Document - Israel: Conflict, occupation and patriarchy: Women carry the burden

إسرائيل والأراضي المحتلة: النساء يتحملن عبء النـزاع والاحتلال

ونظامالتسلطالأبوي


1. مقدمة

تسببت أعمال العنف والقتل المتصاعدة في إسرائيل والأراضي المحتلة خلال السنوات الأربع والنصف سنة الماضية بآلام تفوق الوصف للسكان المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين. إذ قُتل أكثر من 3200 فلسطيني، بينهم أكثر من 600 طفل وأكثر من 150 امرأة على يد القوات الإسرائيلية، وأكثر من 1000 إسرائيلي، بينهم ما يزيد على 100 طفل وحوالي 200 امرأة على أيدي الجماعات المسلحة الفلسطينية. وكان معظم الضحايا من المدنيين العزل الذين لم يشاركوا في أية مواجهات مسلحة. وأُصيب الآلاف غيرهم بجروح، بينهم العديد من الذين أُصيبوا بعاهات دائمة. وكررت منظمة العفو الدولية شجبها لعمليات قتل المدنيين من جانب الطرفين وقامت بحملات ضدها.1

ومنذ بداية الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ازدادت عسكرة النـزاع. واعتباراً من الأيام الأولى، تخلى الجيش الإسرائيلي عن أساليب إنفاذ الحفاظ على الأمن والقانون واعتمد تدابير عسكرية تُستخدم عموماً في النـزاعات المسلحة، مستخدماً بصورة مألوفة القوة المفرطة وغير المتناسبة ضد المدنيين، بما في ذلك الغارات الجوية المتكررة وعمليات القصف بمدافع الدبابات لمناطق سكنية فلسطينية مكتظة، وعمليات تدمير واسعة النطاق لمنازل الفلسطينيين وأراضيهم وبنيتهم الأساسية، وفرض عمليات الحصار العسكرية وحظر التجول المطول الذي حوَّل أبناء الشعب الفلسطيني إلى سجناء داخل منازلهم. وأصبحت الهجمات الفلسطينية المسلحة ضد المدنيين الإسرائيليين، والتي كانت متقطعة قبل الانتفاضة، متكررة الحدوث، بما فيها التفجيرات الانتحارية وإطلاق النار وغيرها من الهجمات على الحافلات والمقاهي والأماكن العامة.

بيد أن دوامة القتل التي لا تنتهي ليست الفضيحة الوحيدة لحقوق الإنسان. إذ إن العسكرة المتزايدة للنـزاع أدت إلى حدوث تدهور هائل في أوضاع حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة، مصحوبة بمستويات غير مسبوقة من الفقر والبطالة والمشاكل الصحية. وتحملت النساء الفلسطينيات العبء الأكبر للمعاناة، لكن محنتهن قوبلت بالتجاهل إلى حد كبير. وكان للانتهاكات المتعددة التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة عواقب وخيمة وبعيدة المدى على الشعب الفلسطيني، وكان لها تأثير سلبي جداً على النساء (فضلاً عن الأطفال وغيرهم من الشرائح المعرضة للانتهاكات في المجتمع الفلسطيني)، حيث ضاعفت من الضغوط والقيود التي تتعرض لها النساء الفلسطينيات في المجتمع الفلسطيني الأبوي التقليدي.

"هذه هي النقطة التي يتلاقى فيها نظامي إخضاع – الاحتلال والنظام الأبوي في الأراضي الفلسطينية المحتلة : النساء في مواجهتهن للأول يستسلمن للثاني".

المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، فبراير/شباط 2005 2

أدى التدمير واسع النطاق من جانب الجيش الإسرائيلي للمنازل والأراضي والممتلكات الفلسطينية إلى تشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين ومعاناتهم من الفقر المدقع؛ وأعاق فرض الجيش الإسرائيلي للحصار وحظر التجول في جميع أنحاء الأراضي المحتلة تنقلات 3,500,000 فلسطيني وحد من وصولهم إلى أعمالهم وتحصيلهم للعمل واستفادتهم من المرافق الطبية وغيرها من الخدمات المهمة؛ وحرم التوسع المستمر للمستوطنات الإسرائيلية والبنية الأساسية المتعلقة بها في الأراضي الفلسطينية المحتلة الفلسطينيين من موارد مهمة مثل الأرض والماء.3ونتيجة لذلك، دُمر الاقتصاد الفلسطيني فعلياً وازدادت البطالة والفقر زيادة هائلة وتأثر التعليم والصحة سلباً.

وأثر الضرر الذي لحق ببنية المجتمع الفلسطيني نتيجة لذلك تأثيراً عميقاً على النساء اللواتي تعرضن لضغوط متزايدة وأعمال عنف في العائلة والمجتمع. وواجهن مطالب متزايدة كمقدمات للرعاية ومعيلات، بينما في الوقت ذاته قُيِّدت حريتهن في الحركة والعمل، وتحملن وزرغضب أقربائهن الرجال وإحباطهم والذين يشعرون بالإذلال لأنهم لا يستطيعون أداء دورهم التقليدي كمعيلين. وحاء تصاعد أعمال العنف وتدهور الوضع في السنوات الأخيرة في إطار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة المستمر منذ 38 عاماً والذي كان له وقع خطير على جوانب عديدة من حياة النساء الفلسطينيات.

"... إن استئصال شأفة الفصل العنصري وجميع أشكال العنصرية والتمييز العنصري والاستعمار والاستعمار الجديد والعدوان والاحتلال الأجنبي والسيطرة الأجنبية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول ضروري إذا أريد للرجال والنساء أن يتمتعوا بحقوقهم تمتعاً كاملاً".


i "... وإعمال حق الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية والاحتلال الأجنبي في تقرير المصير والاستقلال، وكذلك من شأن الاحترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية، النهوض بالتقدم الاجتماعي والتنمية والإسهام نتيجة لذلك في تحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة".

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة (الديباجة، الفقرتان 10 و11)4


لقد عاشت النساء الفلسطينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة كل حياتهن أو معظمها تحت الاحتلال الإسرائيلي، وواجهن تحدياً ثلاثياً في ترسيخ حقوقهن : كفلسطينيات يعشن تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي يسيطر على كل جانب من حياتهن، وكنساء يعشن في مجتمع تحكمه عادات النظام الأبوي، وكأعضاء غير متساويات في المجتمع يخضعن لقوانين قائمة على التمييز. والعيش طوال عقود تحت نير الاحتلال الإسرائيلي حد بشكل هائل من فرص التنمية أمام الشعب الفلسطيني عموماً وزاد من العنف والتمييز الممارسين ضد المرأة الفلسطينية بشكل خاص.

"يمكن إجراء مقارنة بين التجربة النفسية لأمة تعيش تحت الحصار وتجربة امرأة تعيش في علاقة تتسم بالانتهاك... وهذا يخلق وضعاً ينطوي على الخطر بالنسبة للنساء، اللواتي سيقعن ضحية لعملية انتهاك ثلاثية. فهن حالياً ضحايا للعنف السياسي، ويعشن في خوف دائم على سلامتهن وسلامة عائلاتهن، بينما يتحملن الأعباء الإضافية المفروضة عليهن في ظل أوضاع مريعة، مثل تدمير المنازل وتسوية الممتلكات الزراعية بالأرض واقتلاع الأشجار وتفشي البطالة. وإضافة إلى ذلك يقعن ضحايا العنف المتزايد داخل المنازل، لكنهن لا يستطعن التعبير عن ألمهن أو قلقهن، لأنهن يجبرن على التزام الصمت خوفاً من إلقاء اللوم عليهن على مستوى الرأي العام واتهامهن بالأنانية وعدم إقامة وزن لمشاعر الآخرين، نظراً لحالة الطوارئ الوطنية التي يعيش فيها المجتمع بأكمله، وعلى المستوى الخاص يقع عليهن اللوم في التسبب بتحولهن إلى ضحايا إنها حلقة مفرغة".

مها أبو دية شماس، المركز النسائي للمساعدة القانونية والإرشاد.5

وبينما زاد تدهور الوضع من الضغوط الاجتماعية والعنف ضد المرأة في العائلة، تعرضت آليات الحماية المؤسسية لمزيد من الضعف جراء تدمير إسرائيل لجزء كبير من البنية الأساسية والمؤسسات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وبسبب تعطل المؤسسات المكلفة لإنفاذ القانون التابعة للسلطة الفلسطينية، اكتسبت الجماعات المسلحة والهياكل التقليدية والقبلية سلطة أوسع في المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي عزز عدم المساواة القائمة بين الجنسين والضغوط التي تتعرض لها النساء لكي يتقيدن بتفسيرات معينة للمعايير التقليدية أوالدينية من أجل الحفاظ على شرف العائلة. والنساء اللواتي يتحدين أو يتجاوزن هذه المعايير يعرضن أنفسهن للقتل على أيدي أقربائهن لأنهن لطخن سمعة العائلة. ويشمل ضحايا ما يسمى بجرائم "الشرف" ضحايا الاغتصاب. وزاد إضعاف آليات الحماية القاصرة أصلاً مقروناً بعمليات الحصار والقيود التي فرضها الجيش الإسرائيلي على حرية التنقل، من صعوبة هروب النساء والفتيات المعرضات لخطر القتل أو الأذى على أيدي أفراد العائلة إلى بر الأمان. وفي معظم الحالات يستفيد الرجال الذين يرتكبون جرائم "الشرف" من ظاهرة الإفلات من العقاب، لأن السلطة الفلسطينية كانت عاجزة عن التصدي لهذه القضايا ومعالجتها، فضلاً عن كونها غير راغبة في ذلك.

وتعين على النساء الفلسطينيات أيضاً تحمل معظم عبء رعاية عشرات الآلاف من الرجال والأطفال الذين أُصيبوا في الأربع سنوات ونصف السنة الماضية. وازدادت مهامهن صعوبة بسبب محدودية المرافق الطبية الفلسطينية وعمليات الحصار التي يفرضها الجيش الإسرائيلي والتي تعرقل وصول الفلسطينيين إلى المستشفيات الموجودة في الأراضي المحتلة وسفرهم إلى الخارج، وبسبب انتشار الفقر بين الفلسطينيين. كما تؤثر صعوبات مشابهة على زوجات وأمهات آلاف الفلسطينيين الذين قُتلوا أو اعتُقلوا في السجون الإسرائيلية. وفي غياب نظام للضمان الاجتماعي في الأراضي المحتلة، تضطر آلاف النساء اللواتي قُتل أزواجهن أو زُج بهم في السجون إلى الاتكال على الأقارب والجمعيات الخيرية للبقاء على قيد الحياة. وفي الوضع الراهن الذي يتفشى فيه الفقر والبطالة، يجعل هذا الاتكال هؤلاء النسوة معرضات جداً لضغوط وسيطرة الأقرباء الذكور، الذين تعتمد النساء عليهن للبقاء على قيد الحياة هن وأطفالهن.

ويتناول هذا التقرير تأثير العنف ضد المرأة في الأراضي المحتلة في سياق النـزاع؛ العنف الذي تمارسه دولة إسرائيل أو موظفوها؛ وانهيار سيادة القانون داخل الأراضي المحتلة الذي أدى إلى عدم إنفاذ القوانين الحالية؛ والآثار المتفاقمة للتمييز القائم على صعيد القانون والممارسة. ولا تندرج بالضرورة جميع أشكال الأذى الذي تتعرض له النساء في النـزاع تحت تعريف العنف ضد المرأة أو تشكل أفعالاً غير قانونية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي. فعلى سبيل المثال، فإن قتل امرأة مقاتلة في سياق مواجهة مسلحة ليس غير قانوني بحد ذاته، ولا يشمله التعريف. وقد تكون أفعال العنف الأخرى غير قانونية بموجب القانون الإنساني الدولي لأنها لا تميز بين الأهداف وتستهدف السكان المدنيين أو تؤثر عليهم بصورة غير متناسبة. ويُشكل العديد من حالات العنف أفعالاً تُرتكب بلا تمييز – مثل هدم المنازل أو فرض قيود على التنقل داخل الأراضي المحتلة أو عبر الحدود. ويسلط هذا التقرير الضوء على التأثير المتعلق بالنوع الاجتماعي والذي تحدثه الانتهاكات التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في سياق النـزاع. ثم ينظر في العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل العائلة وتأثير عسكرة النـزاع من جانب كلا الطرفين على النساء الفلسطينيات اللواتي يعشن في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويشكل التقرير جزءاً من الحملة العالمية التي تقوم بها منظمة العفو الدولية لوقف العنف ضد المرأة. وتلقي الحملة الضوء على تأثير العنف ضد المرأة القائم على النوع الاجتماعي والمتعلق بالنوع الاجتماعي في النـزاع وفي العائلة، وتدعو الدول والمجتمعات إلى الامتناع عن ممارسة العنف، ومنع الآخرين من ارتكابه والتأكد من وضع حد للتمييز في القانون والعادات والممارسة. ويبين التقرير أن تأثير النـزاع على النساء الفلسطينيات في الضفة الغربية وقطاع غزة أدى إلى انتهاكات واسعة النطاق لحقوقهن – المدنية منها والسياسية مثل الحق في الحياة والحرية والأمن الشخصي، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل الحق في الصحة والسكن والتعليم. ويسلط الضوء على بعض الانتهاكات الرئيسية التي تعرضت لها النساء في سياق العنف السياسي المتزايد، مقروناً بالضغوط الحالية والمتزايدة التي يواجهنها في مجتمع يقوم على نظام أبوي.

2. الحياة تحت الحصار : تأثير نقاط التفتيش العسكرية وعمليات الحصار وحظر التجول على النساء

"لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته."

المادة 1.12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

وفي السنوات الأخيرة زاد الجيش الإسرائيلي إلى مستوى غير مسبوق من القيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، بحيث حرم الفلسطينيين ليس فقط من حريتهم في التنقل، بل أيضاً من الحقوق الإنسانية الجوهرية الأخرى، بما فيها الحق في العمل والحصول على الرعاية الطبية وتحصيل العلم.

ووفقاً للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فإن : "تطبيق القيود المسموح بها بموجب الفقرة 3 من المادة 12، يحتاج إلى أن يتماشى مع الحقوق الأخرى التي يكلفها العهد ومع المبادئ الأساسية للمساواة وعدم التمييز. وهكذا، فإن تقييد الحقوق المكرسة في الفقرتين 1 و2 من المادة 12، بممارسة التمييز من أي نوع، مثلاً على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو غيره من الآراء أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو النسب أو أي وضع آخر، يشكل انتهاكاً واضحاً للعهد".6

ويقتضي القانون الإنساني الدولي من الدول احترام الحقوق الأساسية لشعب الأراضي المحتلة. والفكرة الأساسية في القاعدة الدولية للاحتلال العسكري هي أن الاحتلال مؤقت لفترة محدودة من الزمن، ومن أهدافه الرئيسية تمكين سكان الأراضي المحتلة من أن يعيشوا حياة "عادية" قدر المستطاع.

وفي كل من إسرائيل والأراضي المحتلة، إسرائيل ملزمة بالتقيدبالقانون الدولي لحقوق الإنسان، لاسيما المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تشكل إسرائيل طرفاً فيها، بما فيها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (اتفاقية المرأة)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري. وقد أنكرت إسرائيل بثبات أنه يترتب عليها واجب تطبيق معاهدات حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي صادقت عليها في الضفة الغربية وقطاع غزة، كما رفضت بثبات انطباق اتفاقية جنيف الرابعة. بيد أن إسرائيل تقف وحدها في زعمها. إذ إن الهيئات ذات الصلة والمجتمع الدولي أعادا مراراً وتكراراً تأكيد انطباق اتفاقية جنيف الرابعة والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان على السواء.

وفي العام 2003 أكدت لحنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أنه :"حتى في وضع النـزاع المسلح، يجب احترام حقوق الإنسان الأساسية وأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كجزء من المعايير الدنيا لحقوق الإنسان، مكفولة بموجب القانون الدولي العرفي كما أنها محددة في القانون الإنساني الدولي، وعلاوة على ذلك، فإن انطباق قواعد القانون الإنساني لا يعيق بحد ذاته تطبيق العهد أو مساءلة الدولة بموجب المادة 2(1) على الأفعال التي ترتكبها سلطاتها."7

إن القيود الشاملة المفروضة على تنقل الفلسطينيين غير متناسبة وقائمة على التمييز – فهي مفروضة على جميع الفلسطينيين لأنهم فلسطينيون وليس على المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون بصورة غير قانونية في الأراضي المحتلة. ورغم أن السلطات الإسرائيلية تزعم أن هذه التدابير تُفرض دائماً لحماية أمن الإسرائيليين، فإن القيود المفروضة داخل الأراضي المحتلة لا تستهدف أفراداً معينين يُعتقد أنهم يشكلون خطراً. وهي واسعة وتفرض بلا تمييز وبالتالي غير قانونية. وتؤثر تأثيراً سلبياً شديداً على أرواح ملايين الفلسطينيين الذين لم يرتكبوا أي جرم.

وإن نظاماً للإغلاق يتسم بالتطور والتعقيد بصورة متزايدة – وهو التعبير الذي يستخدم لوصف حظر التنقل داخل مدن وقرى الأراضي المحتلة و/أو فيما بينها بواسطة نقاط تفتيش وعمليات حصار – حبس حوالي 3,500,000 رجل وامرأة وطفل فلسطيني في ما يشكل فعلياً نوعاً من الإقامة الجبرية في المنـزل/القرية/البلدة في جزء كبير من الوقت. وكانت عمليات الإغلاق السبب الرئيسي للتدمير الفعلي للاقتصاد الفلسطيني والفقر والبطالة المتزايدين، لأن الفلسطينيين عُزلوا بشكل متزايد عن عائلاتهم وأراضيهم وأعمالهم، وعن مؤسساتهم التعليمية ومرافقهم الطبية وخدماتهم الحيوية الأخرى.

وذكرت لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مايو/أيار 2003 أن : "اللجنة تتابع بقلق بالغ الأوضاع المعيشية المستهجنة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، الذين يعانون – نتيجة استمرار الاحتلال وما يترتب عليه من تدابير الإغلاق وحظر التجول المطول والحواجز المقامة على الطرق ونقاط التفتيش الأمنية – من انتهاك لتمتعهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المكرسة في العهد، وبخاصة الوصول إلى أعمالهم وأراضيهم والحصول على الماء والرعاية الصحية والتعلي ? والغذاء".8

وقد طُوِّقت البلدات والقرى في الأراضي المحتلة بمئات نقاط التفتيش وإجراءات الحصار التي يحتاج الفلسطينيون إلى تصاريح خاصة من الجيش الإسرائيلي لعبورها. وفي الحالات القليلة التي يتسنى لهم فيها ذلك، فإن رحلات قصيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات يمكن أن تستغرق ساعات، لأن الفلسطينيين يجبرون على سلوك تحويلات طويلة لتجنب المرور بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية أو الطرق التي يستخدمها المستوطنون الإسرائيليون (ما يسمى بالطرق "الالتفافية"). ومع انتشار المستوطنات الإسرائيلية وطرق المستوطنين في الأراضي المحتلة، تضاعف عدد المناطق التي يُحظر على الفلسطينيين المرور فيها.9ومنذ العام 2002 زاد السياج/الجدار الذي يبلغ طوله 600 كيلومتر والذي تبنيه إسرائيل عبر الضفة الغربية من العراقيل التي تعيق حركة الفلسطينيين في المناطق المتأثرة. ورغم أن السلطات الإسرائيلية تزعم أن السياج/الجدار يهدف إلى منع المهاجمين الفلسطينيين المحتملين من الدخول إلى إسرائيل من الضفة الغربية، فإن الجزء الأكبر من السياج/الجدار (أكثر من 80% منه) يُبنى في عمق الضفة الغربية وليس بين إسرائيل والضفة. ويطوق القصبات والقرى الفلسطينية ويعزل المجتمعات المحلية والعائلات بعضها عن بعض، ويفصل المزارعين عن أراضيهم والفلسطينيين عن أماكن عملهم وتعليمهم ومرافق رعايتهم الصحية وغيرها من الخدمات الضرورية.10

وترتب على هذه القيود الشاملة على التنقل عواقب كارثية بالنسبة لكامل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.11إذ حدثت زيادة حادة في البطالة وخسارة الدخل، حيث يعيش الآن أكثر من نصف الشعب تحت خط الفقر، ويعتمد معظم أبنائه على شكل من أشكال المعونات أو المساعدات.

ونتناول أدناه بعض جوانب التأثير الأكثر مباشرة أو وضوحاً على النساء والناجم عن الحواجز الفعلية التي تحد من الوصول إلى العمل والمرافق الصحية والتعليمية. وإضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من العواقب الأخرى الأقل بروزاً المترتبة على النساء. وقد خلق الوضع الراهن إمكانيات جديدة أمام الرجال لزيادة درجة السيطرة التي يمارسونها على تنقلات النساء، سواء بصورة متعمدة أو نتيجة اتخاذهم موقفاً يهدف إلى حمايتهن. فعلى سبيل المثال قد يتولى الرجال بأنفسهم القيام بالتسوق أو غيره من المهام العائلية لكي يريحون قريباتهم من عمليات التأخير الطويلة والإزعاج الذي تسببه التحويلات التي يتم سلوكها لتجنب إجراءاتالحصارالذييطوقالمدن والقرى، أو احتمال تعرضهن لإطلاق نار من جانب الجنود الإسرائيليين الذين يطبقون عمليات الإغلاق وحظر التجوال. فتكون النتيجة، سواء عن قصد أم لا، تراجع الفرص أمام النساء للتنقل خارج المنـزل أو القرية/البلدة.

1.2 القيود المفروضة على الرعاية الصحية

وفقاً للمادة 38(2) من اتفاقية جنيف الرابعة، يترتب على إسرائيل كدولة احتلال، واجب تجاه الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة في أن تتيح لهم "بأن يحصلوا على العلاج الطبي والرعاية في المستشفى، بقدر مماثل"لحصول المواطنين الإسرائيليين عليه.12 كذلك تنص الاتفاقية على أنه يجب على إسرائيل:

  1. تزويد السكان الرازحين تحت الاحتلال بالمواد الغذائية والإمدادات الطبية (المادة 55)؛

  2. صيانة المنشآت والخدمات الطبية والصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة – بما يسمح لجميع أفراد الخدمات الطبية بكل فئاتهم بأداء مهامهم (المادة 56)

  3. معاملة السكان الخاضعين للاحتلال معاملة إنسانية في جميع الأوقات (المادة 27)

ولم تكتف إسرائيل بالتجاهل الثابت للواجبات المترتبة عليها في هذا المجال، لكنها في السنوات الأخيرة قيدت وحالت بشكل متزايد دون وصول الفلسطينيين إلى المرافق الطبية، الأمر الذي أدى في حالات عديدة إلى عواقب مميتة.

1.1.2 النساء يجبرن على الولادة عند نقاط التفتيش

"يجب أن ينتفع ... الحوامل وأمهات الأطفال دون السابعة من العمر من أية معاملة تفضيلية يعامل بها رعايا الدولية المعنية." "يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين..."

المادتان 38(5) و16 من اتفاقية جنيف الرابعة.

وفي 26 أغسطس/آب 2003 اضطرت رولا أشطية (عطية؟)إلى الولادة على أرض طريق ترابي بالقرب من نقطة التفتيش في بيت فريك بعدما رفض الجنود الإسرائيليون السماح لها بالمرور. وتوفي طفلها بعد بضع دقائق. وأُصيبت بصدمة شديدة وعندما زارتها منظمة العفو الدولية بعد بضعة أسابيع، بالكاد استطاعت التحدث عن محنتها. وجاء رولا البالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً المخاض وهي حامل في شهرها الثامن، في ساعات الصباح الأولى. واستدعى زوجها داود سيارة الإسعاف وقيل له إنه ينبغي عليه أن يتوجه هو ورولا إلى نقطة التفتيش المقامة في بيت فريك بين قريتهما ومدينة نابلس، لأن سيارة الإسعاف لا تستطيع أن تجتاز نقطة التفتيش وستنتظرهما على الجانب الآخر من نقطة التفتيش. وتوجهت رولا وداود نحو نقطة التفتيش التي تبعد بضع دقائق عن قريتهما سالم. وكان النهار قد طلع ونظراً لحالة رولا الواضحة، لم يتوقعا مواجهة مشاكل في عبور نقطة التفتيش. بيد أن الجنود الإٍسرائيليين رفضوا السماح لهما بالمرور.

شهادة رولا : "استقلينا سيارة أجرة وترجلنا قبل نقطة التفتيش لأنه لا يسمح للسيارات بالاقتراب منها ومشينا بقية المسافة وكنت أشعر بالألم. وعند نقطة التفتيش كان هناك عدة جنود؛ وكانوا يحتسون القهوة أو الشاي وتجاهلونا. واقترب داود من الجنود للتحدث إليهم وهدده أحدهم بسلاحه. وتحدث داود إليهم بالعبرية، وكنت أشهر بالألم وأحس بأنني سألد هناك في تلك اللحظة؛ وأخبرت بذلك داود الذي ترجم ما قتله للجنود، لكنهم لم يسمحوا لنا بالمرور. وكنت مستلقية ع04?ى الأرض التي يعلوها الغبار وزحفت وراء كتل خرسانية بالقرب من نقطة التفتيش لأنعم بشيء من الخصوصية ولدت هناك، في الغبار مثل الحيوان. وأمسكت طفلتي بين ذراعيّ وتحركت قليلاً لكنها بعد بضع دقائق توفيت بين ذراعيّ".

شهادة داود : "توسلت إلى الجنود أن يسمحوا لنا بالمرور. وتحدثت إليهم بالعبرية، أعرف العبرية لأنني كنت أعمل في إسرائيل؛ وفهموا ما كنت أقوله، لكنهم لم يدعونا نمر. وبعدما وُلدت الطفلة صرخت رولا، ثم بعد برهة صاحت قائلة إن الطفلة ماتت. وكانت تجهش بالبكاء، فاغرورقت عيناي بالدموع وركضت نحو السيارات المتوقفة على الجانب الآخر من نقطة التفتيش، متجاهلاً الجنود؛ فأحضرت سيارة أجرة وعدت إلى رولا؛ لقد شعرت بالألم الشديد وأنا أراها في هذه الحالة، كانت تحضن الطفلة بين ذراعيها وهي مغطاة بالدم، وكان الحبل السري على الأرض يلامس الغبار وكان ما زال مربوطاً واضطررت لقطعه بحجر. فلم يكن لدي أي شيء آخر لأفعل به ذلك. ثم حملتُ رولا بين ذراعي وكانت تحتضن الطفلة ونقلتها إلى السيارة وتوجهنا إلى المستشفى، وما زلات أنا ورولا نشعر بألم شديد".

وبعد مضي أسبوع، وجدت سوزان ألنالبالغة من العمر 25 عاماً نفسها في وضع مشابه في منطقة مختلفة من الضفة الغربية بالقرب من القدس الشرقية. وكانت هي وزوجها أشرف وأطفالهما الثلاثة يزورون والديّ أشرف في قرية تقع خارج القدس، عندما شعرت بالمخاض في ساعة مبكرة من صباح 12 سبتمبر/أيلول. فتوجها إلى المستشفى في القدس وبعدما رُفض السماح لهما بالمرور عبر نقطة التفتيش في الرام، أمضيا حوالي ثلاث ساعات يحاولان الالتفاف على نقطة التفتيش. وفي النهاية ولدت سوزان صبياً على قارعة الطريق في المقعد الخلفي لسيارة أجرة. ثم نقلتها سيارة إسعاف إلى المستشفى. ولحسن الحظ لم تحصل أية مضاعفات لها أو لطفلها.

وفي ليلتين متتاليتين في بداية ديسمبر/كانون الأول 2004 انتهى الأمر بامرأتين بالولادة في سيارتي إسعاف عند نقطة تفتيش تقع عند مدخل نابلس وهما في طريقهما إلى مستشفى نابلس. وأنجبت رندا جبيتي، وهي من قرية الفندق الواقعة بالقرب من قلقيلية الطفل في سيارة الإسعاف، بعدما جرى تأخيرها وتفتيشها عند نقطة التفتيش. كذلك جرى تأخير بيان حسين – علي، من قرية الحطب الواقعة بالقرب من نابلس، عند نقطة التفتيش. ولم يُسمح لسيارة الإسعاف بالمرور عبر نقطة التفتيش واقتضى الأمر استدعاء سيارة إسعاف ثانية من نابلس لتأتي إلى نقطة التفتيش، وتعين نقل بيان إلى سيارة الإسعاف الثانية الموجودة على الجانب الآخر من نقطة التفتيش المحاذي لنابلس وفقاً لإجراء يطلق عليه "من جهة إلى أخرى". هذا الأسلوب الذي يستخدم عموماً لنقل البضاعة عبر نقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي، غالباً ما يشكل الطريقة الوحيدة لنقل المرضى إلى المستشفيات ومنها عندما يرفض الجنود الإسرائيليون السماح لسيارات الإسعاف بالمرور عبر نقاط التفتيش. كذلك رفض الجنود الإسرائيليون السماح لزوجها بمرافقتها، لأنهم زعموا أنه لا يحمل ترخيصاً للدخول إلى نابلس التي لا تبعد إلا بضعة كيلومترات. وبعد نقلها إلى سيارة الإسعاف الثانية الموجودة في الجانب المحاذي لنابلس من نقطة التفتيش، ولدت بيان في سيارة الإسعاف بجوار نقطة التفتيش.

وبالنسبة لميسون صالح نايف الحايك البالغة من العمر 23 عاماً، فإن الرحلة التي تبلغ 15 كيلومتراً من قريتها إلى المستشفى في نابلس لولادة طفلها الأول تحولت إلى مأساة. إذ إن الجنود الإسرائيليين الموجودين عند نقطة التفتيش أطلقوا النار على سيارتها، فقتلوا زوجها وأصابوا ميسون ووالد زوجها بجروح. وعندما وصلت في النهاية إلى المستشفى ولدت في المصعد. وفيما يلي الشهادة التي أدلت بها لمنظمة العفو الدولية :

"في الخامس والعشرين من فبراير/شباط 2002، بعد منتصف الليل بقليل، بدأت أُحس بالطلق. فأيقظت زوجي محمد وذهبنا إلى منـزل والديه لاستدعاء سيارة إسعاف. ولم نتمكن من إجراء المخابرة، لذا أخذ زوجي سيارة شقيقه وانطلقنا إلى المستشفى في نابلس. وأتى والد زوجي معنا. ووصلنا إلى نقطة التفتيش في حوارة المقامة عند مدخل نابلس بعد 15 دقيقة تقريباً، وهناك أوقفنا الجنود الإسرائيليون. فأمروا محمد بالخروج من السيارة وتفحصوا أوراقه. وعندها تعين علي وعلي والد زوجي الخروج من السيارة أيضاً لإبراز أوراقنا. ثم جرى تفتيش السيارة بدقة. وقلنا للجنود إنني مضطرة للذهاب إلى المستشفى بأسرع وقت ممكن للولادة، وإنني أشعر بألم شديد. وفي البداية رفضوا، ثم طلبوا مني أن أكشف عن بطني، حتى يروا بأنني أقول الحقيقة. وبعد كل هذا الذي استغرق حوالي الساعة، سمحوا لنا بالمرور. فانطلقت بنا السيارة وبعد بضعة مئات من الأمتار سمعت طلقات نارية. وكانت هناك نيران كثيفة آتية من أمام السيارة. فتوقفت السيارة ورأيت بأن زوجي أُصيب وانحنى على عجلة القيادة؛ لقد أُصيب في حنجرته والجزء العلوي من جسده، وكان ينـزف بشدة. كما أن والد زوجي الذي كان جالساً في مقعد الراكب الأمامي، أصيب في الجزء العلوي من جسمه أيضاً. وجلست على الأرض في الجزء الخلفي من السيارة وأمسكت بالحقيبة التي تحتوي على ملابس الطفل فوقرأسي للحماية. وأُصبت في كتفي بشظية وبقطعة من زجاج النافذة المحطم. ودام إطلاق النار حوالي 5 دقائق وبعد ذلك ساد السكون. فتحدثت إلى زوجي ووالده، لكن أياً منهما لم يجبني، فأدركت أن الوضع خطير وكنت خائفة وازدادت سرعة التقلصات (الطلق) وأصبحت أشد إيلاماً. فأجهشت بالبكاء وبدأت أصيح. فأتى الجنود وأخرجوني من السيارة. وأجبروني على نزع كل ملابسي لكي يفحصوني. ثم تركوني على الأرض وأنا أنزف من الجروح وأعاني من آلام المخاض. فطلبت شيئاً أغطي به جسدي، لكنهم لم يعطوني شيئاً. وحتى هذا اليوم، أشعر بالخجل والغضب من ذلك. كذلك فحصوا زوجي ووالده وقالوا إنهم سيضطرون لنقله إلى المستشفى في إسرائيل. ثم استدعوا سيارة إسعاف من نابلس لأجلي.

وبعد برهة أتت سيارة الإسعاف وأخذتني أنا ووالد زوجي. وعندما وصلنا إلى مستشفى الرافدية في نابلس48? ولدت طفلتي في المصعد. فأسميتها فداء؛ وهي طفلتي الأولىوالوحيدة. وأبلغتني والدتي التي صدف وجودها في المستشفى لان شقيقتي وضعت طفلاً في الليلة ذاتها، أن زوجي توفي وأن والده البالغ من العمر 66 عاماً أُصيب بجروح بليغة؛ فقد اخترقت الرصاصات رئتيه وظل في غيبوبة لمدة 40 يوماً. ومكثت في المستشفى لمدة 10 أيام، ثم ذهبت إلى منـزل والدتي. وما زلت أعيش هناك مع ابنتي. ولم أعد إلى عائلة زوجي لأنهم يلومونني على وفاة ابنهم".

وبعد مضي أشهر على محنتها، عندما بدأت تتعافى، قدمت ميسون شكوى ضد الجيش الإسرائيلي عن طريق منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان. وقررت تقديم شكوى بناء على نصيحة عاملة اجتماعية في منظمة نسائية فلسطينية شجعتها على التنفيس عن شعورها بالغضب والخجل وتحويله إلى عمل بناء عوضاً عن تدمير ذاتها.

وترى منظمة العفو الدولية أن الممارسة التي يتبعها الجنود الإسرائيليون في تأخير مرور النساء الحوامل أو منعهن من المرور عند نقاط التفتيش، بما يحرمهن فعلياً من المعالجة الطبية، عندما يكون من الواضح أنها ضرورية وملحة، تشكل معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة.

2.1.2 الخوف والقلق وغيرهما من العواقب المترتبة على النساء الحوامل

تشكل الحالات المذكورة أعلاه مجرد أمثلة قليلة. وقد مرت العشرات من النساء الفلسطينيات بمحن مشابهة في السنوات الأربع الماضية. وإن احتمال المرور بمثل هذه المحن يشكل أمراً مرعباً للنساء الحوامل. ويشير العاملون في مجال الصحة إلى أن الخوف من عدم التمكن من الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب لوضع المولود، بات مصدر قلق وخوف كبيرين للنساء الفلسطينيات في كافة أنحاء الأراضي المحتلة. ويزداد مستوى القلق مع اقتراب انتهاء مدة الحمل.

"منذ سبتمبر/أيلول 2002، أدت إجراءات حظر التجول والإغلاق إلى نشوء أزمة حادة تمثلت في عدم التمكن من الوصول إلى المرافق الطبية. والنساء الحوامل والنساء اللواتي يأتيهن المخاض هن الأكثر تأثراً بها. وأعاد الوضع مرة أخرى مكان الولادة إلى المنـزل بالنسبة لبعض النساء، رغم أنه في هذه الفترة لم تكن في مرات عديدة أمراً مخططاً له أو نابعاً من الاختيار، بل فرضته مئات نقاط التفتيش الإسرائيلية التي تعزل القرى عن المدينة والمدن بعضها عن بعض. ولجأت بعضهن مرة أخرى إلى الولادة في البيت، حيث بذلن غاية وسعهن لإيجاد قابلة، ومرت بعضهن بتجارب مرعبة في محاولة عبور نقاط التفتيش، وتمكن بعضهن من الوصول إلى مرافق الولادة. لكن بغض النظر عن المكان الذي انتهى بهن الأمر إليه لوضع أطفالهن، بات القلق يشكل جزءاً رئيسياً من تجربة الولادة بالنسبة للعائلة بأكملها..."13

والمشكلة حادة جداً بالنسبة للنساء اللواتي يعشن في القرى والمناطق الريفية بسبب نقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي والتي تفصل بين المدن التي توجد فيها المستشفيات وبين القرى المحيطة بها. وحتى إذا كانت القرية لا تبعد إلا بضعة كيلومترات عن البلدة، فقد تستغرق الرحلة ساعات، وفي الليل تصبح هذه الرحلة مستحيلة. وخلال عمليات الاجتياح التي قام بها الجيش أو عندما فرض حظر التجوال، كان الوصول إلى المستشفى يمثل مشكلة وقد يكون مستحيلاً حتى بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في المدينة. ونظرياً، يجب السماح لسيارات الإسعاف بالعمل في ظل حظر التجول وبنقل المرضى عبر نقاط التفتيش، لكن هناك حاجة للتنسيق المسبق مع الجيش الإسرائيلي ويعتبر التأخير أمراً روتينياً. وفي بعض الحالات، لا يسمح الجيش بالمرور على الإطلاق، وفي حالات أخرى تضطر سيارات الإسعاف إلى سلوك تحويلات طويلة على الطرق الثانوية أو تُجبر على الانتظار، وغالباً ما يتعين نقل المرضى من سيارة إسعاف عند أحد جانبي نقطة التفتيش إلى سيارة أخرى عند الجانب الآخر.

وفي ظل هذا الوضع، لا تجد النساء أمامهن من خيار يذكر حول المكان الذين سيلدن فيه. والنساء اللواتي لديهن أقرباء في المدنية قد يحاولن الذهاب إلى هناك للبقاء معهم قبل أن يحين الموعد، بحيث يكنَّ قريبات من المستشفى. بيد أن هذا لا يشكل خياراً بالنسبة لمعظم النساء، إما لأنه ليس لديهن أقارب في المدينة، أو لأن لديهن أصلاً أطفالاً آخرين ولا يمكنهن مغادرة المنـزل لفترة أسابيع أو اصطحابهم معهن. وكذلك فإنه في حالات الولادة المبكرة (السابقة لأوانها) لا تشكل هذه الترتيبات المسبقة حلاً.

وأثناء ليل 21 ديسمبر/كانون الأول 2003، أحست لميس قاسم البالغة من العمر 25 عاماً بآلام المخاض وهي في الشهر السابع من الحمل، وأُجبرت على ولادة فتاتين توأمين في سيارة الإسعاف المتجهة بها إلى المستشفى، بعد أن أخرها الجنود الإسرائيليون عند نقطة التفتيش في دير بلوط في البرد القارس لمدة تزيد على الساعة. وتُوفيت إحدى الطفلتين في سيارة الإسعاف وتوفيت الأخرى بعد بضع ساعات من الوصول إلى المستشفى. وبحسب ما قاله الأطباء فإن التوأمين اللتين كانت كل منهما تزن 1500 غرام، كان من الممكن أن تعيشا لو ولدتا في المستشفى لأن الدقائق الأولى من العلاج حاسمة في مثل هذه الحالات.14

ويساور العمال الصحيون القلق من أن عدداً متزايداً من النساء اللواتي يمكن أن يلدن بصورة طبيعية يلجأن إلى الولادة الاصطناعية أو القيصرية خشية عدم تمكنهن من الوصول إلى المستشفى إذا أدركتهن آلام المخاض ليلاً أو خلال اجتياح عسكري أو حظر تجول أو إغلاق. وقبل التشديد المتزايد لعمليات الإغلاق والحصار، في السنوات الأخيرة، كانت الأغلبية الساحقة من النساء الفلسطينيات يلدن في المستشفيات. ويصح هذا الأمر حتى اليوم، لكن النسبة المئوية للنساء اللواتي يضعن مواليدهن في البيت قد ازدادت. وفي حين أن بعض النساء في الماضي اخترن الولادة في المنـزل، إلا أن النساء أقل ميلاً هذه الأيام للنظر في هذا الاختيار لأنهن يخشين من أنه في حال حدوث مضاعفات خلال الولادة، لن يتمكنَّ من الوصول إلى المستشفى بسرعة. كما أن العاملات الصحيات اللواتي يحبذن الترويج للولادة في المنـزل يشعرن أيضاً أنها أكثر صعوبة في الظروف الراهنة.

ووفقاً لريتا غياكامان، الأستاذة المساعدة ومنسقة الأبحاث والبرامج في معهد المجتمع والصحة العامة في جامعة بيرزيت فإن : "الولادة يجب أن تشكل احتمالاً مفرحاً للنساء الحوامل. لكن النساء الآن لم يعد بإمكانهن أن يتطلعن إلى هذه اللحظة. بل على العكس، يخشين من ألا تجري الأمور على ما يرام ويخشين على أطفالهن وأنفسهن من الموت. ويخشين حتى من المضاعفات الطفيفة التي لا تشكل قضية مهمة في الظروف العادية. فتكون النتيجة وجود ميل إلى الاستخدام المفرط للعقاقير والوسائل الطبية في عملية الولادة، لأن النساء يشعرن بأنهن بحاجة إلى أن يستطعن السيطرة على الوقت عندما يأتيهن المخاض لضمان ولادة آمنة، ويرين في الولادة القيصرية أو الاصطناعية الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك. وقد قلل وضع الحصار هذا من الاختيارات المتاحة أمام النساء في هذا الشأن؛ ويخضعن لعمليات قيصرية لا ضرورة لها من منطلق الخوف، ولم يعدن قادرات على اختيار الولادة في المنـزل بدافع الخوف. وفي الوقت ذاته، تولي النساء قدراً أقل من الاهتمام للرعاية السابقة واللاحقة للولادة؛ ولا يمكنهن الحصول عليها بسبب الحصار، أو أنهن خائفات بسبب عمليات الاجتياح التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي أو أنهن يشعرن بضغوط شديدةبسبب حالة الفقر المتزايد والخطر المحدق بعائلاتهن وبأنفسهن ولا يردن أن يعطين الأولوية لصحتهن".15

وفي 15 فبراير/شباط 2005، أثار الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان القلق من أن "النساء الفلسطينيات يعانين بشكل واسع من سوء التغذية، وبخاصة عندما يكن حوامل ومرضعات".وفي التقرير الذي قدمه إلى اللجنة المعنية بوضع المرأة التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أشار إلى النتائج التي توصلت إليها منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة والتي أفادت أنه "خلال برنامج للزيارات المنـزلية في الفترة قيد المراجعة والممتدة بين أكتوبر/تشرين الأول 2003 وسبتمبر/أيلول 2004، تبين أن ما نسبته 69,7 بالمائة من أصل 1768 امرأة حامل وقبل شهر من الولادة يعانين من فقر الدم".16



3.1.2 بواعث القلق الأخرى المتعلقة بالحصول على الرعاية الطبية

كذلك تنطبق بواعث القلق المذكورة أعلاه على قضايا صحية بخلاف تلك المتعلقة بالحمل. وقد أهملت نساء فلسطينيات عديدات بشكل متزايد صحتهن بسبب الفقر المتزايد، ولأنهن، إزاء المصاعب التي يواجهنها، يشعرن هن و/أو أولئك المحيطون بهن بالعجز عن إيلاء الأهمية الضرورية لوضعهن الشخصي ويركزن على رفاه أطفالهن والأفراد الآخرين في عائلاتهن قبل الاهتمام بأنفسهن.

وإضافة إلى ذلك، تسببت القيود المفروضة على التنقل ورفض السماح بالمرور عند نقاط التفتيش أو تأخيره وعمليات الإغلاق وحظر التجول بمجموعة متنوعة من التعقيدات بالنسبة للذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية، بمن فيهم النساء وفي بعض الحالات أدت حتى إلى وفاة المرضى.

ألحقت القيود على حرية التنقل التي تفرضها إسرائيل على السكان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ضرراً شديداً بقدرتهم على الحصول على الخدمات الصحية الضرورية...ومنذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر/أيلول 2000، شهد الوضع مزيداً من التدهور ووصلت انتهاكات حقوق المرضى إلى أبعاد غير مسبوقة.17


وخلال سبعة وثلاثين عاماً من الاحتلال الإسرائيلي، شهد النظام الصحي الفلسطيني نمواً محدوداً للغاية. والفلسطينيون الذين يحتاجون إلى أنواع معينة من العلاج كانوا مضطرين للاعتماد على المستشفيات الموجودة في إسرائيل أو الدول الأخرى. فعلى سبيل المثال، لا تستطيع المرافق الصحية في قطاع غزة تشخيص حالة مرضى السرطان ومعالجتهم بشكل وافٍ، لاسيما النساء اللواتي يعانين من سرطان الثدي. ووفقاً لمنظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في إسرائيل لا تتعدى نسبة نجاة مرضى سرطان الثدي في قطاع غزة 30-40% قياساً بنسبة 70-75% في إسرائيل.

ومع تزايد الصعوبات التي يواجهها المرضى الفلسطينيون في الحصول على تصاريح للدخول إلى إسرائيل، يضطر المزيد منهم للذهاب إلى دول أخرى. وفي كلا الحالتين، يحتاج المرضى إلى إذن من الجيش الإسرائيلي لمغادرة الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن حتى أولئك الذين يُسمح لهم بمغادرة الأراضي المحتلة غالباً ما يعجزون عن فعل ذلك بسبب عمليات الإغلاق التي تفرضها إسرائيل على الحدود. ويواجه المرضى في قطاع غزة مشاكل خطيرة للغاية بسبب عمليات الإغلاق المتكررة والمطولة التي تقوم بها إسرائيل للحدود بين قطاع غزة ومصر، وهي نقطة الخروج الوحيدة من قطاع غزة.

شهادة ن.أ.، امرأة فلسطينية عمرها 38 عاماً من خان يونس في قطاع غزة في 12 يناير/كانون الثاني 2005 : "سافرت إلى الإسكندرية (مصر) في 8 ديسمبر/كانون الأول 2004 طلباً للعلاج الطبي. وأنهيت كل العلاج الطبي وأردت العودة إلى عائلتي والمدينة، لكن لسوء الحظ منعني الإغلاق منعني من ممارسة أبسط حقوقي في العودة العادية إلى الوطن. ولدي أربعة أطفال جمعيهم في المدرسة وأصغرهم عمره 5 سنوات. وهذه أول مرة أتركهم فيها، لذا أنا خائفة وقلقة جداً. وكل ما أريده هو العودة والبقاء مع عائلتي".

وفي النهاية أعادت إسرائيل فتح الحدود بين مصر وقطاع غزة في 20 يناير/كانون الثاني، لكن فقط أمام الفلسطينيين العائدين إلى غزة وليس المسافرين إلى خارجها.

2.2 ازدياد البطالة والفقر عبء متزايد على النساء

"لا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة"

المادة 1(2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

وتشمل الواجبات المترتبة على إسرائيل بموجب المواد 6 و7 و8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق العمل في أوضاع عادلة. بيد أن مئات الآلاف من الفلسطينيين في الأراضي المحتلة يحرمون فعلياً من وسائل عيشهم ومن حقهم في العمل لأنهم يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم وأماكن عملهم أو ل1?ن الجيش الإسرائيلي صادر أرضهم وممتلكاتهم أو دمرها.

"إن واقع الحياة في الأراضي المحتلة هو خنق للاقتصاد مع يترتب عليه من آثار اجتماعية بعيدة المدى. فما زال الفقر يمسك بخناق المجتمعات المحلية الفلسطينية، لا يخفف من وطأته إلا المعونات الدولية واسعة النطاق ... وفي وقت يتجه فيه المجتمع الدولي إلى تخفيض معدل الفقر إلى النصف بحلول العام 2015، تضاعف فيه هذا المعدل ثلاث مرات في الأراضي المحتلة من حيث النسبة المئوية في غضون خمس سنوات".

المدير العام لمكتب العمل الدولي، يونيو/حزيران 2004. 18

ولفترة طويلة منع الجيش الإسرائيلي زهيرة مرشد، وهي أرملة عمرها 72 عاماً تقع أرضها في إحدى المناطق التي عُزلت عن سائر أنحاء الضفة الغربية بسبب السياج/الجدار الذي يبنيه الجيش الإسرائيلي19، منعها من الوصول إلى أرضها الواقعة بالقرب من قرية فلام في شمال قلقيلية بالضفة الغربية. وفي سبتمبر/أيلول 2004 أخطرها الجيش الإسرائيلي بأنه سيتم قطع الأشجار المزروعة في أرضها. والسبب الذي أعطاه الجيش هو أن أرضها تقع بالقرب من منـزل وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز، الذي تقع عزبته في كوخاف ييـر، الممتدة عبر الخط الأخضر. وقالت لمنظمة العفو الدولية إن :

"الجيش أحاط أرضي بسياج ولم أتمكن من الاهتمام بها والآن يريدون قطع أشجاري ومصدر رزقي. أولاً قال لي الجيش إنني بحاجة إلى تصريح للتوجه إلى أرضي. ومن الصعب الحصول عليه، ولكي أقدم طلباً علي الذهاب إلى قاعدة الجيش في مستوطنة كيدوميم الإسرائيلية وذهابي إلى هناك ينطوي على صعوبة وخطر. وإذا حصلت على التصريح فهو لي فقط، لكنني لا أستطيع العناية بالأرض بنفسي واحتاج إلى أشخاص لمساعدتي، لكن لا أحد آخر يستطيع الحصول على تصريح، لذا لم أتمكن من الاهتمام بأرضي. وأشجاري تذبل والآن علي أن أعمل في أرض غيري في قطف الزيتون. وأنا امرأة عجوز، ولا ألحق أي أذى بوزير الدفاع الإسرائيلي، لكنهم ألحقوا بي أذىً شديداً، لقد دمروا حياتي." قدمت استئنافاً ضد قرار الجيش بقطع أشجارها إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، لكن في فبراير/شباط 2005، رفضت الحكمة التماسها، وأعطت الضوء الأخضر للجيش لتدمير الأشجار الموجودة في أرضها وبالتالي حرمان زهيرة مرشد فعلياً من مصدر دخلها.

"لعبت النساء تاريخياً دوراً رئيسياً في الإنتاج الزراعي للاقتصاد المنـزلي في فلسطين. وبالتالي عند تخسر العائلات الأرض، لا تخسر النساء مورداً حيوياً للدخل وحسب، بل يخسرن أيضاً منـزلتهن كمعيلات ومحققات للدخل في العائلة. وهذا يزيد كثيراً من العبء الذي تتحمله النساء لإعالة العائلة، بينما يؤثر سلباً على مكانتهن داخل الأسرة والمجتمع.20

ولا تعمل الأغلبية العظمى من النساء في وظائف مأجورة خارج المنـزل. وتاريخياً، كانت مشاركتهن في القوى العاملة متدنية، والقيود التي فرضت على الاقتصاد الفلسطيني خلال عقود الاحتلال الإسرائيلي ضاعفت المشكلة. بيد أنه قبل الانتفاضة، ارتفعت مشاركة النساء إلى 15,8% من النساء اللواتي تزيد أعمارهن على 25 عاماً. وقد تراجع هذا الاتجاه منذ ذلك الحين وانحدرت مشاركة النساء إلى حوالي 10,5%.

ووفقاً لمكتب العمل الدولي:

"... تتركز النساء في الوظائف ذات الإنتاجية المتدنية، وبخاصة الأنشطة الزراعية التي تسد الرمق. وبالتالي تضررت النساء جداً بالقيود المتعددة التي فرضها جيش الدفاع الإسرائيلي على الإنتاج الزراعي (حيث قيَّد الحصول على الماء ودمر الأراضي والبساتين وأشجار الزيتون) في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة ... ولا يجوز التقليل من شأن الضرر المحدد الذي لحق بالنساء، على صعيد المشقات وامتهان كرامتهن عند نقاط التفتيش ومن حيث ازدياد صعوبة أداء دورهن كمعيلات فضلاً عن كونهن ربات منـزل في وقت باتت فيه حتى الأنشطة الزراعية الصغيرة أو التي زاولنها لسد الرمق، بسبب الغياب القسري للأعضاء الذكور في العائلة، شبه مستحيلة عملياً بإقامة الجدار ونتيجة الحرمان من الأرض والنور والماء."21

وأدت الزيادة الحادة في البطالة وفقدان الدخل بالنسبة للقوى العاملة الذكرية إلى الضغط على الأفراد الآخرين في العائلة أي النساء والأطفال – لإيجاد عمل يدر دخلاً. وجاء الضغط على النساء لإيجاد عمل خارج المنـزل في الوقت ذاته الذي تضاءلت فيه فرص العمل في الحقول التي تعتبر تقليدياً مقبولة للنساء في المجتمع الفلسطيني – أي الوظائف المهنية. ونتيجة لذلك، اضطرت المزيد من النساء إلى قبول وظائف مثل عاملات تنظيف أو عاملات في قطاعات غير منظمة، حيث يتعرضن لدرجة أكبر من الاستغلال أو الانتهاك وتعتبر غير مقبولة للنساء في المجتمع الفلسطيني. وبينما قد يجادل البعض أن هذه التطورات قد تسهم بصورة إيجابية في "اختراق المحرمات" المتعلقةبدور المرأة في المجتمع و/أو في سوق العمل، إلا أنه في الواقع هناك استياء من هذا الوضع لأنه فُرض بفعل اليأس وليس الاختيار، ويشكل مزيداً من الضغط على النساء المعنيات به ومن حولهن.

كذلك يلاحظ دعاة حقوق المرأة أن التغيير من وضع لم يكن فيه معظم النساء تقليدياً يعملن خارج المنـزل، يجب أن يحصل عن طريق الاختيار ومن خلال عملية تصون حقوق المرأة وتعززها. وإن تزايد البطالة والفقر والشلل الذي أصاب الاقتصاد الفلسطيني طوال السنوات الأربع والنصف سنة الماضيةأضعف بشكل ملموس مزايا حملات نشر الوعي ومشاريع التدريب والتخويل التي نُفِّذت في التسعينيات.

"إضافة إلى تعطيل الحياة الأسرية، وانقلاب أدوار الجنسين وزيادة العنف العائلي، فإن النساء اللواتي اضطررن للانضمام إلى القوى العاملة يواجهن أيضاً الاستغلال من جانب أرباب عملهن. وأولئك النسوة، اللواتي غالباً ما يجهلن حقوقهن ويعجزن عن البحث عن سبيل انتصاف، يتحولن إلى ضحايا من جديد."

تقرير المركز النسائي للمساعدة القانونية والإرشاد.22

والنساء اللواتي يُجبرن على الع5?ل في هذه الظروف يتعرضن أكثر لانتهاك حقوقهن من جانب أصحاب عمل مستغلين أو مسيئين. كما يتعرضن للضغوط أو الأذى في المنـزل من جانب أزواجهن أو أقربائهن الذكور الذين يستاءون من تحول النساء إلى معيلات، فيما هم أنفسهم عاطلون عن العمل وغير قادرين على أداء دورهم الرئيسي كمعيلين لعائلاتهم. وفي بعض الحالات تضطر النساء حتى إلى قبول وظائف يمكن أن تعرضهن للخطر.

وقالت طالبة من قطاع غزة لمنظمة العفو الدولية :

"كان والدي يعمل في إسرائيل، لكنه لم يتمكن منذ مدة طويلة من الحصول على تصريح للدخول إلى إسرائيل ولا يستطيع أن يجد عملاً معظم الوقت هنا في غزة، لذا يعمل بين الفينة والأخرى فقط ويكسب دخلاً ضئيلاً جداً. وتعمل والدتي الآن في مستوطنة إسرائيلية هنا في غزة في الزراعة. وعلينا أن نحافظ على سرية هذا الأمر في مجتمعنا، لأن العمل في المستوطنات الآن ينظر إليه نظرة سيئة جداً، فالناس يعتبرونك خائناً أو متعاملاً لذا فهو ينطوي على خطورة. لكن من الصعب المحافظة على الأسرار هنا، فالكل يعرف ما يفعله الآخرون. وبالنسبة إلينا هذا معيب أيضاً؛ لقد كنا نملك أرضاً من قبل، لكن في السنوات القليلة الماضية، جرف الجيش الإسرائيلي أرضنا ودمروا أيضاً منـزلنا في يناير/كانون الثاني الماضي. والآن لم يبق لدينا شيء، فاضطرت والدتي للعمل لدى الإسرائيليين الذين دمروا كل ما نملك. إنه وضع صعب في الحقيقة، ونحن لا نتكلم عن هذا الموضوع، حتى مع الأقارب؛ لكنني أعتقد أن بعضهم يعرفون ويشك بعض الجيران في ذلك أيضاً؛ لكننا لا نناقش هذا الأمر مع الناس. وحتى في المنـزل مع والدي من الصعب أن نفعل ذلك؛ فهو لم يعد قادراً على إعالة العائلة ومضطر لإرسال زوجته للعمل لدى المستوطنين بينما يجد نفسه أسير المنـزل من دون عمل؛ وهذا مايجعلهتعيساً جداً ويسبب توتراً في البيت. وقد عمل في إسرائيل وكان لديه أصدقاء إسرائيليون، لكن العمل لدى المستوطنين هنا في غزة، وبخاصة الآن، غير مقبول. ولو استطعت أن أجد عملاً جيداً، سأتوقف عن الدراسة وأعمل لإعالة عائلتي، لكن لا يوجد عمل لفتاة صغيرة مثلي، وعلي أن أكمل دراستي. ووالدتي مستعدة لفعل أي شيء كي أكمل أنا وشقيقاتي دراستنا. والوضع صعب جداً، فهناك هجمات وعمليات كل الوقت وينتابنا القلق من حدوث شيء لها، واعتقد أنها هي أيضاً تشعر بالقلق، لكنها لا تقول ذلك.

كما أن النساء اللواتي يعملن خارج المنـزل يواصلن تحمل معظم عبء إدارة شؤون المنـزل ورعاية الأطفال والعائلة. فالوقت والطاقة المتزايدان اللذان ينبغي عليهن بذلهما للذهاب إلى العمل والعودة منه، بسبب نقاط التفتيش والحواجز المقامة على الطرق وعمليات الإغلاق، يضعان عليهن عبئاً إضافياً. وبالنسبة للنساء العاملات، فإن الخوف من عدم التمكن من العودة إلى المنـزل بسبب إغلاق نقطة التفتيش أو فرض حظر فجائي يشكل مصدر قلق دائم.

فاطمة، طبيبة وأم لطفلين، لديها إقامة في القدس، لكنها مضطرة للعيش في رام الله بالضفة الغربية، لأن زوجها ليس لديه تصريح للعيش في القدس، رغم أن فاطمة قدمت طلباً لجمع شمل العائلة منذ سنوات. وتعمل في مناوبات ليلية في أحد مستشفيات القدس وتضطر إلى مغادرة المنـزل في ساعة مبكرة من بعد الظهر لضمان الوصول إلى القدس، عبر الطوابير الطويلة عند نقاط التفتيش، في الوقت المناسب للالتحاق بعملها. وفي أغلب الأحيان لا تستطيع الوصول إلى مكان عملها أو تفوتها ساعات الدوام بسبب إغلاق نقاط التفتيش أو لا تستطيع مغادرة القدس والعودة إلى منـزلها. وأحياناً، عندما تجد أن نقطة التفتيش مغلقة ولا تستطيع الذهاب إلى منـزلها، فبحلول الوقت الذي تعود فيه إلى القدس، يكون أصدقاؤها قد ذهبوا إلى العمل ويتعين عليها أن تدفع أجرة غرفة في الفندق، وتشعر بالقلق طوال الوقت على أولادها الموجودين في رام الله.

3.2 تضاؤل فرص التعليم أمامالفتيات

"التعليم حق من حقوق الإنسان بحد ذاته ووسيلة لا غنى عنها لإعمال حقوق الإنسان الأخرى. وكحق تخويلي، يشكل التعليم الأداة الأساسية التي يمكن بموجبها للراشدين والأطفال المهمشين اقتصادياً واجتماعياً أن ينتشلوا أنفسهم من براثن الفقر ويحصلوا على وسيلة للمشاركة الكاملة في مجتمعاتهم. ويؤدي التعليم دوراً حيوياً في تمكين النساء وحماية الأطفال من العمالة الاستغلالية والخطرة والاستغلال الجنسي ويعزز حقوق الإنسان والديمقراطية ويحمي البيئة ويحد من النمو السكاني".23

وقد عرقلت نقاط التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي وعمليات الحصار وغيرها من القيود المفروضة على التنقل عرقلت بشدة عملية تحصيل الفلسطينيين للعلم. وبالنسبة للطلاب الذين يأتون من خارج المدن التي توجد فيها الجامعات، ازدادت تكلفة الدراسة بشكل ملموس بسبب عمليات الإغلاق. ويضطر الآن العديد منهم للعيش في المدينة التي يدرسون فيها، ويدفعون بدل إيجار السكن فيها، لأن الرحلة بين المنـزل والجامعة، هذا إذا كانت ممكنة أساساً، تستغرق الآن ساعات ولم تعد ممكنة بصورة يومية. وقد ارتفعت تكاليف النقل بنسبة تصل إلى 400 أو 500 بالمائة لأن الرحلة ذاتها تتضمن الآن سلوك تحويلات طويلة والانتقال من سيارة إلى أخرى عدة مرات بين مختلف نقاط التفتيش.24

ويتعارض فرض هذه القيود والعواقب المترتبة عليها مع روح المادة 13(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تقر بحق كل شخص في التعليم الذي يجب أن يكون في متناول الجميع ويمكن الوصول إلى مرافقه بأمان.

وأثر ارتفاع تكلفة النقل والسكن في حرم الجامعة وازدياد طول الرحلات واحتمال عدم تمكُّن الطلبة من العودة إلى منازلهم بسبب عمليات الإغلاق وحظر التجول أثر على الطالبات أكثر مما أثر على نظرائهن الذكور لسببين. فنظراً للتدهور الملموس للوضع الاقتصادي وازدياد الفقر، لا تستطيع مزيد من العائلات تسديد مصاريف التعليم الجامعي لعدة أولاد، وتعطي الأولوية في التعليم الجامعي للأبناء، لأنه يُتوقع منهم أن يتمكن08?ا من إعالة عائلتهم عندما يتزوجون.

وهناك سبب آخر هو أن بعض العائلات، وبخاصة في المناطق الريفية أو القطاعات المحافظة في المجتمع، غير مستعدة للسماح لبناتها بالعيش بعيداً عن المنـزل أو التعرض للأخطار المحتملة التي ينطوي عليها استخدام المواصلات العامة يومياً للذهاب إلى الجامعة والعودة إلى المنـزل، مثل الاضطرار إلى المبيت عند نقطة التفتيش في حال إغلاقها وعدم التمكن من العودة إلى المنـزل ليلاً وهذا أمر يتكرر حدوثه بالنسبة لآلاف الفلسطينيين.

"... ما برحت سياسة الإغلاق وتدهور الأوضاع الاقتصادية تؤثر على الطالبات أكثر مما تؤثر على الرجال، الأمر الذي زاد من النسبة المئوية لترك الجامعات أو حتى إلى نشوء ميل لترك المدارس بسبب الصعوبات اليومية والضغوط المالية، وبخاصة طالبات المرحلة الثانوية أو الملتحقات بمؤسسات التعليم العالي".25

وغالباً ما يُطلب من أساتذة الجامعات وعمداء الطلبة وموظفي الجامعات، فضلاً عن العاملين الاجتماعيين والمنظمات غير الحكومية التدخل نيابة عن الطالبات لإيجاد التمويل الضروري لتمكينهن من متابعة دراستهن أو لطمأنة العائلات وإقناعها بالسماح لبناتها الالتحاق بالجامعات والعيش بعيداً عن المنـزل.

ويقول رجب (راجح) بواب العامل في مركز الخدمات الاجتماعية في نابلس إن : "جميع الطلبة يواجهون مشاكل متزايدة في هذا الوضع. لكن بالنسبة للفتيات اللواتي يعشن خارج نابلس تزداد الصعوبة. فالعديد من العائلات لا تقبل أن تعيش بناتها بعيداً عن المنـزل مع الغرباء، وهناك أيضاً مشكلة مالية. لذا نضطر نحن وسوانا من العاملين في هذا الحقل إلى بذل جهود مضنية لضمان توفير بيئة جيدة للطالبات ولطمأنة العائلات بأن بناتها يعشن في مكان آمن، ولمساعدة الطلبة الذين يعيشون بعيداً عن المنـزل على حل أية مشاكل يواجهونها، بما فيها المشاكل المالية. وغالباً ما تعجز بعض الفتيات اللواتي يعشن بعيداً عن المنـزل عن زيارة عائلاتهن لمدة طويلة من الزمن بسبب عمليات الإغلاق، أو أنهن يذهبن ثم يواجهن صعوبات في العودة إلى نابلس. ولا تستطيع العائلات زيارة بناتها هنا للسبب ذاته. وأحياناً يتناهى إلى علم الفتاة بأن مكروهاً أصاب عائلتها، لكنها لا تستطيع الذهاب إلى المنـزل لأن نابلس خاضعة لعملية إغلاق أو بسبب إغلاق المنطقة المحيطة بقريتها، فإذا غادرت نابلس يمكن أن تعلق في الطريق. وهذا يحدث دائماً. فحتى الطلاب الذين يعيشون على بعد خمسة كيلومترات من نابلس يواجهون مشاكل في الوصول إلى نابلس والعودة إلى المنـزل. ويعلقون دائماً ويتعين عليهم إيجاد مكان للمبيت. وبالنسبة للفتيات تصبح هذه المواقف أكثر صعوبة؛ وبعضهن متزوجات ولديهن أطفال في المنـزل. كذلك فإن الجيش الإسرائيلي يغير على نابلس ويقصفها بصورة دائمة وتشعر العائلات بالقلق على أولادها. ويخلق هذا الوضع ضغوطاً متواصلة على الطلبة وعلى عائلاتهم، وبخاصة بالنسبة للذين يعيشون بعيداً عن المنـزل. وفي بعض الحالات فإن الطلاب الذين يحققون نجاحاً باهراً في دراستهم يستسلمون بسبب هذا الوضع."

ويردد بلال سلامة وسامي كيلاني عميدا الطلبة الحالي والسابق في جامعة النجاح صدى بواعث القلق هذه. ويشيران إلى أنه رغم أن إجمالي النسبة المئوية للطالبات في جامعة النجاح لم تنخفض في السنوات الأربع الماضية، فإنه في حالات عديدة، لم تواصل الفتيات اللواتي حصلن على علامات جيدة في المدارس الثانوية واللواتي كن سيلتحقن بالجامعات في الظروف العادية، دراستهن للأسباب المذكورة أعلاه، ويشغل أمكنتهن طلاب آخرون لديهم علامات أدنى.

4.2 القيود المفروضة على السفر إلى الخارج

غالباً ما تتسم الرحلات إلى الخارج، بغض النظر عن قصر المدة المقررة لها، بالصعوبات وتكون محفوفة بالمخاطر، وأحياناً مستحيلة تماماً.

شهادة أ. من مدينة غزة : "غادرت غزة في 8 ديسمبر/كانون الأول 2004 متوجهة إلى فرنسا لحضور مناسبة عائلية. وكنت أزمع العودة إلى الوطن بعد ستة أيام، لكن إغلاق الحدود مع غزة والذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي منعني من العودة إلى الوطن. وأنا زوجة وأم لأربعة أطفال أعمل في مركز الشؤون النسائية الذي يتعامل مع النساء وقضايا حقوق الإنسان. ويستضيفني أصدقاء لي في القاهرة ولا أدري كم سيدوم هذا الإغلاق ... وأنا أريد العودة إلى عائلتي لأن هناك حاجة ماسة لي في العائلة وفي عملي كذلك. ويعمل زوجي صحفياً وعمله يقتضي منه أن يكون بعيداً عن المنـزل معظم الوقت. ونتيجة لذلك، فإن أطفالي يعيشون بمفردهم في المنـزل خلال هذا الوضع الخطير جداً في غزة ..."

ومعبر رفح الذي يصل قطاع غزة بمصر هو نقطة الخروج/الدخول الوحيدة لحوالي 1500000 فلسطيني يعيشون في قطاع غزة. وفي السنوات الأخيرة، أقدمت السلطات الإسرائيلية بصورة متكررة على إغلاق معبر رفح طوال أيام وأسابيع في كل مرة، تاركة آلاف الفلسطينيين عالقين على الحدود، لا يستطيعون العودة إلى وطنهم أو السفر إلى الخارج. ويثني احتمال أن يعلق الإنسان على الحدود طوال أيام أو أسابيع بدون أن يتمكن من العودة إلى الوطن ويضطر إلى تحمل الإزعاج وتكبد نفقات إضافية، يثني العديد من الفلسطينيين عن السفر إلى الخارج نهائياً. والنساء أكثر تأثراً، وبخاصة إذا كان لديهن أطفال.

وتلاحظ منى شوا، رئيسة الوحدة النسائية في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة أن : "احتمال تعرض الأطفال للمرض أو لحادث أثناء غياب النساء في الخارج وعدم قدرتهن على العودة إلى الوطن بسبب إغلاق معبر رفح لأية مدة يثنيهن بشكل خاص عن السفر. ولدي أطفال صغار وأنا أفهم ذلك؛ وهذا احتمال مرعب لكنه حقيقي جداً؛ فاحتمال أن يعلق المرء على الحدود عالٍ جداً؛ ويحدث بصورة متكررة ومع الضربات الجوية وعمليات القصف الإسرائيلية المتكررة يُصبح خطر إصابة أطفال المرء بمكروه واقعياً جداً أيضاً؛ لذا لا يريد المرء أن يبتعد عنهم إذا أمكنه ذلك. ويستغرق الذهاب إلى مؤتمر مدته يومان في الخارج ستة أو سبعة أيام في أفضل الأحوال، وحتى عندما لا توجد مشكلة، فإن اجتياز معبر رفح يستغرق يوماً كاملاً في كل اتجاه، وإذا أغلق الإسرائيليون المعبر، يعلق المرء على الحدود طوال أيام أو حتى أسابيع. وفي الوقت ذاته، فإن السفر مع الأطفال في هذه الظروف صعب جداً. لذا يقلل الناس عموماً من أسفارهم كثيراً، وتصبح هذه الأسفار حتى أقل بالنسبة للنساء...".

5.2 ازدياد العزلة

عندما يكون الزوج والزوجة من مدن/قرى مختلفة، تنضم النساء تقليدياً إلى أزواجهن عند الزواج. وقد زادت القيود التي جعلت التنقل صعباً أو مستحيلاً بين مختلف أجزاء الأراضي المحتلة، من عزلة النساء عن أهلهن وحرمتهن من شبكات دعمهن.

تعيش سعاد، وهي من جنين، في غزة مع زوجها وطفلها البالغ من العمر ثلاث سنوات ولم تر والديها وأقرباءها لمدة تزيد على أربع سنوات: "إنني مشتاقة لوالديّ وأشقائي جداً؛ فأنا لم أرهم منذ بداية العام 2001. ولم أتمكن من الذهاب إلى جنين لزيارتهم ولم يتمكنوا من زيارتي في غزة. ولا يعرفون ابني إلا من خلال الصور والهاتف. وأنا سعيدة جداً مع زوجي وإنني مستعدة للعيش معه في أي مكان، لكنني حزينة لأنني لا أستطيع أبداً رؤية عائلتي. وأود أن أراهم وأمضي وقتاً معهم، وأن أشاطرهم اللحظات الحلوة وكذلك مساعدتهم عندما يحتاجون إلى مساعدة، وهم يودون أن يفعلوا الشيء ذاته. وفي السنوات الأولى لزواجي، كنت أزورهم بين الفينة والأخرى، لكن طوال السنوات الأربع الأخيرة استحال علي ذلك. فمن الصعب جداً الحصول على تصريح، وعند فرض الإغلاق الكامل، لا تعود التصاريح صالحة على أية حال، وحتى إذا تمكنت من الذهاب، فإذا حصل شيء، قد أعلق هناك لمدة طويلة. وهذا ببساطة مستحيل".

ك، وهو مقيم في القدس الشرقية، متزوج من امرأة من طولكرم : "لا يستطيع والدا زوجتي زيارتنا، وهي نادراً ما تزورهما لأنه صعب للغاية. ولا يُسمح لي بالدخول إلى طولكرم، ولذا آخذها إلى نقطة التفتيش ويتعين علي تركها هناك مع الأطفال والعودة لاستقبالها عندما ترجع. وبما أنها الآن مقيمة في القدس، فإن الجنود الموجودين عند نقطة التفتيش قد يسمحون لها بالمرور أو يرفضون؛ ولا يمكن للمرء أن يتكهن أبداً. ولذا أنا منقطع الآن عن عائلة زوجتي، كما أن زوجتي لا ترى والديها إلا نادراً جداً بسبب هذه الصعوبات. ونتمنى لو نجتمع معاً كعائلة من حين لآخر، أنا وزوجتي مع أولادنا ووالديها؛ فهل نطلب الكثير؟".

وقد زادت هذه القيود على الحركة من الإحساس بالعزلة لدى النساء اللواتي يعشن بعيداً عن أهلهن، وبخاصة في أوقات الحمل والمرض أو غيرها من الظروف الصعبة. وغالباً ما تشكل المساعدة التي تقدمها الأم أو الأخت أو الأقرباء الآخرون المصدر الرئيسي للدعم المادي والمعنوي ويمكن أن يكون لها تأثير حاسم في التكيف مع المواقف الصعبة. والانفصال عن الأهل وشبكات الدعم ألحق أيضاً أذى شديداً بالنساء اللواتي يواجهن صعوبات في علاقتهن مع أزواجهن و/أو مع عائلات أزواجهن. ويمكن لهذه العزلة القسرية أن تشكل عاملاً حاسماً في استمرار أوضاع العنف العائلي.

3. تأثير قانون جديد قائم على التمييز يمنع جمع شمل العائلات

في يوليو/تموز 2003، أصدر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يمنع جمع شمل عائلات المواطنين الإسرائيليين المتزوجين من فلسطينيي الأراضي المحتلة.26 وقد رسخ القانون في الأنظمة والأعراف ممارسة تُطبق بصورة رسمية منذ مطلع العام 2002، وبصورة غير رسمية منذ مدة أطول بكثير. ويشكل القانون صراحة تمييزاً ضد الفلسطينيين والمواطنين والمقيمين الفلسطينيين في إسرائيل، لأن هؤلاء هم الذين يتزوجون من فلسطينيي الأراضي المحتلة. وقد نددت لجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة بالقانون ودعت إلى إلغائه.27

سميرة، وهي من نابلس، متزوجة منذ ثلاث سنوات من أحد سكان القدس الشرقية، لكنها لم تتمكن من الحصول على تصريح يجمع شمل العائلة، وهي تعيش مع زوجها في القدس بصورة غير قانونية : "كنت أعمل مُدرِّسة، لكن منذ أن تزوجت لم أتمكن من العمل لأنني لا أملك تصريح. ولا أستطيع الذهاب إلى أي مكان ولا فعل أي شيء. وفي أغلب الأحيان أخاف كثيراً حتى من مغادرة المنـزل لأنني أخشى من أنني إذا صادفت دورية للشرطة وطلبت مني أوراقي، فستلقي القبض علي وتطردني. ولا أستطيع زيارة والديّ أبداً لأنهما موجودان في نابلس، ولا أستطيع الدخول إلى القدس والخروج منها ولا يستطيعان زيارتي لأنهما لا يحملان تصريحاً أيضاَ. وإنني سعيدة جداً مع زوجي، لكنني مشتاقة لعائلتي وللعمل وأشعر بالوحدة؛ وأتساءل عما إذا كُتب علي أن أعيش هكذا بقية عمري".

وتعيش النساء الفلسطينيات اللواتي رُفضت طلباتهن لجمع شمل عائلاتهن واللواتي يعشن مع أزواجهن الإسرائيليين أو المقدسيين "بصورة غير قانونية" أسيرات منازلهن، ويخشين جداً من الخروج حتى لا يُقبض عليهن ويُطردن إلى الأراضي المحتلة. وبالتالي ينفصلن عن أزواجهن وأطفالهن.

والنساء المتزوجات من أزواج يسيئون معاملتهن غالباً ما يمانعن في تركهم لأنهن إذا فعلن ذلك،سيضطررن للعودة إلى الأراضي المحتلة وينفصلن عن أطفالهن. ومن الأمثلة على ما يمكن أن يحصل إذا فعلن ذلك حالة ناديا، وهي امرأة فلسطينية من الضفة الغربية حصلت على الطلاق من زوجها الذي يسيء معاملتها، وهو من سكان القدس. ورغم أنها تقاسمت معه حضانة ابنها، إلا أنها لم تتمكن من رؤيته منذ أكثر من عام لأنها لم تستطع الحصول على تصريح من السلطات الإسرائيلية للدخول إلى القدس، ويرفض زوجها أخذ الطفل إلى الضفة الغربية لزيارتها.28

وقال محاميها الإسرائيلي لمنظمة العفو الدولية إنه : "بما أن السلطات الإسرائيلية تجاهلت السلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة، فإن التعاون بين الجانبين في حالات كهذه توقف فعلياً. والأزواج الذين لا يدفعون نفقة لزوجاتهم الفلسطينيات المطلقات أو الذين لا يفون باتفاقيات الحضانة المشتركة للأطفال يفلتون بفعلتهم لأن زوجاتهم أسيرات داخل حدو

u1583? الضفة الغربية ولا يستطعن متابعة القضية لدى السلطات الإسرائيلية، وهذه الأخيرة لا تتابع القضايا حتى نهايتها. ولم تتمكن إحدى موكلاتي من الحصول على تصريح للدخول إلى القدس وفي النهاية تمكنت من الدخول خلسة إلى القدس بصورة غير قانونية، لمجرد أن ترى ابنها خارج المدرسة. ورفض زوجها السماح لها بقضاء أي وقت مع الطفل رغم أنها تملك الحق في ذلك وفقاً لتسوية الطلاق. وتتسم هذه القضايا بالتعقيد الشديد والسلطات لا تطبق القانون كما يجب، وبالتالي تظل نساء عديدات جداً متزوجات من رجال يسيئون معاملتهن، وذلك لمجرد تجنب مواجهة مثل هذه المشاكل".

4. إساءة معاملة النساء الفلسطينيات في مراكز الاعتقال الإسرائيلية

أُلقي القبض على بعض النساء ووُجهت إليهن تهديدات وأُسيئت معاملتهن لممارسة الضغط على أزواجهن لتسليم أنفسهم أو للتوقيع على اعترافات. وتخل هذه الانتهاكات بالواجبات المترتبة على إسرائيل بموجب كل من القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، لاسيما اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، فضلاً عن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص في المادة السابعة منه على أنه : "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة..."واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر في المادة 3(1)(ج) منها : "الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة".

قُبض على فريال، وهي أم لسبعة أطفال، في إبريل/نيسان 2002، بعد بضعة أيام على توقيف زوجها. واستدعيت أولاً إلى قاعدة أوفر العسكرية للاستجواب، ولكن عندما ذهبت إلى هناك لم يتم استجوابها. وعوضاً عن ذلك التُقطت لها صورة وهي جالسة في سيارة بجانب ضابط في الجيش الإسرائيلي. ثم نُقلت لاحقاً إلى معتقل الموسكوبية في القدس، حيث كان زوجها معتقلاً لاستجوابه. وهناك عُرضت عليها صورة لزوجها ويداه مقيدتان إلى مؤخر كرسي وقيل لها إنه سيُحكم عليه بالسجن لمدة 20 عاماً. ثم جرى تصويرها مرة أخرى. وبعد ذلك أُحضر زوجها إلى خارج زنزانتها وأُمر بأن ينظر إليها من ثقب المفتاح. وفيما بعد عُرضت عليه صورها وقيل له إنها معتقلة منذ أسبوع. وقد تعرضت للضرب، رغم أن هذا لم يكن صحيحاً. كذلك أُبلغ أن أطفالهما سيُجلبون للاستجواب. وأُطلق سراح فريال في مساء اليوم ذاته وأُطلق سراح زوجها بعد عدة أشهر عقب محاكمته وتبرئة ساحته.

وقالت عدة نساء فلسطينيات أخريات لمنظمة العفو الدولية إنه خلال استجوابهن تعرضن للضرب أو الصفع أو اللكم وقُيِّدن بكرسي في وضع غير مريح، ووُجهت إليهن تهديدات، وأن المحققين الذكور جلسوا على مسافة قريبة جداً منهن ولامست أجسادهم أجسادهن، وشعرن بأن القصد الواضح من وراء ذلك هو تخويفهن وإشعارهن بالحرج. والتهديدات الأكثر شيوعاً التي استخدمها المحققون هي أنه سيتم تدمير منازل عائلات المعتقلات وإصدار أحكام طويلة بالسجن عليهن وإلقاء القبض على أفراد عائلاتهن، لاسيما المسنون والأولاد الصغار في الأسرة. وفي حالات عديدة أطلق سراح النساء في نهاية الأمر من دون تهمة. ويتم عادة استجواب المعتقلات بحضور شرطية، لكن الاستجواب يتولاه رجال الشرطة.

وقالت يارا، وهي طالبة عمرها 19 عاماً من البيره لمنظمة العفو الدوليةإنها عندما قُبض عليها في مارس/آذار 2004، وُجهت إليها تهديدات وأسيئت معاملتها : "بدأت الحكاية عندما أتى الجنود إلى منـزل عائلتي، وعبثوا بمحتويات غرفتي. ثم اقتادوني إلى مركز الاستجواب ولم تأتِ الجندية معهم في سيارة الجيب، رغم أنني طلبت منها أن تفعل ذلك؛ وكنت وحدي في سيارة الجيب مع جنود ذكور ودأبوا على إطلاق الشتائم بصوت عالٍ واستخدام كلمات نابية جعلتني أشعر بالحرج. وفي مركز الاستجواب، جلس أحد المحققين قبالتي على مسافة قريبة جداً مني، وركبتاه تحيطان بركبتيّ؛ فشعرت بالضيق. وصرخ بصوت عالٍ جداً في أذنيّ وخبطني على ساقيّ وكتفي ورأسي؛ فتألمت وشعرت بالحيرة والارتباك. كذلك هددوني بنسف منـزل عائلتي وقتل والديّ وإلقاء القبض على شقيقي البالغ من العمر أربع سنوات. وكانت الشرطية حاضرة خلال جلسات الاستجواب، لكنها لم تفعل شيئاً أو تقول شيئاً للرجال لكي يكفوا عن معاملتي بهذه الطريقة".

5. تأثير هدم المنازل وتدمير الممتلكات على النساء

دمر الجيش الإسرائيلي أكثر من 4000 منـزل والمئات من المباني العامة والعقارات التجارية الخاصة ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في الأراضي المحتلة خلال السنوات الأربع والنصف سنة الماضية. وشُرِّد عشرات الآلاف من الأشخاص، معظمهم من النساء والأطفال وأصبحوا يعيشون في فقر مدقع. والضحايا هم غالباً من ضمن الفئات الأكثر فقراً وحرماناً في المجتمع الفلسطيني.29ولحقت أضرار بآلاف المنازل الأخرى، التي بات العديد غير قابل للإصلاح، وسيف الهدم مسلط فوق الآلاف من المنازل الأخرى التي يعيش شاغلوها في خوف من جرافات الجيش.

وعادة تُنفذ عمليات تدمير المنازل بدون أي تحذير، غالباً في الليل، ولا يُمنح شاغلوها وقتاً يُذكر لمغادرتها، لا يتعدى أحياناً بضع دقائق فقط. وفي معظم الحالات، يكون التبرير الذي تسوقه السلطات الإسرائيلية للتدمير هو "الاحتياجات العسكرية/الأمنية"، بينما في حالات أخرى يُفرض الهدم كشكل من أشكال العقاب الجماعي على عائلات الفلسطينيين الذين يُعرف أو يشتبه بأنهم شاركوا في هجمات ضد الإسرائيليين. وفي حالات أخرى، يكون السبب هو عدم وجود تصاريح بناء.30وفي عدة حالات أُصيبت النساء بجروح بينما كن يهربن من منازلهن عندما بدأ الجيش الإسرائيلي بتدميرها، وفي حالتين على الأقل قُتلت النساء عندما هدم الجيش منازلهن على رؤوسهن.31

في الأسبوع الثالث من شهر مايو/أيار 2004، دُمر منـزل عائلة منال عوض، مديرة مشروع تخويل النساء التابع لبرنامج الصحة العقلية لل ?جتمع في غزة في واحدة من أكبر موجات الهدم التي نفذها الجيش الإسرائيلي في رفح، التي تقع في جنوب قطاع غزة. وقد دُمر حوالي 200 منـزل في غضون ثلاثة أيام ولحقت أضرار بعدد مماثل من المنازل جعلتها غير قابلة للسكن. وبعد بضعة أيام قالت منال لمنظمة العفو الدولية : "كان بيتنا يبعد حوالي 800متر عن المنطقة التي كان الجيش الإسرائيلي يدمر فيها العديد من المنازل ولم نكن نعتقد أن منـزلنا كان معرضاً لخطر الهدم. وفي صبيحة يوم التدمير، كنت أعمل في مدينة غزة وكانت والدتي البالغة من العمر 65 عاماً في المنـزل مع شقيقتي وعمتنا/حالتنا البالغة من العمر 85 عاماً والتي كانت أيضاً تعيش في المنـزل. وأخبرتني والدتي عبر الهاتف أنهن لا يستطعن الخروج من المنـزل لأن جرافة الجيش الإسرائيلي كانت تقف أمام المنـزل مباشرة والخروج من الباب الأمامي خطر جداً.وبدأت الجرافة تضرب المنـزل وكانت فرائص والدتي ترتعد خوفاً. فشعرت بالوحدة والقلق. ولم أستطع التوجه إلى رفح لأن الجيش الإسرائيلي أغلق الطريق الممتدة بين مدينة غزة ورفح. وحاول أحد الجيران إحداث فجوة في الجدار الخلفي وفي النهاية استطعن الصعود إلى خارج المنـزل من الخلف؛ ولم تتمكن خالتي من فعل ذلك، واضطروا إلى سحبها. وكانت تجربة مرعبة، وتأثرنا بها جميعاً تأثراً مؤلماً جداً؛ ولم تستطع والدتي أن تأكل طوال أيام؛ والعائلة بأسرها في وضع سيئ. وفي عملي هنا في البرنامج (تقديم الإرشاد والتأهيل والدعم للنساء اللواتي يواجهن صعوبات) علي أن أتسلح بالقوة كي أحاول مساعدة النساء الأخريات وفي الوقت ذاته تأثرتُ أيضاً بما حصل لعائلتي".

إن أغلبية عشرات الآلاف من الأشخاص الذين شُردوا جراء تدمير منازلهم هم من النساء والأطفال، معظمهم من اللاجئين. وجميع الذين دُمرت منازلهم تأثروا بذلك، كأفراد وكعائلات، لأنهم مضطرون إلى التكيف والعيش في أوضاع غالباً ما تشكل ضغوطاً إضافية على العلاقات الأسرية. ومعظم النساء الفلسطينيات لا يعملن خارج المنـزل، الذي يشكل الحيز الذي يشعرن بأنه ملكهن. ويقضي الرجال وقتاً أطول خارج المنـزل في العمل والأنشطة الاجتماعية، ويذهب الأطفال إلى المدارس ويلعبون في الخارج، بينما بالنسبة لمعظم النساء تشكل إدارة البيت مسؤوليتهن بصورة رئيسية أو نشاطهن الأساسي. وسواء عملن خارج البيت أم لا، تكرس النساء جزءاً ملموساً من وقتهن وطاقاتهن في عمل منـزلي لا يجزين عليه وغالباً ما يتم التغاضي عنه، وبالتالي يتأثرن كثيراً من تدمير منازلهن. وعندما تُهدم المنازل وتصبح العائلات مشردة، تتحمل النساء العبء الأكبر لإعادة بناء حياة العائلة.

وفي معظم الحالات لا تستطيع العائلات التي دمرت منازلها تحمل تكلفة الحصول على سكن بديل وقد أُجبرت على الانتقالللعيش مع الأقرباء الذين لا يملكون في أغلب الأحيان حيزاً كافياً لإيواء عائلة إضافية. وبما أن النساء يقضين وقتاً أطول في البيت، فهن اللواتي يتأثرن أكثر بالإزعاج المتمثل بالعيش في حيز شخص آخر، حيث لا يعدن يتحملن مسؤولية إدارة حيز العائلة وأنشطتها. وإضافة إلى المشاكل العملية، فإن فقدان الخصوصية والحيز غالباً ما يسبب توتراً في العلاقات بين أفراد العائلة. وغالباً ما تشعر الأمهات بتقوض دورهن كمصدر للسلطة والدعم العاطفي والمادي لأطفالهن.

"كانت هذه بداية لنوع جديد من المعاناة. إذ إن الإقامة في منـزل والديّ القديم سلبني حريتي وعلي أن آخذ مشاعرهما دائماً بعين الاعتبار، وأنا لا أريد أن أصبح عبئاً. كذلك علي أن أحافظ على النظافة الفائقة للبيت؛ فهو ليس بيتنا، لذا علينا مراعاة شعور أصحابه. وافتقد قضاء وقت مع زوجي، لأنني مشغولة جداً برعاية الأطفال. وأشعر بالتوتر الدائم، وبالحاجة الماسة لمكان خاص لعائلتي، فحتى مجرد غرفة صغيرة بها فئران تفي بغرضنا! أريد أن يتمكن أطفالي من التنقل داخل البيت كما يحلو لهم وأن يلعبوا بحرية بألعابهم. وأريد أن نشعر بأننا ما زلنا عائلة. لقد أُصبت باكتئاب شديد لدرجة لا أستطيع فيها تناول الطعام، وقد أثر هذا الاكتئاب على زوجي وأطفالي."

شهادة امرأة هُدم منـزلها أدلت بها للمركز النسائي للمساعدة القانونية والإرشاد.

"تعاني النساء معاناة هائلة من الإخلاء القسري ... ويزداد العنف المنـزلي في الوضع المتقلقل والضاغط غالباً المتمثل بعدم توفر مسكن كافٍ، وبخاصة قبل الإخلاء القسري وخلاله".

المركز الخاص بحقوق السكن وعمليات الإخلاء32

تأثرت النساء الفلسطينيات تأثراً شديداً بعمليات هدم المنازل وبالتوتر المتزايد الذي غالباً ما ينشأ داخل العائلات المتضررة نتيجة لذلك، بما فيه حدوث زيادة في العنف العائلي. وعلاوة على ذلك، تشعر النساء اللواتي تشردت عائلاتهن نتيجة هدم المنازل بقدرة أقل على الشكوى والمطالبة بإنصافهن عن العنف العائلي، لأنهن يشعرن بأنه إزاء خسارة منـزل العائلة لا تُعتبر تظلماتهن أولوية، ولأن المصاعب العملية والمالية الإضافية التي يسببها تدمير منـزل العائلة تجعل من إيجاد حل لمشكلتهن الفردية أكثر صعوبة.

6. الاحتلال والنـزاع والنظام الأبوي : تزايد الضغوط والعنف ضد المرأة

"لا تتحمل النساء العبء المزدوج للاحتلال والنظام الأبوي وحسب، بل إنه بسبب الأول تُكبح قدرتهن على إجراء تغيير جذري في هياكل النوع الاجتماعي غير المتكافئة للثاني".

المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه ونتائجه، فبراير/شباط 2005 33


ويساور النساء الفلسطينيات ومنظمات حقوق الإنسان والعاملين في المجتمعات المحلية والعاملين الاجتماعيين والمرشدين والأطباء وغيرهم من المهنيين، يساورهم القلق إزاء ازدياد العنف ضد المرأة في العائلة في السنوات الأربع والنصف سنة الماضية، لأن تدهور الوضع الأمني والاقتصادي قد فاقم من المشاكل القائمة حالياً والمتعلقة بانعدام المساواة بين الجنسين والسيطرة على المرأة ف10? المجتمع الفلسطيني. ويلاحظ دعاة حقوق المرأة أنه خلال الانتفاضة الأولى (1987 حتى 1993)، اقترن المستوى المتزايد من العنف الذي تعرض له الفلسطينيون على يد الجيش الإٍسرائيلي بزيادة في العنف والتهديد بالعنف ضد المرأة داخل المجتمع الفلسطيني وفي المنـزل، وأن الاتجاه ذاته نشأ منذ اندلاع الانتفاضة الحالية في العام 2000.

ورفعت العسكرة المتزايدة للمجابهة الإسرائيلية – الفلسطينية في السنوات الأربع والنصف سنة الماضية سقف العنف إلى مستوى غير مسبوق.وبينما شاركت النساء مشاركة نشطة في الانتفاضة الأولى كحركة من حركات المجتمع المدني، فإن الانتفاضة الراهنة شهدت دوراً أبرز للجماعات المسلحة. ولا تتاح للنساء فرصة تُذكر للطعن في عملية صنع القرار الخاصة بإدارة الانتفاضة أو المشاركة في هذه العملية، التي تترتب عليها عواقب بعيدة المدى على جوانب عديدة جداً من حياتهن. وقد فرض انهيار الوضع الاقتصادي والأمني الناجم عن النـزاع ضغوطاً وقيوداً متزايدة على النساء، وفي الوقت ذاته حد أكثر من قدرة النساء على السيطرة على حياتهن.

إن مدى القيود والحصار الذي فرضته إسرائيل في السنوات الأخيرة على الشعب الفلسطيني بأكمله، وما نجم عن ذلك من فقر وبطالة، تسبَّب بقدر لا يوصف من الإذلال والغضب والإحباط للفلسطينيين في جميع أنحاء الأراضي المحتلة. وفي معرض إشارتهما إلى نتيجة التقييم الوطني للفقر في الأراضي المحتلة في العامين 2001 – 2002. تشير بني جونسون وأيلين كتَّاب إلى "موضوع كامن وملح يثيره مرة تلو أخرى الرجال والنساء الفقراء في معرض وصفهم لأسباب وأوضاع الفقر والضعف التي يعانون منها، وهو وجود أزمة عميقة في قدرة معيلي الأسرة الذكور على إعالة عائلاتهم". وتلاحظان أن "الأزمة التي يعاني منها المعيلون الذكور هي أزمة نوع اجتماعي وأزمة عائلية ... وهذا يخلق ضغطاً هائلاً على أدوار الجنسين."34

ومن العواقب المترتبة على ذلك حدوث زيادة في مستوى العنف داخل المجتمع الفلسطيني وداخل العائلة، الأمر الذي يزيد من سوء وضع النساء اللواتي كن منذ زمن طويل موضوعاً للإجحاف والسيطرة والعنف على أيدي أقربائهم الذكور.

"مع فرض قيود أكثر صرامة على تنقل الرجال، تضطر نساء عديدات إلى الخروج من شرنقتهن المنـزلية التي تحميهن بحثاً عن الوظائف لإعالة عائلاتهن، بينما يبقى أزواجهن الذكور في المنـزل. وهذا الانقلاب الفجائي وغير المتعمد لأدوار الجنسين يخل باستقرار العلاقات داخل العائلة، ويضع النساء في موقف خطر. ويلجأ رجال عديدون إلى الوسائل العنيفة لتأكيد سيطرتهم على العائلة، حيث يشعرون بعدم الأمان بشأن وضعهم في العائلة، ويحسون بالإحباط جراء مشاعر العجز وقلة الحيلة. وليس مفاجئاً، أن يترتب على الإحباط وعدم الأمان اللذين يشعر بهما الذكور تأثير سلبي على النساء اللواتي أصبحن ضحايا للعنف العائلي الذي تزداد معدلاته."

المركز النسائي للمساعدة القانونية والإرشاد.35

إن القيود المفروضة على التنقل وإجراءات حظر التجول التي تحوِّل الناس إلى أسرى في منازلهم لفترات مطولة وتزايد البطالة والفقر وعدم الأمان الذي أرغم الرجال على قضاء وقت أطول في منازلهم، فضلاً عن الزيادة في أوضاع الاكتظاظ في البيت، كل ذلك أسهم في ازدياد العنف ضد النساء، بما فيه الانتهاك الجنسي، ضمن العائلة.

وتبين دراسة أجراها مشروع تخويل النساء في غزة وتشير إلى أن نحو 60% من المشاركات تعرضن للعنف الجسدي أواللفظي في المنـزل، تبين أن أغلبية النساء اللواتي كن يعشن في بيت العائلة الممتدة لأزواجهن، توقف إيذائهن بعدما انتقلن إلى منـزل يضم أزواجهن وأطفالهن فقط.36 بيد أنه في السنوات الأربع والنصف سنة الماضية أُجبر المزيد من النساء على العيش مع عائلة أزواجهن بسبب تزايد المصاعب المالية وتدمير القوات الإسرائيلية لمنازل آلاف العائلات.

"توسعت مسؤوليات النساء داخل الأسرة بسبب وفاة الأعضاء الذكور أو سجنهم أو فقدهم لوظائفهم. ووُضعت نساء عديدات في وضع المعيل ومقدم الرعاية الأساسي للأسرة والمسؤول الاستراتيجي الرئيسي عن المواجهة مالياً وعقلياً وجسدياً ضمن الوضع الجديد."37

وبينما تواجه النساء الفلسطينيات ضغوطاً وأعمال عنف متزايدة، لا تتوافر لهن إلا آليات أقل للسلامة. وكلما أزداد الخطر الخارجي، كلما تضاءلت فرصة النهوض والتصدي للقضايا العائلية، وبخاصة تلك التي تعتبر خلافية أو حساسة داخل المجتمع الفلسطيني، مثل قضايا النوع الاجتماعي والنظام الأبوي. وإضافة إلى ذلك، يزداد احتمال نشوء ممارسات مؤذية قد تصل إلى حد أشكال العنف الراسخة في العائلة مثل الزيجات القسرية أو المبكرة وميراث الزوجة وتعدد الزوجات.

وتشعر ضحايا العنف الزوجي أو العائلي حتى بقدرة أقل على الشكوى عندما يعاني أقرباؤهن ومن حولهن من الانتهاكات التي يعتبرنها هن أنفسهن أسوأ من العنف الذي يتعرضن له، مثل الاغتيالات والسجن وهدم المنازل والفقر المدقع الخ. وزاد ارتفاع معدلات البطالة والفقر من صعوبة خلاص النساء من الزيجات التي تسيء إليهن. كذلك ورد أن هذه العوامل أدت إلى حدوث زيادة في الزيجات المبكرة بالنسبة للفتيات التي تزيد بدورها من التوتر الزوجي المحتمل واحتمال تعرض العروس الشابة للأذى. كما أن السبب ذاته يقف كما ورد وراء الزيادة في عدد النساء اللواتي يقبلن تعدد الزوجات.38

وقد شجبت كل من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ولجنة القضاء على التمييز ضد المرأة تعدد الزوجات كممارسة تنتهك حق المرأة في المساواة مع الرجال.39وتناولت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة زيجات الأطفال معتبرة إياها "ممارسة تقليدية مؤذية"، في ملاحظاتها الختامية حول تقارير الدول الأطراف وعلقت على تأثير القانون العرفي على استمرار هذه الممارسة. وتبين لها أن "الفروق الكبيرة في الأعمار بين الزوجين تميل إلى تعزيز التصورات النمطية للنوع ال5?جتماعي" وأن "تخفيض سن الزواج بالنسبة للفتيات يشكل تمييزاً قائماً على النوع الاجتماعي".40

والنساء اللواتي قُتل أزواجهن في النـزاع غالباً ما يتعرضن للضغط من أجلالزواج من شقيق الزوج، وبخاصة إذا كان لديهن أطفال. وعندما يموت الرجل، يعتبر أطفاله بناء على التقاليد من مسؤولية عائلته. وبسبب المصاعب الاقتصادية الراهنة، غالباً ما تعجز عائلات النساء عن إعالة أطفال بناتها الأرامل أو لا تبدي رغبة في ذلك. وبالتالي تتعرض النساء في أغلب الأحيان للضغط حتى يتزوجن من شقيق الزوج المتوفى من أجل عدم فصلهن عن أطفالهن. كما أن السبب ذاته يثني النساء عن الطلاق، رغم أن السبب الرئيسي الذي يدعو معظم النساء إلى محاولة تجنب الطلاق هو وصمة العار التي تُلصق بالمطلقات.

والقوانين الحالية لا توفر حماية كافية للنساء اللواتي يقعن ضحايا للعنف المنـزلي وفي بعض الحالات تشجع هذه القوانين على ارتكاب مثل هذه الانتهاكات؛ فحتى النصوص التي توفر حماية محدودة للنساء لا يتم إنفاذها وهناك غياب للآليات الرسمية لإنفاذ القانون وحماية حقوق النساء.

7. الوضع القانون : الخلفية

الوضع القانوني في الأراضي المحتلة معقد. ومنذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967، حكمت إسرائيل، بوصفها دولة احتلال، هذه المناطق من خلال أوامر عسكرية تتعامل مع ما يسمى بالقضايا "الأمنية" التي شملت في الحقيقة الشؤون المدنية الفلسطينية الحاسمة (مصادرة الأراضي واستغلالها، إغلاق المؤسسات التعليمية الخ).

وفي الوقت ذاته، فإن القوانين والأنظمة السابقة للعام 1967 – القوانين العثمانية القديمة التي تعود إلى أيام الإمبراطورية العثمانية والقوانين البريطانية التي تعود إلى عهد الانتداب البريطاني في فلسطين (1918 إلى 1948)، والقوانين الأردنية في الضفة الغربية والقوانين المصرية في قطاع غزة – ظلت سارية المفعول إلى جانب القوانين العسكرية الإسرائيلية.41ومنذ العام 1967 واصلت المحاكم الفلسطينية التعامل مع الشؤون الداخلية الفلسطينية وفقاً لهذه القوانين، مع تعامل المحاكم الدينية مع قضايا الأحوال الشخصية (مثل الزواج والطلاق وحضانة الأطفال ونفقة الطلاق الخ)، وتعامل المحاكم الجنائية مع جرائم مثل الاعتداء أو الاغتصاب أو القتل.42بيد أن الشعب الفلسطيني كان ميالاً إلى عدم الثقة بهذه المحاكم التي عينت إسرائيل قضاتها الذين يقبضون أجوراً متدنية ويفتقرون إلى الخبرة ويُزعم أنهم فاسدون.43وبالتالي كان المجتمع الفلسطيني ميالاً إلى إيلاء ثقته بالآليات التقليدية والقبلية لتسوية نزاعاته أكثر من ميله إلى نظام قضاء رسمي خاضع للسيطرة الإسرائيلية.

وعندما أُنشئت السلطة الفلسطينية في العام 1994 تسلمت المسؤولية عن الشؤون المدنية الداخلية في معظم المناطق في الأراضي المحتلة وعن بعض الشؤون الأمنية الداخلية في مناطق معنية فقط. وفي الوقت ذاته ظلت المحاكم الإسرائيلية تُستخدم حتى يومنا هذا وتظل تتمتع بالولاية القضائية على كامل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بالنسبة للمسائل المتعلقة بالأمن.44وقد ورثت السلطة الفلسطينية التي شُكلت حديثاً الخليط المذكور أعلاه من القوانين والأنظمة القانونية العثمانية والبريطانية والأردنية والمصرية التي لا تتمتع بقدر يُذكر من المصداقية لدى الشعب الفلسطيني، وواجهت السلطة التحدي المتمثل بإصلاح النظام والمؤسسات القانونية.

ومع إنشاء السلطة الفلسطينية، لم يحقق الفلسطينيون استقلالهم وظلت حياتهم إلى حد كبير خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. بيد أنه في أعقاب انتخابات العام 1996 أُتيحت للفلسطينيين للمرة الأولى المباشرة بتغيير القوانين والأنظمة القانونية التي تنظم بعض جوانب حياتهم، واتخذت السلطة الفلسطينية والبرلمان الفلسطيني الجديد ومنظمات المجتمع المدني عدداً من المبادرات التي تهدف إلى إجراء مثل هذه التغييرات.

بيد أن تعزيز حقوق المرأة والتصدي للتمييز القائم على النوع الاجتماعي في العائلة لم يشكل أولوية لا للسلطة الفلسطينية ولا للبرلمان.

"هناك 29 قانوناً اعتمدها المجلس التشريعي الفلسطيني. ولم تتم مناقشة أي قانون يتعلق بالعائلة الفلسطينية وحاجات المرأة،باستثناء قانون العمل الفلسطيني الذي اعتُمد في مايو/أيار 2000 (حيث خُصص فصل خاص لعمالة المرأة) وبند آخر يتعلق بإجازة الأمومة في قانون الخدمة المدنية".

صندوق تنمية المرأة التابع للأمم المتحدة، يونيفم45


استُبعدت النساء الفلسطينيات إلى حد كبير من مفاوضات السلام التي جرت في مطلع التسعينيات والتي أدت إلى التوقيع على اتفاقيات أوسلو، كما استُبعدن من عملية بناء المؤسسات التي أعقبت ذلك. كذلك قصَّرت المحاولات اللاحقة لاستئناف المفاوضات، في إطار خطة السلام المعروفة "بخريطة الطريق" في العام 2003، وفي فترة أحدث عهداً عقب وفاة الرئيس الراحل عرفات عن إشراك النساء.

وفيما يتعلق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان،فمن المعروف جيداً أن إسرائيل، كدولة احتلال، مسؤولية قانونياً عن تنفيذ معاهدات حقوق الإنسان، التي تشكل طرفاً فيها، داخل الأراضي المحتلة. ويشكل منع العنف العائلي وواجب احترام حق المرأة في العيش من دون خطر التعرض للعنف القائم على النوع الاجتماعي وحمايته وإعماله، يشكل جزءاً من الواجبات التعاقدية المتعددة في مناهضة التمييز على أساس النوع الاجتماعي.46بيد أن هناك إقراراً بأن سهر السلطات على منع العنف ضد المرأة، لاسيما العنف العائلي يقتضي بأن يكون لدى النساء ثقة مطلقة بالسلطات التي يتصلن بها طلباً للمساعدة.47 وبعد 37 عاماً على الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة ثبت بجلاء أن النساء والفتيات الفلسطينيات لا يمنحن هذه الثقة للسلطات الإسرائيلية.

ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن توقع على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وتصادق عليها، لأنها ليست دولة مستقلة ذات سيادة، لكنها التزمت من جانب واحد بالتقيد بالقانون الدولي.وتنص المادة العاشرة من القانون الأساسي المعدل على أنه : "يجب التقيد بالحقوق الإنسانية والحريات الأساسية واحترامها"(1) وأن : "السلطة الوطنية الفلسطينية ستعمل دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان"(2) وتنص المادة 9 من القانون نفسه على أن : "جميع الفلسطينيين متساوون في ظل القانون والقضاء، بدون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الآراء السياسية أو الإعاقة".48

وفي الوضع الراهن وبرغم الصعوبات التي تواجهها، فإن السلطة الفلسطينية ومؤسساتها والمجلس التشريعي الفلسطيني هما الأقدر على اتخاذ التدابير الضرورية لضمان احترام حقوق النساءالفلسطينيات وتعزيزها. وتتوقف هذه التطورات على إبداء السلطة الفلسطينية التزامها بحقوق الإنسان وسيادة القانون الذي افتقرت إليه في الماضي؛ وعلى حدوث تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية المتبعة في الأراضي المحتلة لضمان احترام حقوق الشعب الفلسطيني؛ والمساعدة التي يقدمها المجتمع الدولي وتحليه باليقظة، من أجل حصول السلطة الفلسطينية على المواد الضرورية لإجراء الإصلاحات اللازمة ومبادرة السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى الوفاء بالتزاماتهما واحترام واجباتهما.

8. التمييز وانعدام الحماية في القانون والممارسة

لا توفر القوانين الحالية حماية كافية للنساء اللواتي يقعن ضحايا للعنف أو الانتهاك في العائلة، وتقوم بعض القوانين على التمييز وتؤدي إلى ارتكاب انتهاكات لحقوق المرأة. وتعزو هذه القوانين إلى السلطة الفلسطينية ضلوعها في الإنفاذ المباشر للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلاً عن توفير أجواء الإفلات من العقاب على العنف الذي يرتكبه أفراد العائلة. فعلى سبيل المثال :

  1. المادة 340 قانون العقوبات الأردني (القانون رقم 16 للعام 1960 – النافد في الضفة الغربية) والتي تتناول الجرائم المرتكبة على أساس "شرف العائلة"، تمنح الإعفاء من المقاضاة أو تفرض عقوبات مخفضة على الأزواج أو الذكور الذين تربطهم بالنساء صلة الدم والذين يقتلون زوجاتهم أو قريباتهم الإناث أو يعتدون عليهن بدافع حماية "شرف العائلة".

  2. تنص المادة 308 من القانون نفسه على صرف النظر عن الإجراءات القضائية ضد مرتكب الاغتصاب الذي يتزوج الضحية.

  3. تشترط المادتان 285 و286 من القانون نفسه بأن يتولى أحد الأقرباء الذكور، للفتاة التي تريد تقديم شكوى حول العنف أو الانتهاك، تقديم الشكوى بنفسه.

وتتفق الهيئات الدولية لحقوق الإنسان على أنه لا يجوز الاعتداد بالقوانين التي تديم الإفلات من العقاب على أفعال العنف المرتكبة ضد النساء على أساس "الشرف" أو العادات أو التقاليد أو الاعتبارات الدينية، للتملص من واجب القضاء على العنف ضد المرأة، ولا يجوز استخدام هذه الاعتبارات لتبرير الانتهاكات لحق المرأة في المساواة أمام القانون والتمتع المتكافئ بحقوق الإنسان.49

وغالباً ما أبدت المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون والمؤسسات القضائية التابعة للسلطة الفلسطينية عدم رغبتها أو قدرتها على إنفاذ القوانين الحالية. وجرى هذا التقاعس على مستوى المسؤولين الأفراد والمؤسسات على السواء. ومؤسسات السلطة الفلسطينية قائمة منذ فترة لا تتجاوز عشر سنوات وفي النصف الثاني من هذه الفترة أصيبت بالشلل المتزايد، ويعود ذلك جزئياً إلى أفعال إسرائيل، ولكن أيضاً إلى عدم التزام السلطة الفلسطينية بحماية حقوق المرأة وتعزيزها، فضلاً عن عدم كفاية الموارد والبنية الأساسية والقدرات.

ومنذ سبتمبر/أيلول 2000، دمر الجيش الإسرائيلي جزءاً كبيراً من المنشآت الأمنية للسلطة الفلسطينية وغيرها من المؤسسات ومنع القوات الأمنية التابعة لها من العمل في أنحاء كثيرة من الأراضي المحتلة. وعندما تم تدمير مراكز الشرطة والمقر الرئيسي لقوات الأمن والسجون التابعة للسلطة الفلسطينية أو إلحاق أضرار بها نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة، خرج المعتقلون من السجون ودُمرت السجلات. وعرقلت العمليات المتكررة لحظر التجول والحصار التي فرضها الجيش الإسرائيلي عمل المؤسسات، لأن القضاة وأعضاء البرلمان والموظفين العموميين غالباً ما عجزوا عن الوصول إلى أماكن عملهم. وأدى الوضع إلى استحالة عمل قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته، قدَّم ذريعة مقبولة لتقاعس قوات الأمن وغيرها من المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية، حتى في الحالات التي كان بإمكانها أن تتحرك فيها. كما أن مشاركة بعض أفراد قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية في شن الهجمات على المدنيين الإسرائيليين وفي المواجهات المسلحة مع القوات الإسرائيلية قدم أيضاً ذريعة لإسرائيل كي تدمر البنية الأساسية الأمنية للسلطة الفلسطينية تدميراً كاملاً.

وتعتبر القضايا المتعلقة بالعائلة و"الشرف" شأناً خاصاً في المجتمع الفلسطيني، وتم التعامل معها تقليدياً عبر آليات وساطة قبلية وعائلية أكثر مما تم التعامل معها عن طريق تقديم شكاوى للشرطة واتخاذ إجراءات قانونية. ويتفاوت المدى الذي يمكن فيه لهذه الآليات أن تساعد على حل المشاكل، تبعاً لدرجة التعاطف مع محنة المرأة أو مساندتها. لكن بما أن الهدف يميل إلى تجنب تفكك العائلة والفضائح أو الأقاويل، تُشَّجع النساء عادة على البقاء في علاقات تسيء إليهن أو على الامتناع عن فضح الجناة الذين يفلتون من المساءلة بناء على ذلك، وحتى تتم ممارسة ضغوط عليهن ليفعلن ذلك. ويواجهن العنف والتمييز داخل العائلة مقرونين بالتمييز وخطر التعرض لمزيد من العنف، بما في ذلك توجيه الأقرباء تهديدات بالقتل إليهن.

وت�588?ير كافة المعلومات المتوافرة إلى أنه في الأغلبية الساحقة من الحالات يحدث العنف ضد المرأة داخل العائلة، بما فيه المضايقة الجنسية أو الانتهاك أو الاغتصاب. بيد أن تقديم شكوى إلى الشرطة أو رفع دعوى قضائية ضد الزوج أو الأقرباء أمر يُنظر إليه باستياء في المجتمع الفلسطيني وأي فضح لهذه الحالات خارج العائلة يؤذي في النهاية الضحية أكثر من أي شخص آخر. ونادراً ما تقدم ضحايا العنف العائلي شكوى إلى الشرطة، ولا يفعلن ذلك عادة إلا إذا كن ينوين الطلاق أو إذا كان الأذى خطيراً للغاية أو يهدد الحياة.وفي حين أن إجراء تحليل لقوانين العائلة القائمة على التمييز يقع خارج اختصاص هذا التقرير، إلا أنه يبدو من المحتمل بأن بعض النساء قد يبلغن عن العنف من أجل تهيئة الأرضية للطلاق وليس بسبب أي توقع جدي لديهن بأنهن سيتمكنَّ من الحصول على العدل والإنصاف.

وحتى في الحالات الأكثر خطورة التي تصل إلى الشرطة والتي يتم فيها إلقاء القبض على الشركاء المسيئين، فنادراً ما تتم المقاضاة ويخرج معظم الجناة أحراراً. وفي بعض الحالات، فإن أفراد الشرطة الذين يتلقون الشكاوى من النساء اللواتي تعرضن للأذى يشجعونهن على عدم توجيه تهم وحل المشاكل ضمن نطاق الأسرة، الأمر الذي يعني عملياً إعادتهم إلى أوضاع يتعرضن فيها لمزيد من الأذى.

"... التعامل مع هذه المشاكل، حتى من جانب الشرطة فضلاً عن المحاكم القضائية يتم للتستر على الفضيحة التي يمكن أن تؤثر على العائلة بأسرها، اعتقاداً منها أنها تحمي العائلة والضحايا من التشتت والضياع ... وطريقة تدخلها تشكل أزمة جديدة للضحية والعائلة ويمكن أن تؤدي إلى قتل الضحية حفاظاً على شرف العائلة. ويحاول رجال الشرطة لعب دور المحكم القبلي في هذه الحالات، اعتقاداً منهم أن الحل الوحيد للتستر على الفضيحة هو التخلي عن الشكوى قبل أن تصل إلى المحكمة".50

وفي الوقت ذاته، وبسبب الموقف السائد داخل المجتمع تجاه ضحايا الاغتصاب أو الانتهاك الجنسي، لا تشكل مقاضاة الجاني في بعض الحالات الخيار الذي تكون الضحية مستعدة للنظر فيه لأن القضية ستصبح معروفة وستلحق بها وصمة العار.

وتلاحظ نادرة شلهوب – كيفوركيان، وهي أخصائية في العلم الجنائي وداعية لحقوق المرأة أجرت أبحاثاً واسعة حول العنف ضد المرأة وتحديداً "جرائم الشرف" التي أطلقت عليها اسم قتل النساء لتسليط الضوء على طبيعة العنف القائمة على النوع الاجتماعي، تلاحظ بأن : "حالات قتل النساء مشحونة جداً بمآزق أخلاقية وأدبية لا يمكن إنكارها. وحقيقة أن مرتكب الاغتصاب لا يتلقى العقاب القانوني الذي يستحقه يمكن أن تؤدي إلى تكوين انطباع بأنه يمكن للمرء أن يرتكب الاغتصاب ويخضع للعلاج النفسي وتتم تبرئته. بيد أنه من ناحية أخرى، فإن إحالة القضية إلى القنوات القضائية أوالقانونية يمكن أن يؤدي إلى "القتل الاجتماعي" للضحية والعائلة."51