Document - Iraq: Beyond Abu Ghraib: Detention and torture in Iraq

العراق :بعد أحداث أبو غريب - الاعتقال والتعذيب في العراق



"لقد ضاعت سنة ونصف السنة من عمري"

معتقل أمني سابق عمره 43 عاماً ووالد لثلاث بنات عقب الإفراج عنه في سبتمبر/أيلول 2005؛ ويزعم أنه تعرض لسوء المعاملة أثناء وجوده رهن الاعتقال لدى الولايات المتحدة في العراق.

المقدمة

بعد مضي قرابة الثلاث سنوات على قيام الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها بغزو العراق وإسقاط حكم صدام حسين، تظل أوضاع حقوق الإنسان في البلاد رهيبة. وقد أسفر نشر القوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق والمواجهة المسلحة التي تسبب بها عن سقوط آلاف القتلى في صفوف المدنيين وانتهاكات واسعة النطاق في غمار النـزاع المتواصل.

وكما ذكرت منظمة العفو الدولية في تقرير آخر1، يُرتكب العديد من الانتهاكات التي تحدث اليوم على أيدي جماعات مسلحة معارضة للقوات المتعددة الجنسياتالتي تقودها الولايات المتحدة والحكومة العراقية التي تدعمها تلك القوة. وتواصل الجماعات المسلحة شن حرب لا هوادة فيها تتسم باستهتارها بأرواح المدنيين والقواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي. وتشن هجمات انتحارية وغيرها من الهجمات بالقنابل التي تستهدف إما المدنيين أو الهجمات التي توقع إصابات في صفوف المدنيين غير متناسبة مع أهدافها العسكرية، وهي تخطف الضحايا وتحتجزهم رهائن، وتهدد بقتلهم وتزهق أرواحهم في أغلب الأحيان. وتدين منظمة العفو الدولية هذه الانتهاكات، التي يتسم بعضها بدرجة شديدة من الفظاعة بحيث تشكل جرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى جرائم حرب، وتواصل المنظمة دعوة الجماعات المسلحة في العراق إلى الكف عن اقتراف هذه الأفعال والتقيد بالمستلزمات الأساسية للقانون الإنساني الدولي.

وتركز منظمة العفو الدولية في هذا التقرير، على جزء آخر من المعادلة، وتحديداً بواعث قلقها الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان التي تتحمل القوات متعددة الجنسية بقيادة الولايات المتحدة مسؤولية مباشرة عنها، وتلك التي ترتكبها قوات الأمن العراقية بصورة متزايدة. ولا يمكن أن يُستساغ سجل هذه القوات، بما فيها القوات الأمريكية وحلفاؤها البريطانيون. ورغم الشعارات التي رُفعت قبل الحرب والتبريرات التي سيقت بعد الغزو من جانب الزعماء السياسيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، والواجبات المترتبة عليهم بموجب القانون الدولي، لم تعطِ قوات الاحتلال منذ البداية وزناً كافياً لاعتبارات حقوق الإنسان. ويستمر هذا الوضع حتى وإن كانت الانتهاكات التي ترتكبها القوات متعددة الجنسية التي هي موضوع هذا التقرير لا تتسم بالصبغة الفظيعة الصارخة ذاتها التي صبغت الصور التي كُشف النقاب عنها في إبريل/نيسان 2004 وفبراير/شباط 2006 والتي تُظهر تعرض نزلاء السجون للتعذيب والإذلال على أيدي الحراس الأمريكيين في سجن أبو غريب في بغداد وتعرض الشبان العراقيين للضرب على أيدي الجنود البريطانيين بعد أن أُلقي القبض عليهم خلال أعمال شغب.بيد أن التقاعس نفسه عن التأكد من اتباع الإجراءات القانونية المرعية والذي كان سيد الموقف في حينه، والذي سهّل – وربما حتى شجع على ارتكاب هذه الانتهاكات – يتضح اليوم من خلال استمرار الاعتقال بدون توجيه الاتهام إليهم أو محاكمتهم لآلاف الأشخاص في العراق الذين تصنفهم القوات متعددة الجنسية "كمعتقلين أمنيين".

وقد وضعت القوة المتعددة الجنسيات إجراءات تحرم المعتقلين من حقوق الإنسان التي يكفلها القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. وبشكل خاص، تُنكر القوة المتعددة الجنسيات على المعتقلين حقهم في الطعن في قانونية اعتقالهم أمام المحكمة. وقد احتُجز بعض المعتقلين طوال أكثر من عامين بدون أي سبيل انتصاف أو لجوء فعلي إلى المحاكم؛ وأُفرج عن البعض الآخر بدون أي توضيح أو اعتذار أو تعويض بعد قضاء أشهر قيد الاعتقال، وهم ضحايا نظام تعسفي ويشكل أرضاً خصبة للانتهاكات.

وقد وردت أنباء حول العديد من حالات التعذيب والمعاملة السيئة للمعتقلين المحتجزين في مرافق تخضع لسيطرة السلطات العراقية منذ انتقال السلطة في يونيو/حزيران 2004. ومن جملة الطرق الأخرى، تعرض الضحايا للصعق بالصدمات الكهربائية أو للضرب بالكبلات البلاستيكية. والصورة الآخذة بالظهور هي صورة تنتهك فيها السلطات العراقية بصورة منهجية حقوق المعتقلين مخلةً بذلك بالضمانات الواردة في القوانين العراقية والقانون والمعايير الدولية على السواء – بما فيها الحق في عدم التعرض للتعذيب وفي المثول أمام قاض دون إبطاء.

ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن القوة المتعددة الجنسيات والسلطات العراقية لم تضعا ضمانات كافية لحماية المعتقلين من التعذيب أو سوء المعاملة. ومما يثير القلق بشكل خاص أنه رغم تردد أنباء م ?ارسة التعذيب أو سوء المعاملة من جانب القوات الأمريكية والبريطانية والسلطات العراقية، تظل تُفرض قيود أو يحدث تأخير في اتصال آلاف المعتقلين بالعالم الخارجي. وفي أوضاع يتم فيها تقييد حرية الهيئات المستقلة في مراقبة مرافق الاعتقال – ليس أقله بسبب الوضع الأمني المحفوف بالمخاطر – فإن التدابير التي تفرض مزيداً من القيود على الاتصالات التي يمكن للمعتقلين أن يجروها مع محاميهم أو أقربائهم، تزيد من خطر تعرضهم للتعذيب وغيره من ضروب الانتهاكات.

وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات العراقية والأمريكية والبريطانية التي تدير مرافق اعتقال يُحتجز فيها الأشخاص الذين اعتقلتهم القوة المتعددة الجنسيات، إلى اتخاذ خطوات عاجلة ومحسوسة لضمان احترام الحقوق الإنسانية الأساسية لجميع المعتقلين في العراق. وبصفة خاصة، ينبغي على هذه السلطات أن تضع بصورة عاجلة ضمانات كافية لحماية المعتقلين من التعذيب أو سوء المعاملة. وهذا يشمل إخضاع جميع المزاعم حول هذه الانتهاكات لتحقيق سريع وشامل ومستقل، وتقديم أي مسؤول عسكري أو أمني أو سواهما ممن يتبين أنه استخدم التعذيب أو أمر أو سمح باستخدامه إلى العدالة. وهذا يشمل أيضاً ضمان تمكُّن المعتقلين فعلياً من الطعن في قانونية اعتقالهم أمام المحكمة؛ وهذا الحق يشكل ضمانة أساسية ضد الاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة، وهو من الحقوق غير القابلة للانتقاص والتي تُلزَم الدول بالتمسك بها في كافة الظروف، حتى في وقت الحرب أو الطوارئ الوطنية.2

استمرار التعذيب وسوء المعاملة

كريم ر3، إمام وخطيب مسجد يبلغ من العمر 47 عاماً اعتُقل وتعرض للتعذيب على أيدي القوات الأمريكية في العام 2003 ومن ثم على يد القوات العراقية في العام 2005. وفي كل مرة، كان يُفرج عنه فيما بعد بدون توجيه الاتهام إليه. وقال لمنظمة العفو الدولية إنه اعتُقل للمرة الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2003 على يد القوات الأمريكية في بغداد، حيث يعيش، وهو رئيس جمعية خيرية. وقد أُهين وعُصبت عيناه وضُرب وصُعق بالصدمات الكهربائية بواسطة مسدس صعق (بالنبال) من جانب القوات الأمريكية في مرفق اعتقال كائن في حي الكاظمية ببغداد. وبعد اعتقاله لمدة سبعة أيام أُفرج عنه بدون توجيه الاتهام إليه.

وتعرض كريم ر. للاعتقال مرة أخرى في مايو/أيار 2005 لمدة 16 يوماً – هذه المرة من جانب القوات التابعة لوزارة الداخلية العراقية في مرفق اعتقال تديره في بغداد. وخلال هذا الاعتقال، عصبت عيناه ثم تعرض للضرب والصعق بالصدمات الكهربائية بينما كان معلقاً بطريقة تهدف إلى التسبب بألم مبرح. وقال لمنظمة العفو الدولية :

"قيّدوا يديّ خلف ظهري بواسطة كبل. وكانت هناك أداة لها سلسلة مربوطة بالسقف. وعندما شغلوها، سحبتني السلسلة إلى السقف. وبما أن يديّ كانتا موثقتين خلف ظهري، فقد زاد ذلك من الألم (...) وبعد ذلك رشوني بالماء واستخدموا الصعق بالصدمات الكهربائية. ووصلوا التيار بساقيّ وكذلك بأجزاء أخرى من جسدي (...) وفي المرة الأولى التي صعقوني فيها بالصدمات الكهربائية أُغمي علي لمدة 40 ثانية أو دقيقة واحدة. وشعرت كما لو أنني سقطت من مبنى. وأُصبت بالصداع ولم أستطع المشي. وقال المحقق : من الأفضل لك أن تعترف بالأنشطة الإرهابية، لإنقاذ حياتك. فأجبتُ بأنني لم أشارك في هذه الأنشطة وأنني مصاب بمرض قلبي. (...) وفيما بعد أرغموني على الاعتراف أمام الكاميرا. وطرحوا علي أسئلة زاعمين بأنني إرهابي، لكنهم لم يعطوني حتى فرصة لأجيب. واكتفوا بالقول إنني إرهابي (...)."

ممارسة التعذيب وسوء المعاملة في مرافق الاعتقال العراقية

في الأسابيع التي سبقت مباشرة الانتخابات البرلمانية العراقية التي أُجريت في 15 ديسمبر/كانون الأول 2005، ظهرت أدلة جديدة تشير إلى أن وزارة الداخلية العراقية تحتجز العديد من المعتقلين في مرافق مختلفة تحت سيطرتها، وتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة. وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، داهمت القوات العسكرية الأمريكية أحد مرافق الاعتقال التي تديرها وزارة الداخلية في حي الجادرية في بغداد، حيث ورد أنها عثرت على أكثر من 170 معتقلاً محتجزين في أوضاع مريعة، زعم العديد منهم أنهم تعرضوا للتعذيب. وفي 8 ديسمبر/كانون الأول 2005، قامت السلطات العراقية والقوات الأمريكية بتفتيش مرفق اعتقال آخر في بغداد يخضع أيضاً لسيطرة وزارة الداخلية. وكان 13 معتقلاً على الأقل من أصل الـ 625 معتقلاً الذين عثر عليهم هناك بحاجة إلى معالجة طبية، بينهم عدة معتقلين ورد أن حالتهم ناجمة عن التعذيب أو سوء المعاملة. ونفت وزارة الداخلية العراقية أن يكون أي من المعتقلين تعرض للتعذيب أو الانتهاكات.4 بيد أن السفير الأمريكي في العراق، زلماي خليل زاد، صرَّح بأن "أكثر من 100 معتقل عُثر عليهم في مرفق الاعتقال في الجادرية و26 معتقلاً في مرفق الاعتقال الآخر تعرضوا للانتهاكات."5

ووفقاً للأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام، زعم المعتقلون في كلتا الحالتين أنهم تعرضوا للصعق بالصدمات الكهربائية ونُزعت أظافرهم.6 وفيما بعد قال مسؤول في وزارة حقوق الإنسان العراقية لمنظمة العفو الدولية إن السلطات العراقية أجرت فحوصاً طبية، لكن هذه الفحوص لم تؤكد المزاعم، بيد أن المسؤول صرح بأن عدة معتقلين أُصيبوا بجروح نتيجة الضرب بكبلات بلاستيكية. وعلاوة على ذلك أكد المسؤول بأن الانتهاكات التي ارتُكبت في مرافق اعتقال أخرى خاضعة لسيطرة السلطات العراقية خلال العام الماضي تضمنت حوادث تعرض فيها المعتقلون للصعق بالصدمات الكهربائية.7

وقبل أشهر، لفتتهيومان رايتس ووتشالانتباه إلى تزايد أنباء ممارسة التعذيب وسوء المعاملة ضد المعتقلين لدى القوات الحكومية العراقية في تقرير صدر في يناير/كانون الثاني 2005. واستند التقرير إلى مقابلات أجرتها هيومان رايتس ووتشمع90معتقلا حالياً وسابقاً بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول 2004، كشف 72 منهم بأنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة أثناء اعتقالهم. واحتُجز بعضهم كم78?همين بارتكاب جرائم، لكن بعضهم الآخر احتُجز على ما يبدو بسبب أنشطته السياسية أو انتسابه المزعوم إلى جماعات مسلحة.8ورغم النتائج التي توصلت إليها منظمة مراقبة حقوق الإنسان، لا يبدو أنه تم اتخاذ إجراءات تُذكر سواء من جانب الحكومة العراقية أو القوة المتعددة الجنسيات في الأشهر التالية للتصدي لهذا النمط من الانتهاكات، ولحماية المعتقلين من التعذيب وسوء المعاملة.

وليس مفاجئاً، بالنظر إلى هذا التقاعس عن قمع مرتكبي التعذيب ووضع حد لدوامة الانتهاكات، ما ورد عن وفاة عدة معتقلين في العام 2005 أثناء احتجازهم لدى السلطات العراقية؛ وفي عدة حالات، ورد أن جثثت الضحايا كانت مصابة بجروح تتماشى مع تعرضهم للتعذيب. وفي 12 فبراير/شباط 2005، توفي ثلاثة رجال، ورد أنهم أعضاء في منظمة بدر9، وهي ميليشيا شيعية، في الحجز عقب اعتقالهم من جانب الشرطة العراقية عند نقطة تفتيش في حي الظفرانية ببغداد. وعُثر على جثثمقبل عدنان لطيف العلويالبالغ من العمر 39 عاماً، وشقيقه علي عدنان لطيف العلوي، البالغ من العمر 35 عاماً، وعايدي محاسن لفتة، 30 عاماً، بعد ثلاثة أيام وهي تحمل علامات التعذيب. وتبين من تقارير تشريح الجثث "أن الثلاثة جميعهم مصابون بكدمات على وجوههم وأذرعهم وظهورهم وأرجلهم، بسبب ضربهم بعصا أو أداة طويلة كما يبدو".10

وبعد اعتقال خالدة زكيةمن الموصل على يد قوة خاصة تابعة لوزارة الداخلية هي لواء الذئاب11، عُرضت الزوجة البالغة من العمر 46 عاماً على شاشة القناة التلفزيونية العراقية اسمها العراقية، زاعمة أنها كانت تساند جماعة مسلحة. بيد أنها سحبت اعترافها فيما بعد وزعمت أنها أُرغمت على الإدلاء بهذا الاعتراف. وبحسب ما ورد جُلدت بكبل على أيدي أعضاء في لواء الذئاب وهُددت بانتهاكات جنسية.12

وفي مايو/أيار 2005، تعرض أربعة فلسطينيين مقيمين في العراق منذ زمن طويل، هم فرج عبد الله ملحم، عمره 41 عاماً، وعدنان عبد اللهملحم، حوالي 31 عاماً،وأمير عبد الله ملحم حوالي 26 عاماً، ومسعود نور الدين المهدي، عمره حوالي 33 عاماً – للتعذيب وسوء المعاملة عقب اعتقالهم على أيدي أعضاء في لواء الذئاب اقتادوهم من منازلهم في بغداد. وقُبض على الأربعة جميعهم ليلة 12 مايو/أيار 2005 عندما اقتحمت قوات لواء الذئاب المنازل في مبنى البلدية الفلسطيني داخل مخيم البلدية في بغداد. وأُلقي القبض عليهم كمتهمين لهم صلة بهجوم بالقنابل شُن في فترة سابقة من ذلك اليوم في حي الجديدة ببغداد رغم أنهم نفوا أية مشاركة فيه. وقيل إن أعضاء لواء الذئاب انهالوا بالضرب على الرجال الأربعة بأعقاب البنادق عندما ألقوا القبض عليهم.



وفي 14 مايو/أيار 2005، عُرض الرجال الأربعة على القناة التلفزيونية "العراقية" حيث اعترفوا بمسؤوليتهم عن الهجوم بالقنابل الذي وقع في الجديدة، لكن ظهرت عليهم جميعاً علامات واضحة على تعرضهم لاعتداء. وأبلغ أقرباؤهم الذين شاهدوا البرنامج منظمة العفو الدولية أن الرجال الأربعة كانوا مصابين بجروح في وجوههم دفعتهم للاعتقاد بأنهم تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة لإجبارهم على الإدلاء بالاعترافات. وفيما بعد عندما قابل الرجال محامياً في يوليو/تموز 2005 تراجعوا عن اعترافاتهم وزعموا أنهم تعرضوا لتعذيب منهجي طوال 27 يوماً أثناء احتجازهم لدى لواء الذئاب في مبنى وزارة الداخلية في حي الزيونة ببغداد. وصرحوا أنهم تعرضوا للضرب بالكبلات وصُعقوا بالصدمات الكهربائية على أيديهم ومعاصمهم وأصابعهم وكواحلهم وأقدامهم. كذلك قالوا إن وجوههم أُحرقت بسجائر مشتعلة ووُضعوا في غرفة على أرضيتها ماء بينما تم تشغيل التيار الكهربائي. وزعموا أيضاً أن ضابطاً في الجيش الأمريكي كان حاضراً في الغرفة في إحدىالمرات التي استُجوبوا فيها.

كذلك زعم الرجال الأربعة أنهم أُرغموا تحت وطأة التعذيب على التوقيع على اعترافات بينما كانوا معصوبي العينين أقروا فيها أيضاً بمسؤوليتهم عن خمس هجمات أخرى بالقنابل قيل إنها شنت على مراكز الشرطة في أحياء أخرى من بغداد. بيد أنه عندما دقق محاميهم في هذه التفجيرات المزعومة الأخرى تبين له أنها لم تحصل قط، وتمكَّن من الحصول على وثائق رسمية تؤكد ذلك. ومع ذلك، نُقل الفلسطينيون الأربعة إلى الاعتقال لدى مديرية الجرائم الكبرى في حي الرصافة ببغداد في 9 يونيو/حزيران 2005. وفي البداية ورد أن الضابط الآمر في مكان الاعتقال هذا رفض قبول الرجال الأربعة لأنهم كانوا مصابين بوضوح بجروح خطيرة. بيد أن ضابط التحقيق سجَّل جميع جروحهم كما ورد، حتى يكون واضحاً أنهم لم يصابوا بها تحت إمرته. وبعد ستة أسابيع، أي في حوالي 23 يوليو/تموز، نُقل الفلسطينيون إلى مركز الاعتقال في حي الأعظمية ببغداد الذي يتعامل مع الحالات المتعلقة بالإرهاب في العراق.

ووفقاً للقانون العراقي، ينبغي أن يمثل المعتقل أمام قاضي التحقيق خلال 24 ساعة من اعتقاله.13بيد أن الفلسطينيين الأربعة لم يُجلبوا للمثول أمام قاضي التحقيق إلا في 26 يوليو/تموز 2005 تقريباً، أي بعد مضي أكثر من خمسة أسابيع على اعتقالهم الأولي. وفي بداية العام 2006 كان الفلسطينيون الأربعة ما زالوا محتجزين.

وفي يوليو/تموز 2005، نشرت صحيفة الأوبزرفرالبريطانية أخبار المزيد من حالات التعذيب وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها عمليات إعدام ممكنة خارج نطاق القضاء على يد قوات الأمن العراقية. وتضمنت الصحيفة وصفاً تفصيلياً لمشاهد من فيلم تظهر فيه جثة حسن النعيمي، وهو رجل دين سني وعضو في جمعية العلماء المسلمين، الذي وُجد مقتولاً في مايو/أيار 2005 في بغداد – بعد يوم واحد من اعتقاله على أيدي كوماندوز الشرطة العراقية. وكتب مراسل الأوبزرفر يقول :

"هناك أصفاد لليدين تستخدمها الشرطة ما زالت معلقة بأحد رسغيه اللذين عُلق منهما مدة طويلة تكفي لتورم يديه ورسغ10?ه. وهناك علامات للحروق على صدره، كما لو أن أحدهم وضع شيئاً ساخناً جداً قرب حلمة ثديه اليمنى وحركه حولها. وفي جزء أدنى توجد سلسلة من الآثار الأفقية للجلد بالسياط، تلتف حول جسده وتمزق البشرة عند التفافها حول صدره، كما لو أنه تعرض للضرب بشيء قابل للانثناء، ربما كبل. وهناك جروح أخرى : أنف مكسور وجروح أصغر تبدو أشبه بحروق السجائر. ويبدو أن إحدى ذراعيه كُسرت ودفعت إحدى الفقرات العليا إلى الداخل. وهناك مجموعة من الجروح الصغيرة الدائرية المتسقة على كلا جانبي ركبته اليسرى. وفي مرحلة ما يبدو أن النعيمي أصيب بجروح في ركبتيه. ولم يُسببها مسدس – فالجروح التي أحدثتها الأداة عند خروجها مطابقة في حجمها للجروح التي أحدثتها عند دخولها، وهذا لا يحدث عادة بالرصاص. وعوضاً عن ذلك، يبدو أنها حدثت بواسطة شيء أشبه بمثقاب. بيد أن الذي قتله فعلاً هو الرصاصات التي أُطلقت على صدره من مسافة قريبة، ربما من جانب شخص وقف فوقه بينما كان هو ملقىً على الأرض. وأصابته الرصاصتان الأخيرتان في رأسه."14

وفي الشهر ذاته، أي يوليو/تموز 2005، مات تسعة من أصل مجموعة تضم 12 رجلاً كانوا معتقلين لدى الشرطة في حي العامرية ببغداد، اختناقاً بعدما حُبسوا في شاحنة مقفلة للشرطة مدة تصل إلى 14 ساعة في درجات حرارة مرتفعة للغاية. وقالت السلطات العراقية إن الرجال 12كانوا أعضاءً في مجموعة مسلحة اعتُقلوا بعد أن تبادلوا إطلاق النار مع القوات الأمريكية أو العراقية. بيد أن مصادر أخرى أشارت إلى أنهم كانوا مجموعة من البنائين الذين اعتُقلوا للاشتباه بأنهم من المتمردين، ثم تعرضوا للتعذيب الوحشي على أيدي كوماندوز الشرطة قبل حبسهم في عربة الشرطة. وبحسب ما ورد أكد الموظفون الطبيون في مستشفى اليرموك ببغداد، الذي نُقلت إليه جثث الذين ماتوا في 11 يوليو/تموز 2005، أن بعض الجثث كانت تحمل علامات التعذيب، بما فيها الصعق بالصدمات الكهربائية.15

تحت انظارالقوة المتعددة الجنسيات

سعى مسؤولو القوة المتعددة الجنسيات عموماً إلى أن ينئوا بالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة عن أية مشاركة عندما كانت تحدث دعاية تتعلق بالتعذيب وغيره من الانتهاكات على يد قوات الحكومة العراقية. بيد أن ازدياد توافر هذه المعلومات منذ بداية العام 2005 على الأقل، فضلاً عن استمرار التعاون الوثيق يومياً بين القوات التابعة للقوة المتعددة الجنسياتوتلك التابعة للحكومة العراقية، يوحي بأن قادة القوة المتعددة الجنسيات والحكومات التي يتبعونها كانت تدرك جيداً ولمدة طويلة بأن القوات العراقية التي تحظى بدعمها مسؤولة عن ارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان. ومع ذلك، وفي إطار تعاونها مع قوات الحكومة العراقية، واصلت القوة المتعددة الجنسيات تسليم بعض الذين اعتقلتهم قواتها إلى القوات العراقية، رغم المخاطر الواضحة التي لا بد أن يتعرض لهاهؤلاء السجناء جراء ذلك. وفي هذا الصدد، يبدو أن القوة المتعددة الجنسيات مهملة بشكل خطير أو أنها متواطئة فعلياً في الانتهاكات التي ترتكبها قوات الحكومة العراقية ومتوانية من خلال تقاعسها عن الإيضاح للحكومة العراقية وقواتها بأنه لا يجوز أبداً التساهل إزاء التعذيب وغيره من الانتهاكات المرتكبة ضد السجناء، وأن الذين يرتكبونها يجب أن يُقدَّموا إلى العدالة دون إبطاء.16

وتتضح حقيقة معرفة السلطات الأمريكية بمشكلة التعذيب الذي يمارسه حلفاؤها العراقيون من التقرير السنوي17 لوزارة الخارجية الأمريكية الذي يُرفع إلى الكونغرس حول ممارسات حقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم، والذي أوردت نسخة فبراير/شباط 2005 منه، والتي تحدثت عن العام 2004، إشارات واسعة في الفصل القطري الخاص بالعراق إلى معلومات حول التعذيب نشرتها هيومان رايتس ووتش.18بيد أن أحد قادة القوات الأمريكية لم يعلن حتى ديسمبر/كانون الأول 2005، أي بعد مضي قرابة السنة على إعداد تقرير وزارة الخارجية، أن قواته ستُوقف ممارسة تسليم المعتقلين إلى السلطات العراقية. وصرح اللواء جون دي. غاردنر، قائد القوة الخاصة 134، المسؤولة عن عمليات الاعتقال التي تقوم بها القوة المتعددة الجنسياتقائلاً : "إننا لن نُسلم المرافق أو المعتقلين إلى أن يستوفوا (أي السلطات العراقية) المعايير التي نحددها والتي نستخدمها اليوم".19

كذلك وردت مزاعم تشير إلى أن القوات الأمريكية كانت تعرف أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة في أماكن الاعتقال الخاضعة لسيطرة وزارة الداخلية العراقية والتي قامت تلك القوات بزيارتها بصورة متكررة. وفي مقابلة إذاعية جرت معه في ديسمبر/كانون الأول 2005، حدد قائد سابق للقوات الخاصة في وزارة الداخلية هو الجنرال (الفريق أول) منتظر جاسم السامرائي عدة أماكن اعتقال تابعة لوزارة الداخليةزُعم أن التعذيب شائع فيها. وزعم أن : "سجن ميدان النصر، الكائن بجانب برج التلفزيون، هو أكبر سجن خاضع لمسؤولية وزارة الداخلية. ويزور أفراد في القوات الأمريكية هذا السجن يومياً. وتعرف القوات الأمريكية كل شيء عن التعذيب".20

وقال معتقلون سابقون تعرضوا للتعذيب أو سوء المعاملة أو شهدوا تعرض زملائهم المعتقلين لهذه الانتهاكات أثناء احتجازهم لدى السلطات العراقية، لمنظمة العفو الدولية إن هذه الحوادث وقعت بمعرفة أو حتى بحضور القوات الأمريكية.21

وأشارت نيويورك تايمزإلى حادثة وقعت في مارس/آذار 2005 في سامراء في أعقاب مداهمة مشتركة للقوات الأمريكية والقوات الخاضعة لسيطرة وزارة الداخلية العراقية. ووصف المراسل عمليات ضرب المعتقلين العراقيين من جانب نقيب في الشرطة العراقية بحضور الجنود الأمريكيين : "عوضاً عن ضربة أو صفعة سريعة، شاهدنا الآن وسمعنا سلسلة متواصلة من اللطمات. وسمعنا صوت قبضتي وجزمتي النقيب على جسد المعتقل، وسمعنا تأوهات الألم التي صدرت عن المعتقل بينما كان يلقى عقابه بدون مقاومة". وكما ورد أدلى نقيب في سلاح الجو الأمريكي كان حاضراً عند وقوع الحادثة بالملاحظات التالية : "إذا كنت أعتقد بأنهم سيطلقون النار على أحد أو يقطعون إصبعه أو يلحقون به أي نوع من الأذى الدائم، لتدخلت فوراً لمنعهم (...) وبوصفنا أمريكيين، لن ندع ذلك يحصل. وبالنسبة لركل رجل، فإنهم يفعلون ذلك على الدوام، ويوجهون لكمات وأشياء كهذه."22

لكن على المستويات العليا يبدو أن هناك آراء مختلفة داخل المؤسسة السياسية – العسكرية الأمريكية بالنسبة لمسؤولية الجنود الأمريكيين الذين يكونون شهوداً على حوادث التعذيب أو سوء المعاملة. ولدى سؤال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامزفلد في نوفمبر/تشرين الثاني 2005 عن استخدام السلطات العراقية للتعذيب، ورد أنه أجاب بأنه لا يعتقد أن على الجنود الأمريكيين الذين يشاهدون "المعاملة اللاإنسانية" للمعتقلين واجب التدخل لوقفها. بيد أن رئيس الأركان المشتركة الجنرال بيتر بيس، تدخل قائلاً "إذا كانوا حاضرين فعلياً عند حدوث المعاملة اللاإنسانية، سيدي، عليهم واجب وضع حد لها".23

تركة فضيحة سجن أبو غريب

في فبراير/شباط 2004، قدمت اللجنة الدولية للصليب الأمر تقريراً إلى قوات التحالف24 وصف انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي ارتكبتها هذه القوات في العراق. وتضمنت استخدام الوحشية ضد أشخاص محميين خلال القبض عليهم وبداية اعتقالهم، تسببت أحياناً بالوفاة أو الجروح الخطيرة، فضلاً عن مختلف أساليب التعذيب وسوء المعاملة التي مورست ضد المعتقلين. وأَحدَثَ عرض صور على الملأ في إبريل/نيسان 2004 تُظهر تعرض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة على أيدي الجنود الأمريكيين في سجن أبو غريب صدمة وذعراً وغضباً في كافة أنحاء العالم. وتبين في التحقيق العسكري الأمريكي اللاحق في العراق الذي ترأسه اللواء أنطونيو تاغوبا أن قوات التحالف كانت مسؤولة عن ارتكاب "انتهاكات منهجية وغير قانونية ضد المعتقلين" المحتجزين في سجن أبو غريب بين أغسطس/آب 2003 وفبراير/شباط 2004 وخلص إلى أن الجنود "ارتكبوا أفعالاً شنيعة وانتهاكات جسيمة للقانون الدولي في أبو غريب..."25

وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع معتقلين سابقين كشفوا بأنهم كانوا ضمن السجناء الذين تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة في حجز الولايات المتحدة في أبو غريب. وكان بينهم نساء قلن إنهن تعرضن للضرب والتهديد بالاغتصاب وللمعاملة المهينة وللحبس الانفرادي فترات طويلة. وقال معتقلون سابقون لمنظمة العفو الدولية إنهم أُرغموا عل الاستلقاء على الأرض وأيديهم مكبلة بالأصفاد ورؤوسهم مغطاة أو عيونهم معصوبة لفترات طويلة.وتعرضوا للضرب المتكرر وقُيِّدوا لفترات طويلة في أوضاع "ضاغطة" تسبب الألم، وتعرض بعضهم للحرمان من النوم وللوقوف المطول وللموسيقى الصاخبة والأضواء الساطعة، لكي يشعروا بالحيرة والارتباك كما يبدو.

ووثقت منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام شهادات أخرى لمعتقلين تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة في سجن أبو غريب. واشتكى المعتقلون الذكور من تعمد إذلالهم بإجبارهم على ممارسة العادة السرية أمام الجنديات وارتداء الملابس الداخلية للنساء. وتم إبقاؤهم عراة أحياناً طوال عدة أيام. وتم الاعتداء على المعتقلين وتهديدهم بالاغتصاب. وزعموا أيضاً أنهم أُرغموا على أكل لحم الخنـزير وتناول المشروبات الكحولية في انتهاك لمعتقداتهم الدينية والتنقل على الأطراف الأربعة تقليداً للكلاب.

وعُرضت على شريط فيديو الشهادة المسجلة التي أدلى بها أحد ضحايا أبو غريب،حسين مطر، كدليل في محكمة عسكرية أمريكية شُكلت في تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2005. وبحسب ما ورد اعتُقل حسين مطر للاشتباه بأنه سرق سيارة وتعرض للتعذيب وسوء المعاملة أثناء احتجازه في أبو غريب في نوفمبر/تشرين الثاني 2003. 26 وفي الأدلة التي عرضت على المحكمة العسكرية عرَّف عن نفسه بأنه واحد من عدد من السجناء الذين ظهروا في الصورة التي التقطها حارس أمريكي في السجن وظهر فيها عدد من المعتقلين الذكور العراة الذين أُرغموا على الاستلقاء فوق بعضهم البعض. كذلك تحدث عن شعوره بالإذلال والعار عندما أجبره الحراس الأمريكيون على ممارسة العادة السرية فوق زملائه السجناء : "لم أكن أتصور في البداية إمكانية حصول ذلك. لكنني تمنيت الموت وأن أتمكن من قتل نفسي، لأن أحداً هناك لم يوقف ما كان يجري".27

وفي أعقاب فضح الانتهاكات التي ارتُكبت ضد المعتقلين في أبو غريب في شتى أنحاء العالم في إبريل/نيسان 2004، أجرت السلطات الأمريكية تحقيقات ومراجعات مختلفة ومحاكمات عسكرية لعدد من حراس السجن الأمريكيين الذين ظهروا في الصور وهم يرتكبون الانتهاكات ضد السجناء. بيد أن هذه التحقيقات كانت بمعظمها تحقيقات عسكرية داخلية يبدو أنها ركزت على ذنب ذوي الرتب الدنيا في التسلسل القيادي العسكري، وليس على دور ومسؤوليات من هم أعلى رتبة، بمن فيهم المتربعون على القمة. فمثلاً في 10 مارس/آذار 2005، أصدرت السلطات الأمريكية ملخصاً للنتائج التي توصلت إليها مراجعة أجراها الفريق بحري ألبرت تي تشيرش المفتش العام لسلاح البحرية الأمريكي وأوعز وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامزفلد بإجرائها في مايو/أيار 2004. و"لم تجد المراجعة أية صلة بين سياسة الاستجواب والانتهاكات".28ولم يُنشر إلا الملخص التنفيذي على الرأي العام وظل تقرير "تشيرش"المؤلف من 378 صفحة سري. بيد أنه تبين أن تحقيق تشيرش تقاعس عن إجراء مقابلة مع أي معتقل عراقي حالي أو سابق. كما أنه لم يقابل الوزير رامزفلد.

وصرحت السلطات الأمريكية في مناسبات عديدة أن نظام الاعتقال الذي تطبقه في العراق شهد تغيراً جوهرياً منذ فضح الانتهاكات التي وقعت في سجن أبو غريب. وينص التقرير الدوري الثاني الذي قدمته حكومة الولايات المتحدة إلى لجنة مناهضة التعذيب في يونيو/حزيران 2005 على أن : "وزارة الدفاع قد أدخلت تحسينات على عمليات الاعتقال في العراق وسواه، استناداً إلى الدروس المستفادة، ويعود ذلك جزئياً إلى التحقيقات الواسعة والأخرى ال ?ركزة في مزاعم محددة. وتوضح بجلاء هذه التقارير والإصلاحات والتحقيقات وعمليات المقاضاة التزام وزارة الدفاع ببذل كل ما في وسعها لضمان عدم تكرار الانتهاكات التي ارتُكبت ضد المعتقلين في سجن أبو غريب مطلقاً."29بيد أنه تظل ترد أنباء حول ممارسة الجنود الأمريكيين للتعذيب وسوء المعاملة بعد كشف فضيحة سجن أبو غريب.30

وبينما جرت محاكمات عسكرية لعشرات الجنود الأمريكيين بشأن ارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين، ظل كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية بمنأى عن التحقيقات المستقلة. ووفقاً للحكومة الأمريكية، فإنه اعتباراً من 1 أكتوبر/تشرين الأول 2005، جرت 65 محاكمة عسكرية بشأن ارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين في العراق.31 وفي يونيو/حزيران 2004، حُكم على جنديين من جنود المارينـز الأمريكيين بالسجن لمدة ثمانية أشهر و12 شهراً من جانب محكمة عسكرية في العراق. واعترف كلا الرجلين بأنهما صعقا سجيناً عراقياً بالصدمات الكهربائية في سجن المحمودية، جنوب بغداد.32 وحوكم ما لا يقل عن تسعة جنود أمريكيين أمام محاكم عسكرية أمريكية بسبب مشاركتهم في حوادث تعذيب وسوء معاملة للمعتقلين في سجن أبو غريب استقطبت اهتماماً واسعاً. وتراوحت الأحكام بين إجراءات تأديبية لا تنطوي على الحبس وبين السجن لمدة 10 سنوات.33 وبحسب ما قالته الحكومة الأمريكية، يمكن أن يكون 54 عسكرياًمتورطينفي حوادث وقعت في سجن أبو غريب.34

ويساور منظمة العفو الدولية القلق من إصدار أحكام على عدد من الذين حوكموا وأُدينوا من جانب المحاكم العسكرية الأمريكية، بسبب ارتكابهم انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في العراق، بما فيها التعذيب أو سوء المعاملة، لا تعكس خطورة هذه الانتهاكات.

وفي سبتمبر/أيلول 2004، أُحيل ملازم أول في القوات البرية الأمريكية إلى المحاكمة العسكرية بتهم تتضمن التآمر والاعتداء المشدد والقتل غير العمد وعرقلة مجرى العدالة. وتتعلق القضية بحادثين وقعا في 5 ديسمبر/كانون الأول 2003 حيث أُلقي بمعتقل عراقي في نهر دجلة بالقرب من بلد، وفي 3 يناير/كانون الثاني 2004 حيث أُلقي بمعتقلين عراقيين اثنين من فوق جسر في نهر دجلة بالقرب من سامراء. وغرق أحد المعتقلين، وهو زيدون حسونالبالغ من العمر 19 عاماً، في الحادث الثاني. وكان الملازم أول يواجه عقوبة قصوى بالسجن مدتها 29 عاماً. وفي النهاية، حُكم عليه بالحبس لمدة 45 يوماً في أعقاب محاكمة عسكرية دامت يومين في فورت هود بتكساس، يومي 14 و15 مارس/آذار 2005. وبناء على اتفاق سابق للمحاكمة، لم تطلب السلطة الآمرة محاكمته بتهمة القتل غير العمد وعوضاً عن ذلك اعترف الجندي بتهم الاعتداء.35

وفي 23 يناير/كانون الثاني 2006، أدانت محكمة عسكرية أمريكية محققاً عسكرياً أمريكياً بقتل عبد حمد مووشوحكمت عليه بحسم 6000 دولار من راتبه على مدى الأشهر الأربعة التالية، وبتوجيه توبيخ رسمي له وقضاء 60 يوماً ممنوعاً من التنقل إلا بين منـزله ومكتبه والكنيسة التي ينتمي إليها. وتوفي عبد حمد مووش، وهو لواء في الجيش العراقي في عهد صدام حسين، في مرفق اعتقال أمريكي في القائم الواقعة في شمال غرب بغداد في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2003، بعد أسبوعين من تسليم نفسه إلى الجيش الأمريكي. وتوفي بعد استجوابه خلال دحرجته فيما كان رأسه وجسمه مغطيين بكيس للنوم وكان المحقق يجثم على صدره ويضع يديه على فمه. ووفقاً لشهادة الشاهد، لم يحاول المحقق التدخل بينما انهال الموظفون العراقيون في وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) على عبد حمد مووش بالضرب الوحشي بواسطة خراطيم. وكان المحقق المدان يواجه عقوبة قصوى بالسجن المؤبد بتهمة القتل. بيد أن المحكمة العسكرية أدانته بتهم أقل خطورة هي "القتل بطريق الإهمال والتقصير في أداء الواجب"، تحمل في طياتها عقوبة قصوى بالسجن تبلغ ثلاث سنوات.36

كذلك وُجهت تهم إلى عدة جنود بريطانيين بشأن الممارسة المزعومة للتعذيب أو سوء المعاملة ضد المعتقلين ووفاتهم. ففي 21 ديسمبر/كانون الأول 2005، قضت محكمة الاستئناف في إنجلترا وويلز في قضية ناجمة عن وفاة بهاء داوود سالم المالكي البالغ من العمر 26 (المعروف أيضاً ببهاء موسى) في سبتمبر/أيلول 2003 ووفاة خمسة عراقيين آخرين في قضية ر. (السكيني) ضد وزير الدفاع. وروى كبير القضاة بروك، عند النطق بالحكم، ما حدث عندما داهمت القوات البريطانية فندقاً في البصرة، كان يعمل فيه بهاء موسى كموظف استقبال، في صبيحة الرابع عشر من سبتمبر/أيلول 2003. فالجنود الذين كانوا يسعون إلى معرفة مكان أحد الشركاء الذين يديرون الفندق :

"قبضوا على عدد من الرجال الذين وجدوهم هناك، ومن ضمنهم بهاء موسى. وكان داوود موسى والد بهاء موسى ضابطاً في الشرطة طوال 24 سنة ووصل في حينها إلى رتبة عقيد في شرطة البصرة. وجاء إلى الفندق في صباح ذلك اليوم لأخذ ابنه في نهاية مناوبته، وأبلغ ... الملازم المسؤول عن الوحدة بأنه شاهد ثلاثة من جنوده يأخذون نقوداً من الخزنة ويضعونها في جيوبهم. وخلال زيارته شاهد أيضاً ابنه مستلقياً على أرض ردهة الفندق مع ستة موظفين آخرين في الفندق وأيديهم خلف رؤوسهم. وأكد له الملازم أن هذا تحقيق روتيني سينتهي خلال بضع ساعات. ولم يشاهد العقيد موسى ابنه حياً مرة ثانية. وبعد أربعة أيام استُدعي إلى وحدة للشرطة العسكرية للتعرف على جثة ابنه. وكانت مغطاة بالدماء والكدمات. وكان أنفه مصاباً بكسر بالغ، وكانت الدماء تسيل من أنفه وفمه، وكانت هناك بقع شديدة من الرضوض في كافة أنحاء جسده. ويتحدث شهود المدعين عن حملة متواصلة لإساءة معاملة الرجال الذين احتُجزوا، والذين أُصيب أحدهم بجروح بليغة، ويشيرون إلى أن بهاء موسى خُص بمعاملة وحشية جداً بسبب الشكاوى التي قدمها والده. واقتيد الرجال الذين قُبض عليهم من الفندق إلى قاعدة عسكرية بريطانية في مدينة البصرة تُسمى دار الضيافة."37

ومنذ ذلك الحين اتُخذت إجراءات للمحاكمات العسكرية، رغم أن المحاكمات لم تبدأ بعد، ضد سبعة عسكريين، بينهم الضابط الآمر الذي اتُهم بالإهمال في أداء الواجب. واتُهم ثلا

u1579?ة من العسكريين السبعة "بالمعاملة غير الإنسانية" للمعتقلين.38

وفي قضية أخرى، أعلن النائب العام في المملكة المتحدة اللورد غولد سميث في يوليو/تموز 2005 أن أربعة جنود بريطانيين سيُقدمون إلى المحاكمة بشأن وفاة أحمد جابر كريم علي، أحد أربعة رجال اعتُقلوا للاشتباه بارتكابهم أعمال سلبونهب بالبصرة في مايو/أيار 2003. وزُعم أن جنوداً بريطانيين، وجهوا لكمات وركلات إلى المتهمين كما زُعم، ثم ألقوا بهم في قناة شط البصرة مما أدى إلى غرق أحمد جابر كريم علي.39

وفي قضية أخرى، أدانت محكمة عسكرية ثلاثة جنود بريطانيين في فبراير/شباط 2005 بارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين في مايو/أيار 2003 في معسكر برِدباسكت (سلة الخبز) الكائن بالقرب من البصرة، وحكمت عليهم بالسجن بين 140 يوماً وسنتين.40

ويتمتع أفراد القوة المتعددة الجنسيات بالحصانة من المقاضاةبموجب القانون الجنائي والقانون المدني العراقيين، ينص قرار مجلس الأمن الدولي 1546 (2004) مع الرسائل المتبادلة المرفقة به بين السلطات العراقية والأمريكية. لذا تُترك كلياً مسألة التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها القوة المتعددة الجنسيات في العراق وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة للسلطات في بلادهم. ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن التحقيقات وعمليات المقاضاة العسكرية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد القوة المتعددة الجنسيات قد لا تستوفي المعايير الدولية للنـزاهة.

وتعتبر منظمة العفو الدولية أن ممارسة التعذيب وسوء المعاملة التي تعرض لها السجناء في سجن أبو غريب وغيره من أماكن الاعتقال التي تخضع لسيطرة دولتي الاحتلال قبل تسليم السلطة تصل إلى حد جرائم الحرب.41 وتواصل المنظمة دعوة الحكومات التي شاركت قواتها في العمليات العسكرية42في العراق إلى التأكد من عدم إفلات أي شخص يتبين أنه مسؤول عن ارتكاب جرائم حرب من العقاب، بغض النظر عن مركزه أو رتبته.

بدون توجيه الإتهام أو المحاكمة – الاعتقال على يدالقوة المتعددة الجنسيات

منذ غزو العراق في مارس/آذار 2003، اعتقلت القوات الأجنبية، وعلى رأسها القوات الأمريكية، عشرات الآلاف من الأشخاص، بدون توجيه الاتهام إليهمأو المحاكمة وبدون إعطائهم الحق في الطعن بشرعية اعتقالهم أمام هيئة قضائية. وبين أغسطس/آب 2004 ونوفمبر/تشرين الثاني 2005، نظرت هيئة إدارية للمراجعة (مجلس المراجعة والإفراج المشترك)،43 مؤلفة من ممثلين عن القوة المتعددة الجنسيات والحكومة العراقية، في ملفات حوالي 22000 معتقل وأوصت بإطلاق سراح حوالي 12,000 واستمرار اعتقال 10,000 آخرين.44والأغلبية العظمى من "المعتقلينالأمنيين" – أي الأشخاص المعتقلينبشأن النـزاع المسلح الدائر والذين تعتبرهم القوة المتعددة الجنسيات خطراً على الأمن - لم يُقدَّموا قط للمحاكمة. ووفقاً للبيانات الإحصائية التي جمعتها القوة المتعددة الجنسيات بحلول نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2005، حاكمت المحكمة الجنائية المركزية في العراق 1,301 مزعوم أنهم متمردون.45

وبالإشارة إلى وضع المعتقلين المحتجزين لدى القوة المتعددة الجنسياتفي العراق، صرح الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في التقرير الذي رفعه إلى مجلس الأمن في يونيو/حزيران 2005 قائلاً إن : "أحد أكبر التحديات على صعيد حقوق الإنسان يظل اعتقال آلاف الأشخاص بدون حمايةقانونية (...). والاعتقال المطول بدون مقابلة المحامين والمثول أمام المحكمة ممنوع بموجب القانون الدولي، بما في ذلك خلال حالات الطوارئ".46 وقد رفضت الولايات المتحدة الاتهامات زاعمة أنه أتيحت لجميع المعتقلين إجراءات قانونية بحسب الأصول والحقوق التي يتمتعون بها بموجب اتفاقيات جنيف.47

كذلك أعربت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق عن قلقها إزاء وضع الأشخاص المحتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات في العراق، في تعليق لها ورد في تقرير حقوق الإنسان الذي أصدرته في سبتمبر/أيلول 2005: "يستمر استخدام الاعتقالات الجماعية للأشخاص بدون مذكرات اعتقال في العمليات العسكرية التي تقوم بها القوة المتعددة الجنسيات في العراق. ويستمر ورود أنباء عمليات التوقيف والاعتقال التعسفية إلى مكتب حقوق الإنسان. وهناك حاجة ملحة لتوفير سبيل انتصاف للاحتجاز الطويل لأسباب أمنية بدون إشراف قضائي كاف".48

ويحتجز معظم "المحتجزين الأمنيين" في أربعة مرافق تخضع للسيطرة الأمريكية، وهي تحديداً معسكر بوكا الكائن بالقرب من البصرة، وسجن أبو غريب49 في بغداد، ومعسكر كروبر في بغداد وفورت سوسا بالقرب من السليمانية، والذي بدأ تشغيله في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2005. 50وإضافة إلى ذلك، تحتجز القوات الأمريكية معتقلين بصورة مؤقتة في مرافق الاحتجاز التابعة لمختلف الألوية والفرق في شتى أنحاء البلاد.51ويُحتجز عدد صغير من "المعتقلين الأمنيين" لدى القوات البريطانية في مرفق الاعتقال الكائن في معسكر الشعيبة، بالقرب من البصرة. ووفقاً لوزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، فإن القوات البريطانية كانت تحتجز في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2005، 33 معتقلاً أمنياً، ليس بينهم أي نساء أو أطفال، وذلك في مرفق الاعتقال التابع لها في الشعيبة.52

وفي بداية العام 2004، أصدرت سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة السفير الأمريكي بول بريمر قائمة بأسماء حوالي 8500 معتقل في موقعها على شبكة الإنترنت. بيد أنه يُعتقد بأن الرقم الحقيقي للمحتجزين أعلى من ذلك بكثير.53وعندما حُلت السلطة المؤقتة للائتلاف في يونيو/حزيران 2004، انخفض عدد المعتقلين لدى قوات التحالف إلى زهاء 6400 شخص، وفقاً لمسؤول عسكري أمريكي. بيد أنه منذ انتقال السلطة ازداد عدد المعتقلين لدى القوة المتعددة الجنسيات بثبات.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، صرح ال�580?نرال جفري ميلر، الرئيس الأمريكي للعمليات الخاصة بالمعتقلين العراقيين في حينه، بأن القوة المتعددة الجنسيات تحتجز حوالي 8,300 معتقل.55وفي 1 إبريل/نيسان 2005، قدَّرت وزارة الخارجية الأمريكية عدد المعتقلين بحوالي 10,000 شخص.56 ووفقاً للموقع الإلكتروني الرسمي للقوة المتعددة الجنسيات، فإنه في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2005، كان هناك أكثر من 14,000 معتقل أمني محتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات، موزعين على مراكز الاعتقال الأربعة الرئيسية الخاضعة للسيطرة الأمريكية على النحو التالي : سجن أبو غريب (4710 معتقلاً) ومعسكر بوكا (7365 معتقلاً) ومعسكر كروبر (138 معتقلاً)وفورت سوسا (1176 معتقلاً)، فضلاً عن مرافق الاحتجاز لدى مختلف الألوية والفرق العسكرية (650 معتقلاً).57

الخلفية القانونية للاعتقالات على يدالقوة المتعددة الجنسيات

في أعقاب الغزو الذي جرى بقيادة الولايات المتحدة في مارس/آذار 2003، كان العراق في حالة نزاع مسلح دولي. وبالتالي، فإن الأشخاص المحرومين من حريتهم من جانب قوات الاحتلال كانوا أشخاصاً محميين بموجب القانون الإنساني الدولي– إضافة إلى قانون حقوق الإنسان المنطبق –، لاسيما الاتفاقية الثالثة (الاتفاقية المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب) أو الاتفاقية الرابعة (الاتفاقية المتعلقة بحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب) من اتفاقيات جنيف للعام 1949. وحرمان شخص من حريته بأمر من السلطة التنفيذية من دون توجيه تهم إليه يشار إليه بالاعتقال الإداري أو الاحتجاز. وتنص اتفاقية جنيف الرابعة التي تنطبق على أوضاع النـزاع المسلح الدولي على أن الاحتجاز "لا يمكن أن يؤمر به إلا إذا كان أمن الدولة التي تقوم بالاعتقال يجعل منه ضرورياً تماماً."

ومع تسليم السلطة في يونيو/حزيران 2004 تغير الوضع القانوني؛ ومنذ ذلك الحين يعتبر العراق في وضع نزاع مسلح غير دولي بين القوة المتعددة الجنسيات وقوات الأمن العراقية من جانب والمتمردين من جانب آخر. لذا، لم تعد اتفاقيات جنيف تنطبق بالكامل على الأشخاص المعتقلين بشأن النـزاع المسلح الدائر. وفي هذا الوضع، تكون جميع الأطراف، بمن فيها القوة المتعددة الجنسيات ملزمة بالمادة 3 المشتركة في اتفاقيات جنيف وبالقواعد العرفية المنطبقة على النـزاعات المسلحة غير الدولية، فضلاً عن قانون حقوق الإنسان. وتقضي المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع أن يُعامل أولئك الذين يخضعون للاعتقال معاملة إنسانية، رغم أنها لا تتضمن نصوصاً تفصيلية تنظم هذا الاعتقال.

ومنذ تسليم السلطة، تشير القوة المتعددة الجنسيات إلى قرار مجلس الأمن الدولي 1546 على أنه يقدم الأساس القانوني للقوةالمتعددة الجنسياتلكي تحتجز أشخاصاً في العراق. فالقرار 1546، مع الرسائل المرفقة به المتبادلة نيابة عن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول ونيابة عن رئيس الوزراء العراقي إياد علاوي، يمنح القوة المتعددة الجنسيات سلطة اللجوء إلى "الاحتجاز حيث تدعو الضرورة لأسباب أمنية قهرية". ولسوء الحظ، لا ترد إشارة في القرار 1546 إلى الضمانات القانونية التي تُطبق على عمليات التوقيف أو الاعتقال أو الاحتجاز التي تنفذها قوات مسلحة تنتمي إلى دول تساهم في القوة المتعددة الجنسيات. بيد أن المملكة المتحدة والولايات المتحدة صرحتا أن سياسات الاحتجاز التي تنتهجانها تخضع أيضاً للمذكرة رقم 3 (المنقحة) الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة في يونيو/حزيران 2004، 58 والتي تحدد عملية توقيف واعتقال المتهمين الجنائيين، فضلاً عن الإجراءات المتعلقة "بالمحتجزين (المعتقلين) الأمنيين" الذين يعتقلهم أفراد القوة المتعددة الجنسيات بعد 28 يونيو/حزيران 2004.

وهذه المذكرة الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة، والتي نُقحت قبل يوم واحد فقط من تسليم السلطة، تورد بالتفصيل السلطة التي تتمتع بها القوة المتعددة الجنسيات في اعتقال أشخاص في العراق. وتتحدث بإسهاب عن بعض الإجراءات التفصيلية المتعلقة بالاعتقالات التي تجريها القوة المتعددة الجنسيات وتميز بين "المعتقلين الجنائيين" و"المعتقلين الأمنيين".59وفيما يتعلق بالمعتقلين الجنائيين تنص الوثيقة على أن : "(...) القوة المتعددة الجنسيات تتمتع بالحق في اعتقال أشخاص يشتبه في أنهم يرتكبون أفعالاً إجرامية ولا يُعتبرون معتقلين أمنيين (يشار إليهم فيما يلي بعبارة : "المعتقلين الجنائيين") وسيُسلمون إلى السلطات العراقية بأسرع ما يمكن عملياً".60

وقد حددت المذكرة بعض القواعد الأساسية لاعتقال "المعتقلين الأمنيين"، فيما يتعلق بإجراءات المراجعة ومقابلتهم وغيرها من جوانب أوضاعهم، والفترة القصوى لاحتجاز الأطفال.61 وتنص المذكرة 3 الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة على أن أي شخص يُحتجز مدة تزيد على 72 ساعة يحق له أن يعاد النظر في قرار احتجازه خلال سبعة أيام وبعد ذلك في فترات زمنية لا تزيد كل منها على ستة أشهر. كذلك تنص المذكرة على أن يكون "تشغيل أي مرفق احتجاز تقيمه القوة المتعددة الجنسيات وأوضاعه ومعاييره متماشياً مع الباب الرابع من اتفاقية جنيف الرابعة".62

وتعاني الإجراءات الواردة في مذكرة سلطة الائتلاف المؤقتة من عيوب خطيرة لأنها لا تستوفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تكفل حقوق المعتقلين – لاسيما الحق في مقابلة محامي والحق في الطعن بقانونية الاعتقال أمام المحكمة.

وإضافة إلى نصوص القانون الإنساني الدولي المتعلقة بالنـزاع المسلح غير الدولي المحددة أعلاه، يظل قانون حقوق الإنسان قابلاً للتطبيق في العراق. والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والعراق جميعها دول أطراف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على ضمانات أساسية لحماية المعتقلين. وكما أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان (هيئة الخبراء التابعة للأمم المتحدة المسؤولة عن الإشراف على تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق �575?لمدنية والسياسية)، فإن القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان يكملان بعضهما البعض بالكامل خلال أوقات النـزاع المسلح.63ولا تتضمن المعاهدات ذات الصلة التي تنظم النـزاع المسلح غير الدولي64 قواعد محددة تتعلق بأسئلة مثل طول المدة والإجراءات (يقبلالبرتوكولالإضافيالثانيالملحقباتفاقياتجنيفالاحتجاز لكنه لا ينظمه)، التي يمكن بموجبها اعتقال الأشخاص. وقانون حقوق الإنسان هو الذي يتناول بصورة مباشرة وصريحة هذه المسألة.

وتعتبر منظمة العفو الدولية أن نظام الاعتقال الأمني الذي تطبقه القوة المتعددة الجنسيات في العراق تعسفياً – إذ ينتهك حقوق الإنسان الأساسية. ويتمتع جميع المعتقلين، بمن فيهم المعتقلون الأمنيون، بالحماية بموجب المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أنه لا يجوز تعريض أحد للاعتقال التعسفي وأن الحرمان من الحرية يجب أن يستند إلى أسس وإجراءات يُحددها القانون (المادة 1). وينبغي أن يتمكن المعتقلون من المثول أمام محكمة مخولة بإصدار أحكام دون تأخير حول قانونية اعتقالهم وإصدار أمر بالإفراج عنهم إذا تبين أن الاعتقال غير قانوني (الفقرة 4).65 وتنطبق هذه الشروط على "كل شخص حُرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال" وبالتالي تنطبق بالكامل على أولئك الذين تعتقلهم القوة المتعددة الجنسيات.

ويجيز العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (بموجب الفقرة 4) الانتقاص من بعض نصوصه خلال حالات الطوارئ المعلنة، بما في ذلك خلال النـزاع المسلح. بيد أنه لا يسمح بالتدابير التي تنتقص من العهد إلا إذا كان الوضع يشكل تهديداً لحياة الأمة وبالقدر الذي يكون فيه كذلك. وقد شددت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على أنه "لا يجوز للدول الأطراف تحت أي ظرف من الظروف الاعتداد بالمادة 4 من العهد كمبرر للتصرف على نحو مخالف للقانون الإنساني أو المعايير القاطعة للقانون الدولي، مثلاً ... من خلال الحرمان التعسفي من الحرية".66بيد أن أياً من حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة لم تتخذ الخطوات الضرورية رسمياً للانتقاص من أي من الواجبات المترتبة عليها بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (هذا الانتقاص الذي يقتضي من الحكومات إخطار اللجنة المعنية بحقوق الإنسان رسمياً بعزمهاعلى الانتقاص من النصوص ذات الصلة في العهد المذكور).

وينبغي أن يتمتع المعتقلون في جميع الأوقات بالحق في سبيل انتصاف فعال (المادة 3(2))من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)، بما في ذلك استصدار أمر للمثول أمام المحكمة، بحيث يمكن لها أن تبت دون إبطاء في قانونية الاعتقال وتأمر بالإفراج عنهم إذا كان الاعتقال غير قانوني (المادة 9(4)).67وينبغي جلب الشخص المعتقل للاشتباه في قيامه بنشاط إجرامي للمثول دون إبطاء أمام قاض (المادة 9(3) من العهد المذكور) وإما الإفراج عنه أو تقديمه لمحاكمة عادلة أمام هيئة قضائية مستقلة وحيادية مؤسسة بموجب القانون (المادة 14 من العهد المذكور).

عملية المراجعة

اعتقلت القوات الأمريكية في أغسطس/آب 2004 جواد م68، وهو مواطن عراقي عمل لدى هذه القوات في القواعد العسكرية ببغداد. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2004 حصل على وثيقة من مكتب نائب الجنرال الآمر، لشؤون عمليات المعتقلين، في القوة المتعددة الجنسيات في العراق، أبلغته بعقد جلسةقريبة لإعادة النظر وتضمنت الاتهام التالي المؤلف من جملة واحدة : "جمع معلومات حول المترجمين الشفويين والموظفين لدى القوة المتعددة الجنسيات". ولم يرد أي توضيح أو إشارة أخرى إلى أية قوانين ذات صلة. ولم توجه إليه تهم أو يُقدَّم للمحاكمة. وتولت إعادة النظر في قضيته هيئة إدارية لم يُسمح له بالمثول أمامها. وعقب الإفراج عنه من سجن أبو غريب في بداية العام 2005، أبلغ جواد م. منظمة العفو الدولية أنه ما زال لا يعرف أسباب اعتقاله. وقال : "كان عبثاً، لقد مكثت هناك خمسة أشهر وكنت أعرف أنه لا أحد يستطيع أن يفعل أي شيء. وحتى الآن لا أعرف لماذا أودعوني السجن ولماذا أُطلق سراحي ومن الذي اتخذ القرار".

وتوضح قضية جواد م. الطريقة التي يعتقل فيها العديد من المعتقلين بصورة تعسفية من جانب القوة المتعددة الجنسيات. وفي انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، احتُجز عشرات الآلاف من المعتقلين طوال أسابيع أو أشهر والآلاف لمدة تزيد على عام واحد بدون توجيه الاتهام إليهمأو محاكمتهم وبدون منحهم حق الطعن في قانونية اعتقالهم أمام هيئة قضائية. ولم يتلقوا أية معلومات تتعلق بأسباب اعتقالهم، وما إذا كانت ستُوجه إليهم تهم ويقدمون للمحاكمة أو إذا لم يكن الأمر كذلك، فإلى متى يحتمل أن يظلوا معتقلين.

وكما هو مبين أدناه بالتفصيل، أنشأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة نظامين منفصلين لمراجعة حالات المعتقلين المحتجزين لدى قوات كل منهما. والقاسم المشترك بين كلا النظامين هو أنهما لا يستوفيان القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان – بما في ذلك شرط إشراف المحكمة على الاعتقال.ورغم مشاركة هيئات استشارية في العملية، إلا أن القرار النهائي حول الإفراج عن الشخص المعتقل أو استمرار اعتقاله يعود إلى القادة العسكريين.

مراجعة وضع المعتقلين لدى القوات الأمريكية

انتقد وزير العدل العراقي عبد الحسين شندل في سبتمبر/أيلول 2005 إجراءات الاعتقال المتبعة لدى القوة المتعددة الجنسيات. واشتكى في حديث إلى وكالة رويترز للأنباء من أنه : "لا يجوز توقيف أي مواطن بدون أمر صادر عن المحكمة (...). وهناك انتهاك [لحقوق الإنسان] بسبب هذه الاعتقالات التي تشرف عليها القوة المتعددة الجنسيات ولا تخضع لإشراف وزارة العدل".69

لكن منذ تسليم السلطة في منتصف العام 2004، شاركت السلطات العراقية في مراجŸ?ة حالات المعتقلين المحتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات تماشياً مع التغييرات التي أعلنتها وزارة الدفاع الأمريكية في أغسطس/آب 2004. 70

وبعد التسليم، أنشئت هيئة سُميت مجلس المراجعة والإفراج المشترك تضم ممثلين اثنين عن كل من وزارات العدل والداخلية وحقوق الإنسان العراقية وثلاثة ضباط من القوة المتعددة الجنسيات. وتراجع هذه الهيئة حالات المعتقلين وتصدر توصيات تتعلق بالإفراج عنهم أو استمرار اعتقالهم – ووفقاً لما قاله مسؤولو وزارة حقوق الإنسان العراقية، تصدر هذه التوصيات بالأغلبية ولا يتمتع أي من أعضاء المجلس بحق النقض (الفيتو) – لكن توصياتها ليست ملزمة وإن نائب الجنرال الآمر للقوة المتعددة الجنسياتلشؤون عمليات المعتقلين هو الذي يقرر ما إذا كان المعتقل يجب أن يُفرج عنه أم لا بعد التشاور أولاً مع وزير العدل العراقي.71

وتضمن التقرير الذي قدمته حكومة الولايات المتحدة في العام 2005 إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب الوصف التالي لعملية مراجعة الاعتقال : "عندما تأسره وحدة الاعتقال، يُنقل المعتقل بأسرع وقت ممكن إلى مرفق اعتقال في مسرح العمليات. ويتولى قاضٍ عسكري مراجعة اعتقال الشخص لتقييم ما إذا كان اعتقاله سيستمر أو سيُفرج عنه. فإذا استمر الاعتقال، يتولى مجلس المراجعة والإفراج المشترك المسؤولية عن المراجعة التالية لما إذا كان استمرار الاعتقال مناسباً".72

وتنص المذكرة رقم 3 الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة على أن يعقب المراجعة التي تجري خلال سبعة أيام مزيد من المراجعات في فواصل زمنية لا تزيد مدة كل منها على ستة أشهر. ويبدو أنه يتم احترامها عموماً، مع إجراء بعض المراجعات في فترات أقصر من ذلك. وعند النظر في الحالات، يكون أمام مجلس المراجعة والإفراج المشترك ثلاثة خيارات محتملة يوصي بها : الإفراج غير المشروط، أو الإفراج مع ضامن مناسب من المجتمع الذي ينتمي إليه المعتقل، أو استمرار الاعتقال. ولا يُسمح للمعتقل ولا لمحاميه بحضور عمليات المراجعة هذه، رغم أنه تم تشجيع المعتقلين كما ورد على تقديم دفوع خطية إلى مجلس المراجعة والإفراج المشترك.

وفي الفترة الفاصلة بين إنشاء مجلس المراجعة والإفراج المشترك في أغسطس/آب 2004 و28 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، راجع المجلس المذكور ملفات 21,995 معتقلاً، بينهم 4,426 أوصى بالإفراج غير المشروط عنهم، و7,626 بالإفراج عنهم مع ضامن و9,903 باستمرار اعتقالهم.73ووفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية، يأخذ مجلس المراجعة والإفراج المشترك بعين الاعتبار، عند إصدار قرار، "ملابسات أسر المعتقل، وطول مدة الاعتقال قبل إجراء المراجعة ومدى التعاون الذي يبديه، واحتمال قيامه بمزيد من الأفعال المناهضة للعراق إذا أُفرج عنه".74

وفي التقرير الذي قدمته إلى لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، أشارت الحكومة الأمريكية إلى ممارسة وجود قاض عسكري لإجراء المراجعة الأولية خلال سبعة أيام، لكن هذه المراجعات تبدو عموماً بأنها على الورق فقط، حيث يُنظر في ملف المعتقل بدون حضوره.

لكن في إحدى الحالات التي حظيت باهتمام إعلامي كبير، سُمح لمعتقل أمني بالحضور خلال مراجعة اعتقاله التي تولاها ضباط في الجيش الأمريكي. لكن إجراءات المراجعة التي اتُبعت في حالة المواطن الأمريكي سايروس كارالبالغ من العمر 44 عاماً، وهو مخرج أفلام، اختلفت عن الإجراء المعتاد. واعتُقل كار ومصوره فرشيد فرجي، في 17 مايو/أيار 2005 على يد قوات الأمن العراقية أثناء ركوبهما في سيارة أجرة ببغداد. وبينما احتُجز فرشيد فرجي مدة تقارب الشهرين من جانب السلطات العراقية، سُلِّم سايروس كار إلى القوات الأمريكية. ومُنع كار من مقابلة محام خلال اعتقاله، لكن في 4 يوليو/تموز2005جُلب للمثول أمام مجلس للمراجعة ضم ثلاثة ضباط أمريكيين. وأُفرج عنه في 10 يوليو/تموز علق بعدها بالقول إنني : "أكن احتراماً شديداً للجنود العاديين الأمريكيين، لكن النظام منهار. فعندما يُعتقل عراقي هناك، يخرج غاضباً ويريد الانتقام".75

مراجعة وضع المعتقلين لدى القوات البريطانية

تتولى لجنة مراجعة الاعتقال التابعة للفرقة مراجعة حالات المعتقلين الذين تحتجزهم القوات البريطانية، والتي تضم ضباطاً من القوة المتعددة الجنسيات بصورة حصرية. وأعضاؤها هم رئيس أركان القوات البريطانية وضابط آخر عالي الرتبة وكبير المسؤولين القانونيين وموظف قانوني آخر وكبير المستشارين السياسيين.76 بيد أن القرار النهائي حول ما إذا كان سيتم استمرار احتجاز المعتقل أو إطلاق سراحه يعود إلى الضابط الآمر الحاكم.

ويجب أن تجري المراجعة الأولية خلال 48 ساعة77من الاعتقال، وبعد ذلك شهرياً.78ويجوز للشخص المحتجز تقديم دفوع خطية إلى لجنة مراجعة الاعتقال التابعة للفرقة، ولكن لا يجوز له ولا لممثله القانوني الحضور عندما تجري اللجنة مراجعة لحالته.

ويبلغ الضابط الآخر الحاكم المعتقل كتابة شارحاً الأسباب، متى يتقرر وجوب استمرار اعتقاله. بيد أن القلق يساور منظمة العفو الدولية من أنه حتى بعد أشهر من الاعتقال، تستمر القوة المتعددة الجنسيات باحتجاز المعتقل من دون تزويده هو أو محاميه بأدلة جوهرية تبرر اعتقاله.

فمثلاً اعتُقل مواطن يحمل الجنسيتين البريطانية والعراقية اسمه هلال عبد الرزاق علي الجدةوعمره 48 عاماً منذ إلقاء القبض عليه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2004 في بغداد. ورفع دعوة ضد وزير الدفاع البريطاني يطعن فيها باعتقاله في العراق رفضتها المحكمة العليا لإنجلترا وويلز في 12 أغسطس/آب 2005. لكن المحكمة لاحظت أنه "رغم اعتقاله لأسباب أمنية قهرية، إلا أن المستدعي لم يتهم بارتكاب أي جرم؛ ويعترف وزير الدفاع أنه، بناء على الوضع الراهن، لا تتوافر أدلة كافية يمكن استخدامها في المحكمة لدعم توجيه تهم جنائية إليه. لذا يعتقل المستدعي ببساطة على أساس وقائي."

fs20 79 وفي منتصف فبراير/شباط 2006، ظل هلال عبد الرزاق علي الجدة محتجزاً بدون توجيه الاتهام إليه أو محاكمته لدى قوات المملكة المتحدة. وفي يناير/كانون الثاني 2006، نُظر في استئناف ضد القرار الصادر عن المحكمة العليا في محكمة الاستئناف في إنجلترا وويلز، لكن الحكم يُنتظر أن يصدر في منتصف فبراير/شباط.

طول مدة الاعتقال

توجد نصوص مختلفة بالنسبة للمعتقلين المحتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات منذ الفترة السابقة لانتقال السلطة في منتصف العام 2004 إلى حكومة عراقية جديدة، وبالنسبة للمعتقلين منذ ذلك الحين. ويجوز احتجاز المعتقلين في الفئة الأولى إلى أجل غير مسمى، في حين أن المعتقلين والمحتجزين منذ 30 يونيو/حزيران 2004، وفقاً للمذكرة رقم 3 الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة "يجب إما الإفراج عنهم من الاحتجاز أو نقلهم إلى الولاية القضائية الجنائية العراقية في موعد لا يتجاوز 18 شهراً من تاريخ إدخالهم إلى مرفق احتجاز تابع للقوة متعددة الجنسية".

بيد أن هذا الشرط للإفراج بعد 18 شهراً ليس مطلقاً. فحتى المعتقلين الذين احتُجزوا بعد تسليم السلطة يمكن احتجازهم لفترات أطول بموافقة لجنة الاعتقال المشتركة. وهذا يستلزم تقديم طلب لتمديد الاحتجاز إلى لجنة الاعتقال المشتركة قبل شهرين من انتهاء فترة الاحتجاز الأولية البالغة 18 شهراً؛ فإذا وافقت اللجنة المذكورة على استمرار الاعتقال، عليها أن تحدد المدة. ووفقاً للتقرير السنوي لحقوق الإنسان للعام 2005 الصادر عن وزارة الخارجية والكومنولث، والذي صدر في يوليو/تموز 2005، لم يتمدعوة لجنة الاعتقال المشتركة إلى الاجتماع بالنسبة للمعتقلين لدى المملكة المتحدة، لأن أياً منهم لم يُحتجز مدة تصل إلى 18 شهراً.80ولكن في منتصف فبراير/شباط 2006، قُدم إلى لجنة الاعتقال المشتركة طلب لتمديد احتجاز 266 معتقلاً إلى ما بعد مدة الـ 18 شهراً.81

ويساور منظمة العفو الدولية القلق على مئات المعتقلين الأمنيين الذين اعتقلوا لدى القوة المتعددة الجنسيات منذ الفترة التي سبقت تسليم السلطة، وربما يُحتجزون إلى ما لا نهاية. وفي رسالة إلى منظمة العفو الدولية مؤرخة في 19 فبراير/شباط 2006، بعث بها اللواء غاردنر، قائد القوة الخاصة 134، المولجة بعمليات الاعتقال في القوة المتعددة الجنسيات، ذكر أنه في نهاية العام 2005، كان عدد المعتقلين الأمنيين المحتجزين لمدة تزيد على 18 شهراً يُقدَّر بـ 751 معتقلاً.82 وأكدت الرسالة أن موافقة لجنة الاعتقال المشتركة على إبقاء المعتقل إلى ما بعد 18 شهراً غير لازمة إلا "للمحتجزين المعتقلين بعد 30 يونيو/حزيران 2004".83

وترى منظمة العفو الدولية أن الاحتجاز إلى أجل غير مسمى من جانب القوة المتعددة الجنسيات فيما يتعلق بالمعتقلين الأمنيين المحتجزين منذ مدة سابقة لتسليم السلطة غير قانوني. ووفقاً لمجموعة العمل المعنية بالاعتقالات التعسفية (التي شكلتها لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان) فإنه : "فيما يتعلق بحالات الانتقاص غير القانونية والمتعارضة مع الواجبات المترتبة على الدول بموجب القانون الدولي، تعيد مجموعة العمل التأكيد بأن الحرب على الإرهاب ربما تستلزم على نحو لا يمكن إنكاره فرض قيود محددة على بعض الضمانات، بما فيها تلك المتعلقة بالاعتقال والحق في محاكمة عادلة. ومع ذلك تشير إلى أنه في أية ظروف وأياً يكن التهديد، هناك حقوق لا يمكن الانتقاص منها، وأنه لا يجوز بأية حال أن يستمر الاعتقال بناءً على قانون للطوارئ إلى ما لا نهاية، ومن الأهمية أن تتوافق التدابير المعتمدة في حالات الطوارئ توافقاً تاماً مع مدى الخطر الذي يُعتد به".84

كذلك ترى منظمة العفو الدولية أن الاحتجاز إلى أجل غير مسمى يمكن أن يشكل انتهاكاً للحظر المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وأي حرمان من الحرية، حتى عندما يُنفَّذ وفقاً للقانون الإنساني الدولي، من المحتم أن يتسبب ببعض الإجهاد أو بدرجة من المعاناة النفسية للمعتقل وعائلته، رغم أن هذا لا يجعل الحرمان تلقائياً غير قانوني. بيد أن القلق يساور منظمة العفو الدولية إزاء حرمان "المعتقلين الأمنيين" المحتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات، من حريتهم في ظروف تسبب ألماً لا لزوم له، مثل الاعتقال إلى أجل غير مسمى وبمعزل عن العالم الخارجي، ولا يمكن تبريرها بأنها تشكل جزءاً لا مفر منه من "العقوبة القانونية".85 وتبين للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أن الاعتقال الإداري من جانب طرف في نزاع مسلح قد يشكل معاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، استناداً إلى الطول المفرط لمدتها من جملة أمور.86وإضافة إلى ذلك، أشارت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان إلى "الاعتقال الإداري" الطويل إلى أجل غير مسمى بأنه يتعارض مع المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تحظر، من جملة أشياء، التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.87

ويتسبب الاعتقال إلى أجل غير مسمى بحالة من الشكوك والألم النفسي لدى العديد من المعتقلين في العراق – الذين يظل بعضهم محتجزاً طوال أكثر من سنتين. وقد أعرب العديد من أقرباء المعتقلين الذين أجرت منظمة العفو الدولية اتصالات منتظمة معهم عن شعورهم باليأس والقنوط. فعلى سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2006، تلقت المنظمة الاتصال التالي عبر رسالة بالبريد الإلكتروني بعث بها رجل ما برح شقيقه محتجزاً ما يقرب من العامين :

"شكراً على رسالتكم الإلكترونية وعلى قلقكم على شقيقي. وليس هناك تغيير ولا تطور في القضية. ومن الصعب جداً علي زيارته لأنه موجود الآن في البصرة. وهناك مشاكل عديدة تواجه السنّة الذين يتوجهون إلى البصرة لزيارة أقربائهم. وإضافة إلى ذلك، من الصعب جداً الحصول على إذن من الجنود الأمريكيين لزيارته. وليست هناك أية تهم. والآن فقدنا الأمل في استرجاعه."

إن عدد المعتقلين منذ زمن طويل ازداد كما ورد منذ سبتمبر/أي04?ول 2005. ووفقاً لوزارة حقوق الإنسان العراقية، فإنه في 28 سبتمبر/أيلول 2005، كان هناك1,443 معتقلاً محتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات لأكثر من سنة واحدة. بيد أنه وفقاً للأرقام التي قدمها المسؤولون الأمريكيون في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2005، فإنه من بين ما يقرب من 13,900 معتقل محتجزين لدى القوة المتعددة الجنسيات، هناك زهاء 3,800 معتقل محتجزين مدة تزيد على السنة وأكثر من 200 محتجزين مدة تزيد على السنتين.88

ولدى منظمة العفو الدولية معلومات حول معتقلين كانوا في بداية العام 2006 قد أمضوا أكثر من سنتين رهن الاحتجاز بدون توجيه الاتهام إليهم أو محاكمتهم. فمثلاً، ظل كمال محمد عبد الله الجيبوري، وهو جندي سابق عمره 43 عاماً متزوج ولديه 11 طفلاً، محتجزاً في مطلع فبراير/شباط 2006، بعد مضي قرابة العامين على اعتقاله بدون توجيه الاتهام إليه أو محاكمته. وكان قد اعتُقل في 5 فبراير/شباط 2004 من جانب القوات الأمريكية في قرية الخسم في محافظة صلاح الدين. واحتُجز في سجن أبو غريب في البداية، لكنه نُقل إلى معسكر بوكا الكائن بالقرب من البصرة في مايو/أيار 2005. ومنذ نقله، بات من الصعب جداً على أقربائه زيارته. كذلك اعتقلت القوات الأمريكية اثنين من أقرباء كمال محمد عبد الله الجيبوري، كلاهما في الأربعين تقريباً، في 5 فبراير/شباط 2004 في قرية الخسم. وكما ورد نقل أحدهما على الأقل في نهاية العام 2005 إلى فورت سوسا بالقرب من السليمانية في شمال العراق. واعتباراً من فبراير/شباط 2006، كان الرجلان، شأنهما شأن كمال محمد عبد الله الجيبوري، ما زالا محتجزين بدون توجيه الاتهام إليهم أو محاكمتهم.

معاملة المعتقلين

رغم أن السلطات الأمريكية اتخذت تدابير مختلفة لحماية السجناء بعد فضيحة سجن أبو غريب، إلا أنه يستمر ورود أنباء حول ممارسة التعذيب أوسوء المعاملة ضد المعتقلين على أيدي الجنود الأمريكيين. وفي سبتمبر/أيلول 2005، حُكم على عدة أعضاء في فوج المشاة 184 التابع للحرس الوطني الأمريكي بالسجن بسبب صلتهم بممارسة التعذيب أو سوء المعاملة ضد العراقيين الذين ورد أنهم اعتُقلوا في مارس/آذار 2005 في أعقاب هجوم شُن على محطة للطاقة الكهربائية تقع بالقرب من بغداد.89 ووفقاً للأنباء التي تناقلتها وسائل الإعلام، تضمنت الانتهاكات استخدام مسدس للصعق بالصدمات الكهربائية ضد معتقلين مكبلي الأيدي بالأصفاد ومعصوبي الأعين.90 وأشارت لوس أنجلوس تايمزإلى فرد من أفراد الكتيبة ذكر أن "مسدس الصعق استخدم على خصيتي رجل واحد على الأقل".91

وجرى التحقيق في الانتهاك بعدما اكتشف أحد الجنود غير المشاركين في سوء المعاملة مشاهد من فيلم يبين أجزاءً من الانتهاكات في جهاز حاسوب نقال. ووُجهت إلى ما لا يقل عن اثني عشر جندياً من فوج المشاة الـ 184 التابع للحرس الوطني تهم بسوء السلوك "المتعلق بارتكاب انتهاكات وسوء معاملة ضد المعتقلين". وحكم على ثلاثة عرفاء بالسجن مدداً تتراوح بين خمسة أشهر واثني عشر شهراً وعلى أربعة جنود آخرين بالأشغال الشاقة.92

وفي حادثة أخرى، وُجهت اتهامات إلى خمسة جنود من فوج حراس رينجر (حراس الغابة) الخامس والسبعين أمام محكمة عسكرية بشأن مزاعم ارتكاب انتهاكات ضد المعتقلين. ونجمت القضية عن حادثة وقعت في 7 سبتمبر/أيلول 2005 عندما زُعم أن ثلاثة معتقلين تعرضوا للكم والركل من جانب خمسة جنود أمريكيين بينما كانوا ينتظرون نقلهم إلى مرفق اعتقال.93 وفي 21 ديسمبر/كانون الأول 2005 أُعلن أنه حكم على خمسة جنود بالحبس لفترات تتراوح بين 30 يوماً وستة أشهر وبتخفيض رتبهم.94

ولاحظت منظمة العفو الدولية بأنه في الحالات الواردة أعلاه، اتخذ المسؤولون الأمريكيون كما يبدو إجراءات سريعة للتحقيق في مزاعم الانتهاكات ومقاضاة الجناة. بيد أنه نظراً لاستمرار التعذيب أوسوء المعاملة، يساور المنظمة القلق إزاء عدم وجود ضمانات كافية لحماية المعتقلين من تكرار الانتهاكات.

وقد أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع معتقلين سابقين وأقرباء معتقلين احتجزتهم القوة المتعددة الجنسيات حول معاملة المعتقلين عقب تسليم السلطة في يونيو/حزيران 2004. وفي إحدى الحوادث المبلغ عنها استُخدم مسدس صعق بالصدمات الكهربائية (نبال) ضد المعتقلين في ظروف شكلت انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يحظر التعذيب أو سوء المعاملة. ووفقاً لأحد شهود العيان في نوفمبر/تشرين الثاني 2005، استخدم حارس أمريكي في معسكر بوكا مسدس صعق بالنبال ضد معتقلين اثنين بينما كان يجري نقلهما في عربة الىموعد طبي داخل مرفق الاعتقال، حيث صُعق أحدهما في ذراعه والآخر في بطنه.

تستخدم أسلحة الصعق بالكهرباء بغية السيطرة على أشخاص خطرين او خارجين عن السيطرة وهي وسيلة لا تتسبب في القتل. وتعتبر منظمة العفو الدولية أن أسلحة الصعق بالصدمات الكهربائية عرضة بطبيعتها لإساءة الاستعمال، لأنها يمكن أن تسبب ألماً شديداً بدون أن تترك علامات كبيرة، ويمكن أن تُستخدم أيضاً للصعق بصدمات متكررة.

وبموجب المذكرة رقم 3 الصادرة عن سلطة الائتلاف المؤقتة، يتعين على القوة المتعددة الجنسيات التأكد من أن الأوضاع والمعايير في جميع مرافق الاعتقال التابعة لها تستوفي الباب الرابع من اتفاقية جنيف الرابعة،95 التي تحدد معايير معاملة المعتقلين، بما في ذلك بالنسبة للأغذية ومرافق الصحة وتوفير الرعاية الطبية، فضلاً عن الاتصال بالعالم الخارجي والعقوبات الجزائية والتأديبية.

وتنص المادة 119 من اتفاقية جنيف الرابعة على أنه لا يجوز معاقبة المعتقلين بغير الغرامات ووقف الامتيازات والأعمال المرهقة – التي لا يجوز أن "تنفذ إلا بغرض صيانة المعتقل". ولا تتجاوز ساعتين يومياً – والحبس. وتنص المادة 119 أيضاً على أن "لا تكون العقوبات التأديبية بأي حال بعيدة عن الإنسانية أو وحشية أو خطرة على صحة المعتقلين. ويجب أن يُراعى فيها سنهم وجنسهم وحالتهم الصحية".

ورغم �607?ذا، زعم المعتقلون السابقون أنه تم استخدام العقوبات التأديبية أو الجزائية التي تنتهك النصوص أعلاه لاتفاقية جنيف الرابعة ويبدو أيضاً أنها تشكل انتهاكاً للمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تحظر التعذيب أو سوء المعاملة. وبشكل خاص، يُزعم أن المعتقلين في معسكر بوكا عُرِّضوا عمداً لدرجات حرارة وبرودة قصوى، بإجبارهم على الانتظار طوال ساعات تحت أشعة الشمس أثناء تفتيش سكنهم وإرغامهم على الاستحمام بماء بارد وتعريضهم لهواء المكيفات البارد.