Document - Israel/Occupied Palestinian Territories: The conflict in Gaza: A briefing on applicable law, investigations and accountability














قائمة المحتويات

مقدمـة 5

.1 القانون الإنساني الدولي 6

1.1 النـزاع المسلح الدولي أو غير الدولي 6

2.1 قانون الاحتلال 7

1.2.1 تدابير السيطرة أو الأمن 8

2.2.1 تدمير المنازل والممتلكات 8

3.2.1 الغذاء والمواد الطبية والإغاثة 9

4.2.1 العقاب الجماعي 10

5.2.1 الاعتقال 10

3.1 القواعد التي تنظم الأعمال الحربية 11

1.3.1 المدنيون وأعضاء الجماعات المسلحة 11

2.3.1 حظر الهجمات المباشرة ضد المدنيين والأهداف المدنية – مبدأ التمييز 11

3.3.1 حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة 13

4.3.1 الاحتياطات في الهجوم 14

5.3.1 الاحتياطات في الدفاع و"الدروع البشرية" 16

6.3.1 حظر الانتقام 18

7.3.1 بقاء السكان والهجمات ضد الأطقم الطبية وحرية وصول المساعدات الإنسانية 18

8.3.1 الأسلحة 19

.2 القانون الدولي لحقوق الإنسان 21

1.2 الحق في السكن وعمليات الإجلاء القسري 22

3. القانون الجنائي الدولي 22

1.3 جرائم الحرب 23

2.3 الجرائم ضد الإنسانية 23

3.3 مسؤولية الرؤساء والقادة 23

4.3 الأوامر العليا 24

.4 التحقيق الدولي 25

.5 المساءلـة 27

1.5 العدالة 27

2.5 جبر الضرر 28

3.5 الجماعات المسلحة وجبر الضرر 28



مقدمـة

ثمة عدة مجموعات من القانون الدولي التي تنطبق على النـزاع الدائر في غزة،وهي:

  • القانون الإنساني الدولي، المعروف أيضاً باسم قوانين النـزاع المسلح، ويتضمن القواعد التي تحمي المدنيين وغيرهم من الأشخاص غير القادرين على القتال، والقواعد التي تنظم وسائل وأساليب الحرب، والقواعد التي تفرض التزامات على الدولة المحتلة للأرض. إن القانون الإنساني الدولي ملزم لجميع أطراف النـزاع المسلح، بما فيها الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.

  • القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويتضمن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وينطبق في أوقات السلم وأثناء النـزاع المسلح، وهو ملزم للدول وقواتها المسلحة وغيرها من الوكالات التابعة لها. وينص على حق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الإنصاف، بما في ذلك تحقيق العدالة والحقيقة وجبر الضرر.

  • القانون الجنائي الدولي يحدد المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات معينة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، من قبيل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية، فضلاً عن التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري.

وقد حددت منظمة العفو الدولية، في بعض الحالات، انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي على أيدي أطراف النـزاع في غزة. ويتضمن هذا التقرير الموجز أمثلة على الهجمات التي يبدو أنها تشكل انتهاكاً للقانون المنطبق. وفي ضوء ذلك، فإن منظمة العفو الدولية تدعو إلى:

أ) أن تخضع الأعمال الحربية التي شُنت من قبل جميع الأطراف إلى تحقيق دولي كما يرد في التوصيات في نهاية هذا التقرير. ونظراً للمزاعم المتعلقة بارتكاب جرائم بموجب القانون الدولي من قبل أفراد القوات المسلحة الإسرائيلية وأعضاء في حركة حماس، ينبغي إنشاء بعثة مستقلة لتقصي الحقائق تتولى إجراء تحقيق عاجل وواف ومحايد ومستقل.

ب) حيثما تتوفر أدلة مقبولة بشكل كاف، ينبغي مقاضاة الأشخاص الذين يُشتبه في أنهم ارتكبوا جرائم بموجب القانون الدولي في إطار محاكمات تفي بالمعايير الدولية للعدالة.

.1 القانون الإنساني الدولي

القانون الإنساني الدولي هو مجموعة من القواعد والمبادئ، هدفها الرئيسي الحد من المعاناة البشرية في أوقات النـزاع المسلح إلى أقصى قدر ممكن. وتنص على معايير السلوك الإنساني وتقيِّد وسائل وأساليب شن العمليات الحربية. وتسعى إلى توفير الحماية بشكل أساسي إلى غير المشتركين في الأعمال الحربية، ولا سيما المدنيون منهم، بالإضافة إلى المقاتلين المرضى والجرحى والأسرى.

إن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين الملحقين بها لعام 1977 تمثل الصكوك الرئيسية للقانون الإنساني الدولي. ويُذكر أن إسرائيل دولة طرف في اتفاقيات جنيف لعام 1949، ولكنها ليست طرفاً في البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أعسطس/آب 1949 المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافي الأول)، ولا في البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949، المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة غير الدولية (البروتوكول الإضافي الثاني). ومع ذلك، فإن إسرائيل ملزمة بالقواعد المنصوص عليها في البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني، اللذين يعتبران جزءاً من القانون الدولي العرفي، ولذا فهي ملزمة لجميع أطراف النـزاع المسلح. إن حركة حماس ليست طرفاً في المعاهدات الدولية، ولكنها ملزَمة بالقواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي المنطبقة على جميع أطراف النـزاع المسلح. كما أن الأحكام الأساسية للبروتوكول الإضافي الأول، التي تشمل القواعد الواردة أدناه، تعتبر جزءاً من القانون الإنساني الدولي العرفي، وهي بالتالي ملزمة لجميع أطراف النـزاع سواء كان دولياً أو غير دولي.

1.1 النـزاع المسلح الدولي أو غير الدولي

إن احتلال قطاع غزة هو نتيجة لنـزاع مسلح دولي، ويحكمه القانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب (أنظر الفصل 2.1 أدناه)، بالإضافة إلى القانون الدولي لحقوق الإنسان (أنظر الفصل 3 أدناه).

وفي الظروف العادية، تكون قوة الاحتلال ملزَمة بمعايير تنفيذ القوانين المستمدة من قانون حقوق الإنسان في المحافظة على النظام في المناطق المحتلة. فعلى سبيل المثال، يتعين على القوة المحتلة أن تسعى إلى اعتقال أعضاء الجماعات المسلحة التي يُشتبه في أنها تنفذ هجمات، وليس قتلهم، وأن تستخدم الحد الأدنى للقوة الضرورية لمواجهة أي تهديد أمني.

بيد أنه إذا نشأت حالة يصل معها القتال داخل الأراضي المحتلة إلى المدى والحِدة الضروريين، فإن القانون الإنساني الدولي الذي ينظم السلوك الإنساني في الحرب ينطبق إلى جانب قانون حقوق الإنسان ذي الصلة. وعندما يندلع القتال أثناء احتلال طويل الأمد بين القوة المحتلة (دولة) وبين جماعات مسلحة غير تابعة للدولة، فإنه يوصف عموماً بأنه نزاع مسلح غير دولي، ويكون مثل هذا القتال محكوماً بالقواعد التي تنظم شن الأعمال الحربية (أنظر الفصل 3.1 أدناه). بيد أنه حتى بعد اندلاع النـزاع، فإن المعايير القانونية المنطبقة تعتمد على الظروف المحددة. فعلى سبيل المثال، في حالة اندلاع مظاهرات خلال النـزاع، فإن معايير تنفيذ القوانين وقانون حقوق الإنسان هي التي تنظم سلوك القوات التي تحفظ الأمن في المظاهرات.

إن تصنيف النـزاع المسلح بأنه دولي أو غير دولي يتعلق بشكل خاص بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين (أنظر أدناه). ولكن القواعد المتعلقة بالأعمال الحربية هي نفسها بشكل أساسي.



2.1 قانون الاحتلال

إسرائيل هي القوة المحتلة في قطاع غزة. وفي عام 2005، وكجزء مما أسمته "فك الارتباط" عن غزة، قامت إسرائيل بإزالة مستوطناتها ومستوطنيها. ولكن على الرغم من إعادة انتشار قواته في عام 2005 احتفظ الجيش الإسرائيلي بسيطرة فعالة على قطاع غزة. وتتمتع إسرائيل بسيطرة تامة منفردة على المجال الجوي والمياه الإقليمية، ولا تسمح بانتقال الأشخاص والبضائع من غزة أو إليها جواً أو بحراً. كما ظلت إسرائيل تمارس حداً من السيطرة على حدود غزة مع مصر. ولطالما أوضح مسؤولون إسرائيليون، مراراً وتكراراً، أنه لا يمكن إعادة فتح هذا المعبر إلا في إطار اتفاق مشترك مع السلطة الفلسطينية ومصر1. وظلت إسرائيل تسيطر على مصادر الكهرباء والماء والاتصالات في غزة. وقد شنت غارات منتظمة على غزة، وكثيراً ما اعتقلت الرجال "المطلوبين"، ونفذت ما يسمى "عمليات قتل مستهدفة" عن طريق الضربات الجوية التي حصدت أرواح العديد من المدنيين.

وبصفتها قوة احتلال في غزة، فإن على إسرائيل التزامات محددة بموجب القانون الإنساني الدولي. ويتعين عليها التقيد بأحكام القانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب، والتي تشمل:

  • أحكام محددة من اتفاقية لاهاي (الرابعة) الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية واللائحة المرفقة بها والخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907 (لائحة لاهاي)؛

  • اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، التي وُقعت في 12 أغسطس/آب 1949 (اتفاقية جنيف الرابعة)؛2

  • القواعد العرفية للقانون الإنساني الدولي المنطبق على الاحتلال المحارب، ومنها القاعدة التي تحمي الأشخاص الخاضعين لسيطرة أحد أطراف النـزاع، والمفصَّلة في المادة 75 من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف لعام 1977، المتعلق بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافي الأول).

إن المادة 42 من لائحة لاهاي تعرِّف الاحتلال على النحو الآتي: "تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو، ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها". وفي مثل هذه الحالات، يتعين على قوة الاحتلال "اتخاذ جميع التدابير الممكنة لاستعادة النظام العام والأمن وضمانهما قدر الإمكان، مع احترام القوانين السارية في البلاد إلا في حالات الضرورة المطلقة".(لائحة لاهاي، المادة 43)

وتفرض اتفاقية جنيف الرابعة التزامات على قوة الاحتلال فيما يتعلق بسكان الأراضي المحتلة الذين يحق لهم الحصول على حماية خاصة ومعاملة إنسانية. ومن بين أمور أخرى، تحظر القواعد على قوة الاحتلال قتل الأشخاص المحميين عن قصد أو إساءة معاملتهم أو ترحيلهم. وتعتبر قوة الاحتلال مسؤولة عن رفاه السكان الخاضعين لسيطرتها. وهذا يعني أنها يجب أن تكفل حفظ القانون والنظام وتوفير الضرورات الأساسية لهم.

إن الفكرة الأساسية للقواعد الدولية التي تنظم الاحتلال المحارب تكمن في أن الاحتلال مؤقت لفترة محدودة. ويتمثل أحد الأهداف الأساسية للقواعد في تمكين سكان الأراضي المحتلة من أن يعيشوا حياة "طبيعية" بقدر الإمكان.

وكقوة احتلال، يقتضي القانون الدولي من إسرائيل أن تكفل حماية حقوق السكان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومعاملتهم معاملة إنسانية في جميع الأوقات.



1.2.1 تدابير السيطرة أو الأمن

يجب أن تكون تدابير السيطرة أو الأمن "ضرورية كنتيجة للحرب"(المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة). بيد أن اللوائح المتعلقة بالاحتلال تقوم على فكرة عدم تقييد الحرية الشخصية للمدنيين... وإن الأمر الأساسي يتمثل في أن التدابير المقيدة والتي تُعتمد يجب ألا تؤثر على الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين ... وينبغي احترام هذه الحقوق حتى عندما تكون التدابير المقيدة مبررة". (تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة).

2.2.1 تدمير المنازل والممتلكات

يُحظر على إسرائيل، بصفتها قوة احتلال، تدمير ممتلكات الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ما لم يكن ذلك ضرورياً من الناحية العسكرية. وتنص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه:

"يُحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات، أو بالدولة أو السلطات العامة، أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً مثل هذا التدمير".

لقد أسفرت عمليات القصف الجوي والمدفعي والهجوم البري عن دمار هائل للممتلكات المدنية في قطاع غزة. وفي بعض الحالات، تم تدمير مبان مدنية ومنازل بصورة متعمدة. ومن المبكر تقدير النطاق الكامل للأضرار، بيد أن الصور التي تنقلها الأقمار الصناعية تشير إلى أنها هائلة – ولا سيما في مناطق من قبيل رفح في الجنوب وأجزاء من الشمال والشرق في قطاع غزة، التي كانت قد تعرضت لعمليات تدمير المنازل بصورة غير قانونية على نطاق هائل على أيدي القوات الإسرائيلية قبل فك الارتباط في عام 2005.3

وتنص المادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن: "تدمير واغتصاب الممتلكات على نحو لا تبرره ضرورات حربية وعلى نطاق كبير وبطريقة غير مشروعة وتعسفية" يعتبر انتهاكاً خطيراً، وبالتالي جريمة حرب".

3.2.1 الغذاء والمواد الطبية والإغاثة

من واجب إسرائيل، بصفتها دولة احتلال، أن تكفل حق سكان غزة في الحصول على ما يكفي من الغذاء والمؤن الأساسية والأدوية والرعاية الطبية.

وتنص المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة على أن "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل على تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية، ومن واجبها على الأخص أن تستورد ما يلزم من الأغذية والمواد الطبية وغيرها إذا كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية."

وتنص المادة 56 على أن "من واجب دولة الاحتلال أن تعمل، بأقصى ما تسمح به وسائلها وبمعاونة السلطات الوطنية والمحلية، على صيانة المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات وكذلك الصحة العامة والشروط الصحية في الأراضي المحتلة ... وأن يُسمح لجميع أفراد الخدمات الطبية بكل فئاتهم بأداء مهامهم."

وتتصل المادة 59 بشكل خاص بالأوضاع الراهنة في غزة، فهي تقضي بأنه "إذا كان كل سكان الأراضي المحتلة أو قسم منهم تنقصهم المؤن الكافية، فإنه يجب على دولة الاحتلال أن تسمح بعمليات الإغاثة لمصلحة هؤلاء السكان وأن توفر لها التسهيلات بكل ما تسمح به الوسائل المتاحة لها."

بيد أن إسرائيل لم تكتف بعدم توفير المؤن الكافية للسكان في قطاع غزة فحسب، وإنما منعت أو أعاقت بشكل متعمد وصول الإغاثة الطارئة والمساعدات الإنسانية إلى السكان. وقصفت إسرائيل قوافل المعونة وقتلت موظفين تابعين للأمم المتحدة. كما منعت قواتها أفراد الخدمات الطبية من محاولة أداء واجباتهم.

4.2.1 العقاب الجماعي

إن الحصار الطويل الذي ظل مفروضاً على غزة على مدى نحو 18 شهراً قبل اندلاع القتال الحالي يصل إلى حد العقاب الجماعي للسكان جميعاً. وتحظر اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي تحديداً، حيث تنص المادة 33 من الاتفاقية على أنه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي على مخالفة لم يقترفها شخصياً. وتُحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير الترويع أو الإرهاب كذلك."

وكما ورد في التعليق المختص للجنة الدولية للصليب الأحمر، "فإن هذه الفقرة تحظر العقوبات الجماعية ... وفرض أي نوع من العقوبات على أشخاص أو مجموعات من الأشخاص بأسرها، في انتهاك للمبادئ الأساسية للإنسانية، بسبب أفعال لم يقترفها أولئك الأشخاص."4

5.2.1 الاعتقال

إن الأسرى من أعضاء الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة لا يملكون الحق في التمتع بصفة أسرى الحرب. ويمكن لقوة الاحتلال أن تتخذ إجراءات قانونية ضد الجماعات المسلحة وأفرادها بالوسائل المشروعة بموجب القانون المحلي، ويمكن مقاضاة أعضاء الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ومحاكمتهم وإصدار أحكام بحقهم بسبب اشتراكهم في الأعمال الحربية. بيد أنهم يجب أن يعامَلوا معاملة إنسانية في جميع الأوقات، كما تشير المادة 3 المشتركة والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول.

وعادة ما تضع إسرائيل الفلسطينيين قيد الاعتقال الإداري من دون تهمة أو محاكمة – وهي ممارسة تقول إسرائيل إنها تستند إلى أحكام اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بالحبس لأسباب أمنية (المادة 78). غير أن منظمة العفو الدولية تعارض هذه الممارسة التي تسيئ السلطات الإسرائيلية استخدامها بصورة معتادة كبديل لتقديم المشتبه فيهم إلى المحاكمة. وتقوم إسرائيل بمحاكمة العديد من الفلسطينيين المشتبه في قيامهم بهجمات ضد الإسرائيليين في محاكمات جائرة أمام محاكم عسكرية، الأمر الذي يشكل انتهاكاً لأحكام المادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول.

وقبل بدء العملية العسكرية الإسرائيلية الحالية، كان أكثر من 900 فلسطيني من قطاع غزة معتقلين في سجون داخل إسرائيل، ويقضون أحكاماً بالسجن على جرائم "أمنية". وقد حُرموا من زيارات عائلاتهم لهم منذ مايو/أيار 2007. ومن بين أولئك المعتقلين، هناك ثلاثة أشخاص من عائلة واحدة، هي عائلة عياد، رهن الاعتقال بموجب قانون إسرائيلي جديد يعتبرهم مقاتلين غير شرعيين. ويبدو أن سبب ذلك هو أن الحكومة الإسرائيلية لم تعد تعتبر قطاع غزة محتلاً وأن أفعالها مشمولة باتفاقية جنيف الرابعة. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه سيشكل انتهاكاً للمادة 47 التي تحظر على دولة الاحتلال حرمان الأشخاص المحميين من منافع هذه الاتفاقية.

ولم تؤكد منظمة العفو الدولية بعد عدد الفسلطينيين الذين اعتُقلوا منذ بداية هذه العملية العسكرية. ويبدو أن بعضهم محتجز في قاعدة عسكرية داخل إسرائيل، وربما يكونون متهمين كمقاتلين غير شرعيين.



3.1 القواعد التي تنظم الأعمال الحربية

1.3.1 المدنيون وأعضاء الجماعات المسلحة

يعرِّف القانون الإنساني الدولي المدنيين بأنهم أولئك الذين ليسوا مقاتلين. بيد أن القانون الإنساني الدولي يقدم تعريفاً للمقاتل فيما يتعلق بالنـزاع المسلح الدولي فقط. وليست هناك قواعد تحدد صفة المقاتل أو أسير الحرب فيما يتعلق بالنـزاعات المسلحة غير الدولية.

وفي سياق النـزاع الحالي في غزة، فإن منظمة العفو الدولية تستخدم مصطلح "المدنيين" لوصف الأشخاص الذين لا يلعبون دوراً مباشراً في الأعمال الحربية5. ووفقاً للبروتوكول الإضافي الأول، فإنه "إذا ثار شك حول ما إذا كان شخص ما مدنياً أم غير مدني، فإن ذلك الشخص يعتبر مدنياً".(المادة 50 (1).

وقد صرح ناطق بلسان الجيش الإسرائيلي لمحطة بي بي سي بأن: "تعريفنا هو أن كل شخص ضالع في الإرهاب من حركة حماس يعتبر هدفاً شرعياً. وهذا يتراوح بين المؤسسات العسكرية المحض والمؤسسات السياسية التي توفر التمويل اللوجستي والموارد البشرية للذراع الإرهابي." وقد أظهرت أفعال القوات الإسرائيلية في غزة أن هذه القوات تعتبر الأشخاص والمؤسسات المرتبطة بحماس أهدافاً مشروعة. إن النتائج المترتبة على تطبيق مثل هذا التعريف الفضفاض، الذي يقوض مبدأ التمييز (أنظر الفصل 2.3.1)، تبدو جلية في تزايد أعداد المدنيين الذين قُتلوا وجُرحوا في غزة. كما أن القادة السياسيين الضالعين في الاستراتيجية والتخطيط العسكريين ربما يفقدون حصانتهم من التعرض للهجوم في فترة المشاركة في الأعمال العدائية. بيد أن أعضاء حماس أو أنصارها الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية هم مدنيون ويجب ألا يكونوا هدفاً للهجمات.

2.3.1 حظر الهجمات المباشرة ضد المدنيين والأهداف المدنية – مبدأ التمييز

تتضمن المادة 48 من البروتوكول الإضافي الأول "القاعدة الأساسية" المتعلقة بحماية المدنيين – وهي مبدأ التمييز. ويعتبر هذا المبدأ حجر الزاوية بالنسبة للقانون الإنساني الدولي.

"تعمل أطراف النـزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأهداف المدنية".

ووفقاً لنظام روما الأساسي، فإن شن هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين بهذه الصفة أو ضد المدنيين الأفراد الذين لا يشاركون بشكل مباشر في الأعمال الحربية يعتبر جريمة حرب.6

وبموجب المادة (3) 51 من البروتوكول الإضافي الأول، فإن الأشخاص المدنيين يتمتعون بالحماية "ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور."

وتنص المادة (1) 52 من البروتوكول الإضافي الأول على أن "الأهداف المدنية هي جميع الأهداف التي ليست أهدافاً عسكرية".أما المادة (2) 52 فإنها تحدد الأهداف العسكرية على أنها: تلك الأهداف التي تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بطبيعتها أم بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة".

ولا يجوز تفسير الميزات العسكرية بصورة فضفاضة بحيث تجعل القاعدة غير فعالة. إذ أن تبرير هذه الهجمات الهادفة إلى إلحاق الضرر بالرفاه الاقتصادي لدولة ما أو تحطيم الروح المعنوية للسكان المدنيين من أجل إضعاف قدرتهم على القتال يعتبر تشويهاً للمعنى القانوني للميزة الحربية، ويقوض للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، ويشكل تهديداً خطيراً لحياة المدنيين. إن الأهداف التي لا تلبي هذه المعايير تعتبر أهدافاً مدنية. وفي الحالات التي لا يكون استخدام الهدف لأغراض عسكرية واضحاً، فإنه "ينبغي الافتراض بأنه غير مستخدم لأغراض عسكرية". (المادة (3) 52).7

بيد أنه ليس ثمة دول تعترف باستهداف المدنيين بصورة متعمدة، كما أن عدداً قليلاً جداً من الجماعات المسلحة يعترف بذلك. وغالباً ما يتم تبرير الهجمات المباشرة ضد المدنيين بإنكار أن يكون الضحايا مدنيين فعلاً. كما أن حصانة المدنيين تتقوض بسبب تفسير القوى المهاجمة لتعريفات الأهداف العسكرية والأهداف المدنية.

ولكن في الممارسة العملية، يُستهدف المدنيون في معظم النـزاعات. وفي النـزاع الدائر في غزة نجد أن الأغلبية الساحقة هم من ضحايا الأعمال العدائية. ومن بين 900 شخص الذين قتلوا في الأيام السبعة عشر الأولى للهجوم الإسرائيلي كان أكثر من ثلثهم من المدنيين الذين لم يكن لهم دور مباشر في الأعمال العدائية، وبينهم أكثر من 200 طفل. وقد أنكر المسؤولون الإسرائيليون أن يكونوا قد استهدفوا المدنيين عمداً، ولكنهم شنوا هجمات ضد المدنيين والأهداف المدنية، بما فيها البنية التحتية الأساسية، من دون تفسير مقنع لكيف يمكن أن تقدم الأهداف التي هاجموها مساهمة فعالة في العمل العسكري.

وقصفت القوات الإسرائيلية مبان لا تخدم أية أغراض عسكرية، من قبيل الوزارات الحكومية المدنية والبرلمان. كما هاجمت الشرطة المدنية وقتلت ما يزيد على 150 شخصاً منهم.

وهوجمت مبان مدنية من قبيل المساجد والمدارس ووسائل الإعلام والمنازل. وبررت إسرائيل مثل تلك الهجمات بالادعاء بأنها أهداف مدنية ظاهرياً استُخدمت لأغراض عسكرية فعلياً: أي لتخزين أو إنتاج الذخيرة والصواريخ والأسلحة الأخرى؛ أو كمراكز للقيادة والسيطرة؛ أو لإيواء مقاتلي حماس؛ أو أن القادة العسكريين لحماس كانوا موجودين فيها أو أن المباني كانت مستخدمة لإطلاق النار منها على القوات الإسرائيلية أو على البلدات الإسرائيلية. ولكن في العديد من الحالات، لم تُقدم أية أدلة تؤيد مثل تلك المزاعم. إن أي تحقيق في الانتهاكات الخطيرة التي ارتُكبت في هذا النـزاع يجب أن يفحص الأسس التي استند إليها قرار القوات الإسرائيلية بأن مثل تلك المباني المدنية استُخدمت لأغراض عسكرية.

وفي أقل من يومين، أي في 9 و 10 يناير/كانون الثاني 2009، هاجمت القوات الإسرائيلية منازل ثلاثة صحفيين ومبنى كانت تتمركز فيه عدة وسائل إعلامية. ففي 9 يناير/كانون الثاني، قُتل علاء مرتجى بينما كان يبث برنامجه الإذاعي من منـزله. وفي اليوم نفسه، قُتل صحفي آخر وهو إيهاب الوحيدي مع حماته في هجوم على منـزل عائلة زوجته. وفي 10 يناير/كانون الثاني نجا الصحفي سمير خليفة بعد قصف منـزل عائلته بقذيفة دبابة. ولم تعط القوات الإسرائيلية أسباباً لمهاجمة تلك المنازل والمباني. وقصفت إسرائيل البنى التحتية المدنية العامة على نطاق واسع، مما سبّب، إلى جانب الحصار المطوَّل على غزة، كارثة إنسانية مستمرة. وهو أمر يثير احتمالاً قوياً بأن إسرائيل ربما انتهكت الحظر المفروض على ضرب الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين (المادة (2) 54 من البروتوكول الإضافي الأول).

وفي العديد من الحالات، لم تعط إسرائيل أي تفسير لمهاجمة مبان مدنية. ففي الساعة الواحدة من صبيحة يوم 5 يناير/كانون الثاني 2009، هاجمت القوات الإسرائيلية مركز الرعاية الصحيةالطبي، الواقع بالقرب من مستشفى الشفاء في منطقة سكنية بمدينة غزة. وقد قُصف المركز والعيادات المتنقلة في موقف السيارات من الجو. وقال رئيس اللجنة التنفيذية للمركز الطبي رائد صباح في شهادته (ذكرتها منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "بتسليم"): إن المركز معروف تماماً، ويعرف الجميع أنه لا يقدم سوى الخدمات الطبية. وهو يستقبل أكثر من 100 مريض يومياً، ويرفع أعلاماً عليها رموز طبية. ولم نتلق أي تحذير قبل الضربة الجوية."

وفي بعض الحالات كان هناك هدف عسكري، ولكن في مثل تلك الحالات يتعين على القوات الإسرائيلية أن تكفل أن يكون الهجوم متناسباً (أنظر الفصل 3.3.1)، بالإضافة إلى اتخاذ جميع الاحتياطات الضرورية الأخرى في تخطيط وتنفيذ الهجوم (أنظر الفصل 4.3.1).

وقد أطلقت حماس وغيرها من الجماعات المسلحة مئات الصواريخ العشوائية على المدن الإسرائيلية، مما أسفر عن مقتل ثلاثة مدنيين منذ 27 ديسمبر/كانون الثاني 2008. وذكر بعض قادة حماس أنهم يستهدفون المراكز السكانية. كما تقول الجماعات المسلحة إنها تستهدف المنشآت العسكرية في إسرائيل، وبعضها موجود في المناطق السكنية المدنية.

إن شن هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين بهذه الصفة أو ضد الأفراد المدنيين الذين لا يلعبون دوراً مباشراً في الأعمال العدائية، يعتبر جريمة حرب. كما أن شن هجمات متعمدة ضد أهداف مدنية يعتبر جريمة حرب.

3.3.1 حظر الهجمات العشوائية وغير المتناسبة

تحظر المادة (4) 51 من البروتوكول الإضافي الأول الهجمات العشوائية، وهي تلك الهجمات "التي تصيب بطبيعتها الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأهداف المدنية بلا تمييز."

وقد يصل إطلاق المدفعية الإسرائيلية على المناطق المدنية المكتظة بالسكان في غزة إلى حد الهجمات العشوائية. فقبل القتال الدائر حالياً، وقعت حالات عديدة قُتل فيها مدنيون في غزة نتيجةً لعمليات القصف غير الدقيقة. ويبدو أن إسرائيل نفسها اعترفت بأن استخدامها للمدفعية انطوى على مخاطر غير مقبولة عندما أعلنت أنها علَّقت استخدام القصف المدفعي على غزة في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، بعد أن أسفر القصف المدفعي عن مقتل 18 شخصاً من أفراد عائلة في بيت حانون شمال غزة، والذي ذكر الجيش الإسرائيلي فيما بعد أنه فعل ذلك عن طريق الخطأ. لقد ثبت أن الهجمات بالمدفعية والمورتر وقصف الدبابات والبوارج ليست دقيقة في تحديد الأهداف الموجودة في وسط المناطق السكنية المكتظة بالسكان في غزة. إن إسرائيل تملك ترسانة ضخمة من الأسلحة المتقدمة ولديها التزام باختيار وسائل الهجوم التي تقلل الخطر على المدنيين إلى أدنى حد ممكن (أنظر الفصل 4.3.1، الاحتياطات في الهجوم).

وأطلقت حماس وغيرها من الجماعات المسلحة الفلسطينية صواريخ عشوائية على المراكز السكانية الإسرائيلية، مما أدى إلى مقتل ثلاثة مدنيين إسرائيليين منذ 27 ديسمبر/كانون الثاني 2008، وجرح آخرين. وحتى لو استهدفت ضرب المنشآت العسكرية في إسرائيل، فإنها باستخدام هذه الأسلحة، التي لا يمكن أن تكون دقيقة التهديف، إنما تشكل انتهاكاً لحظر الهجمات العشوائية.

أما الهجمات غير المتناسبة، وهي نوع من الهجمات العشوائية، فهي "تلك التي يمكن أن يتوقع منها أن تسبب خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات في صفوفهم أو أضراراً بالأهداف المدنية أو مزيجاً من كل ذلك، ويمكن أن تكون مفرطة بالمقارنة مع الفوائد العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة."(المادة 51 (5 ب) من البروتوكول الإضافي الأول).

وقصفت إسرائيل منازل المدنيين في غزة، مدعيةً بأنها كانت تستهدف القادة العسكريين لحماس. وأسفرت بعض الهجمات التي شُنت على منازل قادة حماس عن مقتل عشرات المدنيين، مع أنه كان ينبغي أن يكون واضحاً للقوات الإسرائيلية أن هدف الهجوم يُرجح ألا يكون موجوداً هناك، أو أن من المرجح أن يُقتل مدنيون في ذلك الهجوم.

إن شن هجمات غير متناسبة بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب8. كما أن شن هجمات غير متناسبة ينتج عنها خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات في صفوفهم أو أضرار في الأهداف المدنية، يعتبر جريمة حرب كذلك.9 وبالإضافة إلى ذلك، فإن تدمير واغتصاب الممتلكات على نطاق واسع وبشكل غير مبرَّر بالضرورة العسكرية ويُنفذ بطريقة تعسفية وبلا هوادة، يعتبر جريمة حرب.10





4.3.1 الاحتياطات في الهجوم

تطلب المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول من جميع الأطراف العمل بعناية على تجنب ضرب السكان المدنيين والمدنيين الأفراد والأهداف المدنية. وتنص المادة (2) 57 على ما يلي:

"أ) يجب على من يخطط لهجوم أو يتخذ قراراً بشأنه:

أولاً:أن يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين أو أهدافاً مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة 52، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا البروتوكول.

ثانياً:أن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند اختيار وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية، وذلك بصفة عرضية، وعلى أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق.

ثالثاً:أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم قد يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأهداف المدنية، أو أن يحدث مزيجاً من كل ما ذُكر، أو أن يحدث خطأ في هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.

ب) يُلغى أو يُعلق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس عسكرياً أو أنه مشمول بحماية خاصة أو أن الهجوم قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية، أو أن يُحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار، وذلك بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.

ج) يوجَّه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك".

وقد اختارت إسرائيل شن هجومها في وقت كانت فيه شوارع غزة مزدحمة بالناس، مما يشير إلى أنها منذ البداية لم تتخذ الاحتياطات الضرورية، مما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين بلا مبرر. ففي الدقائق الأولى للهجوم في 27 ديسمبر/كانون الأول 2008، قُتل سبعة من طلاب مدرسة تديرها الأمم المتحدة خارج مدرستهم بعد انتهاء حصصهم المدرسية مباشرة بينما كانوا يحاولون العودة إلى منازلهم. وقد وقع الهجوم يوم السبت، مع انتهاء اليوم الدراسي للأطفال بعد منتصف النهار.

كما حدثت حالات أدى فيها اختيار توقيت الهجوم الذي شنته القوات الإسرائيلية إلى قتل وجرح مدنيين بصورة غير قانونية على ما يبدو. ففي 3 يناير/كانون الثاني 2009، هاجمت القوات الإسرائيلية مسجداً في بيت لاهيا خلال صلاة العصر، مما أدى إلى زيادة الخسائر في صفوف المدنيين إلى أقصى حد بدلاً من تقليصها إلى أدنى حد ممكن. والمساجد عادةً هي أهداف مدنية محمية، ولكن إسرائيل ادعت أنها استهدفت ذلك المسجد لأنه كان يستخدم لتخزين الأسلحة. وحتى إذا كان ذلك صحيحاً، فإنه لا يعفي إسرائيل من التزامها القانوني باتخاذ الاحتياطات الضرورية من قبيل تحذير المدنيين في المسجد، أو اختيار الوقت الذي يكون فيه المدنيون غير موجودين على الأرجح.

وهاجمت إسرائيل مواقع تدعي أنها استُخدمت لإطلاق صواريخ عليها، مما أسفر عن مقتل العديد من المدنيين بحسب ما ذُكر. وحتى لو تحققت إسرائيل من أن الصواريخ انطلقت من موقع معين، فإنها يجب أن تتخذ الاحتياطات الضرورية قبل شن الهجوم. وهذا يشمل تحديد ما إذا كان الهدف قد بقي ذا سمة عسكرية أم لا (فمثلاً إذا أُطلق صاروخ من سطح منـزل مدني، ثم نُقلت منصات الصواريخ وغادر المقاتلون المكان، فإنه لا يعود يعتبر هدفاً عسكرياً)، والتحقق مما إذا كان المدنيون مازالوا بالقرب من الهدف، والتأكد من أنه إذا مضى الهجوم قدماً، فإنه لن يكون ذا سمة غير متناسبة. ونظراً لأن إسرائيل تعلم جيداً بأن أعضاء حماس والجماعات المسلحة الأخرى ينقلون منصات الصواريخ بعد إطلاق الصواريخ مباشرة، فإن ذلك يشير إلى أن قواتها لا تتوقع تحقيق ميزة عسكرية تُذكر من اتباع استراتيجية الهجوم هذه، التي تعرض المدنيين والأهداف المدنية للخطر بلا ضرورة.

وفي الوقت الذي وردت أنباء عن قيام القوات الإسرائيلية بتحذير المدنيين، فإن تلك التحذيرات غالباً ما كانت تشكل وسيلة غير فعالة لحماية المدنيين. وكانت العناصر الرئيسية للتحذير الفعال غائبة، ومنها: صدور التحذير في الوقت المناسب، وإبلاغ المدنيين بالأماكن التي يعتبر الفرار إليها آمناً، وتوفير ممر آمن ووقت كاف للفرار قبل الهجوم. ووردت أنباء عن تنفيذ ضربات مميتة بعد التحذير بفترة وجيزة للغاية، بحيث لم يستطع التحذير إنقاذ حياة المدنيين. ففي إحدى الحالات ورد أن الجيش الإسرائيلي قام بنقل ما يربو على 100 شخص من المدنيين إلى منـزل في حي الزيتون بمدينة غزة، وأمرهم بالبقاء داخله. وفي اليوم التالي قصفت القوات الإسرائيلية المنـزل، فقتلت 30 شخصاً فيه.11

5.3.1 الاحتياطات في الدفاع و"الدروع البشرية"

لدى الأطراف المتحاربة التزامات باتخاذ الاحتياطات الضرورية لحماية المدنيين والأهداف المدنية الخاضعة لسيطرتها من آثار الهجمات المعاكسة. وينص البروتوكول الإضافي الأول على أن يتجنب كل طرف، إلى أقصى حد ممكن، إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها (المادة 58 (ب)). ويوضح تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على هذه المادة أن المصطلح "ممكن" يستخدم لتوضيح "حقيقة أنه لا يمكن الطلب من أحد أن يفعل المستحيل. وفي هذه الحالة، فإن من الواضح أن الاحتياطات يجب ألا تذهب إلى أبعد من المرحلة التي تصبح فيها حياة السكان صعبة أو حتى مستحيلة." ويشير أيضاً إلى أنه"لا يتوقع من أحد أطراف النـزاع أن يقوم بترتيب قواته المسلحة ومنشآته المسلحة بطريقة تجعلها ظاهرة للعيان."

كما أن القانون الإنساني الدولي يحظر صراحةً استخدام أساليب من قبيل "الدروع البشرية" لمنع وقوع هجوم على أهداف عسكرية. وتنص المادة 28 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه "لا يجوز استغلال أي شخص محمي بحيث يجعل وجوده بعض النقط أو المناطق بمنأى عن العمليات الحربية." وقد صدَّقت إسرائيل على الاتفاقية، التي يُعترف بأنها تعبر عن القانون الإنساني الدولي، ولذلك فإنها ملزمة لإسرائيل وحماس والجماعات المسلحة الفلسطينية الأخرى. وفي التعليق المرافق حددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نطاق هذه المادة على النحو الآتي: "إن الحظر معبَّر عنه بشكل مطلق وينطبق على أراضي الدولة المحاربة مثلما ينطبق على الأراضي المحتلة، وعلى المواقع الصغيرة إلى جانب المناطق الواسعة." كما توضح المادة (7) 51 من البروتوكول الإضافي الأول حظر استخدام الدروع البشرية أنه: "لا يجوز أن يوجه أطراف النـزاع تحركات السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين بقصد محاولة درء الهجمات عن الأهداف العسكرية أو تغطية العمليات العسكرية."

إن تحصين هدف عسكري باستخدام المدنيين بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب.12

بيد أن البروتوكول الأول يوضح أنه حتى إذا لجأ أحد أطراف النـزاع إلى التمترس خلف المدنيين، فإن هذا الانتهاك "... لا يعفي أطراف النـزاع من التزاماتهم القانونية فيما يتعلق بالسكان المدنيين والأفراد المدنيين."وعلاوة على ذلك، فإن المادة (3) 50 تنص على أنه: "لا يجرد السكان المدنيون من صفتهم المدنية وجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين."

وأشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تعليقها إلى أنه: "في أوقات الحرب، لا مناص من اختلاط الأشخاص الذين ينتمون إلى فئة المقاتلين بين السكان المدنيين، من قبيل الجنود المجازين الذين يزورون عائلاتهم. بيد أن ذلك لا يغير بأي شكل الصفة المدنية للسكان شريطة ألا يكون أولئك عبارة عن وحدات نظامية بأعداد كبيرة."

وقد دخلت القوات الإسرائيلية غزة واتخذت مواقع لها في عدد من المنازل الفلسطينية، وأرغمت العائلات على المكوث في الطابق الأرضي للمنـزل، بينما استخدمت بقية أرجاء المنـزل كقاعدة عسكرية وموقع للقنص، وهو ما يعني من الناحية الفعلية أنها استخدمت المدنيين كدروع بشرية. وقد شاعت هذه الممارسة في السنوات الثماني الماضية في قطاع غزة والضفة الغربية. وفي توغل سابق في قطاع غزة في مارس/آذار 2008، استولى الجنود الإسرائيليون على ما لا يقل عن ثلاثة منازل في الشمال. وفي فبراير/شباط 2008، استولى الجنود على منـزل آخر في قرية بيت أُمر بالقرب من الخليل بالضفة الغربية.

وقالت عائلات فلسطينية علقت في منطقة القتال الحالي في قطاع غزة إن المسلحين الفلسطينيين في بعض الحالات وافقوا على إخلاء المناطق المجاورة لمنازل المدنيين من دون إطلاق النار على القوات الإسرائيلية عندما اعترض السكان المحليون على وجودهم هناك. وفي حالات أخرى، رفضوا الاستجابة للسكان وغادروا بعد إطلاق النار. وثمة حالات قال السكان إنهم كانوا خائفين من أن يطلبوا منهم المغادرة.

لقد عرَّضت حماس والجماعات المسلحة الفلسطينية الأخرى المدنيين في غزة للخطر بشكل غير قانوني بإطلاق صواريخ على إسرائيل من مناطق سكنية مكتظة.

6.3.1 حظر الانتقام

إن القانون الإنساني الدولي لا يقوم على المعاملة بالمثل. وإن حقيقة أن أحد الطرفين ربما يكون قد انتهك قوانين النـزاع المسلح لا تصلح أن تكون أساساً للطرف المقابل للقيام بأفعال غير قانونية، سواء من أجل إرغام الطرف المعتدي على الالتزام، أو كوسيلة للرد أو الانتقام.

ويحظر القانون الإنساني الدولي صراحةً الهجمات ضد السكان المدنيين أو الأفراد المدنيين أو الأهداف المدنية عن طريق عمليات الانتقام (المادتان (6) 51 و (1) 52 من البروتوكول الإضافي الأول).

7.3.1 بقاء السكان والهجمات ضد الأطقم الطبية وحرية وصول المساعدات الإنسانية

يحظر البروتوكول الإضافي الأول مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أو تدميرها أو إزالتها أو إتلافها (المادة (2) 54). ويتعين على أطراف النـزاع أن تسمح بمرور مواد الإغاثة الإنسانية المحايدة بسرعة وبلا عوائق وأن تسهِّل مرورها (البروتوكول الإضافي الأول، المادة 18). كما يتعين عليها أن تحترم الأطقم الطبية ووسائل مواصلاتها وأن توفر لها الحماية (البروتوكول الإضافي الأول، المادتان 15 و 21). أما الواجبات المحددة لدولة الاحتلال في هذا الشأن فهي واردة بالتفصيل في الفصل 3.2.1.

وذهب العاملون الطبيون الذين كانوا يحاولون إخلاء المدنيين الجرحى إلى المستشفيات ضحايا للهجمات الإسرائيلية. وضُربت سيارات إسعاف عديدة بنيران مباشرة وقُتل عاملون طبيون أو أُصيبوا بجراح خطيرة. وقالت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل إن هجوماً شنته طائرة مروحية على الأطقم الطبية في 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم طبيب ومسعف.

وفي 8 يناير/كانون الثاني 2009 قُصفت قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة قرب معبر إريز. وقالت الأمم المتحدة إنها كانت قد نسَّقت مسبقاً مع المسؤولين الإسرائيليين بشأن تحركات القافلة. وكان الهجوم، الذي أسفر عن مقتل موظف متعاقد مع الأمم المتحدة وجرح اثنين آخرين، واحداً من سلسلة هجمات على العاملين في الإغاثة والأطقم الطبية والتي اضطرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى تحديد عملياتها في غزة إلى حد كبير لأسباب تتعلق بالسلامة.

وتُرك الجرحى من البالغين والأطفال من عائلتي السموني والدية في حي الزيتون بمدينة غزة بين جثث أفراد عائلاتهم القتلى في منازل مهدمة لمدة أربعة أيام لأن الجيش الإسرائيلي منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من الوصول إلى المنطقة طوال الفترة من 3 إلى 7 يناير/كانون الثاني 2009. وقد قُتل 30 شخصاً من أصل 110 أشخاص كانوا في تلك المنازل. وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن الجنود الإسرائيليين المتمركزين في الجوار لا بد أنهم كانوا على علم بوجود أولئك الأشخاص في المنازل، ولكن الجرحى لقوا حتفهم بينما كانوا بانتظار الحصول على المعالجة الطبية بسبب بطء التفاوض على السماح لهم بالمرور.

إن شن هجمات متعمدة ضد العاملين أو المنشآت أو المواد أو الوحدات أو المركبات المستخدمة من قبل بعثات المساعدات الإنسانية يعتبر جريمة حرب بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وإن شن هجمات متعمدة ضد الوحدات الطبية والمواصلات والعاملين الذين يستخدمون الشعارات والرموز المميزة لاتفاقيات جنيف يعتبر جريمة حرب كذلك. كما أن تجويع المدنيين عمداً كأسلوب من أساليب الحرب عن طريق حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة وصول مواد الإغاثة بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب أيضاً بموجب اتفاقيات جنيف.13

8.3.1 الأسلحة

يحظر القانون الإنساني الدولي استخدام الأسلحة التي تتسم بطبيعة عشوائية والأسلحة التي تسبب، بطبيعتها، إصابات مهولة أو معاناة غير ضرورية. وتذكر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تعليقها مثالاً على الأسلحة العشوائية، وهو: "الصواريخ البعيدة المدى التي لا يمكن توجيهها إلى الهدف بالضبط".

الصواريخ

ما فتئت الجماعات المسلحة الفلسطينية التي تنتمي إلى حركة حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى (ومنها كتائب شهداء الأقصى، وهي الجناح المسلح لحركة فتح بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس) تطلق الصواريخ على البلدات والقرى في جنوب إسرائيل، وهي أسلحة عشوائية بطبيعتها ولا يمكن توجيهها بدقة، بحيث تميز بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية. ومع أن معظم هذه الصواريخ يسقط في مناطق خالية، فإن بعضها أدى إلى قتل وجرح إسرائيليين، وكانت جميع الوفيات والخسائر تقريباً في صفوف المدنيين الإسرائيليين (وفي بعض الحالات فشلت هذه الصواريخ في الوصول إلى إسرائيل وسقطت داخل غزة، وبعضها أدى إلى قتل وجرح مدنيين فلسطينيين). وتشمل تلك الصواريخ: "الكاتيوشا/غراد" (وهي من طراز روسي) يصل مداها إلى حوالي 35 كيلومتراً، وصواريخ "القسام" المحلية الصنع وقصيرة المدى.

الفسفور الأبيض

ذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان ووسائل إعلام عديدة أن القوات الإسرائيلية استخدمت الفسفور الأبيض كسلاح للتعمية في غزة. ويُستخدم الفسفور الأبيض في القنابل اليدوية والقذائف لتحديد الأهداف، وكستار دخاني يغطي حركة القوات، و"تعقب" مسار الرصاص، وكقنابل حارقة.14 وعندما يلامس الفسفور الأبيض الأشخاص، فإنه يسبب حروقاً شديدة ويمكن أن يضرم النار بالأهداف والمباني.

وقال ناطق بلسان وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" في غزة إن قذائف الفسفور الأبيض التي أطلقتها إسرائيل ضربت مجمعها في مدينة غزة في 15 يناير/كانون الثاني 2009، وأسفرت عن إضرام النار بأحد المباني على الأقل وجرح ثلاثة أشخاص. وكان مئات المدنيين قد لجأوا إلى مجمع "أونروا" في وقت الهجوم.

ومع أن استخدام الفسفور الأبيض كستار دخاني أمر غير محظور في القانون الإنساني الدولي، فإن الطريقة التي يُستخدم بها في غزة المكتظة بالسكان يمكن أن تشكل انتهاكاً لشرط اتخاذ الاحتياطات الضرورية لحماية المدنيين. ووفقاً لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان، فإن إسرائيل ما انفكت تفجر قذائف الفسفور الأبيض فوق مدينة غزة وجباليا. وأشارت المنظمة إلى أن "تفجير الفسفور الأبيض في الجو يؤدي إلى نشر 116 رأساً ملتهباً على اتساع منطقة يتراوح قطرها بين 125 متراً و 250 متراً، بحسب ارتفاع التفجير."15

ومن وجهة نظر منظمة العفو الدولية، فإن استخدام الفسفور الأبيض بهذه الطريقة في المناطق المكتظة بالسكان في غزة يشكل انتهاكاً لحظر الهجمات العشوائية.

وقد أدلى مسؤولون إسرائيليون ببيانات غير متسقة بشأن استخدام الفسفور الأبيض. ففي البداية أنكروا استخدامه. وفيما بعد قالوا إن القوات الإسرائيلية تستخدم الذخائر التي تتماشى مع القانون الدولي، ولكنها لا تكشف النقاب عن تفاصيل محددة بشأن الذخائر التي تستخدمها والعمليات العسكرية التي تشنها.

إن البروتوكول الثالث بشأن حظر أو تقييد استخدام الأسلحة المحرقة (البروتوكول الإضافي الملحق باتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 المتعلقة بحظر أو تقييد استخدام أسلحة تقليدية معينة) يحظر استخدام الأسلحة المحرقة ضد المدنيين. وهو يعتبر قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، ولذا فإنها تعتبر ملزمة لإسرائيل حتى لو لم تكن طرفاً في البروتوكول الثالث. وقد أنكرت إسرائيل أنها استخدمت أية أسلحة غير قانونية. وبالطبع فإن كل سلاح يجب ألا يستخدم ضد المدنيين، ولكن هذا الحظر بمثابة اعتراف بالأخطار والعواقب الخاصة لاستخدام الأسلحة التي لها خصائص محرقة بالقرب من المدنيين.



الذخائر العنقودية

ذكرت جريدة "ها آرتس" الإسرائيلية أن القصف المدفعي الكثيف الذي سبق دخول القوات البرية للجيش الإسرائيلي إلى غزة "شمل قنابل عنقودية موجَّهة إلى مناطق مفتوحة".16

إن القنابل أو القذائف العنقودية تنشر عشرات من القنيبلات الصغيرة أو الذخائر الفرعية على مساحة واسعة بحجم ملعب كرة قدم أو اثنين. ويمكن إسقاطها من الطائرات أو إطلاقها من المدفعية أو منصات الصواريخ. وإن بين %5 و %20 من القنيبلات العنقودية لا تنفجر، وذلك تبعاً لنوع الذخائر الفرعية. ثم تُترك في المكان كبقايا متفجرة للحرب، وتشكل خطراً على المدنيين مشابهاً لخطر الألغام الأرضية المضادة للأفراد. كما أن استخدام هذه القنابل في مناطق مكتظة بالمدنيين يشكل انتهاكاً لحظر الهجمات العشوائية، وذلك بسبب اتساع المنطقة التي تغطيها القنيبلات العديدة والخطر الذي يتهدد جميع الذين يصطدمون بالقنيبلات غيرالمنفجرة، ومن بينهم المدنيون.

وإذا كانت التقارير المتعلقة باستخدام الذخائر العنقودية في غزة صحيحة، فإن ذلك يشكل خطراً مستمراً يتهدد السكان المدنيين. إذ أن استخدام إسرائيل للقنابل العنقودية في لبنان سبَّب مشكلات طويلة الأجل، حيث لا تزال فرق نزع الألغام تعمل حتى يومنا هذا، وبعد مرور أكثر من سنتين على انتهاء النـزاع بين إسرائيل وحزب الله، من أجل إزالة الذخائر الفرعية العنقودية غير المنفجرة، التي لا تزال تتسبب بقتل وجرح مدنيين لبنانيين وأعضاء الفرق التي تعمل في نزع الألغام.17

وقم تم التوصل إلى معاهدة جديدة تحظر الأسلحة العنقودية في دبلن في مايو/أيار 2008، وفُتح باب التوقيع عليها في 3 ديسمبر/كانون الأول 2008.18 ووفقاً للمادة (1) 1 من الاتفاقية الخاصة بالأسلحة العنقودية: "تتعهد كل دولة طرف بألا تقوم، تحت أي ظرف من الظروف، بما يلي: أ) استخدام الذخائر العنقودية؛ ب) صنع الذخائر العنقودية أو إنتاجها أو الحصول عليها أو تخزينها أو الاحتفاظ بها أو نقلها إلى أي شخص بشكل مباشر أو غير مباشر؛ ج) مساعدة أي شخص على المشاركة في أي نشاط محظور على دولة طرف بموجب هذه الاتفاقية، أو تشجيعه على المشاركة أو إغراؤه بها."

وتماشياً مع اتفاقية الأسلحة العنقودية، فإن منظمة العفو الدولية تعارض استخدام الذخائر العنقودية ونقلها وتخزينها، وتدعو جميع الدول إلى التصديق على الاتفاقية.



.2 القانون الدولي لحقوق الإنسان

تؤكد محكمة العدل الدولية ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن قانون حقوق الإنسان يظل منطبقاً في أوقات النـزاع المسلح، ويعتبر مكملاً للقانون الإنساني الدولي.19 إن أفعال إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة مقيدة بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها، بالإضافة إلى القواعد العرفية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. أما المعاهدات التي صدقت عليها إسرائيل فهي: العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.

وكما أوضحت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن التزامات الدول الخاصة بحقوق الإنسان فيما يتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنطبق خارج نطاق ولايتها القضائية.20 ولا يضع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حدوداً تتعلق بالولاية القضائية الإقليمية. وهذا يعني أن التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبق أيضاً على الأراضي المحتلة الخاضعة لسيطرتها.

ولا يسمح العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالانتقاص من أحكامه حتى في أوقات الطوارئ، ولا يسمح سوى بالقيود "التي يقررها القانون شريطة أن تكون متسقة مع طبيعة هذه الحقوق، ولغايات تعزيز الرفاه في مجتمع ديمقراطي فقط." وكما أوضحت اللجنة، فإن القيود يجب أن تكون متناسبة "وينبغي اعتماد البديل الأقل تقييداً حيثما تتوفر أنواع عديدة من القيود."21

ونظراً لأن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينطبق في أوقات النـزاع المسلح إلى جانب القانون الإنساني الدولي، فإن السلوك نفسه يمكن أن يشكل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

وخلال النـزاع في غزة، كان من بين التزامات حقوق الإنسان التي انتُهكت الالتزام باحترام وحماية وتعزيز الحقوق التالية: الحق في الحياة (العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 6)22، والحق في الحصول على الغذاء والسكن الكافيين (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة 11)؛ والتمتع بأرفع المستويات الممكنة للصحة الجسدية والعقلية (العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة 12)، والذي يشمل أيضاً الحق في الحصول على الماء؛ والحق في التعليم (العهد الدولي نفسه، المادة 13).23 إن الأفعال التي تهدف إلى أو تسفر عن تدمير أو إعاقة البنية التحتية الضرورية للتمتع بهذه الحقوق، ومنها المستشفيات والمدارس، تعتبر انتهاكات تُحاسب عليها الدول الأطراف.

1.2 الحق في السكن وعمليات الإجلاء القسري

فيما يتعلق بالحق في السكن، فإن أفعال معينة في الحرب – وتحديداً تدمير مئات المنازل على أوسع نطاق – قد تشكل نوعاً من عمليات الإجلاء القسري غير القانوني، الذي يعتبر انتهاكاً للمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتعرِّف لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "عمليات الإجلاء القسري" بأنها: "الطرد الدائم أو المؤقت، رغماً عن إرادتها، لعائلات أو مجتمعات من منازلها و/أو أراضيها التي تشغلها، من دون توفير أو تسهيل الحصول على أشكال ملائمة من الحماية القانونية أو غيرها"24.وقد اعتبرت لجنة الأمم المتحدة العمليات التي تنجم عن "النـزاعات المسلحة الدولية والاقتتال الداخلي والعنف الطائفي أو الإثني25"ضمن عمليات الإجلاءهذه.



3. القانون الجنائي الدولي

يمكن تحميل الأفراد، سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين المسؤولية الجنائية عن انتهاكات معينة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.

ويقع على عاتق جميع الدول واجب إجراء تحقيق في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بالإضافة إلى غيرها من الجرائم بموجب القانون الدولي، من قبيل التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري، ومقاضاة مرتكبيها حيثما تتوفر أدلة مقبولة كافية.

1.3 جرائم الحرب

إن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول ومعظم الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقانون الإنساني الدولي تعتبر جرائم حرب. ويتضمن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) تعريفاً لهذه الجرائم. وتعبر قائمة جرائم الحرب الواردة في المادة 8 من نظام روما الأساسي عن القانون الدولي العرفي في وقت اعتماده، مع أن القائمة ليست كاملة، وثمة عدد من جرائم الحرب المهمة غير المذكورة فيها.

وتنص المادة (1) 86 من البروتوكول الإضافي الأول على أن:

"تعمل الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النـزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى للاتفاقيات ولهذا البروتوكول، التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء".

وكانت منظمة العفو الدولية قد اتهمت إسرائيل في الماضي بارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها: القتل المتعمد، والترحيل غير القانوني، والتعذيب وإساءة المعاملة، وتدمير واغتصاب الممتلكات على نطاق واسع من دون مبرر تمليه الضرورات العسكرية.

2.3 الجرائم ضد الإنسانية

وفقاً لنظام روما الأساسي، فإن أفعالاً معينة، إذا وُجهت ضد السكان المدنيين كجزء من هجوم منظم واسع النطاق، وكجزء من سياسة الدولة أو المنظمة، قد تصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية. ومن بين هذه الأفعال القتل المتعمد والتصفية والاسترقاق والترحيل أو التهجير القسري للسكان والسجن أو غيره من أشكال الحرمان من الحرية الجسدية بما يشكل انتهاكاً للقواعد الأساسية للقانون الدولي والتعذيب والاغتصاب وغيره من الجرائم الجنسية وحالات الاختفاء القسري.

ويمكن أن تُقترف الجرائم ضد الإنسانية في وقت السلم أو أثناء النـزاعات المسلحة على السواء.

وكانت منظمة العفو الدولية في الماضي قد وجدت أدلة على أن حماس وإسرائيل مسؤولتان عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وذكرت المنظمة أن حملة العمليات الانتحارية وغيرها من الهجمات ضد المدنيين من قبل حماس وغيرها من الجماعات المسلحة الفلسطينية وصلت إلى حد الجرائم ضد الإنسانية. كما توصلت المنظمة إلى أن ممارسات معينة للقوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من قبيل عمليات الترحيل والعقاب الجماعي والقتل غير القانوني للمدنيين، وصلت إلى حد الجرائم ضد الإنسانية.

3.3 مسؤولية الرؤساء والقادة

يمكن تحميل القادة العسكريين والرؤساء المدنيين المسؤولية عن أفعال مرؤوسيهم. فالمادة (2) 86 من البروتوكول الإضافي الأول، الذي يفرض معياراً واحداً على القادة العسكريين والرؤساء المدنيين، إنما يعبر عن القانون الدولي العرفي. فهي تنص على أن:

"قيام أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا البروتوكول لا يعفي رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية، بحسب الأحوال، إذا علموا، أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف أن يخلصوا إلى أنه كان يرتكب، أو أنه في سبيله إلى ارتكاب مثل هذا الانتهاك، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات لمنع أو قمع هذا الانتهاك".

ومن هنا، فإن من المهم في تحليل الأحداث الراهنة أن يتم فحص التسلسل القيادي، سواء فيما يتعلق بأفراد القوات المسلحة الحكومية أو مسؤوليهم المدنيين أو فيما يتعلق بجميع المستويات في حماس.

4.3الأوامر العليا

لا يجوز التذرع بالأوامر العليا للدفاع عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي، ولكن يمكن أن تؤخذ بعين الاعتبار عند تخفيف العقوبة. وقد اعتُرف بهذا المبدأ منذ محاكمات نورمبيرغ عقب الحرب العالمية الثانية، وهو الآن جزء من القانون الدولي العرفي.

.4 التحقيق الدولي

نظراً لمزاعم انتهاكات القانون الدولي على أيدي جميع أطراف النـزاع، فإن التراشق بالاتهامات المتبادلة التي يمكن أن تؤثر على حيدة المحققين الوطنيين، ورداءة سجل التحقيقات الإسرائيلية في الانتهاكات التي تقترفها قواتها، فإن منظمة العفو الدولية تدعو جميع الأطراف إلى الموافقة على إنشاء بعثة لتقصي الحقائق، وتدعو المجتمع الدولي إلى نشر هذه البعثة كي تتولى إجراء تحقيق عاجل وواف ومستقل ومحايد في جميع مزاعم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني التي ارتُكبت في مجرى النـزاع، وذلك وفقاً للمعايير الدولية الأشد صرامة التي تنظم مثل هذه التحقيقات، وإلى تقديم تقارير علنية بشأن النتائج التي تتوصل إليها.

إن منظمة العفو الدولية تعتبر أنه:

  • ينبغي نشر فريق خبراء دولي لتقصي الحقائق في أنحاء غزة وجنوب إسرائيل في أقرب وقت ممكن؛

  • ينبغي أن يجري فريق تقصي الحقائق تحقيقاته وأن يقدم تقريره بشأن الأساس الذي يقوم عليه القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان ذي الصلة؛

  • يجب أن يجري فريق تقصي الحقائق تحقيقاته وتقديم تقريره على أساس أكثر المعايير الدولية التي تحكم مثل هذا التحقيقات صرامةً.

  • يجب أن تتضمن نتائج تقرير بعثة تقصي الحقائق توصيات تهدف إلى إنهاء ومنع وقوع مزيد من انتهاكات القانون الدولي، وضمان العدالة والحقيقة والإنصاف التام للضحايا، ويشمل: إعادة الحق إلى نصابه والتأهيل والتعويض والترضية وضمانات عدم التكرار؛

  • ينبغي تزويد مثل هذه البعثة بموارد كافية لتمكينها من إنجاز جميع مهامها بصورة فعالة وعاجلة؛

  • يجب أن يتمتع فريق تقصي الحقائق من الخبراء بصلاحية الوصول إلى جميع الوثائق ذات الصلة وغيرها من الأدلة والأشخاص؛

  • ينبغي توفير الحماية الفعالة لجميع الأشخاص الذين يوفرون المعلومات لخدمة التحقيق من التعرض لعمليات الانتقام؛

  • نظراً لاتساع نطاق انتهاكات القانون الإنساني الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت وتعقيد القضايا الحقيقية والقانونية ذات الصلة، فإنه ينبغي تزويد أعضاء فريق تقصي الحقائق بما يكفي من التجهيز والدعم لتمكينهم من إجراء تحقيق واف وذي مصداقية. ويجب أن يضم الفريق أو يُدعم بعدد كاف من: الخبراء في القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان؛ المحققين العسكريين وفي مجال العدالة الجنائية؛ خبراء الأسلحة والأسلحة البالستية؛ الخبراء في الطب الشرعي؛ والخبراء في مجال حماية الضحايا والشهود، بمن فيهم النساء والأطفال.

وثمة عدة إمكانات لإنشاء لجنة تحقيق:

أ) يمكن إنشاء لجنة تحقيق من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وسيكون لمثل هذه اللجنة ميزة التمتع بالسلطة الأكبر. كما أنها يمكن أن تسهِّل إمكانية إحالة الحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية (كما حدث بالنسبة للوضع في دارفور) إذا اعتُبر ذلك ملائماً.

ب) وكبديل عن ذلك، يمكن للأمين العام للأمم المتحدة أن يُنشأ لجنة تحقيق. ويمكن لمجلس الأمن أن يرحب بمبادرة الأمين العام – كما فعل في القرار رقم 1405 (2002) - وذلك للوصول إلى معلومات دقيقة... من خلال فريق تقصي الحقائق". وقد دعا الأمين العام بالفعل إلى إجراء تحقيق في الهجمات على مرافق الأمم المتحدة وموظفيها في غزة.

ج) يمكن للمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنشاء لجنة تتولى إجراء تحقيق. ويمكن أن يُنظر إلى هذه اللجنة على أنها أكثر حيدة من اللجنة التي يشكلها مجلس حقوق الإنسان (أنظر أدناه)، ولكنها يجب أن تحظى بتعاون إسرائيل معها كي تكون فعالة بقدر الإمكان.

د) في قراره رقم S-9/1 منح مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رئيس المجلس صلاحية تعيين بعثة دولية مستقلة لتقصي الحقائق وإرسالها بصورة عاجلة "للتحقيق في جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ارتكبتها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في شتى أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولاسيما في قطاع غزة المحتل، وذلك بسبب العدوان الحالي..." وبالإضافة إلى ذلك، فقد طلب مجلس حقوق الإنسان من الأمين العام للأمم المتحدة "إجراء تحقيق آخر في حادثة استهداف المرافق التابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" في غزة... وتقديم تقرير إلى الجمعية العامة..." إن الملاحظات التي أبداها السفير الإسرائيلي قبل اعتماد مجلس حقوق الإنسان للقرار رقم S-9/1 لا تقدم أدنى سبب للاعتقاد بأن إسرائيل ستتعاون مع البعثة الدولية لتقصي الحقائق. وحتى لو لقيت بعثة تقصي الحقائق تعاوناً من قبل إسرائيل عن طريق تفسير صلاحياتها على أنها تنظر في انتهاكات حماس، مثلما فسَّرت صلاحيات بعثة مجلس حقوق الإنسان الرفيعة المستوى للتحقيق بشأن لبنان والتي تصدت لأفعال إسرائيل فقط، للنظر في سلوك حزب الله، فإن الرفض الواسع النطاق لتقرير لجنة التحقيق يشير إلى أن بعثة تقصي الحقائق ستكون بحد ذاتها غير فعالة.

هـ) يمكن إجراء تحقيق من قبل اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق، وهي هيئة دائمة لخبراء مستقلين نصت على إنشائها المادة 90 من البروتوكول الإضافي الأول، تتولى التحقيق في المزاعم المتعلقة بالانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي. بيد أن كلا طرفي النـزاع يجب أن يقبلا اختصاص اللجنة، وأن يطلبا منها التحقيق في الانتهاكات المرتكبة في هذا النـزاع بالذات. وقد دعت منظمة العفو الدولية إسرائيل إلى القيام بذلك في نزاعات سابقة، ولكنها لم تفعل ذلك مطلقاً (أي أن اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق لم تجر فعلياً أي تحقيق). ويتولى تنفيذ تحقيقات هذه اللجنة غرفة مؤلفة من أعضاء اللجنة الخمسة واثنين آخرين يعينان لهذا الغرض. (كل طرف من طرفي النـزاع يعين أحد هذين العضوين).

.5 المساءلـة

إن لدى جميع الدول التزاماً باحترام حق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في الحصول على إنصاف فعال وحماية هذا الحق والإيفاء به26. ويتضمن هذا الالتزام ثلاثة عناصر:

  • العدالة: التحقيق في الانتهاكات السابقة ومقاضاة الجناة المشتبه بهم إذا توفرت أدلة مقبولة كافية؛

  • الحقيقة: بيان الحقائق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي؛

  • جبر الضرر: توفير الإنصاف التام والفعال للضحايا وعائلاتهم بأشكاله الخمسة، وهي: إعادة الحق إلى نصابه والتعويض والتأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار.

ويوضح المبدأ السابع من المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية المتعلقة بالحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الفادحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي على النحو الآتي: "يشمل الإنصاف على الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي حق الضحية في ما يلي بموجب القانون الدولي: أ) الحصول على العدالة بشكل متساو وفعال؛ ب) جبر الأضرار التي لحقت بالضحية بشكل كاف وفعال وعاجل؛ ج) الحصول على معلومات ذات صلة تتعلق بالانتهاكات وآليات جبر الضرر"27.

وفيما يتعلق بالانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، يتعين على الدول أن تكفل قول الحقيقة وتحقيق العدالة وتوفير الإنصاف لجميع الضحايا.

1.5 العدالة

ثمة أساليب عديدة ممكنة لتقديم المسؤولين عن الجرائم بموجب القانون الدولي إلى العدالة في محاكمات تفي بالمعايير الدولية للعدالة ولا تستخدم عقوبة الإعدام.

أ) من جانب إسرائيل: إن كل دولة طرف في النـزاع ملزمة بالتحقيق في جميع الجرائم بموجب القانون الدولي، ومقاضاة الشخص المشتبه في أنه ارتكب تلك الجرائم، حيثما تتوفر أدلة مقبولة كافية.

ب) من جانب الدول الأخرى: يتعين على الدول الأخرى القيام بالتزاماتها بإجراء تحقيقات جنائية عاجلة ووافية ومستقلة ومحايدة مع كل شخص يُشتبه في أنه ارتكب جرائم بموجب القانون الدولي أثناء النـزاع. وفي حالة توفر أدلة مقبولة كافية، يتعين على الدول مقاضاة المشتبه به أو تسليمه إلى دولة أخرى مستعدة وقادرة على فعل ذلك في محاكمات عادلة لا ينتج عنها فرض عقوبة الإعدام، أو تسليمه إلى محكمة جنائية دولية تتمتع بولاية قضائية. وبالإضافة إلى أنها ملزمة بممارسة الولاية القضائية العالمية على الانتهاكات الخطيرة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، وعلى أفعال التعذيب، فإنه يُسمح للدول بممارسة الولاية القضائية العالمية على جرائم أخرى بموجب القانون الدولي. وفي حالة توفر أدلة مقبولة كافية، فإنه يتعين على الدول مقاضاة المشتبه بهم أو تسليمهم إلى دولة أخرى مستعدة وقادرة على محاكمتهم أو تسليمهم إلى محكمة جنائية دولية.

ج) من جانب المحكمة الجنائية الدولية: لم تصدق إسرائيل على نظام روما الأساسي. بيد أنها يمكن أن تعترف بالولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة (3) 12 من نظام روما الأساسي، أو أن تتم إحالة الوضع في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة إلى المحكمة من قبل مجلس الأمن وفقاً للمادة 13 (ب) من نظام روما الأساسي.

2.5 جبر الضرر

يتعين على الدول احترام وحماية وتعزيز حق الضحايا وعائلاتهم في طلب الإنصاف التام والحصول عليه. إن حق الضحايا الأفراد في الحصول على جبر الضرر حق مستقر في القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان باعتباره عنصراً أساسياً من عناصر الحق في الإنصاف الوارد في المعاهدات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان.28

وتخلص دراسة القانون الإنساني الدولي العرفي التي أجرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاعدة رقم 150 إلى أنه "يُطلب من الدولة المسؤولة عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي جبر الضرر بشكل كامل عن الخسارة أو الإصابة التي سبَّبتها"29.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية المتعلقة بالحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2005 (القرار رقم 60/147 بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول 2005)، تنص على واجب الدول نحو توفير حلول فعالة، ومنها جبر الأضرار التي لحقت بالضحايا. ويحدد هذا الصك الشكل الملائم لجبر الضرر، بما في ذلك إعادة الحق إلى نصابه والتعويض والتأهيل والترضية وضمانات عدم التكرار، كما هو منصوص عليه في المبادئ 23-19.

3.5 الجماعات المسلحة وجبر الضرر

تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الجماعات المسلحة نفسها مطالبة باحترام القانون الإنساني الدولي. وفي حين أن المسألة المتعلقة بما إذا كانت الجماعات المسلحة ملزمة بتوفير الإنصاف التام على انتهاكات القانون الإنساني الدولي لم يُبت فيها بعد،30فإن الممارسة تشير إلى أن مثل تلك الجماعات مطالبة بتوفير تدابير الإنصاف الملائم.31



الهوامش



1 وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي يتولى مراقبة تنفيذ اتفاقية الانتقال والدخول، فقد أُغلق معبر رفح منذ 7 يونيو/2007. أنظر تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن تنفيذ اتفاقية الانتقال والدخول على الموقع: http://www.ochaopt.org؛ وللاطلاع على نص الاتفاقية أنظر الموقع:
http://www.mfa.gov.il/MFA/Peace+Process/Reference+Documents/Agreed+documents+on+movement+and+access+from+and+to+Gaza+15-Nov-2005.htm

2 تقف الحكومة الإسرائيلية وحدها في المجتمع الدولي بالادعاء بأن اتفاقية جنيف الرابعة لا تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

3 لتحليل سياسية إسرائيل بشأن هدم المنازل لدوافع عقابية وأمنية باعتبارها جريمة حرب، أنظر تقرير منظمة العفو الدولية، إسرائيل والأراضي المحتلة: تحت الأنقاض: هدم المنازل وتدمير الأراضي والممتلكات ((MDE 15/003/2004.

4 تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر: اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المحميين في وقت الحرب، ص. 225 (جنيف، 1958).

5 ليس هناك تعريف واضح للاشتراك المباشر في الأعمال الحربية في القانون الدولي. ولكن ثمة إجماعاً على أن بعض الأنشطة، من قبيل استخدام الأسلحة لارتكاب أفعال عنف ضد قوات العدو، تعتبر اشتراكاً مباشراً.

6 المادة (2) 8 (ب) (i).

7 إن تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف يفسر عبارة "الميزة العسكرية المحددة المتوقعة" بالقول "إن شن هجوم لجني فوائد محتملة أو غير أكيدة يعتبر أمراً غير شرعي".

8 نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (2) 8 (ب) (iv).

9 اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الإنساني الدولي العرفي، المجلد I: القواعد؛ القاعدة 156، ص 589؛ ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (2) 8 ( ب) (i).

10 نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (2) 8 (أ) (iv)

11 مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التقرير الأسبوعي حول حماية المدنيين، 8-1 يناير/كانون الثاني 2009. أنظر الموقع:
http://www.ochaopt.org/documents/ocha_opt_protection_of_civilians_weekly_2009_01_08_english.pdf

12 نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (2) 8 (ب) (xxiii).

13 نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (2) 8 (ب) (iii)، (xxiv)، (xxv).

14 للاطلاع على شرح استخدامات وآثار الفسفور الأبيض في الأسلحة أنظر: فدرالية العلماء الأمريكان، "ورقة حقائق حول الفسفور الأبيض" في الموقع: http://www.fas.org/biosecurity/resource/factsheets/whitephosphorus.htm

15 منظمة مراقبة حقوق الإنسان، إسرائيل: أوقفوا الاستخدام غير القانوني للفسفور الأبيض في غزة، 10 يناير/كانون الثاني 2009.

16 ها آرتس، "عمليات القصف المدفعي والجوي الهائلة تسبق القوات البرية للجيش الإسرائيلي"، بقلم أموس هاريل وآفي إسحقاروف، 5 يناير/كانون الثاني 2009.

17 للاطلاع على أحدث المعلومات بشأن الخسائر الناجمة عن الذخائر العنقودية في لبنان، أنظر: مركز الأمم المتحدة لتنسيق العمل بشأن الألغام في جنوب لبنان، على الموقع: (http://www.maccsl.org).

18 تدخل الاتفاقية حيز النفاذ بعد مرور ستة أشهر على إيداع 30 دولة صكوك تصديقها عليها (قبول أو موافقة أو انضمام).

19 "تعتبر المحكمة أن الحماية التي توفرها اتفاقيات حقوق الإنسان لا تتوقف في حالات النـزاع المسلح؛ ماعدا من خلال الأحكام المتعلقة بالانتقاص من النوع الواردة في المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، النتائج القانونية لبناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، رأي استشاري بتاريخ 9 يوليو/تموز 2004، تقارير محكمة العدل الدولية 2004. أنظر أيضاً لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام 31، الفقرة 11: "ينطبق العهد أيضاً على حالات النـزاع المسلح التي تنطبق عليها قواعد القانون الإنساني الدولي. وفي حين أنه، فيما يتعلق بحقوق معينة واردة في العهد، ربما تكون هناك قواعد أكثر تحديداً في القانون الإنساني الدولي ذات صلة بشكل خاص بأغراض تفسير الحقوق الواردة في العهد، فإن كلاً من مجالي القانون يكمل أحدهما الآخر، وليسا حصريين". التعليق العام 31: طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في النـزاع.

20 لجنة حقوق الإنسان، التعليق العام 31، الفقرة 10.

21 اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام 14: الحق في الحصول على أرفع مستوى صحي ممكن (المادة 12، الفقرة 29)، اعتُمد في الجلسة الثانية والعشرين (2000).

22 في مجرى القتال إبان النـزاع المسلح، فإن معيار ما يشكل انتهاكاً للحق في الحياة يتعزز بالقانون الإنساني الدولي المعمول به.

23 اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام 15، الحق في الحصول على المياه، وثيقة الأمم المتحدة رقم: (UN Doc. E/C.12/2002/11 (2002

24 اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام 7، عمليات الإجلاء القسري، والحق في السكن الكافي (الدورة السادسة عشرة، 1997) وثيقة الأمم المتحدة رقم: UN Doc. E/1998/22, annex IV at 113 (1997)، الفقرة 4.

25 اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التعليق العام 7، المصدر نفسه، الفقرة 7.

26 الحق في الإنصاف الفعال لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان منصوص عليه في المادة (3) 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أنه معترف به في المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 6 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، والمادة 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والمادة 39 من اتفاقية حقوق الطفل، والمادة 3 من اتفاقية لاهاي لعام 1907 بشأن القوانين والأعراف في الحرب البرية، والمادة 91 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 المتعلقة بحماية ضحايا النـزاعات المسلحة الدولية (البروتوكول الإضافي الأول)، والمادة 75 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والمادة 7 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

27 المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية بشأن الحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الفادحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي (المبادئ الأساسية بشأن الحق في الإنصاف وجبر الضرر)، الذي اعتُمد وأُعلن في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 60/147 بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول 2005، وثيقة الأمم المتحدة رقم: UN Doc. A/RES/60/147

28 أنظر مثلاً: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة (3)2 والميثاق العربي لحقوق الإنسان، المادة 9.

29 اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي العرفي، المجلد الأول، القواعد.

30 اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي العرفي، المجلد الأول، القواعد، القاعدة 150.

31 اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الدولي العرفي، المجلد الأول، القواعد، القاعدة 139.

How you can help

AMNESTY INTERNATIONAL WORLDWIDE