء، بينما لم يتلق آخرون أي ماء على الإطلاق). وقال معظمهم إنه لم يُزوَّد ببطانيات رغم برودة الطقس ليلاً وكان الدخول إلى المراحيض محدوداً أو معدوماً (أو سُمح بالدخول في ظروف صعبة أو مهينة). ونُقل المعتقلون من بيـر سعادة إلى معتقل سالم؛ وأفرج عن معظمهم بعد قضاء ما بين 3 أيام و11 يوماً في المعتقل.


وفي نهاية فترة اعتقالهم، جرى استجواب المعتقلين لفترات تتراوح بين 15 و60 دقيقة. وأشار بعضهم إلى أنه طُرحت عليه أسئلة أساسية؛ وأشار آخرون إلى أنهم سئلوا أسئلة تتعلق بالنشاط السياسي أو المسلح في مخيم اللاجئين أو عن آرائهم السياسية. ثم نُقل بعض المعتقلين إلى مراكز اعتقال أخرى، أحياناً إلى مراكز اعتقال سرية؛ وأُطلق سراح بعضهم فيما بعد، وصدرت أوامر اعتقال إداري بحق بعضهم الآخر أو احتُجزوا بانتظار محاكمتهم أمام محكمة عسكرية. وجرى تصوير كل معتقل أُطلق سراحه في ختام المقابلة، عادة مرتين. وأُعطيت صورة للمعتقل دُوِّن عليها رقم بطاقته الشخصية واحتفظت السلطات بالصورة الأخرى. وبالنسبة للبعض أصبحت الصورة الآن مصدر الإثبات الوحيد لهويتهم.(9)


وأُفرج عن المعتقلين على بعد عدة كيلومترات من قرية واحدة من ثلاث قرى تقع حول معتقل سالم، هي عادة قرية رمانة. وأُجبروا على السير على الأقدام إلى البلدة؛ وغالباً ما كانوا لا يزالون مجردين من ملابسهم ومعظمهم من دون أحذية. وأُمروا بالبقاء في القرية. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع عدة معتقلين لدى الإفراج عنهم. وتم إيواؤهم في مساكن مؤقتة في المباني العامة (في قرية رمانة، حيث حولت إحدى المدارس إلى ملجأ مؤقت)؛ واستضافت العائلات بعضهم الآخر. وبما أن الحصار كان لا يزال مستمراً، لم يدر معظمهم ما حل بعائلاتهم التي بقيت في المخيم أو بممتلكاتهم. ولم يعودوا إلى جنين إلا بعد 17 إبريل/نيسان 2002، عقب الانسحاب المؤقت لجيش الدفاع الإسرائيلي من مخيم اللاجئين.


أمير محمد عبد الكريم

قُبض على عامر عبد الكريم، 24 عاماً، في مخيم جنين للاجئين في 9 إبريل/نيسان 2002. وأبلغ منظمة العفو الدولية كيف أن جميع الذين كانوا يحتمون داخل منـزل معه خرجوا عندما رأوا أن المنازل حولهم تُهدم بالجرافات :


"كان هناك 60 شخصاً في المبنى ذاته، وكانت هناك ثلاث نساء وطفل مولود حديثاً وحوالي سبعة أطفال وخمسة رجال مسنين تقريباً … وبدأ القصف مجدداً وجرى هدم المنـزل المتاخم بالجرافة. وقرر سكان المنـزل مغادرته عوضاً عن مواجهة الجرافة. وعندما غادروا، أعطوا إشارة الاستسلام. وأمرهم جيش الدفاع الإسرائيلي بالجلوس على الأرض ووضع أيديهم خلف ظهورهم؛ ورُبطت أيديهم بأصفاد بلاستيكية. وفُصل الرجال عن النساء واقتيدوا كل عشرة على حدة وأمروا بخلع ملابسهم ما عدا الداخلية منها. ثم أُمروا بأن يسيروا في موكب دائري. ولم تُعصب أعيننا. ثم مشينا مسافة 20 متراً تقريباً وبعد ذلك فصلونا بعضنا عن بعض. وعندما كنا نسير رأيت امرأة جريحة لديها ساق واحدة فقط. وطلبنا من جنود جيش الدفاع الإسرائيلي مساعدتها وإحضار سيارة إسعاف. فرفضوا وقالوا لا تقلقوا. وفي ذلك الوقت، سمعت إطلاق نار من جهة اليسار، دام حوالي 10 دقائق. وخلال هذه الفترة، كان الجنود الإسرائيليون يستخدمون الناس دروعاً بشرية. وكانوا يجبروننا على السير أمامهم، وكانوا يضعون بنادقهم أحياناً على أكتافنا. وفي أحيان أخرى كانوا يتبادلون إطلاق النار ويطلقون النار من أكتاف الأشخاص. وبعد زهاء 10 دقائق، عصبوا أعيننا ثم اقتادونا إلى ساحة كبيرة. وحاولت نزع عصابة عيني لأرى ما إذا كان أصدقائي معي. وسألت عن المرأة الجريحة، فقيل لي إنها تُركت هناك. ثم ربطونا معاً بواسطة الأيدي في مجموعات تضم كل منها خمسة أشخاص. وبعد ذلك مشينا لمدة 30 دقيقة تقريباً … ثم أُمرنا بالجلوس على الأرض مدة خمس دقائق تقريباً. وسمعت جندياً يقول ضعوا 20 في أربعة طوابير. وكان أمامنا دبابة وخلفنا دبابة، لقد سمعت صوتهما. وأصبحنا الآن في ساعة متأخرة من الليل. وجُمعنا في منطقة واحدة وجلسنا في صف. وحاولت نزع عصابة عينيَّ بساقي. وكنت قلقاً من أن تدهسني دبابة … وبدؤوا بضربنا على أجسامنا وصدورنا بأعقاب البنادق … وبعد الضرب، أمرنا بالجلوس ورؤوسنا على ركبنا وأذرعنا خلف ظهرنا. وجمعونا كلنا في باحة كبيرة تقع بالقرب من بيـر سعادة الواقعة بالقرب من موقع جنين المتقدم. وجُمعنا كلنا هناك ونحن نرتدي ملابسنا الداخلية. وكان الجو بارداً. وعندما طلبنا بطانيات، انهالوا علينا بالضرب. ولم يقدم لنا الماء. ومكثنا هناك من منتصف الليل تقريباً وحتى حوالي العاشرة من صباح اليوم ال?الي.


"ثم نقلونا إلى سالم على متن حافلة أو ما يشبه الشاحنة المزودة بكراسي. وأُنزلنا من الحافلة واحداً تلو الآخر وسألونا عن بطاقاتنا الشخصية وأسمائنا. وبدؤوا عندها بجمع المعلومات - الأسماء والبيانات الشخصية. وسأل أحد الجنود ما إذا كان أحد يتكلم العبرية. فرفعت يدي. وأزالوا عصابة عينيَّ. وأعطيت جالوناً من الماء تقريباً كان حاراً وأمروني بأن أقدمه للعطشى. وكان هناك زهاء 31 رجلاً. وبما أنني أعرف العبرية، طُلب مني أن أُبلغ الجنود أن بعض الأشخاص مصابون بجروح. فقال لي الجنود إنهم سيعالجون هذا الأمر فيما بعد. ونفد الماء قبل أن يحصل الجميع على شربة ماء. وقال لي أحد الجنود بأن أُبلغ الآخرين بأنكم ‘أنتم المقاتلون لا تستحقون العيش – ويجب أن تموتوا’. فقلت له ‘لقد جئنا إليكم للاستسلام، ونحن أناس عاديون’. وكان الجو حاراً جداً وحاول بعضهم الاستلقاء على الأرض لكن الجنود أمرونا بأن نضع رؤوسنا بين أرجلنا. وكان هناك رجل يناهز عمره 68 عاماً لم يُنفِّذ الأمر، لذا ضربه الجنود بأعقاب بنادقهم ونعالهم. وظللنا جالسين القرفصاء اعتباراً من الساعة العاشرة مساء تقريباً وحتى منتصف الليل ولم نحصل على استراحة. وفقط عندما كنت أصب الماء سُمح لي بأن أكون في وضعية مختلفة. وبقينا في سالم من ليل الثلاثاء وحتى ليل الأربعاء. وكان معنا رجل مصاب بداء السكر، لكن لم تُقدم له أية مساعدة طبية خلال هذه الفترة. وأُفرج عني في محطة وقود (بنـزين). وكنت لا أزال معصوب العينين لكن يديَّ كانتا مكبلتين من الأمام. وعندما غادرت الحافلة، أُمرت بعدم العودة إلى جنين أو إلى المخيم".


محمد وحسني أحمد عامر

اعتقل جيش الدفاع الإسرائيلي يوم الأحد في 7 إبريل/نيسان شقيقين هما محمد وحسني أحمد عامر. ووصف محمد عامر كيف تعرض حسني، الذي أُجبر على المشاركة في عملية لجيش الدفاع الإسرائيلي، للضرب المبرح، ونُقل من معتقل سالم في سيارة إسعاف في فترة لاحقة من ذلك اليوم. وفي الوقت الذي أجرت منظمة العفو الدولية مقابلة معه كان في يبحث عن معلومات حول مصير شقيقه. وبعد قرابة الشهرين، أُبلغ محمد عامر بأن شقيقه حسني قد توفي.


وقال محمد عامر لمنظمة العفو الدولية :

"كنت في منـزل والدتي في منطقة جورة الذهب بالمخيم في صباح السابع من إبريل/نيسان. وكان يوم أحد وكانت الساعة تشير تقريباً إلى الثامنة صباحاً. وكنت مع ابني، وشقيق آخر ووالدتي. فسمعت الباب يُقرع. وفتحنا الباب، فكان القارع شقيقي حسني مع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي. وأمرنا الجنود بمغادرة المنـزل ودخل إليه قرابة 20-25 جندياً. وكنا على الشرفة. ومكثوا في المنـزل زهاء الخمس دقائق. واعتقلوا ابني عامر وتركوا والدتي وشقيقي الآخر ماهر (المُقعد). واقتادوني أنا وشقيقي حسني وأدخلونا إلى منـزل حسني الذي يقع على مسافة قريبة جداً.


"وعندما وصلنا إلى منـزل حسني، دخلنا ونزلنا إلى الدور السفلي. وعندما وصلنا إليه، شاهد الجنود صوراً عديدة على جدران الدور السفلي، وقال أحد الضباط لنا ‘هذه خرائط لإرشاد المقاتلين إلى الطرقات.’ فأجبنا كلانا وقلنا لهم إن هذه مجرد رسومات للأطفال. وعندما أبلغهم شقيقي أن هذه رسومات أطفاله، قيدوا يديه خلف ظهره برباط من البلاستيك وأجبروه على الجلوس. ولم يمسوني. وكنت واقفاً قرب شقيقي في حينه.


"وبدؤوا بضرب شقيقي على كتفه ومؤخرته بنوع من الهراوات. واستمروا في ضربه طوال نصف ساعة تقريباً. وظل الجندي يقول له ‘عليك القول إن هذه خرائط المتشددين’. وأخذ شقيقي يصرخ برهة. لكن بعد فترة من الوقت أصبح وجهه شاحباً. وظل يقول لهم إن هذه مجرد رسومات رسمها أطفاله. وقال للجنود ‘أستطيع أن أحضر أولادي حتى يخبروكم.’


"ثم بدأ شقيقي يشكو من ألم في بطنه وطلب من الجنود شربة الماء. فلم يعطوه ماءً. وانهالوا عليه بالضرب أربع أو خمس مرات تقريباً، وبين كل عملية ضرب وأخرى، كانوا يسألونه عن الرسومات.


"وعندما انتهوا من ضرب شقيقي، قالوا لي : ‘حسناً الآن جاء دورك’. فقلت لهم بالعبرية إنني مريض وعند مشكلة في القلب. وتركوني زهاء خمس دقائق وعندما عادوا قالوا، ‘حسناً يمكنك الذهاب إلى الغرفة الأخرى’. وكانت بجانب الغرفة التي كنت فيها مع شقيقي. وعندما ذهبت إلى الغرفة الأخرى، أُمرت بأن أجلس على الأرض. وتُرك الباب مفتوحاً. وكنت أرى شقيقي. وأمضيت قرابة النصف ساعة في هذه الغرفة. وبعد ذلك، اقتادوني أنا وشقيقي إلى خارج المنـزل. وكان شقيقي يتكئ علي. واقتادنا جنود جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مدخل المخيم. ومشينا مسافة 200-250 متراً تقريباً. وعندما وصلنا إلى داخل المخيم، كبلوا أيدينا بأربطة بلاستيكية وعصبوا أعيننا. وأُمرنا بالجلوس. وأبقونا هناك نحو الساعة أو الساعتين، لست متأكداً.


"وظل شقيقي يشكوا من الألم. وفي البداية أخذونا إلى بيـر سعادة. وأصبح شقيقي يصرخ الآن من شدة الألم. وكرر القول إنه مصاب. وعندما وصلنا إلى بيـر سعادة، فصلوني عن شقيقي. وفي لحظة ما طلبت الذهاب إلى الحمام، فأخذني جندي إليه. وسمح لي بأن أنزع عصابة عيني. وعندما عدت جلست في مكان آخر تحت شجرة. وسُمح لي بأن أبقى بدون عصابة العينين. وسمعت شقيقي يطلب ماء ويشكو من الألم الذي يشعر به في بطنه. وبعد هنيهة، أمرني الجندي بأن أعيد وضع عصابة عينيَّ. وخلال الوقت الذي أُزيلت فيه عصابة عينيَّ، كنت أرى شقيقي عند أسفل التل. ولم يعطوه أي ماء أو يقدموا له أي مساعدة طبية. وأبقونا هناك ما يقرب من الست ساعات.


"ثم وضعونا في ناقلة جند مدرعة واقتادونا إلى معتقل سالم. وأدركنا أننا في سالم عندما سمعنا الآذان. وعندما وصلنا إلى سالم، أمرونا بأن نجلس على الحصى. وخلال وجودي في المعتقل، اقتادوني للاستجواب وسألوني بضعة أسئلة. وسألوني عما إذا كنت أود أن أعمل معهم وقالوا لي إنه إذا وافقت سيستصدرون إذن عمل لي داخل إسرائيل. فرفضت. واستجوبوني لمدة 10-15 دقيقة تقريباً. ثم التقطوا صورة لي واحتفظوا بها. وسمعتهم يقولون لبعضهم بعضاً بالعبرية يُمكنك إطلاق سراحه.’ وأعادوا تكبيل يديَّ ووضع عصابة عينيَّ.


"وبعد الاستجواب، عدت إلى الأرض المفروشة بالحصى ووُضعت إلى جانب شقيقي. وأعطاني جندي بطاقته. وكان يئن بصوت مرتفع جداً في هذه اللحظة وبدا أنه يعاني من مشاكل في التنفس. وبدأ السجناء الآخرون بالصراخ قائلين أنه ينازع. وسمعت الجنود وهم يحاولون تقديم بعض المساعدة الطبية له، ثم سمعت أحدهم يستدعي سيارة إسعاف. وكنت ما أزال قادراً على أن أرى قليلاً من أسفل العصابة وشاهدتهم يأخذون شقيقي. وكانت الساعة تقارب السابعة والنصف مساءً. وبقيت هناك ليلة واحدة. وفي صباح اليوم التالي، أطلقوا سراحي. ولم أر شقيقي مرة أخرى."


وأجرت العائلة، فضلاً عن المنظمات المحلية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها هاموكيد، استفسارات متكررة تتعلق بحسني عامر. فقال لهم جيش الدفاع الإسرائيلي إنه لا يوجد سجل لاعتقاله أو لمعالجته في المستشفى. وفي 1 يونيو/حزيران، بعد قرابة الشهرين من اعتقاله، أبلغ مكتب التنسيق في المقاطعة (مركز التنسيق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية) عائلة حسني عامر أن جثمانه محتجز في مركز أبو كبير للتشريح الطبي. وفي 6 يونيو/حزيران، منعت المحكمة العليا الإسرائيلية التي استجابت لالتماس قدمته العائلة، إجراء المزيد من الفحص للجثة. وفي 13 يونيو/حزيران، استُدعي محمد عامر إلى أبو كبير للتعرف على الجثة. وطلبت العائلة إجراء فحص جنائي مستقل لتحديد سبب الوفاة.


الحصول على الإمدادات الضرورية

أبلغ سكان بلدة جنين ومخيمها مندوبي منظمة العفو الدولية بمخاوفهم المتزايدة إزاء تناقص مخزون الطعام والماء. وشهد المندوبون الذين كانوا في البلدة بين 15 و17 إبريل/نيسان معاناة العائلات التي أمضت الأسبوعين السابقين حبيسة في منازلها، مع انقطاع الماء والكهرباء طوال معظم الفترة.


وقُطع التيار الكهربائي عن المدينة في 3 إبريل/نيسان 2002؛ وفي معظم الأماكن أُعيد التيار خلال أربعة إلى عشرة أيام، لكن بحسب ما قالته الأونروا، لم يعد التيار الكهربائي ولو بشكل جزئي إلى الجزء الأسفل من مخيم اللاجئين إلا حتى 25 إبريل/نيسان. وفي مقابلة مع منظمة العفو الدولية، قدم رئيس مصلحة الكهرباء في بلدية مدينة جنين سجلاً تفصيلاً لفترات انقطاع التيار، فضلاً عن تقرير حول تقييم الأضرار أعده المهندسون. وبرأيه جرى استهداف عدد من وحدات التغذية الرئيسية، وتعرضت فرق الصيانة لنيران أسلحة جيش الدفاع الإسرائيلي عندما حاولات إصلاح الكبلات المعطلة.


كذلك قطع جيش الدفاع الإسرائيلي إمدادات المياه، إضافة إلى الأضرار التي ألحقتها نيران الجيش المذكور بالعديد من خزانات المياه الموجودة على أسطح المنازل؛ وفي بعض الأماكن لم تتم إعادة إمدادات المياه لمدة 20 يوماً. وأبلغ مدير قطاع المياه في مدينة جنين مندوبي منظمة العفو الدولية أن المضخات معطلة في إحدى محطات الضخ التي تزود مدينة جنين والقرى الغربية بالمياه؛ وقد لحقت بالشبكة أضرار واسعة وقطعت الجرافات عمداً "الخطوط الرئيسية الممتدة من الخزانات أو محطات الضخ أو أُصيبت بصورة غير مباشرة بنيران الدبابات الثقيلة. وأُصيبت سبع من أصل 11 مضخة تعزيز (تساعد على وصول المياه إلى الأماكن المرتفعة) أو دُمرت بنيران المدافع الرشاشة الثقيلة أو الدبابات. أما الأضرار التي لحقت بالشبكة داخل المخيم، فليست قابلة للإصلاح." وفي 5 إبريل/نيسان، احتل جيش الدفاع الإسرائيلي إحدى محطات الضخ وطرد مشغلها لمدة أربعة أيام. وظل سكان المخيم وأولئك الذين يعيشون في المناطق العليا من البلدة من دون مياه مدة تصل إلى ثلاثة أسابيع؛ وتشير الأونروا إلى أنه لم يتم إصلاح نقاط المياه الموصولة بالمخيم حتى 28 إبريل/نيسان.


وأبلغ رئيس مديرية الخطط والسياسة في جيش الدفاع الإسرائيلي مندوبي منظمة العفو الدولية أنه ليس هنا سياسة لقطع الكهرباء أو الماء وقال إن الفلسطينيين استخدموا أنابيب المياه لصنع القنابل. لكن بين مارس/آذار ومايو/أيار 2002، عاين مندوبو منظمة العفو الدولية أجهزة التغذية الكهربائية وأنابيب المياه المتضررة في العديد من المدن ومخيمات اللاجئين الفلسطينية وخلصوا إلى أن الضرر الذي لحق بالأسلاك الكهربائية وأنابيب المياه كان متعمداً وواسع النطاق.


وجعل حظر التجول الطويل من المستحيل على الموجودين في مدينة جنين أو في مخيم اللاجئين الحصول على إمدادات بديلة للمياه، إلا خلال فترة رفع حظر التجول. ولم تستطع هيئات الإغاثة الإنسانية تقديم المياه أو الإمدادات الطبية أو الغذائية حتى 17 إبريل/نيسان 2002. وكان لدى معظم المنازل احتياطي من الطعام؛ إذ إن السكان عانوا من عمليات التوغل وفترات حظر التجول السابقة وكدسوا مؤن الأرز والعدس والبقول فضلاً عن تخزين الماء في قناني أو دلاء داخل منازلهم. ولم يتوفر الحليب والماء والطعام الطازج. وأشارت المستشفيات إلى ست حالات داخل مخيم جنين لأطفال أُصيبوا بمضاعفات ناتجة عن شرب المياه المبتذلة. وكان لدى المستشفيات مولداتها الكهربائية الخاصة، لكن خدماتها تأثرت بالنقص الحاصل في المياه والطعام؛ وطوال أيام عاش المرضى والموظفون في مستشفى مدينة جنين على البسكويت بصورة رئيسية.


منع وصول الإغاثة الطبية والإنسانية

مُنعت هيئات الإغاثة الطبية من الدخول إلى مخيم جنين للاجئين طوال 11 يوماً تقريباً، اعتباراً من الساعة 12 من ظهر 4 إبريل/نيسان وحتى 15 إبريل/نيسان 2002. وإضافة إلى ذلك، أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار على سيارات الإسعاف (10) أو أطلق طلقات تحذيرية حولها. وتعرض سائقو سيارات الإسعاف للمضايقة أو الاعتقال. وفي هذه الأثناء ظل القتلى الذين سقطوا في مخيم جنين للاجئين في الشوارع أو المنازل طوال أيام. وبقي الجرحى ممددين على الأرض من دون رعاية أو جرت معالجتهم في المنازل. وفي عدة حالات، ورد أن أشخاصاً توفوا في ظروف قد يكون الحرمان من الرعايا الطبية أدى إلى الوفاة أو عجَّل بحدوثها. وتبين العديد من الشهادات أن العائلات كانت تستميت ف0? إجراء المكالمات الهاتفية طلباً للمساعدة من دون جدوى واضطرت للبقاء وحدها مع أقاربها الذين يصارعون الموت أو الذين فارقوا الحياة. وتبين حالات عديدة لفلسطينيين قتلهم جيش الدفاع الإسرائيلي صعوبة أو استحالة الحصول على الرعاية الطبية أو سيارة إسعاف لنقل الموتى؛ ونصف أدناه ثلاث حالات كهذه – تتعلق بعطية أبو إرميلة ونايف قاسم عبد الجابر وعميد عزمي أبو حسان فايد. وفي حالتين أجرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً فيهما، سيترتب على تأخير الحصول على العلاج الطبي عواقب طبية طويلة الأجل بالنسبة للمرضى.


وقال أفراد الجسم الطبي إنه طوال الساعات الثلاثين الأولى للتوغل، ابتداءً من الساعات الأولى من صباح 3 إبريل/نيسان وحتى ظهر 4 إبريل/نيسان 2002، لم تتمكن سيارات الإسعاف من التنقل. وخلال هذه الفترة، أحضرت سيارات الإسعاف خمس جثث وحوالي 45 جريحاً إلى مستشفى مدينة جنين. وكان من ضمن الفلسطينيين الأوائل الذين قُتلوا ممرضة عمرها 27 عاماً تدعى فدوى فتحي عبد الله جمال وكانت ترتدي زيها الرسمي، حيث أطلق جيش الدفاع الإسرائيلي النار عليها بينما كان تسير في ساعة مبكرة من صباح 3 إبريل/نيسان مع شقيقتها، وهي ممرضة أيضاً، إلى مركز طبي يقع في المخيم.


واعتباراً من الساعة 12 من ظهر 4 إبريل/نيسان 2002، فرض جيش الدفاع الإسرائيلي حصاراً طبياً ومنع سيارات الإسعاف من دخول المخيم. وطوقت الدبابات مستشفى مدينة جنين واستُخدم المبنى المقابل للمستشفى كقاعدة للجيش المذكور. وحوصر جميع الذين كانوا في المستشفى عند ظهر 4 إبريل/نيسان بداخله : الزوار والموظفون والمرضى – حوالي 300 شخص : 100 من أفراد الجسم الطبي و105 من المرضى وأقربائهم. وعاشوا طوال أيام على البسكويت والشكولاته والماء بصورة أساسية. وفي 4 إبريل/نيسان مُنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تسليم الأوكسجين إلى المستشفى الذي بدأت مؤنه بالنفاد ، لكن سُمح بإدخال المؤن في اليوم التالي. كذلك سلَّمت اللجنة

الدولية للصليب الأحمر عقاقير ودم وطعام. وبحلول 5 إبريل/ نيسان ، تسلَّم المستشفى ست جثث (زادت إلى سبعة عندما توفي رجل جريح في اليوم التالي داخل المستشفى) ، ولم تكن مشرحة المستشفى تتسع لأكثر من جثة واحدة.وطُلب إذن من جيش الدفاع الإسرائيلي لدفن الجثث في بقعة صغيرة من الحديقة الواقعة خلف المستشفى ، فمُنح الإذن في 6 إبريل/ نيسان.


استقبل مركز جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني زهاء 200 لاجئ [فروا من مخيم جنين للاجئين]. وكانوا في معظمهم من النساء والأطفال. ولم يكن لدينا أي طعام أو مياه ولا فراش ليناموا عليه. وبسبب هذا الوضع الصعب، قرر في 9-10 إبريل/نيسان بعض الذين آويناهم هنا أن يحاولوا الذهاب إلى مدينة جنين. وعندما غادروا المركز، كان عليهم المرور عبر نقطة التفتيش ، لذا أرسلت سيارة إسعاف معهم . وعندما وصل الناس إلى نقطة التفتيش ، انضمت إليهم سيارة إسعاف أخرى من الجانب الآخر. وفي 10 إبريل/ نيسان قبض جيش الدفاع الإسرائيلي على أربعة من أطقم سيارتي الإسعاف –اثنان من كل سيارة.واحتُجزوا في معتقل سالم مدة يومين ، ثم أُطلق سراحهم في قرية مجاورة وأُمروا بعدم العودة إلى جنين لمدة ثلاثة أيام أخرى.

إبراهيم دبابنة ، رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في جنين.

dfl3


وفي 6 إبريل/ نيسان كانت سيارات الإسعاف لا تزال تُمنع من دخول مخيم جنين للاجئين. وفي 7 إبريل/ نيسان ، مُنعت سيارات لاند كروزر تابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر تحمل مؤناً إلى مستشفى مدينة جنين من المرور؛ لكن المؤن نُقلت إلى سيارات إسعاف محلية وأُدخلت إلى المستشفى. وفي 8 إبريل/ نيسان بدا أن المفاوضات المتواصلة بين اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب التنسيق في المقاطعة والجيش أدّت إلى التوصل إلى اتفاق. وحاولت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني --- إرسال ثلاث فرق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى المخيَّم لنقل الجرحى.وجرى تفتيش سيارات الإسعاف مدة طويلة وأُجبر سائقوها على الاستلقاء على الأرض. وعند حوالي الساعة الخامسة مساءً قال جيش الدفاع الإسرائيلي إنه يمكن إدخال ثلاثة أشخاص؛ وينبغي على المستشفى أن يفحصهم من دون طرح أسئلة. ونُقل الرجال الجرحى إلى المستشفى وهم معصوبي الأعين. وبعد فحصهم ، قال الدكتور أبو غالي مدير المستشفى إنهم جميعاً بحاجة إلى علاج عاجل في المستشفى. لكن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يسمح إلا لمريض واحد بالدخول إلى المستشفى.


ودامت هذه العملية بأكملها والتفاوض مع جيش الدفاع الإسرائيلي واللجنة الدولية للصليب الأحمر من الساعة 8 صباحاً وحتى 11 ليلاً – وفي نهاية اليوم "لم يُدخَل إلى المستشفى إلا جريح واحد" على حد قول الدكتور أبو غالي.


وبين 9 و14 إبريل/ نيسان ، كان هناك انتظار يوماً بعد يوم خارج مخيم جنين ، حيث كانت تقف خمس سيارات إسعاف وأطباء تابعون للجنة الدولية للصليب الأحمر وحوالي ست سيارات إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر

الفلسطيني تنتظر دون جدوى بأن يسمح لها جيش الدفاع الإسرائيلي بدخول المخيم لإخلاء القتلى والجرحى.

حاولنا في هذه المرحلة إيجاد طرق بديلة إلى المخيّم ، لكن لسوء الحظ كانت جميع الطرقات إما مسدودة أو غير صالحة للمرور. عندئذٍ خلصنا إلى أن جيش الدفاع الإسرائيلي قد سدّ المخيم بالكامل. وعند تقاطع الطريق

المؤدي إلى مستشفى مدينة جنين، أقام جيش الدفاع الإسرائيلي نقطة تفتيش عسكرية منعت أيضاً حركتنا من وإلى مدينة جنين. وفي كل مرة كنا نمر فيها ، كان جيش الدفاع الإسرائيلي يجبرنا على خلع قمصاننا ثم يقوم بتفتيش السيارات. وكان ذلك يستغرق أحياناً فترة طويلة جداً من الزمن، ولذا في عدد من الحالات كنا عندما نصل في النهاية إلى المكان الذي دُعينا للحضور إليه ، يكون الشخص المصاب إما قد نُقل أو أحياناً قد فارق الحياة نتيجة الانتظار".

إبراهيم دبابنة ، رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في جنين


وعشية 11 إبريل/ نيسان كان وفد عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والدكتور أبو غالي ، مدير المستشفى يجلسون في مكتب الدكتور أبو غالي الواقع في الدور الأعلى من المستشفى عندما اخترقت رصاصتا قنص النافذة وأصابت السقف. فاتصلوا بقائد جيش الدفاع الإسرائيلي في المنطقة الذي ورد أنه اعتذر قائلاً إن أحد قناصة الجيش المذكور ارتكب خطا.


وفي 14 إبريل/ نيسان ، بعد ثلاثة أيام من انتهاء القتال ، ظلَّ مخيم جنين معزولاً عن العالم الخارجي. وقد مضت تسعة أيام على إخراج آخر جثة من المخيم . ولم يصل إلى المستشفى إلا جرحى المخيم الذين استطاعوا أن يعضُّوا على جراحهم ويتوجهون إليها.


وفي هذه الأثناء قُدِّم عدد من الالتماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وفي 8 إبريل/ نيسان ، ذكرت المحكمة في معرض تعليقها على التماس طعن في إقدام الجيش الإسرائيلي على "حرمان المرضى والجرحى في جنين ونابلس من العلاج الطبي؛ وحظر وصول المسعفين الطبيين ووسائل النقل إلى المناطق؛ والحرمان من الحق في دفن الموتى بطريقة مشرِّفة :


"رغم أنه ليس ممكناً تناول الأحداث المحددة الواردة في الالتماس والتي تبدو في ظاهرها قاسية، إلا أنه علينا أن نشدِّد على أن قواتنا المقاتلة ملزمة بتطبيق القواعد الإنسانية التي تشير إلى معاملة الجرحى في المستشفيات وجثث الموتى.وإن الاستخدام الخاطئ للفرق الطبية والمستشفيات وسيارات الإسعاف يجبر جيش الدفاع الإسرائيلي على العمل على منع مثل هذا النشاط؛ لكن هذا بحد ذاته لا يجيز ارتكاب انتهاكات واسعة للقواعد الإنسانية. وفي الحقيقة هذا هو أيضاً الموقف المعلن للدولة. وهذا الموقف لا يقتضيه القانون الدولي فقط ، والذي يستند إليه مقدمو الالتماس ، بل تقتضيه أيضاً قيم دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية".()


وفي 14 إبريل/ نيسان ، استمعت محكمة العدل العليا إلى ثلاثة التماسات ، بما فيها المطالبة بدخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إلى المخيم لنقل الجثث. وقدمها عضوا الكنيست محمد بركة وأحمد الطيبي ، ومنظمتا حقوق الإنسان عدالة والقانون.وذكر ممثل النائب العام في البداية أن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه السماح للمنظمات الإنسانية بدخول المنطقة لأن بعض الجثث قد تكون مفخخة بالقنابل ؛ ثم وافق على السماح بدخولهم. ورفضت المحكمة الالتماسات ، لكنها أمرت بالسماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بمرافقة الجيش الإسرائيلي ومساعدته في تحديد مواقع الجثث والسماح لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالانضمام إليهما.


وبعد صدور قرار المحكمة العليا وللمرة الأولى منذ 11 يوماً ، سُمح لسيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالدخول إلى المخيم. وانطلقت عند تمام الساعة 6.30 من صباح 15 إبريل ، لكن جرى تأخيرها بسبب عمليات التفتيش الروتينية التي يقوم بها جيش الدفاع الإسرائيلي. وأُمرت إحدى الفرق بالبقاء مع وحدة المرافقة التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي؛ ويبدو أن الجيش قيَّد حركتها ولم تعثر على أية جثث.ورافق الدكتور أبو غالي سيارة الإسعاف الأخرى ووصف المشهد :


" ذهبت وبحوزتي آلة تصوير فيديو صغيرة وشاهدت أولاً جثة واحدة. ثم شاهدت جثة ثانية. وكانت الجثة الثالثة التي رأيتها لامرأة عمرها 59 عاماً، موجودة على مسافة مترين من أحد الأبواب ، وقد أُصيبت في صدرها ورأسها، وكانت جثتها متحللة". وهكذا قال جيش الدفاع الإسرائيلي : ‘هذا كل شيء . وفي وسط المخيم ليس هناك أحياء.’ وتابعت طريقي . وفي غرفة بأحد المنازل ، عثرت على رجل عمره 85 عاماً كان بمفرده وليس لديه ماء وقد أصيب بالجفاف. وقلت ‘يجب أن أذهب إلى مسافة أبعد لأرى’. فقال جيش الدفاع الإسرائيلي : ‘هذه المنطقة الوحيدة التي طهَّرها جيش الدفاع الإسرائيلي " ، فإذا ذهبت إلى أبعد من ذلك فلا نضمن سلامتك’. فسرت مسافة 35 متراً في المنطقة التي لم يتم تطهيرها وعثرت على 10 جثث. وكان خمس منها في منزل واحد؛ ولم نستطع نقلها ، وطلبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من جيش الدفاع الإسرائيلي جلبها. وشاهدتُ أناساً كثيرين ينظرون خائفين من نوافذ منازلهم وأبوابها فقلت لهم ‘سأجلب الطعام لكم. هل لديكم ما تأكلونه؟’ فقالوا ‘لا شيء لدينا’. فطلبت بأن يُسمح لي بجلب الطعام والأدوية للناجين ، فقال جيش الدفاع الإسرائيلي : "لديك ساعتان في المخيم ".


وخلال الساعتين اللتين سمح بهما جيش الدفاع الإسرائيلي في المخيم في 15 إبريل/ نيسان ، استطاعت الفرق الطبية والإنسانية الفلسطينية والدولية توزيع بعض الطعام والماء والحليب في المخيم. وفي 16 إبريل/ نيسان سمح الجيش المذكور للجنة الدولية للصليب الأحمر ولموظفي الأونروا بدخول المخيم . وذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في موجزها اليومي : يبدو جزءاً من المخيم وكأن زلزالاً ضربه… والمدنيون في المخيم واقعون تحت تأثير الصدمة ويشيرون إلى الحاجة الملحة إلى الأدوية والماء والطعام".


وفي 16 إبريل/ نيسان ، كان هناك 15 جثة في مستشفى مدينة جنين-وقد جُلبت جثة أخرى خلال اليوم . وأمر بيان المحكمة العليا اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجيش الإسرائيلي بالتعرف على الجثث وفق مقتضيات القانون الإنساني الدولي . لكن مدخل المستشفى كان لا يزال مسدوداً بنقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي تحرسها الدبابات. وطلب الدكتور أبو غالي من جيش الدفاع الإسرائيلي السماح للبروفيسور دريك باوندر ، الذي أوفدته منظمة العفو الدولية ، بالدخول إلى المستشفى لإجراء عمليات تشريح للجثث ، لكن طبيباً تابعاً لجيش الدفاع الإسرائيلي كان متمركزاً عند نقطة التفتيش قال للبروفيسور باوندر : "إذا كنت طبيباً تعالج الناس ، فنسمح لك بالدخول ، لكننا لسنا مهتمين بطبيب شرعي" .


وفي 16 إبريل/ نيسان ، اتصل البروفيسور باوندر بالمقر الرئيسي لمنظمة العفو الدولية في لندن قائلاً :


"لا يوجد خبراء في الطب الشرعي (خبراء جنائيين) في جنين ولا يوجد أحد في المستشفى لديه أي تدريب في الطب الشرعي. وبموجب القانون الإنساني الدولي ، ثمة شرط يقتضي فحص الجثث المتحللة للحصول على أدلة حول سبب الوفاة. ويهدف هذا إلى توضيح ملابسات الوفاة وكذلك يساعد في التعرف على الجثة. وتحديد الهوية ضروري حتى يتسنى للعائلة أن تتعرف على جثة قريبها وتدفنه ولإجراء عملية التوثيق. وكلما تحللت الجثة أكثر كلما ضعف الدليل أكثر وقلَّت الحقائق الثابتة اللازمة للحصول على الأدلة."


ولكن لم يستطع البروفيسور باوندر الدخول إلى مستشفى مدينة جنين حيث أجرى عمليتي تشريح وثلاثة فحوص إلا في اليوم التالي بعدما وافق النائب العام الإسرائيلي إلياكيم روبنشتاين على وجوب السماح له بالدخول. وأُجريت الفحوص على ثلاث من الجثث الخمس التي عُثر عليها في منزل واحد وأحضرها في ذلك اليوم جيش الدفاع الإسرائيلي؛ وبدا أنهم جميعاً من المقاتلين. وبحسب ما قاله البروفيسور باوندر فإن نتائج التشريح "أثارت الشك"؛ وأُجريت عمليات التشريح لجثث تم التعرف على أصحابها لاحقاً وهم علي نائل سالم مقصقص ووضاح فتحي شلبي (أنظر أعلاه).

وناقش مندوبو منظمة العفو الدولية مع أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي مسألة عدم السماح بوصول المساعدات الطبية إلى جنين ونابلس وسواهما في مناسبات عديدة. ونفى رئيس مديرية الخطط والسياسة اللواء غيورا إيلاند ، أنه تم منع سيارات الإسعاف من الدخول إلى جنين لأكثر من يومين ، وأن هذا يعود فقط إلى رفض جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني السماح بتفتيش سيارات الإسعاف التابعة لها. وذكر عدداً من الحوادث التي قيل إن سيارات الإسعاف أُسيء استخدامها فيها لنقل الرجال الأصحَّاء والجثث لزيادة عدد القتلى المزعومين في المخيم أو لإدخال حزام ناسف.(12) وأقر بوجود صعوبات في تنسيق المعونة الطبية مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأونروا."حصلت بعض المشاكل بسبب الأخطاء التي ارتكبناها ، ولم تكن بعض المشاكل الأخرى ضرورية. لكننا قدمنا الطعام والماء والعقاقير للفلسطينيين في جنين وحتى الكهرباء. وحاولنا إخلاء الفلسطينيين الجرحى."


رغم الملاحظات التي أبداها اللواء غيورا إيلاند ، فهناك أدلة قاطعة على منع وصول المساعدات الطبية والإنسانية إلى مخيم جنين طوال أكثر من 10 أيام.(13)

عطية حسن أبو إرميلة

قُتل عطية أبو رميلة ، 44 عاماً ، في 5 إبريل/ نيسان متأثراً بجرح أُصيب به في رأسه ناتج عن عيار ناري واحد أطلقه جيش الدفاع الإسرائيلي. وعندما أُصيب كان في منزله مع زوجته وأطفاله الثلاثة. وبحسب ما قالته عائلته ، لم يكن مشاركاً في القتال.(14) وتشكل هذه الحالة مثالاً على تقصير جيش الدفاع الإسرائيلي في التمييز بين المقاتلين وبين أولئك الذين لا يشاركون في القتال. كما يوضح تأثير رفض جيش الدفاع الإسرائيلي السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر أو جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بتسيير سيارات الإسعاف لنقل الجثث والاهتمام بالجرحى.

وقالت هالة زوجة عطية لمنظمة العفو الدولية :


"في الليلة التي سبقت مقتل عطية ، سقط على منزلنا العديد من القذائف ، لذا نمنا في المطبخ. وفي اليوم التالي ، وعند حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر ، أطلقت دبابة صاروخاً سقط بين منزلتا ومنزل جارنا. وفي فترة لاحقة من بعد ظهر ذلك اليوم ، بدأنا نحصي الأضرار التي لحقت بمنزلنا. وكان زوجي يزحف داخل البيت. ولم يكن للشرفة أية نوافذ وكانت تطل على الشارع. ويمكن منها رؤية الشارع بوضوح. وكنت أول من تنقل في المنزل وعدت وأبلغت زوجي أن النوافذ قد تحطمت. وفي البداية ، قال إنه سيذهب لتفحص الأضرار ، لكنني أقنعته بعدم التنقل. وانتقلنا إلى غرفة الجلوس في المنزل. وبعد برهة ، هدأ إطلاق النار قليلاً ، فقرر زوجي الذهاب لتفحص باقي أجزاء المنزل. فزحف إلى الغرفة التالية ، وهي غرفة الضيوف. وعندما وصل إليها ، وجد زجاجاً مكسوراً على الأرض ، لذا عاد إلى غرفة الجلوس لارتداء حذائه. وكانت الساعة تشير إلى حوالي 5.25 مساءً. وإذا كنت تتساءل كيف عرفت بهذه الدقة كم كانت الساعة ، فذلك لأننا كنا جالسين لا نفعل شيئاً ، وبالتالي كنت أنظر إلى ساعتي باستمرار.


"وكنت أرى الدبابات والجنود في الجهة المقابلة لمنزلي وكنت أسمع صوت المروحيات. وعندما عاد عطية إلى غرفة الاستقبال، مرت دقيقتان تقريباً ثم سمعته يقول :"يا هالة يا هالة، تعالي تعالي"وقبل أن يناديني مباشرة ، كنت قد سمعت صوت طلق ناري واحد. فأخذت أطفالي وهرعت إلى حيث يوجد زوجي. ودخلت الغرفة فوجدته واقفاً. وسألته "ما الحكاية، ما الحكاية؟"وكان يوشك أن يقول شيئاً لكنه لم يستطع. ثم رأيت الدم يسيل من فمه وأنفه. فركضت نحوه ، وكان يتحرك ببطء ثم هوى على الأرض. وعندما سقط على الأرض سألته أين أُصيب. وكنت أعتقد أنه أُصيب في صدره لأنني رأيت دماً على قميصه. وأخذ الأطفال بالصراخ. ولم ينبث عطية ببنت شفة. ونظر إلي مرة أخرى ثم اختلج. وشعرت أنه أسلم الروح عندها.


"وعدت إلى غرفة الجلوس مع أطفالي. ولا أذكر كيف فعلت ذلك. وكان أطفالي الثلاثة يمسكون بي ويبكون. وحاولت استدعاء سيارة إسعاف بواسطة الهاتف المحمول.وأخيراً استطعت تذكر رقم هاتف شقيقي واتصلت به وأبلغته أن عطية مصاب ورجوته بأن يطلب سيارة إسعاف. ولم أُبلغه بأنني أعتقد أن عطية قد مات. فقال لي إنه سيتصل وعليّ الصبر. وعندما كنت أنتظر أن يعاود الاتصال بي ، اتصل بي صهر (نسيب) عطية، فأخبرته بما حدث وطلبت منه استدعاء سيارة إسعاف. وبعد برهة اتصل بي مرة أخرى وقال إن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول إلينا ، وطلب مني أن أحاول مساعدة عطية. عندئذ أبلغته بأنني أعتقد أن عطية قد مات. فقال لي إنني خائفة لا أكثر ورنما فقد وعيه. فأجبته "لا لقد مات".


"في هذه اللحظة ، أصبحت على قناعة من أن سيارة الإسعاف لن تستطيع الوصول إلينا ؛ وبدأت أصرخ طالبة المساعدة من الجيران. وبدأ الظلام يهبط. فكسرت نافذةً في إحدى الغرف قريبة من بيت أحد جيراننا وبدأت أصرخ طلباً للمساعدة. فرد عليّ أحد الجيران وطلب سُلَّماً. ولم يستطع أن يصل إليَّ بالسلَّم ، لذا حاولت القفز من الطابق الأول ، لكن الجيران بدؤوا يصيحون بي قائلين إنه عالٍ جداً. فعدت إلى الداخل. وأبلغني أطفالي بأنهم خائفون.واستطعت أن أُقنعهم بأن يخلدوا إلى النوم، ثم استخدمت الهاتف المحمول لمحاولة الاتصال بالناس لمساعدتي. وأصبح الظلام دامساً. ولم يكن لديَّ كهرباء. وكنت وحيدة. واتصل بي أشقَّائي وشقيقاتي، لكن بطارية هاتفي المحمول فرغت. وحاولت استخدام الهاتف المحمول كي أرى ما حولي عندما هبط الظلام. وفي هذه اللحظة تذكرت أن عطية ليس لديه بطانيات. فأحضرت له بعض البطانيات وغطيته بها. ثم رجعت وبقيت مع أطفالي. ولم يغمض لي جفن.


"وفي صباح اليوم التالي، قررت أن أحاول الاتصال بعائلة عطية. وحاولت القفز من الشرفة ، لكنني لم أفلح. فقد كانت عالية جداً. وعدت إلى غرفة الجلوس وسألت ابني محمد ، وهو في ربيعه السابع ، إذا كان يستطيع القفز إلى الأسفل. وربطت بعض مناديل الرأس الخاصة بي بعضها ببعض ولففتها حول خصره. وأنزلته إلى الأرض وطلبت منه أن يذهب إلى بيت جده ويبلغه أن عطية قُتل. فذهب محمد ووصل إلى دار جده وأبلغه هو وعمته بذلك. فتوجهوا برفقة والدة عطية إلى منزلي.


"وهذا أسبوع لن أنساه ما حييت. تصور شخصاً يعيش معك وتتحدث معه وهو الآن مجرد جثة هامدة. وظلَّ أولادي يتحدثون معه كما لو أنه ما زال حيَّاً. وكان ابني البالغ من العمر أربع سنوات يأتي إلى والده ويطلب منه أشياء-وكان يقول لوالده إنه يريد شراء الكعك والحليب. وعندما كان الأولاد يتقاتلون كانوا يذهبون إليه.


"ظلت جثة عطية معنا طوال سبعة أيام. وعندما علمت أن سيارة الإسعاف لن تأتي ، مسحت الدماء عن وجهه. وبقيت والدة عطية معنا ونامت إلى جانب جثته خلال الليل. وفي اليوم السابع ، عندما رُفع الخطر لمدة ساعتين ، أتت سيارة إسعاف ونقلت جثمانه.ودُفن في المقبرة الشرقية في جنين."


نايف قاسم عبد الجابر وعميد عزمي أبو حسن فايد

في 10 إبريل/ نيسان قُتل نايف عبد الجابر (19 عاماً) وعميد فايد (20 عاماً) بنيران مدفع رشاش أطلقتها مروحية على منطقة المرح في مدينة جنين، الواقعة خارج المخيم مباشرة. وقُبيل إطلاق النار، كان الشابان يزوران منزل صديقهما محمد شلبي (20 عاماً) مع صديق رابع هو رائد أحمد عزام (20 عاماً). وأُبلغ مندوبو منظمة العفو الدولية أن أياً من الشبان لم يكن عضواً في أية جماعة مسلحة ولم يكن هناك إطلاق نار من جانب الفلسطينيين المسلحين في حينه. ويُبين وصف عملية القتل تقاعس جيش الدفاع الإسرائيلي عن حماية السكان ويلقي الضوء على شبه استحالة حصول الجرحى على المساعدة الطبية فيما كان جيش الدفاع الإسرائيلي يمنع دخول سيارات الإسعاف التابعة للجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطينية.


ووصف محمد شلبي ما شاهده قائلاً :

"عند قرابة الساعة 2.30 من بعد ظهر 10 إبريل/ نيسان ، كنت بصحبة أصدقائي نايف وعميد ورائد. وقررنا مغادرة منزلي لأن نايف وعميد أرادا الذهاب إلى البيت. ومشينا في الشارع الكائن أمام منزلي مباشرةً، مسافة خمسة أمتار تقريباً وبدأنا نسمع إطلاق نار. وكان مصدره طائرة مروحية. واستمر إطلاق النار ما بين 5 و6 دقائق تقريباً. وعندما ظننت أن إطلاق النار توقف ، بدأت أنظر حولي، وشاهدت جاري يفتح باب منزله. وبدا مرتبكاً ومرتعباً وكان يتجه ببصره نحو المكان الذي كنا جميعنا واقفين فيه قبل أن يبدأ إطلاق النار …… ثم شاهدت عميداً ممدداً على بطنه. ورأيت الدماء تسيل من فمه وأذنيه. وخرج جاري وساعدني على حمله إلى بيت جار آخر. وكل ما قاله عميد هو، "أين هم؟" وبدأنا نصيح للناس كي يطلبوا سيارة إسعاف. ثم جاء والد عميد."


وقيل لعزمي أبو حسان فايد والد عميد إن فتاة صغيرة تدعى رينا حسن قد أُصيبت بجروح عندما سمع صراخ الناس وهم يرددون اسم ابنه. وركض باتجاه الصراخ ورأى عميداً وهو يرقد في بركة من الدم. وقال :


"عندما رأيت عميد لأول وهلة، كانت الدماء تسيل من فمه وأذنيه، وأُصيبت ساقاه بجروح. واتصل شقيقي غسان بطبيب وبشخص يعرفه من البلدية وطلب منهما إرسال سيارة إسعاف أو سيارة دفاع مدني أو سيارة بلدية. ولكن في كل حالة، كان يقال له إن ذلك مستحيل. فلا تستطيع سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى التنقل بأمان. وفي هذه اللحظة، كنت أسمع نبضات قلب عميد الضعيفة. وانتظرنا حوالي 10 أو 15 دقيقة. وحاولت أن أفعل شيئاً لابني، لكنه كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. وأحسست بذلك. وعندما أدركنا أنه لن تصل سيارات إسعاف أو سواها قررنا مع 6 أو 8 أشخاص آخرين حمل عميد ورينا إلى المستشفى سراً على الأقدام. ووضعناهما على بابين وحمله شقيقي وآخرون إلى مستشفى الرازي. وتلقيت مكالمة بعد ذلك بفترة وجيزة لإبلاغي أن عميد توفي وهو في طريقه إلى المستشفى.


"ابني مدني. وأردي بالرصاص في حي مدني. ولا يوجد متشددون في هذا الحي وحتى في المخيم. وكانت المعركة قد انتهت تقريباً. وقال الإسرائيليون إنهم لم يقتلوا مدنيين، لكن ابني كان مدنياً."


ووصف غسان أبو حسان البحث عن سيارة إسعاف مستخدماً جهاز هاتفه المحمول. ثم بعد الانتظار 10 دقائق؛


"أدركنا أن سيارات الإسعاف لا تستطع التنقل بحرية، لذا قررت أنا والجيران حمل عميد ورينا إلى المستشفى. ووجدنا بابين معدنيين ووضعت بعض الخشب على كل منهما ثم حملناهما متوجهين إلى مستشفى الرازي.


"وفي طريقنا إلى المستشفى، صادفنا دبابة في أحد الشوارع، ثم دبابة أخرى. ووجهت إحدى الدبابتين مدفعها نحونا. وعندما مررنا بالقرب من الدبابتين، رفعنا الجثمانين فوق رؤوسنا حتى يروا بأننا نحمل جرحى. وعندما وصلت إلى البيت كان عميد يتنفس ولكن عندما وصلنا إلى المستشفى، وضعت يدي على عنقه وكنت متيقناً أنه فارق الحياة.


"وما أن وصلنا إلى المستشفى حتى قيل لنا بأن نحترس من قناص متمركز مقابل المستشفى. وقيل لنا أن المستشفى بحاجة إلى أوكسجين، لكن عندما حاولوا الحصول عليه، أُطلقت النار عليهم. وأبلغني الأطباء في تلك اللحظة أن عميد قد مات، لكن ينبغي أن يحاولوا الحصول على الأوكسجين لإنقاذ رينا".


وفي هذه الأثناء كان قاسم عبد الجابر والد نايف ما زال يبحث عن ابنه، حيث أجرى مقابلات هاتفية مع أهالي الحي، دون أن يجرؤ على الخروج لأن الدبابات كانت خارج منـزله مباشرة. وفي النهاية خرج حوالي 4 أو 5 من الجيران وعثروا على نايف تحت سيارة وهو في الرمق الأخير. وكان والد نايف ما زال خائفاً من مغادرة منـزله، لكن زوجته أصرت. وقال قاسم عبد الجابر لمندوبي منظمة العفو الدولية :


"وصلنا إلى المكان الذين وجدوا ابني بقربه. ووضعوه على سُلَّم ووضعت وجهي قرب رأسه. وكان لا يزال يتنفس وكان على قيد الحياة. واتصلت بأحد أقربائي وهو طبيب يعمل في مستشفى الرازي وطلبت منه إرسال سيارة إسعاف أو بعض المعونة الطبية. فأبلغني بأنه لا يستطيع وأن بعض أطقم سيارات الإسعاف قد اعتُقلوا.


"عندئذ حاولنا رفع جسد عميد ونقلناه إلى منـزل آل شلبي. وكان معنا شخص لديه هاتف محمول فاتصل بسيارة إسعاف أخرى وبمستشفيات أخرى، لكن بطارية المحمول فرغت ولم يأت أحد. ورأيت أن ابني أُصيب في ساقه اليسرى وركبته اليمنى والجزء الأيمن من صدره والجانب الأيسر من عنقه. كذلك، كان مصاباً بجرح بليغ في الجانب الأيمن من صدغه. وفيما بعد أدركنا أنه أصيب أيضاً بجرح في مؤخر رأسه.


"حملنا جثمانه إلى الدور السفلي في المنـزل. وبقيت هناك مع ابني وزوجتي فقط. وانتظرنا ثماني أو تسع ساعات. وكنا خائفين من الخروج، لذا بقينا في الداخل. وأخيراً أتى الدفاع المدني عند حوالي الساعة الثانية من صباح اليوم التالي ونقلوه إلى المستشفى. وظل في العناية الفائقة (المركزة) حتى وفاته في تمام الساعة الثامنة من صباح 11 إبريل/نيسان".


وفي مستشفى الرازي تلقوا المكالمة عند حوالي الساعة الخامسة مساء لإبلاغهم بأن نايف مصاب بجروح خطيرة ويحتاج إلى سيارة إسعاف. واتصل مدير المستشفى بجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وبرئيس مستشفى مدينة جنين الدكتور أبو غالي لإبلاغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر. كذلك حاول الدفاع المدني إحضار نايف، لكن سيارتهم الأولى تعطلت ولم تتمكن من الوصول. وبعد ساعات عديدة، استطاعت سيارة تابعة للدفاع المدني الوصول إلى نايف قاسم عبد الجابر وأعادته معها.


ولم يتم فقط تأخير وصول المساعدة الطبية أو جعل وصولها مستحيلاً إلى الذين تأثروا بالعمليات الحربية في المخيم، بل إن الذين كانوا يعيشون داخل مدينة جنين غالباً ما عجزوا عن الحصول على خدمات سيارات الإسعاف أو الحصول على الرعاية الصحية الروتينية أو الطارئة.


تدمير الممتلكات والبنية الأساسية المدنية

هناك دمار شامل، فلا يوجد منـزل ما زال قائماً بأكمله، كما لو أن أحدهم دمر مجتمعاً كاملاً بالجرافات. وإذا كان هناك أي شخص في أي منـزل فلا يمكن أن يبقى على قيد الحياة … وليس هناك سوى أنقاض وأناس يجولون في المنطقة وينظرون من حولهم وهم في حالة ذهول. وتفوح رائحة الموت من تحت الأنقاض."

مندوب منظمة العفو الدولية، 17 إبريل/نيسان 2002.


كان هذا هو المشهد الذي استقبل مندوبي منظمة العفو الدولية الذين دخلوا مخيم جنين للاجئين عندما رفع جيش الدفاع الإسرائيلي حصاره عن المخيم في 17 إبريل/نيسان 2002.


لكن جيش الدفاع الإسرائيلي هدم منازل الفلسطينيين في مخيم جنين للاجئين منذ بداية هجومه، كما تشهد على ذلك أقوال الشهود والصور الجوية، وتمت تسوية معظم حي الحواشين بالأرض بعد 11 إبريل/نيسان. بيد أن عملية هدم المنازل التي قام بها جيش الدفاع الإسرائيلي في مخيم جنين كانت أصلاً موضوع الالتماس الذي قُدِّم إلى المحكمة العليا في 8 إبريل/نيسان 2002. وقال مقدمو الالتماس أنه من خلال التقاعس عن توجيه إنذارات قبل مدة كافية تسمح بسماع أصوات سكان المنازل، وتتيح لهم وقتاً كافياً للخروج قبل هدمها، تقصر الدولة في الوفاء بالواجبات المحلية المترتبة عليها بموجب القانون الأساسي الإسرائيلي : وهو كرامة الإنسان وحريته، فضلاً عن القانون الإنساني الدولي بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. وقالت الدولة (التي قبلت المحكمة بموقفها) إن سكان المنازل أُعطوا إشعاراً كافياً وأنه بموجب المادة 23 من أنظمة لاهاي، يُسمح بتدمير الممتلكات لتحقيق أهداف عسكرية. لكن ممثل النائب العام اعترف بأنه في بعض الحالات دُمرت المنازل بواسطة جرافات الجيش قبل أن يغادرها الفلسطينيون :


"أُعطي الفلسطينيون ما بين ساعة وساعة ونصف الساعة بين نداء (الجيش بإخلاء منازلهم). وتقدم الجرافات نحوها. وخلال عملية جيش الدفاع الإسرائيلي في وسط المخيم، كانت هناك منازل تم إخلاؤها بعد النداء عبر مكبرات الصوت، وكانت هناك منازل لم يخرج منها أهلها بعد النداء. وخرجوا بعد أن أصابت الجرافات أحد الجدران وقبل هدم المنـزل."(15)


وبين 11 إبريل/نيسان عندما استسلمت آخر مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين و15 إبريل/نيسان عندما سمح جيش الدفاع الإسرائيلي بدخول سيارات الإسعاف تحت المراقبة المشددة من جانبه بعد الجلسة التي عقدتها المحكمة العليا، جرى تدمير حوالي عُشر مساحة مخيم جنين للاجئين. وبحسب ما قاله المقاتلون الفلسطينيون وجيش الدفاع الإسرائيلي حصلت أشد المعارك ضراوة في هذا الجزء من المخيم، وفي حي الحواشين نفسه قُتل 13 جندياً إسرائيلياً في كمين نُصب لهم. لكن الأدلة توحي بقوة بأن القتال كان قد توقف عندما جرت معظم عمليات هدم المنازل.


ونظراً للكثافة السكانية في مخيم اللاجئين الذي تبلغ مساحته كيلومتراً مربعاً واحداً، وكان يضم نحو 14000 نسمة قبل أحداث 3 إبريل/نيسان 2002، فقد أدى الدمار الكامل لحي الحواشين والتدمير الجزئي لحيين إضا ?يين في المخيم، إلى تشريد أكثر من 800 عائلة يصل مجموع أفرادها إلى حوالي 4000 شخص مشرد، ويعيشون في خيم أو مع أقربائهم. وقد دُمر 169 منـزلاً يضم 374 وحدة سكنية تدميراً كاملاً مع تدمير وحدات إضافية بصورة جزئية.(16) وإضافة إلى ذلك، كان التخريب واسع النطاق الذي قام به جيش الدفاع الإسرائيلي وإتلاف الممتلكات داخل المنازل بادياً للعيان في عدد من مناطق المخيم، لاسيما في حي الدمج.


وبموجب اتفاقية جنيف الرابعة، لا يمكن تبرير تدمير الممتلكات إلا في حالات الضرورة العسكرية القصوى. وقد شاهد مندوبو منظمة العفو الدولية الذين دخلوا مخيم جنين في 17 إبريل/نيسان، وهو اليوم الذي تلا انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي، الجيش المذكور يستخدم الجرافات ليس لتدمير المنازل فقط بل لتمريرها جيئة وذهاباً فوقها ورص الأنقاض، وهو ما يجعل من الصعب جداً على السكان أن يحفروا بين الأنقاض بحثاً عن ممتلكاتهم أو أشيائهم القيمة أو أفراد عائلاتهم المفقودين.


وأبلغ جيش الدفاع الإسرائيلي مندوبي منظمة العفو الدولية بأن القتال استمر بعد 11 إبريل/نيسان 2002 وأن القناصة الفلسطينيين ظلوا في المباني. كذلك زعموا أن تدمير الممتلكات في أعقاب العمليات الحربية كان ضرورياً بسبب انتشار القنابل المفخخة والذخائر التي لم تتفجر.(17) لكن اليوم تستمر أعمال إزالة القنابل الإسرائيلية التي لم تنفجر والأجسام المفخخة الفلسطينية الموجودة تحت الأنقاض المدمرة، وقد شدد الخبراء العسكريون أمام منظمة العفو الدولية على أن إزالة الذخائر المطمورة تحت الأنقاض المسحوقة أكثر صعوبة بكثير من تركها في المنازل غير المهدمة.


ويقول شهود العيان الفلسطينيون والأجانب داخل مخيم جنين للاجئين وخارجه إن القتال قد توقف بصورة أساسية بعد 10 إبريل/نيسان. وتبين الصور الجوية للدمار والتي التقطتها وزارة الخارجية الإسرائيلية والتي يعود تاريخها إلى 11 و13 إبريل/نيسان، بأن الجزء الأكبر من الدمار حدث حينذاك. وبرأي مندوب منظمة العفو الدولية الرائد ديفيد هولي فإنه :


"وقعت أحداث بعد 11 إبريل/نيسان لم يكن لها ما يبررها من الناحية العسكرية ولم يكن لها أية ضرورية عسكرية: فقد عمد جيش الدفاع الإسرائيلي إلى تسوية ساحة المعركة النهائية بالأرض تسوية كاملة بعد توقف العمليات الحربية." وأضاف : "لذا نظن أن التدمير الكامل لأنقاض المعركة عقاب لسكانها."


كذلك تعرضت مدينة جنين لأضرار واسعة خلال عملية السور الواقي. وبحسب السجلات الرسمية لحقت أضرار بـ 1200 عقار سكني. ودُمر أربعون منـزلاً تدميراً كاملاً. وتعرضت منازل أخرى إما لأضرار جزئية أو أُحرقت أو أُتلفت محتوياتها أو جدرانها الخارجية أو خزانات مياهها. ولحقت أضرار بتسع مدارس في منطقة مدينة جنين وكذلك بوزارة التعليم.(18) وفي الحي القديم في جنين ومنطقة السوق في السبت (السبات)، دُمر عدد من المنازل أو المتاجر أو تضرر جزئياً بما في ذلك المكتبة العامة التابعة لبلدية جنين.



شهادات السكان

شهدت ساحة الحواشين في مخيم جنين للاجئين التدمير الأوسع نطاقاً للممتلكات. وقد دُمرت معظم المنازل في هذه المنطقة تدميراً تاماً. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع عائلتين من هذا الحي دُمر منـزلاهما؛ وفي كلا المنـزلين، كان الفلسطينيون يحتمون في الجزء الخلفي من المنـزل بينما كانت واجهته تُهدم بالجرافات.


وظلت زينا حسن أبو سري في منـزلها لعدد من الأيام بعد بدء التوغل. وأبلغ العديد من سكان المخيم منظمة العفو الدولية أنهم بقوا لسببين أساسيين : لم يكن لديهم أي مكان آخر يذهبون إليه، وحالما بدأ القتال كانوا يخشون أن يغادروا لأنه لم يتوفر مرور آمن. وأبلغت زينا حسن أبو سري منظمة العفو الدولية أنه :


"خلال الأيام الأربعة الأولى للغزو (3-6 إبريل/نيسان) كان إطلاق النار ينهمر كالمطر. ولم أستطع حتى أن أنظر من النافذة، لأن ذلك كان شديد الخطورة. وكنت خائفة. وكان إطلاق النار يأتي من الجو ومن الدبابات ومن المقاومة في الحي. وخلال هذه الفترة، لم أسمع أي نداء للإخلاء من جيش الدفاع الإسرائيلي. وقررت بألا أغادر منـزلي، لأنني كنت خائفة جداً. وخلال الأيام الأربعة هذه، كنت مع عائلتي. وكان هناك تسعة أشخاص، ثلاثة راشدين وستة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين و10 أعوام. وبقينا في الممر بالقرب من الحمام طوال هذه الفترة. وقد انقطع التيار الكهربائي بعد اليومين الأولين ولم يكن لدينا ماء لأنه تم تدمير خزان المياه. وبعد مرور أربعة أيام، انضمت إلينا عائلتان أخريان دُمر منـزلاهما بالصواريخ. وأصبح عددنا الآن 22 شخصاً. ومكثوا معنا قرابة ثلاثة أيام.


"وفي اليوم السابع من الغزو (في 10 إبريل/نيسان تقريباً) أصاب صاروخ منـزلي في الدور الثاني واخترق السقف لكنه لم يصل إلى حيث كنا. لذا غادرنا المنـزل وذهبنا إلى منـزل يقع مباشرة في الجهة المقابلة من الشارع. وعندما وصلنا إلى المنـزل وجدنا فيه تسعة أشخاص. وبعد ظهر اليوم التالي، جاءت جرافة وبدأت تدمير المنـزل، لكن ليس الجزء الذي كنا مختبئين فيه. وبقينا في الغرفة الخلفية. وكنا خائفين جداً من الانتقال، لذا بقينا. ودُمر جزء من المنـزل، لكن الجزء الخلفي الذي كنا موجودين فيه ظل قائماً وبقينا فيه لمدة خمسة أيام أخرى. وكنا من دون مطبخ وأي شيء آخر.


وفي النهاية قررنا مغادرة هذا المنـزل، إذ ساد الهدوء ولم يعد هناك إطلاق نار، وهكذا غادرناه. وعندما خرجنا أمرنا جيش الدفاع الإسرائيلي بأن نمشي في درب معين قادنا عبر الجبال إلى حديف. ومشيت جزءاً يسيراً من هذا الدرب ثم قررت أن أتوجه إلى مدينة جنين التي تسكن فيها عائلتي. واستطعت الوصول إليها. وعندما غادرت رأيت عدداً كبيراً من المنازل المدمرة أو المهدمة بالجرافات أو المصابة بالصواريخ. كذلك كانت تفوح رائحة الجثث المتعفنة. ولم أستطع أن أحمل معي أي شيء من منـزلي. ونجونا فقط بأنفسها والملابس التي كنا نرتديها، لكننا بقينا على قيد الحياة".


دُمر منـزل امرأة تبلغ من العمر 40 عاماً تعيش في حي الساحة في مرحلة ما بين 10 و13 إبريل/نيسان. وقد وصفت لنا التالي :


"بقيت في منـزلي قرابة 10 أيام بعد الغزو. وأنا لست متأكدة بالضبط من الوقت. ولم أغادر منـزلي لأنني كنت خائفة، فكانت الصواريخ تتساقط وكان إطلاق النار كثيفاً. واعتقدت أن البقاء في منـزلي أكثر أماناً. ولم أغادره إلا عندما جاءت الجرافة. وقبيل مغادرتي كان القتال محتدماً. واعتباراً من اليوم الثالث لم يكن لدى كهرباء ولا ماء ولا طعام. وبقينا في الجزء الخلفي من المنـزل في الغرفة التي كنا نستخدمها كغرفة نوم سابقاً لكن بعد ذلك أصبحنا نخزن فيها أشياء. وعادة يوجد سبعة أشخاص في المنـزل، لكن بسبب الوضع، أتت ابنتي وطفلاها للإقامة معنا، فأصبحنا عشرة. وكان هناك ستة راشدين (امرأتان وأربعة رجال) وأربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 22 عاماً و11 عاماً. وفي اليوم الذي سبق مغادرتي للمنـزل، كان هناك دكان بجانبه أصيب بصاروخين. وفي اليوم التالي، عند حوالي الساعة الخامسة مساء، جاءت جرافة ودمرت الجدار الرئيسي لمنـزلي المواجه للشارع الرئيسي. ودمرت نحو 50% من المنـزل. وعندما أتت الجرافة، كنا في الجزء الخلفي من المنـزل. وعندما سمعت صوت الجرافة، أخرجت الأطفال من النافذة وغادرت المنـزل. وكان زوجي آخر المغادرين. وعندما غادرنا لم نكن حتى نرتدي أحذية. ولم أكن أضع وشاحاً أو أي شيء آخر على رأسي. وركضنا بكل بساطة. وذهبنا إلى منـزل قريب في حي الدمج. وعندما وصلنا، كان فيه أصلاً عدد كبير من الناس، ربما مائة. وبقينا في المنـزل لمدة 10 دقائق فقط، لأن الوضع ما زال خطيراً جداً. ثم غادرنا المخيم متوجهين إلى مدينة جنين.


"وعندما عدت إلى منـزلي لم يكن قد بقي منه شيء. فقد دُمر بالكامل؛ ودُمر حينا بالكامل. وكان هناك حوالي 60 منـزلاً اختفت جميعها. ولا أستطيع أن أصف لك شعوري عندما غادرت، لدى سماع صوت الجرافة. كنت أريد الهروب فقط. ولم يعد لدي شيء. لماذا عائلتنا؟"


نابلس

نابلس التي يبلغ تعداد سكانها 120 ألف نسمة هي ثاني أكبر مدينة في الضفة الغربية وأحد المراكز التجارية والصناعية الرئيسية. كذلك كانت تُعرف بأنها أحد مراكز مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وهناك ثلاثة مخيمات فيها تؤوي الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم في العام 1948 ومن ضمنها مخيم عسكر ومخيم بلاطة (كان بلاطة مسرحاً للقتال الذي دار خلال التوغل الذي تم في مارس/آذار) وتشكل منطقتا القصبة والياسمينة (الحي القديم) جزءاً صغيراً من المدينة الحديثة؛ وهما تقعان على سفح جبل جرزيم وتطغى عليهما المباني الجديدة التي تطل على المنطقة من منحدرات عالية. ويوجد داخل منطقتي القصبة والياسمينة متاهة من الأزقة التي يمر العديد منها تحت المساكن وسلسلة من الأزقة الضيقة التي تربط الأحياء بعضها ببعض. والمباني شديدة المتانة ومبنية بالحجارة ويعود تاريخ بعضها إلى القرن الخامس عشر.


وقد قام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل واسعة في مخيم بلاطة للاجئين بنابلس بين 27 فبراير/شباط و3 مارس/آذار، حيث أطلق أولاً صواريخ من مروحيات الأباتشي، ثم دخل المخيم مستخدماً في أغلب الأحيان ما يسمى "بفتحات الفئران" التي تُثقب في الجدران للانتقال من منـزل إلى آخر. وهدم جيش الدفاع الإسرائيلي منـزل عائلة ناصر أبو عويس، وهو فلسطيني مطلوب من جيش الدفاع الإسرائيلي، فألحق أضراراً بستة منازل أخرى حوله. وركز التوغل الذي حصل داخل نابلس خلال عملية السور الواقي على الحي القديم الواقع في وسط نابلس، رغم فرض حظر التجول على نابلس بأكملها ومخيمات اللاجئين في المدينة بين 4 و22 إبريل/نيسان.


وقام جيش الدفاع الإسرائيلي بعملية توغل ثانية داخل نابلس بين 31 مايو/أيار و6 يونيو/حزيران 2002. وفُرض حظر تجول على المدينة خلال هذه الفترة. وجُمع حوالي 4000 فلسطيني واعتُقل 65 منهم. وأجرى جيش الدفاع الإسرائيلي عمليات تفتيش من منـزل إلى منـزل في كل من مخيمي بلاطة وعسكر للاجئين حيث اعتقل الذكور الراشدين. ودُمر منـزلان كإجراء عقابي، أحدهما في مخيم بلاطة والآخر في مدينة نابلس.