Document - إسرائيل/لبنان هجمات غير متناسبة على الإطلاق المدنيون يتكبدون ويلات الحرب

إسرائيل/لبنان هجمات غير متناسبة على الإطلاق المدنيون يتكبدون ويلات الحرب

إسرائيل/لبنان
هجمات غير متناسبة على الإطلاق
المدنيون يتكبدون ويلات الحرب
المقدمة

منذ اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل في يوليو/تموز 2006، دعت منظمة العفو الدولية كلا الجانبين إلى احترام الواجبات المترتبة عليهما بموجب القانون الإنساني الدولي (قواعد الحرب)، وبخاصة تلك المتعلقة بحماية المدنيين. وفي يوليو/تموز أصدرت منظمة العفو الدولية تقرير إسرائيل/لبنان : ينبغي على إسرائيل وحزب الله حقن دماء المدنيين – الواجبات المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي المترتبة على طرفي النـزاع في إسرائيل ولبنان، وهو تذكير للطرفين بالواجبات القانونية المترتبة عليهما.(1)

وقد زار مندوبو منظمة العفو الدولية إسرائيل ولبنان على السواء خلال القتال لإجراء أبحاث حول الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها الجانبان. ومع تصاعد النـزاع، وارتكاب كلا الطرفين انتهاكات متكررة للقانون الإنساني الدولي، انضمت منظمة العفو الدولية إلى الدعوة لوقف إطلاق النار التي وجهها كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة وغيره من قادة العالم، وواصل أعضاء المنظمة توجيه مناشدات لحماية المدنيين تحديداً.

وفي أعقاب انتهاء العمليات العدائية، زار مندوبو منظمة العفو الدولية مجدداً كلا البلدين لإجراء مزيد من الأبحاث والمباحثات مع المسؤولين. ونتيجة لذلك، أصدرت المنظمة مطبوعتين تغطيان بعض جوانب النـزاع. ففي أغسطس/آب أصدرت تقرير إسرائيل/لبنان تدمير متعمد أم "أضرار جانبية"؟ الهجمات الإسرائيلية على البنية التحتية المدنية(2)، وتبين لمنظمة العفو الدولية أن القوات الإسرائيلية شنت هجمات بلا تمييز وغير متناسبة منتهجةً استراتيجية بدا أنها استهدفت معاقبة شعب لبنان وحكومته لأنهما لم ينقلبا على حزب الله، كما استهدفت إلحاق الأذى بالقدرة العسكرية لحزب الله.

وفي سبتمبر/أيلول، أصدرت منظمة العفو الدولية تقرير إسرائيل/لبنان : تحت االقصف : هجمات حزب الله على شمال إسرائيل.(3) وخلص التقرير إلى أن قصف حزب الله وصل إلى حد هجمات مباشرة على المدنيين فضلاً عن الهجمات التي تشن بلا تمييز. كذلك انتهكت الهجمات الحظر المفروض بموجب القانون الإنساني الدولي على مهاجمة السكان المدنيين من قبيل الانتقام، بصرف النظر عن الانتهاكات التي قد يرتكبها العدو.

ويغطي هذا التقرير الجديد مزيداً من جوانب سلوك الجيش الإسرائيلي والعواقب المترتبة على أفعاله في لبنان، كما ينظر في المزاعم القائلة إن مقاتلي حزب الله استخدموا المدنيين "دروعاً بشرية". ويعيد التقرير إلى الأذهان معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني والجنائي الدولي ذات الصلة بالنـزاع. ويحلل أنماط الهجمات الإسرائيلية وعدداً من الحوادث المحددة التي قُتل فيها مدنيون في لبنان. ويسلط الضوء على تأثير الهجمات الإسرائيلية الأخرى على حياة المدنيين، بما في ذلك الإرث الذي خلفه القصف الواسع النطاق من جانب القوات الإسرائيلية لجنوب لبنان بالقنابل العنقودية في الأيام الأخيرة للحرب. ويلخص الفصل الأخير استنتاجات منظمة العفو الدولية المتعلقة بالسلوك العام لإسرائيل وحزب الله على السواء، ويقدم توصيات موجهة إلى طرفي النـزاع، وكذلك إلى المجتمع الدولي.

ويستند التقرير إلى أبحاث ميدانية أُجريت في لبنان وإسرائيل في يوليو/تموز وأغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2006، ومن ضمنها مقابلات مع الضحايا؛ ومعلومات أدلى بها أحد كبار القادة العسكريين الإسرائيليين في سبتمبر/أيلول 2006 ومناقشات أخرى جرت مع المسؤولين العسكريين والحكوميين الإسرائيليين واللبنانيين، فضلاً عن كبار مسؤولي حزب الله؛ ومعلومات مستقاة من المجموعات غير الحكومية؛ وبيانات رسمية وأنباء صحفية. وفي شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، طلبت منظمة العفو الدولية من السلطات الإسرائيلية معلومات محددة حول الهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية والواردة في هذا التقرير، لكنها لم تتلق مثل هذه المعلومات.

ونظرت منظمة العفو الدولية في سلوك كل طرف من طرفي النـزاع، في ضوء المعايير التي حددها القانون الدولي والملزمة للطرفين، كما تفعل في النـزاعات الأخرى. وقد ارتكب كل جانب في هذا النـزاع انتهاكات خطيرة للقانون الدولي، بما في ذلك جرائم حرب. ويتم تناولها بصورة موضوعية سعياً وراء المساءلة والتعويض ومنع الانتهاكات المستقبلية.


الفصل الأول : المقدمة

"لقد فقدت جميع أطفالي ووالدتي وشقيقتيَّ. وزوجتي في حالة خطيرة جداً ... كيف تخبر أماً بأنها فقدت جميع أطفالها؟"

هذه هي الكلمات التي تفوه بها أحمد بدران لمندوبي منظمة العفو الدولية في قرية الغازية بجنوب لبنان بعدما شاهد جثث ثمانية من أفراد عائلته أثناء انتشالها من تحت كومة من الأنقاض. ففي 7 أغسطس/آب أصاب صاروخ إسرائيلي منـزله، فأودى بحياة أطفاله الأربعة ووالدته وشقيقتيه وابنة أخته، وأصاب زوجته بجروح خطيرة.

وبدأت حرب الـ 34 يوماً التي دمرت عائلته وعائلات أخرى عديدة جداً في لبنان وإسرائيل في 12 يوليو/تموز بعدما عبر الجناح العسكري لحزب الله (المعروف بالمقاومة الإسلامية) الحدود إلى داخل إسرائيل وهاجم دورية إسرائيلية، فقتل ثمانية جنود وأسر اثنين. وبشكل شبه فوري، تبعت ذلك مواجهة عسكرية كبيرة بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله.

وخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 38 مدنياً في منازلهم، بينهم العديد من الأطفال. وكان من جملة الضحايا 12 عضواً في عائلة بزيع، قُتلوا بينما كانت العائلة تتناول طعام الفطور في قرية زبقين؛ وتسعة أفراد من عائلة الزين في قرية بفاليه؛ و12 عضواً من عائلة عكاش في قرية الدوير.

كذلك قتلت صواريخ حزب الله امرأة عمرها 40 عاماً في منـزلها بنهاريا في شمال إسرائيل ومدنياً آخر في بلدة صفد.

وأثار نطاق الهجمات وارتفاع حصيلة القتلى في صفوف المدنيين خلال 24 ساعة قلقاً على الصعيد الدولي. وتعهد الفريق دان حالوتس، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، في مؤتمر صحفي عقده في تل أبيب في 14 يوليو/تموز بمواصلة الهجوم. وقال إن إسرائيل تريد توجيه رسالة واضحة إلى :

"كل من بيـروت الكبرى ولبنان بأنهما ابتلعا سرطاناً وعليهما تقيؤه، لأنهما إذا لم يفعلا ذلك، ستدفع بلادهما ثمناً باهظاً جداً".(4)

وفي الأيام التالية، اشتدت حدة الضربات الجوية الإسرائيلية واستمر عدد الإصابات في صفوف المدنيين بالارتفاع. وسرعان ما أدرك كثيرون من أبناء جنوب لبنان البالغ عددهم نصف مليون نسمة أن البقاء في منازلهم محفوف بمخاطر جمة، ففروا إلى الشمال. بيد أن أكثر من 120,000 نسمة ظلوا فعلياً محاصرين في مواجهة القصف الإسرائيلي في صور وغيرها من البلدات والقرى.(5) وكان بعضهم يعاني من الفقر المدقع أو المرض أو الشيخوخة بحيث تعذر عليه الهرب. وعرف كثيرون أن الانتقال إلى مكان آمن بات فعلياً محفوفاً بمخاطر شديدة. وقصفت القوات الإسرائيلية الطرقات والجسور والمطارات ومحطات الوقود وغيرها من عناصر البنية التحتية في الأيام الأولى من الحرب، وجعل القصف المستمر، التنقل خطراً أو مستحيلاً. وقُتل مدنيون عندما أصيبت السيارات المحمَّلة بالأشخاص الذين انصاعوا للأوامر الإسرائيلية بمغادرة قراهم في جنوب لبنان في الضربات الإسرائيلية.

وبحلول موعد وقف إطلاق النار في 14 أغسطس/آب، قُتل 1191 شخصاً – بينهم مئات الأطفال – وأُصيب أكثر من 4400 شخصاً آخر بجروح في الهجمات الإسرائيلية.(6)

وانتشر الموت والدمار إلى أبعد بكثير من حدود جنوب لبنان والمناطق التي أطلق منها مقاتلو حزب الله الصواريخ على إسرائيل. وركزت الضربات الإسرائيلية على الجنوب، حيث دُمرت عشرات الآلاف من المنازل أو لحقت بها أضرار، لكنها استهدفت أيضاً العاصمة بيـروت وسهل البقاع، بما فيها مدينة بعلبك.(7) وفي الضاحية الجنوبية لبيـروت الآخذة بالاتساع والتي تقطنها أغلبية شيعية، حيث يقع مقر قيادة حزب الله، دُمرت نحو 250 عمارة متعددة الطوابق تحتوي على ما لا يقل عن 4000 شقة. وفي بعلبك وسهل البقاع، وهي منطقة زراعية مهمة في لبنان، قُتل عشرات الأشخاص، ودُمر حوالي 400 منـزل ولحقت أضرار واسعة بالبساتين والمزارع والمصانع والبنية الأساسية.

وبحسب الأرقام الرسمية الإسرائيلية، فإنه في سياق الحرب هاجم سلاح الجو الإسرائيلي حوالي 7000 هدف في شتى أنحاء لبنان، وقام سلاح البحرية بـ 2500 عملية قصف لمناطق تقع بالقرب من الساحل.(8) بيد أن السلطات الإسرائيلية لم تقدم رقماً إجمالياً لعدد الضربات التي قامت بها قواتها ضد لبنان، بما فيها رشقات المدفعية المتواصلة ضد القرى الواقعة في جنوب لبنان. ووفقاً للتقييم البري الذي أجراه مركز تنسيق العمل بشأن الألغام التابع للأمم المتحدة، استخدمت الضربات الجوية والبرية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من الحرب ما يصل إلى 3000 قنبلة وصاروخ وقذيفة مدفعية يومياً، ثم ارتفع العدد إلى 6000 مع اقتراب نهاية الحرب.(9) كذلك استخدمت القوات الإسرائيلية القنابل العنقودية وذخائر الفوسفور الأبيض في المناطق المدنية. ويتناثر الآن عدد من القنابل الصغيرة العنقودية غير المنفجرة يصل إلى مليون في أنحاء جنوب لبنان، ويظل يوقع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين. كما أن هذه القنابل تعرقل عودة السكان النازحين وجهود الإغاثة والإعمار.(10)

وقد أدى القصف الواسع النطاق إلى نزوح حوالي مليون شخص في لبنان، أي ما يقرب من ربع سكان البلاد. وانتهى الأمر بحوالي 500,000 منهم في بيـروت. ويُعتقد أن زهاء 200,000 لبناني ما زالوا نازحين.(11)

وأطلق مقاتلو حزب الله نحو 4000 صاروخ على شمال إسرائيل، بينها صواريخ مزودة بمحامل كروية للتسبب بالحد الأقصى من الأذى للأشخاص، وصواريخ مزودة - كما ورد - بأسلحة عنقودية. وأدت هذه الهجمات إلى وفاة 43 مدنياً، وتسببت بنزوح زهاء 300,000 من سكان شمال إسرائيل، وألحقت أضراراً واسعة النطاق بالمباني.(12)

وفي صفوف المقاتلين، قُتل 117 جندياً إسرائيلياً بحسب الرقم الذي أعطته السلطات الإسرائيلية. وتصر إسرائيل على أن لديها أسماء 500 قتيل من مقاتلي حزب الله، برغم أنها لم تنشر هذه الأسماء. وبحسب حزب الله، قُتل 74 مقاتلاً؛ وقُتل أيضاً عدد أقل من المقاتلين الذين ينتمون إلى مجموعات أخرى قاتلت إسرائيل.(13) وقُتل أربعة من أفراد قوى الأمن الداخلي اللبناني، وحوالي 40 جندياً لبنانياً في الضربات الإسرائيلية؛ برغم أن قوات الأمن والقوات المسلحة اللبنانية لم تشارك في القتال.

بيد أن المدنيين هم الذين تحملوا الوزر الأكبر للنـزاع - ليس فقط من حيث عدد الذين قُتلوا أو أُصيبوا بعاهات مستديمة، بل أيضاً نتيجة التهجير القسري وتدمير المنازل والصدمات النفسية والتأثير طويل الأجل على الاقتصاد والبيئة.

وانتهت العمليات العدائية بين الجانبين في صبيحة 14 أغسطس/آب في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي اعتُمد في 11 أغسطس/آب، والذي حدد شروط وقف إطلاق النار، ووسَّع دور قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل). وفي 17 أغسطس/آب دخل الجيش اللبناني إلى جنوب لبنان. وفي 7 و8 سبتمبر/أيلول رفعت إسرائيل الحصار الجوي والبحري الذي فرضته في بداية الحرب. وفي 1 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه أكمل انسحابه من لبنان، برغم أنه اعتباراً من مطلع نوفمبر/تشرين الثاني كان يحتفظ بوجود له في قرية الغجر الحدودية.

وتواصل قوات حزب الله احتجاز جنديين إسرائيليين أسرتهما في 12 يوليو/تموز.(14) وبرغم أن الأنباء تشير إلى أنهما لا يزالان على قيد الحياة؛ إلا أنه لم يُسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر بمقابلتهما. وقد أسرت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 20 مواطناً لبنانياً خلال النـزاع. وتواصل اعتقال ثلاثة منهم على الأقل وجهت إليهم، كما ورد، تهماً بارتكاب جرائم بينها الانتماء إلى عضوية حزب الله.(15) وزارتهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وإضافة إلى ذلك، نقلت القوات الإسرائيلية جثث 13 مقاتلاً على الأقل من حزب الله إلى إسرائيل، ووفقاً للمصادر العسكرية الإسرائيلية التي استشهدت بها وسائل الإعلام "يمكن أن تُستخدم في المفاوضات المتعلقة بإعادة الجنديين المختطفين".(16)

وخلال النـزاع وبعده، سعى الطرفان على السواء إلى تبرير لجوئهما إلى القوة والطريقة التي خاضا فيها الحرب. فحزب الله نفذ "عملية الوعد الصادق" في 12 يوليو/تموز بهدف معلن هو ضمان إطلاق سراح أسرى لبنانيين وعرب آخرين محتجزين في إسرائيل عن طريق مبادلتهم بالجنديين الإسرائيليين اللذين وقعا في الأسر – كما "وعد" أمينه العام حسن نصر الله. وبعد الحرب صرَّح حسن نصر الله أنه لو كان يعرف أن إسرائيل سترد بهذه القسوة، لما كان أمر بتنفيذ غارة 12 يوليو/تموز.(17)

بيد أن حزب الله ما زال يرى نفسه مدافعاً عن لبنان، فضلاً عن العرب والمسلمين عموماً، ضد عدوان مستمر منذ زمن طويل ارتكبته إسرائيل وحلفاؤها، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية. وبشكل خاص يصر حزب الله على أن نزاعه مع إسرائيل لم ينته في العام 2000 عندما انسحبت إسرائيل من لبنان، لأنه يعتبر الانسحاب الإسرائيلي ناقصاً. ويؤكد حزب الله والحكومة اللبنانية على أن المنطقة الحدودية المعروفة بمزارع شبعا هي أرض لبنانية، برغم أن الأمم المتحدة تعتبرها أرضاً سورية تحتلها إسرائيل. كذلك يعترضان على الطلعات الجوية المتكررة التي يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي فوق لبنان، وما زالا يطالبان إسرائيل بالكشف الكامل عن مواقع الألغام التي خلفها الاحتلال السابق لجنوب لبنان.

وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت أن هجوم حزب الله في 12 يوليو/تموز "يشكل عملاً حربياً" وتوعد لبنان "برد مؤلم جداً وبعيد المدى" عندما شن "عملية تغيير الاتجاه".(18) وتصر إسرائيل على أن الهجوم الذي شنه مقاتلو حزب الله لم يسبقه أي استفزاز إسرائيلي، لأن إسرائيل انسحبت من لبنان في العام 2000، ولأن الأمم المتحدة اعترفت بعملية ترسيم الحدود بينها وبين لبنان. كذلك يرى المسؤولون الإسرائيليون في حزب الله جزءاً من جبهة أوسع معادية لإسرائيل تضم حركة حماس الفلسطينية، فضلاً عن سورية وإيران. وينظرون بقلق شديد إلى التحالف الوثيق القائم بين حزب الله وإيران التي أدلى رئيسها بتصريحات متكررة تهدد دولة إسرائيل. وبالنسبة لإسرائيل شكلت الحملة العسكرية على لبنان دفاعاً عن النفس.

وقالت الحكومة اللبنانية إنها لم تتلق تحذيراً مسبقاً بهجوم حزب الله ولم تؤيده، وسعت إلى وقف لإطلاق النار منذ البداية. وقال زعيم حزب الله إنه أمر بتنفيذ عملية 12 يوليو/تموز لأسر جنود إسرائيليين، وإن الحكومة اللبنانية ليست طرفاً في ذلك القرار وتتسم العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله بالتعقيد. فمن الناحية السياسية، فإنه عند نشوب النـزاع، كان حزب الله ممثلاً كحزب في كل من البرلمان وحكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة. وعلى الصعيد الاجتماعي يقدم حزب الله خدمات طبية وتعليمية واسعة وغيرها من الخدمات إلى الشعب اللبناني، وبخاصة السكان الشيعة المهمشين تقليدياً. ويحتفظ حزب الله، الذي قاد جناحه المسلح القتال ضد القوات الإسرائيلية في لبنان إلى أن انسحبت في العام 2000، بقدراته العسكرية رغم أن قرار مجلس الأمن رقم 1559 الصادر في العام سبتمبر/أيلول 2004 دعا إلى "حل" جميع الميليشيات في لبنان و"نزع سلاحها".

ولا تتخذ منظمة العفو الدولية أي موقف إزاء القضايا العقائدية والسياسية الأوسع الكامنة وراء العداء القائم بين حزب الله وإسرائيل، ولا إزاء وضع حزب الله داخل لبنان. فلم تندد المنظمة بحزب الله لأنه نفذ هجوماً عسكرياً ضد إسرائيل في 12 يوليو/تموز، ولا بإسرائيل لأنها جرَّدت حملة عسكرية ضد حزب الله في لبنان. بيد أنه منذ بداية الحرب، ناشدت منظمة العفو الدولية كلا الطرفين باحترام القانون الإنساني الدولي. وتنطبق هذه القواعد على المعتدين والمدافعين على حد سواء، وعلى الجماعات المسلحة المنظمة مثل حزب الله، فضلاً عن الدول.

ومنذ انتهاء النـزاع، جرى نقاش متواصل في إسرائيل ولبنان حول خوض الحرب. ففي إسرائيل، بوشر بإجراء تحقيقات رسمية في مختلف جوانب الاستعدادات الإسرائيلية للحرب والرد على هجمات حزب الله، لكن أياً منها ليس مفوضاً بالنظر في كيفية تقيد إدارة العمليات الحربية بالواجبات المترتبة على إسرائيل بموجب قوانين الحرب. وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، لا تُجري الحكومة اللبنانية أو حزب الله أي تحقيق رسمي.

لقد حطم النـزاع حياة عدد لا يحصى من الناس، وتسبب بدمار في لبنان وإسرائيل يحتاج التغلب عليه إلى سنوات. وكان يمكن تجنب جزء كبير من ذلك، فيما لو احترم كلا الطرفين قوانين الحرب. وقد نظرت منظمة العفو الدولية في سلوك كلا الطرفين في ضوء الواجبات المترتبة عليهما بموجب القانون الدولي بهدف السعي لضمان مساءلة المذنبين وتوفير العدالة للضحايا، ومنع ارتكاب مزيد من الانتهاكات المماثلة.

والحرب تؤدي حتماً إلى مآسٍ شخصية، لكن إزهاق أية روح أو إلحاق أذى بها نتيجة انتهاك قواعد الحرب يقتضي محاسبة المسؤولين عن ذلك وتقديم تعويضات إلى الضحايا.


الفصل الثاني – القانون الدولي كما ينطبق على الحرب

يحدد الإطار القانوني الوارد بالتفصيل أدناه القواعد والمبادئ الأساسية ذات الصلة بالنـزاع الذي نشب بين حزب الله وإسرائيل. وفي بعض الحالات، حددت منظمة العفو الدولية انتهاكات واضحة لهذه القواعد والمبادئ من جانب طرفي النـزاع. وهناك حاجة لإجراء تحقيق دولي شامل، كما هو محدد في التوصيات الواردة في نهاية هذا التقرير، لإجراء تقييم أكثر شمولية لسلوك الطرفين ولمدى الانتهاكات.
وتنطبق عدة أجزاء من القانون الدولي على هذا النـزاع. فالقانون الإنساني الدولي، المعروف أيضاً بقوانين الحرب، ملزم لجميع أطراف النـزاع المسلح، بمن فيها الجماعات المسلحة. ويظل القانون الإنساني الدولي منطبقاً على النـزاع وملزماً للدول. وبموجب القانون الجنائي الدولي، يتحمل الأفراد مسؤولية جنائية عن بعض الانتهاكات، مثل جرائم الحرب. وعلاوة على ذلك، فإن قانون مسؤولية الدول ينص على إطار للتعامل مع قضية التعويض على ضحايا الانتهاكات.

القانون الإنساني الدولي
يتضمن القانون الإنساني الدولي القواعد والمبادئ التي تسعى إلى حماية أولئك الذين لا يشاركون في العمليات العدائية، لاسيما المدنيون، لكن أيضاً بعض المقاتلين، ومن ضمنهم الجرحى أو الأسرى. ويحدد معايير السلوك الإنساني وحدود وسائل تنفيذ العمليات العسكرية وطرقها. وغرضه الأساسي هو الحد، بالقدر الممكن، من المعاناة الإنسانية في أوقات النـزاع المسلح.

وإن اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين للعام 1977 الملحقين بها هي الصكوك الرئيسية للقانون الإنساني الدولي، وإسرائيل طرف في اتفاقيات جنيف للعام 1949، لكنها ليست طرفاً في البروتوكول الأول المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية. ولبنان طرف في اتفاقيات جنيف وكذلك في البروتوكول الأول.

وحزب الله نفسه قبل ببعض القواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي، مثلاً عندما قبل باتفاق نيسان (إبريل) 1996 الذي وضع حداً لقتال سابق نشب مع إسرائيل. وكان الاتفاق يهدف إلى حقن دماء المدنيين مع سماحه باستمرار العمليات العدائية في جنوب لبنان(19). وكرر حزب الله التزامه بهذا الاتفاق بعد الحرب الأخيرة.



وتُعتبر النصوص الأساسية للبروتوكول الأول، ومن ضمنها القواعد الواردة أدناه، جزءاً من القانون الدولي العرفي وهي بذلك ملزمة لجميع أطراف النـزاع.(20) وترقى الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف وللبروتوكول الأول إلى مستوى جرائم الحرب. وترد التعاريف المقبولة لهذه الجرائم المنصوص عليها في القانون الدولي في نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.

حظر الهجمات المباشرة على المدنيين والأهداف المدنية – مبدأ التمييز
تحدد المادة 48 من البروتوكول الأول "القاعدة الأساسية" المتعلقة بحماية المدنيين – مبدأ التمييز. وهذا هو حجر الأساس في القانون الإنساني الدولي.
"تعمل أطراف النزاع علي التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأعيان المدنية."

ووفقاً لنظام روما الأساسي، يشكل التوجيه المتعمد للهجمات ضد السكان المدنيين بحد ذاتهم أو ضد مدنيين أفراد لا يشاركون مباشرة في العمليات العدائية جريمة حرب.(21) وبموجب المادة 51(3) من البروتوكول الأول، يظل المدنيون محميين "ما لم وإلى أن يشاركوا بصورة مباشرة في العمليات العدائية".

وتنص المادة 52(1) من البروتوكول الأول على أن :
"الأعيان المدنية هي كافة الأعيان التي ليست أهدافا عسكرية."

وتحدد المادة 52(2) الأهداف العسكرية بأنها :
"تنحصر الأهداف العسكرية فيما يتعلق بالأعيان على تلك التي تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري سواء كان ذلك بطبيعتها أو بموقعها أم بغايتها أم باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة."

والأهداف التي لا تستوفي هذه المعايير تشكل أهدافاً مدنية. وفي الحالات التي لا يتضح فيها ما إذا كان الهدف يُستخدم لأغراض عسكرية، "يجب الافتراض بأنه لا يُستخدم لذلك" (المادة 52(3)).(22) وتشكل الهجمات التي توجه عمداً ضد الأهداف المدنية جريمة حرب.

ولا يجوز تفسير الميزة العسكرية على نحو واسع جداً يجعل القاعدة عديمة الفعالية. والتبرير الذي يُساق بموجب هذا النص للهجمات الهادفة إلى إلحاق أذى بالرفاه الاقتصادي للدولة أو تحطيم معنويات السكان المدنيين من أجل إضعاف القدرة على القتال قد الفقرة 2024
يشكل تشويهاً للمعنى القانوني للميزة العسكرية، وتقويضاً للمبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي وتهديداً خطيراً للمدنيين.

حظر الهجمات غير المتناسبة أو التي تشن بلا تمييز
تحظر المادة 51(4) من البروتوكول الأول الهجمات التي تشن بلا تمييز والتي تكون :
"من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية دون تمييز."

كذلك فإن الهجمات غير المتناسبة، وهي نوع من الهجوم الذي يشن بلا تمييز، هي :
"الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارا بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطا من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة."(المادة 51(5))

ويشكل تعمُّد شن هجوم غير متناسب جريمة حرب.(23) وشن هجوم غير متناسب يؤدي إلى خسائر في الأرواح أو إصابات في صفوف المدنيين أو يلحق ضرراً بالأهداف المدنية يشكل جريمة حرب أيضاً.(24)

وإضافة إلى ذلك، لا يجوز أبداً أن تكون الخسائر والأضرار العرضية واسعة.(25) والتدمير لواسع للممتلكات ومصادرتها على نحو لا تبرره الضرورة العسكرية وتنفيذه بشكل غير قانوني ومتعمد يشكل جريمة حرب.(26)

الإجراءات الاحترازية في الهجوم
تقتضي المادة 57 من جميع الأطراف أن تبذل عناية متواصلة" من أجل تفادي السكان المدنيين والأشخاص والأعيان المدنية." وتشترط المادة 57(2) بأن يقوم أولئك الذين يعتزمون شن هجوم بـ :

"أولا: أن يبذل ما في طاقته عمليا للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصا مدنيين أو أعيانا مدنية وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة 52، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا الملحق" البروتوكول.
"ثانيا: أن يتخذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند تحير وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابة بهم أو الأضرار بالأعيان المدنية، وذلك بصفة عرضية، وعلي أي الأحوال حصر ذلك في أضيق نطاق.
"ثالثا: أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم يتوقع منه، بصفة عرضية، أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.
"(ب) يلغي أو يعلق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس هدفا عسكريا أو أنه مشمول بحماية خاصة أو أن الهجوم قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم. أو الأضرار بالأعيان المدنية، أو أن يحدث خلطا من هذه الخسائر والأضرار، وذلك بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.
"(ج) يوجه إنذار مسبق بوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، ما لم تحل الظروف دون ذلك."

الإجراءات الاحترازية في حالة الدفاع
يترتب على الأطراف المتحاربة أيضاً واجبات لاتخاذ كافة التدابير الاحترازية الممكنة لحماية المدنيين والأهداف المدنية الخاضعة لسيطرتها من آثار الهجمات التي يشنها الخصم. ويقتضي البروتوكول الأول من كل طرف تجنب وضع الأهداف العسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها (المادة 58(ب)).

كذلك يحظر البروتوكول الأول صراحة استعمال تكتيكات مثل استخدام "الدروع البشرية" لمنع وقوع هجوم على أهداف عسكرية. وتنص المادة 51(7) على أنه :
"لا يجوز التوسل بوجود السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين أو تحركاتهم في حماية نقاط أو مناطق معينة ضد العمليات العسكرية ولا سيما في محاولة درء الهجوم عن الأهداف العسكرية أو تغطية أو تحبيذ أو إعاقة العمليات العسكرية. ولا يجوز أن يوجه أطراف النزاع تحركات السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين بقصد محاولة درء الهجمات عن الأهداف العسكرية أو تغطية العمليات العسكرية."

ويُشكل تعمد حماية هدف عسكري باستخدام المدنيين جريمة حرب.(27)

بيد أن البروتوكول يوضح أيضاً أنه حتى إذا كان أحد الأطراف يحمي نفسه خلف المدنيين، فإن هذا الانتهاك "لا يعفي أطراف النـزاع من واجباتها القانونية المتعلقة بالسكان المدنيين والأفراد المدنيين."
وعلاوة على ذلك، تنص المادة 50(3) على أنه :
"لا يجرد السكان المدنيون من صفتهم المدنية وجود أفراد بينهم لا يسري عليهم تعريف المدنيين."

وكما أشارت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تعليقها المرجعي فإنه :
"في أوضاع الحرب، من المحتم أن يختلط الأشخاص الذين ينتمون إلى فئة المقاتلين بالسكان المدنيين، مثلاً الجنود الذين يأخذون إجازة لزيارة عائلاتهم. بيد أنه شريطة ألا تكون وحدات نظامية بأعداد كبيرة، فهذا لا يغير بأي شكل الطابع المدني للسكان".

حظر العقوبات الانتقامية والجماعية
بموجب المادتين 51(6) و52(1)، يحظر القانون الإنساني الدولي صراحة الهجمات التي تشن ضد السكان المدنيين أو المدنيين كأفراد أو ضد الأهداف المدنية من قبيل الانتقام، ويسود اعتقاد واسع بأن القانون الدولي العرفي يحظرها. ولذا فإن حقيقة أن أحد الأطراف ربما انتهك قوانين الحرب لا يمكن أن تشكل أساساً لطرف معارض له لارتكاب أعمال غير قانونية، سواء لحمل الطرف المخالف على الامتثال، أو كوسيلة للانتقام أو القصاص.

ووفقاً للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة فإنه :
"لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب."

حماية البيئة
بموجب المادة 55 من البروتوكول الأول، يجب توخي الحذر لحماية البيئة الطبيعية "من الأضرار واسعة الانتشار وطويلة الأجل والشديدة". وتُحظر طرق أو وسائل الحرب التي يُقصد بها أن تُسبب مثل هذا الضرر أو يتوقع منها ذلك.

وتنص المادة 8(2)(ب)(4) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن ما يلي يشكل جريمة حرب :

"تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو عن إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحا بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة".

بقاء السكان والحصول على المساعدات الإنسانية
تُحظَّر مهاجمة الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين أو تدميرها أو إزالتها أو جعلها عديمة الفائدة (المادة 54(2) من البروتوكول 1). وينبغي على أطراف النـزاع أن تسمح وتسهل المرور السريع للإغاثة الإنسانية الحيادية بدون أية عراقيل (المادة 70 من البرتوكول الأول). وعليها احترام وحماية أفراد الطاقم الطبي ووسائل نقلهم. (المادتان 15 و21 من البروتوكول الأول).

الأسلحة
يحظر القانون الإنساني الدولي استخدام الأسلحة التي لا تميز بطبيعتها بين الأهداف، والأسلحة التي تُسبب بطبيعتها إصابات زائدة أو معاناة غير ضرورية. ويأتي تعليق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على البروتوكول على ذكر "الصواريخ بعيدة المدى التي لا يمكن أن تُصوَّب بدقة على الهدف" كمثال على الأسلحة التي لا تميز بين الأهداف.

وتضمنت الأسلحة الأخرى التي استُخدمت في هجمات شُنت بلا تمييز خلال النـزاع الأسلحة العنقودية. وتنشر القنابل العنقودية عشرات القنابل الصغيرة أو الذخائر الفرعية على مساحة واسعة، تكون عادة بحجم ملعب أو ملعبي كرة قدم. ويمكن إلقاؤها من الطائرات أو إطلاقها بواسطة المدفعية أو قاذفات الصواريخ. وتبعاً لنوع الذخيرة الفرعية المستخدمة، فإن نسبة تتراوح بين 5 و20 بالمائة من القنابل الصغيرة العنقودية لا تنفجر. وعندها تبقى كمخلفات متفجرة للحرب، وتشكل خطراً على المدنيين مشابهاً للألغام الأرضية المضادة للأفراد. واستخدام هذه القنابل في المناطق ذات الكثافة السكانية ينتهك الحظر المفروض على الهجمات التي تشن بلا تمييز، بسبب المساحة الواسعة التي تغطيها القنابل الصغيرة العديدة التي تنبثق منها، والخطر الذي تشكله على جميع الذين يلمسون القنابل الصغيرة غير المنفجرة، بمن فيهم المدنيون.

كذلك استُخدم الفوسفور الأبيض من جانب القوات الإسرائيلية، كما ورد في مناطق كان يوجد فيها مدنيون. وهو يستخدم في القنابل اليدوية والقذائف لتعليم الأهداف وتوفير ستار دخاني لتحرك الجنود و"لتعقب" مسار الرصاص وكمادة حارقة.(28) ويحظر البروتوكول الثالث الخاص بأشكال الحظر أو القيود المفروضة على استخدام الأسلحة الحارقة (وهو بروتوكول إضافي ملحق باتفاقية الأمم المتحدة للعام 1980 الخاصة بأشكال الحظر أو القيود المفروضة على استخدام بعض الأسلحة التقليدية) استخدام هذه الأسلحة ضد المدنيين. وهذه قاعدة في القانون الدولي العرفي، وبالتالي فهي ملزمة لإسرائيل ولبنان، حتى إذا لم يكونا طرفين في البروتوكول الثالث. ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، هناك قاعدة في القانون الدولي العرفي تقضي حظر استخدام الأسلحة الحارقة ضد المقاتلين، إلا إذا تعذر استخدام أسلحة أقل أذى لجعل شخص عاجز عن متابعة القتال. وهذه القاعدة غير مشمولة في البروتوكول الثالث.

القانون الدولي لحقوق الإنسان
كما أكدت محكمة العدل الدولية واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، يظل قانون حقوق الإنسان ينطبق خلال أوقات النـزاع المسلح الدولي، في وضع متمم للقانون الإنساني الدولي.(29) فكلا النظامين القانونيين ضروريان لضمان حماية الأشخاص خلال النـزاع المسلح.

ولبنان وإسرائيل طرفان في المعاهدات الرئيسية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وكما أوضحت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، فإن الواجبات المترتبة على الدول تجاه حقوق الإنسان فيما يتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تنطبق خارج أراضيها.(30) ولا ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أية قيود صريحة تتعلق بالولاية القضائية الإقليمية.

ومن جملة الواجبات المتعلقة بالنـزاع التي انتُهكت الحق في الحياة (المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية)؛ والحق في الطعام والسكن الكافي (المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)؛ والتمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسدية والعقلية يمكن بلوغه (المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) والذي يشمل أيضاً الحق في المياه؛ والحق في التعليم (المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).(31) والأفعال التي تهدف إلى تدمير أو إضعاف البنية التحتية الضرورية للتمتع بهذه الحقوق، بما فيها المستشفيات والمدارس، أو يحتمل أن تؤدي إلى ذلك، تشكل انتهاكات يمكن تحميل الأطراف مسؤوليتها.

وفيما يتعلق بالحق في السكن، يجوز لبعض الأفعال المرتكبة في الحرب – لاسيما التدمير واسع النطاق لعشرات الآلاف من المنازل – أن تشكل إخلاءً قسرياً غير قانوني، وهذا انتهاك للمادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتُعرِّف اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية "الإخلاءات القسرية" بأنها طرد قسري دائم أو مؤقت للأفراد والعائلات و/أو المجتمعات رغماً عنهم من المنازل و/أو الأرض التي يشغلونها، بدون توفير أو تقديم أشكال مناسبة من الحماية القانونية أو غيرها من ضروب الحماية".(32) وتُدرج اللجنة بين عمليات الإخلاء هذه تلك الناجمة عن "نزاعات مسلحة دولية، وتقاتل داخلي وعنف طائفي أو إثني".(33)

ولا يجيز العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الانتقاص منه، حتى في حالات الطوارئ ولا يسمح إلا بالقيود "التي يحددها القانون فقط بالقدر الذي قد ينسجم مع طبيعة هذه الحقوق، وفقط لغرض تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي". وكما أوضحت اللجنة، فإن أية قيود يجب أن تكون متناسبة و"يجب اعتماد البديل الأقل تقييداً في حال وجود عدة أنواع من القيود".(34)

القانون الجنائي الدولي
تشكل الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول وغيرها من الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقانون الإنساني الدولي جرائم حرب. وقد عكست قائمة جرائم الحرب الواردة في المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية القانون الدولي العرفي عند اعتماد هذا النظام.

وتقتضي المادة 86 من البروتوكول الأول أن "تعمل أطراف النـزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى للاتفاقيات (جنيف للعام 1949) أو لهذا البروتوكول التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء."

والأشخاص، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، بصرف النظر عن رتبهم، يمكن أن يتحملوا مسؤولية جنائية عن هذه الانتهاكات. ويمكن تحميل القادة مسؤولية عن أفعال مرؤوسيهم. ووفقاً لما جاء في المادة 86(2) :

"لا يعفي قيام أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا اللحق "البروتوكول" رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية، حسب الأحوال، إذا علموا، أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف، أن يخلصوا إلي أنه كان يرتكب، أو أنه في سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع أو قمع هذا الانتهاك."

ولا يمكن التذرع بأوامر الرؤساء كدفاع عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي، برغم أنها قد تؤخذ في الحسبان لتخفيف العقوبة. وقد تم الإقرار بهذا المبدأ منذ محاكمات نيورمبرغ التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وهو الآن يشكل جزءاً من القانون الدولي العرفي.

وهناك عدة آليات ممكنة للتحقيق مع مرتكبي انتهاكات القانون الإنساني الدولي وتقديمهم إلى العدالة في محاكمات يجب أن تكون عادلة وبدون توقيع عقوبة الإعدام :

(أ) من جانب الأطراف أنفسها
ينبغي على كل طرف من أطراف النـزاع أن يقدم للعدالة أي من مواطنيه المتهمين بأنهم مسؤولون عن ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي. وتخضع إسرائيل ولبنان لمثل هذا الواجب.

(ب) من جانب الدول الأخرى
ينبغي على الدول الأخرى أن تمارس واجباتها في إجراء تحقيقات جنائية مع أي شخص متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي خلال النـزاع. وإذا توافرت أدلة كافية مقبولة وكان المتهم موجوداً ضمن ولايتها القضائية، فينبغي على هذه الدول أن تقاضي المتهمين أو تُسلِّمهم إلى دولة أخرى مستعدة لمحاكمتهم وقادرة على ذلك.

وإضافة إلى الالتزام بممارسة الولاية القضائية العالمية على الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول، يجوز للدول ممارسة الولاية القضائية الشاملة على الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقانون الإنساني الدولي. وإذا توافرت أدلة مقبولة كافية وكان المتهم موجوداً ضمن ولايتها القضائية، فينبغي على الدول مقاضاة المتهمين أو تسليمهم إلى دولة أخرى مستعدة لمحاكمتهم أو قادرة على ذلك.

(ج) من جانب المحكمة الجنائية الدولية
لم تصادق إسرائيل ولا لبنان على نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية. بيد أن إسرائيل ولبنان يمكن أن تعترفا بالولاية القضائية للمحكمة على أراضيهما من خلال إصدار إعلان بموجب المادة 12(3) من نظام روما الأساسي، أو يمكن لمجلس الأمن الدولي أن يحيل الوضع في إسرائيل ولبنان تحديداً إلى المحكمة وفقاً للمادة 13(ب) من نظام روما الأساسي.

التعويضات ومسؤولية الدول
لقد تم دمج مبدأ مسؤولية الدول أمام المجتمع الدولي عن "الأفعال الخاطئة دولياً" في مواد مسؤولية الدول عن الأفعال الخاطئة دولياً لدى لجنة القانون الدولي للعام 2001. وتقنن هذه المواد القانون الخاص بمسؤولية الدول، وأوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2002 الدول باعتمادها.(35) وتنص المادة 30 على أن :
"الدولة المسؤولة ملزمة بتقديم تعويضات كاملة عن الأذى الذي يسببه الفعل الخاطئ دولياً ... ويشمل الأذى أي ضرر، مادياً كان أم معنوياً، يسببه الفعل الخاطئ دولياً الذي تقترفه الدولة."

وتشمل الأفعال الخاطئة دولياً انتهاكات واجبات الدول بموجب القانون الدولي العرفي والقانون الدولي للمعاهدات والاتفاقيات. فمثلاً، توضح المادة 91 من البروتوكول الأول أن كل طرف من أطراف النـزاع "يتحمل مسؤولية عن جميع الأفعال التي يرتكبها الأشخاص الذي يشكلون جزءاً من قواته المسلحة". وتبعاً لذلك "يكون طرف النـزاع الذي ينتهك نصوص الاتفاقيات أو هذا البروتوكول، إذا اقتضى الحال، مسؤولاً عن دفع تعويض".

كما أن حق الضحايا الأفراد في التعويض محدد جيداً في القانون الدولي لحقوق الإنسان بوصفه عنصراً مهماً من الحق في سبيل انتصاف الوارد في المعاهدات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان.(36) وتخلص دراسة القانون الإنساني الدولي العرفي(37) التي أعدتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في القاعدة 150 إلى أن : "الدولة المسؤولة عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي ملزمة بتقديم تعويضات كاملة عن الخسائر أو الإصابات التي تتسببت بها." وإضافة إلى ذلك، تكرس المبادئ الأساسية والإرشادات الخاصة بحق ضحايا الانتهاكات الصارخة للقانون الإنساني الدولي والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي التي اعتمدتها الجمعية العام للأمم المتحدة في العام 2005 (القرار 60/147 الصادر في 16 ديسمبر/كانون الأول 2005) في سبيل انتصاف وتعويض تكرس واجب الدول في تقديم سبل انتصاف فعالة، بما في ذلك تقديم تعويض إلى الضحايا. ويحدد هذا الصك الأشكال المناسبة للتعويض بما فيها في المبادئ من 19 إلى 23، رد الحقوق والتعويض المادي والتأهيل والرضاء وضمان عدم التكرار.

الجماعات المسلحة والتعويضات
بموجب قانون مسؤولية الدول، لا يمكن إلزام جماعة مسلحة بتقديم تعويض إلا إذا أصبحت فيما بعد حكومة جديدة للدولة أو نجحت في إقامة دولة جديدة على جزء من أراضي دولة قائمة سابقاً أو على أرض تخضع لإدارتها.

ويركز القانون الدولي لحقوق الإنسان أساساً على واجبات الدول وبالتالي لا يخلق واجبات بالنسبة للجماعات المسلحة، باستثناء واجب الدولة في توخي اليقظة الواجبة لمنع الأذى الذي تسببه هذه الجهات أو المعاقبة عليه أو التحقيق فيه أو التعويض عنه. وفي هذا السياق، يترتب على لبنان مثل هذا الواجب فيما يتعلق بحزب الله.

وتلاحظ اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن الجماعات المسلحة هي نفسها ملزمة باحترام القانون الإنساني الدولي. وفي حين أنه لم تتم الإجابة عن السؤال المتعلق بما إذا كانت الجماعات المسلحة ملزمة بتقديم تعويض كامل عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي،(38) إلا أن الممارسة العملية تشير إلى أن هذه الجماعات ملزمة بتقديم قدر من التعويض المناسب.(39)

الفصل الثالث – الهجمات الإسرائيلية والأساس المنطقي وراءها

لقد أصرت إسرائيل بصورة متكررة على أنها تقيدت بالقانون الدولي طوال النـزاع في شن هجماتها على لبنان، بما في ذلك من خلال احترام مبدأ التمييز (التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية) مستلزمات التناسب (ضمان عدم تسبب الهجمات بأضرار مدنية مفرطة قياساً بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة). وأبلغ المسؤولون الإسرائيليون منظمة العفو الدولية أن جميع الأهداف تم التدقيق فيها قبل الهجوم من جانب مستشاري القانون الإنساني الدولي، وأن الوفيات في صفوف المدنيين والتدمير في لبنان كان إما ضرراً جانبياً مشروعاً أو نتيجة أخطاء.

بيد أنه في نهاية المطاف، تلقي السلطات الإسرائيلية باللائمة على حزب الله عن بدء النـزاع وتحمِّله مسؤولية الإصابات التي وقعت في صفوف المدنيين الناجمة عن الهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية. وتزعم أن مقاتلي حزب الله تعمدوا استخدام المدنيين "كدروع بشرية" الأمر الذي جعل من الصعب جداً على القوات الإسرائيلية تجنب إيقاع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين في لبنان. فمثلاً، على أثر الهجوم الذي أدى إلى مصرع ما لا يقل عن 28 مدنياً في أحد منازل قانا في 30 يوليو/تموز (انظر أدناه)، أعطى العميد عمير إيشل، رئيس أركان سلاح الجو الإسرائيلي لمحة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية :

"العمليات معقدة للغاية. نحن نتحدث عن مئات القاذفات وعن عدد كبيرة من الصواريخ المنتشرة في كل لبنان والتي تتضمن كل شيء بدءاً من الصواريخ قصيرة المدى وانتهاء بالصواريخ بعيدة المدى. ونحن نحاول إصابة عناصر هذه القدرات حيثما أمكن وخلق أثر يؤدي في النهاية إلى تخفيض عدد القاذفات ودقتها. وهذا ما نركز عليه. والهجوم على سلسلة أنشطة إطلاق الصواريخ يتركز على القاذفات والأشخاص الذين يشغلونها وعلى الإسناد اللوجستي خلف القاذفات وعلى مراكز القيادة التي تُشغِّل قوات القاذفات هذه. ونحن نتحدث هنا عن تنظيمات عسكرية شديدة التنظيم تشغِّل أنواعاً مختلفة من الأسلحة؛ وفي الحقيقة، أقول إنها تشكل جيشاً نظامياً تقريباً. والعناصر الإضافية التي نتعامل معها هي تعطيل قدرتها العملياتية عبر ضرب الطرق التي تستخدمها وبإطلاق النار على مناطق إطلاقها لمنع أو تعطيل تشغيلها السلس قدر المستطاع. (40)"

ومنظمة العفو الدولية تدرك أن محاربة جماعة فدائية موجودة بين السكان المدنيين تشكل تحديات محددة – مثلاً تحديد الأسلحة الموجودة في منازل المدنيين وتدميرها، مع التقليل إلى أدنى حد من الأذى الذي يلحق بالمدنيين. بيد أن قواعد القانون الإنساني الدولي تأخذ هذه التحديات في الحسبان. وهذا يعني أن التحديات المتمثلة بمحاربة قوات غير نظامية لا يجوز أن تستخدم أبداً لتبرير الهجمات غير المتناسبة والتي تشن بلا تمييز، أو التقاعس عن اتخاذ تدابير احترازية لحماية المدنيين، أو غيرها من الانتهاكات الخطيرة.

كما تفرض القواعد قيوداً على التكتيكات التي يمكن لجماعات حرب العصابات أن تستخدمها بصورة قانونية. ومرة أخرى، لا يمكن للتحديات التي تواجهها الجماعات المسلحة عند محاربة قوات تابعة للدولة تكون أكثر قوة وأفضل تجهيزاً وتنظيماً أن تبرر الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي.

وفي معلومات أدلوا بها لمنظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 2006، صرح المسؤولون العسكريون الإسرائيليون أن قواتهم لم ترتكب إلا غلطتين كبيرتين خلال الحملة – الهجوم على موقع الأمم المتحدة بالقرب من الخيام الذي أودى بحياة أربعة من مراقبي الأمم المتحدة والهجوم على المبنى الكائن في قانا الذي أدى إلى مصرع 28 مدنياً. بيد أن التوضيحات التي قدمتها السلطات الإسرائيلية في كلا الحالتينً، استجابة، كما يبدو، لبواعث القلق والاهتمام الإعلامي على الصعيد الدولي، كانت غير كافية تاركةً أسئلة مهمة دون إجابة.

الهجومان على موقع للأمم المتحدة بالقرب من الخيام وعلى منـزل في قانا
دُمر موقع مراقبة تابع للأمم المتحدة بالقرب من الخيام في 25 يوليو/تموز بإصابة جوية مباشرة من جانب القوات الإسرائيلية بعد يوم من القصف المدفعي القريب. وقالت الأمم المتحدة إن موظفيها اتصلوا بصورة متكررة بالمسؤولين الإسرائيليين طوال عدة ساعات طالبين من القوات الإسرائيلية التوقف عن القصف بالقرب من مبنى الأمم المتحدة. وذكرت اليونيفيل أنه حدثت 21 ضربة ضمن مسافة 300 متر من القاعدة وسقطت 12 قذيفة مدفعية ضمن مسافة 100 متر، أصاب أربع منها القاعدة مباشرة.(41)

وفي اليوم التالي، صرح مجلس الأمن الدولي أنه "يشعر بالصدمة والأسى العميقين" بسبب الهجوم ويدعو الحكومة الإسرائيلية إلى إجراء تحقيق شامل فيه.

كذلك في 26 يوليو/تموز، صرحت القوات الإسرائيلية أنها كانت تعمل "في منطقة الخيام التي ما برح حزب الله يوجه هجمات صاروخية منها ضد إسرائيل". وأعربت عن أسفها إزاء الحادثة وقالت إنها "تجري تحقيقاً كاملاً بالتعاون الوثيق مع الأمم المتحدة."(42)

بيد أن إسرائيل رفضت إجراء تحقيق مشترك مع الأمم المتحدة ولم تكشف النقاب عن نوع التحقيق الذي تجريه ولا عن نتيجته. وفي أعقاب التحقيق الذي أجراه مجلس التحقيقات التابع للأمم المتحدة في الحادثة، صرّح مكتب الأمين العام للأمم المتحدة أن :

"مجلس التحقيقات يلاحظ بأن السلطات الإسرائيلية قبلت المسؤولية الكاملة عن الحادثة واعتذرت للأمم المتحدة عما تقول إنه خطأ "على المستوى العملياتي". ولم يقابل المجلس القادة العملياتيين أو التكتيكيين في جيش الدفاع الإسرائيلي المعنيين بالحادثة، وبالتالي لم يتمكن من تحديد سبب عدم وقف الهجمات على موقع الأمم المتحدة، برغم الاتصالات المتكررة بالسلطات الإسرائيلية والتي قام بها موظفو الأمم المتحدة، في الميدان ومقر القيادة على السواء".(43)

وفي 30 يوليو/تموز قتلت غارة جوية إسرائيلية على بيت مؤلف من ثلاثة أدوار في قانا 28 مدنياً على الأقل، معظمهم من الأطفال، كانوا يحتمون فيه (انظر الفصل الرابع للاطلاع على التفاصيل الكاملة).

وفي البداية قال المسؤولون الإسرائيليون إنهم كانوا يردون على إطلاق الكاتيوشا من منطقة القرية وإن انهيار المنـزل ربما كان ناجماً عن انفجار أسلحة حزب الله المخزنة فيه وليس بسبب الهجمات الإسرائيلية.(44)

وصرح المسؤولون الإسرائيليون في معرض الإعلان عن انتهاء التحقيق بعد ثلاثة أيام، أن "المبنى استُهدف وفقاً للمبادئ التوجيهية العسكرية المتعلقة باستخدام النيران ضد هياكل تثير الشبهة داخل قرى تم تحذير سكانها بإخلالها، وكانت ملاصقة لمناطق تُطلق منها الصواريخ على إسرائيل". وقالوا إن معلوماتهم أفادت أن "المبنى كان يُستخدم كمخبأ للإرهابيين" وأنه لم يكن هناك أي مدنيين فيه. كذلك أعلن البيان أن رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي" أمر بإجراء عملية إعادة تقييم وتحديث فورية للمبادئ التوجيهية لإطلاق النار على الأهداف التي تثير الشبهة".(45)

وفي كلا الحالتين، لم تقدم السلطات الإسرائيلية معلومات حول أساليب التحقيقات التي أجرتها والنتائج الكاملة التي توصلت إليها، بما فيها طبيعة الأخطاء التي ترى أنها ارتُكبت أو ما إذا كانت قد حددت أية مسؤولية عن الأخطاء. كذلك، لم تشر السلطات الإسرائيلية إلى ما إذا كانت قد جرت مراجعة المبادئ التوجيهية لإطلاق النار والتي أعلن عنها في 2 أغسطس/آب، وإذا كان الأمر كذلك، فما كانت نتيجتها.

وفيما يتعلق بالحوادث الأخرى، أعربت السلطات الإسرائيلية بصورة منتظمة عن أسفها لوقوع إصابات مدنية نتيجة الهجمات التي شنتها القوات الإسرائيلية وأدلت ببيانات حول السياسة العامة. بيد أنها لم تدلِ في كل الحالات الأخرى بمعلومات محددة تتعلق بكل حادثة، مثل الهدف المقصود بها واعتبارات التناسب وأية تدابير احتياطية متخذة. وهذه كلها عناصر ضرورية لتقييم قانونية الهجوم، وبخاصة حيث لا تشير الأدلة الواقعية – بالقدر الذي استطاعت فيه منظمة العفو الدولية أن تحدد في الحالات الواردة في هذا التقرير – إلى أي نشاط عسكري لحزب الله في المناطق التي تعرضت للهجوم عند وقوع الهجوم.

ومما يثير القلق بشكل خاص بيانات النفي الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين حول معرفتهم بوجود مدنيين في المواقع التي تعرضت للهجوم، علماً أن القوات الإسرائيلية استخدمت أنظمة مراقبة متطورة، وبخاصة الطائرات التي تطير دون طيار التي استخدمتها بصورة واسعة وفوق لبنان خلال النـزاع.

في قرية عيناتا، أُصيب منـزل عائلة وهبي مرتين في 19 يوليو/تموز، فقُتل موسى وهبي البالغ من العمر 85 عاماً وجاره المسن حسين سمحة. وسرعان ما أصيب منـزل آخر، فقُتل موسى درويش وابنته أمال البالغة من العمر 17 عاماً وابنتا شقيقته زينب، 17 عاماً وسلوى، 20 عاماً، والعاملة المنـزلية الإثيوبية لدى العائلة علوية موزامال عوالي. وأُصيب ابن موسى درويش وابنته بجروح خطيرة في الهجوم؛ ودخلت هيام البالغة من العمر 18 عاماً في غيبوبة لمدة 10 أيام وأُصيبت بفقدان الذاكرة، وأًصيب شقيقها الأصغر محمود بشلل في ساقيه.

وكان المنـزل يقع خارج وسط القرية مباشرة في مجموعة من المنازل ذات الطابق الواحد التي تفصل بينها بساتين. وقال سميح الأخ غير الشقيق لموسى درويش، والذي يعيش في المنـزل المجاور للمنـزل المدمر لمنظمة العفو الدولية :

"لم يكن يوجد شيء هنا، فليس لدينا مقاومة هنا. فقط نحن من العائلة نعيش هنا والطريق تنتهي هنا، لذا لم يكن هناك حتى مارة. وبالتالي نعرف ما يجري، ولم يكن يجري أي شيء هنا، وليس هناك سبب لقصفنا".

كذلك فإن التفسيرات العامة للسياسة وتفسيرات القانون الدولي التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية أو ناقشتها مع منظمة العفو الدولية تثير بواعث قلق شديدة.

فمثلاً، في المؤتمر الصحفي الذي عقده المسؤولون العسكريون الإسرائيليون في سبتمبر/أيلول 2006، قيل لمنظمة العفو الدولية إنه إذا شاهد الجنود الإسرائيليون رجلاً يُطلق صاروخاً ويدخل إلى منـزل، يسمح لهم بمهاجمة المنـزل بدون طرح مزيد من الأسئلة. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذا الرد سيكون غير متناسب. فمجرد حقيقة دخول مقاتل إلى بيت لا تجعل تلقائياً الهجوم على البيت قانونياً؛ فالهجوم من أجل قتل مقاتل واحد بدون محاولة معرفة ما إذا كان هناك مدنيون في المنـزل ينتهك الحظر المفروض على الهجمات غير المتناسبة.

كذلك فإنه مما يثير القلق الشديد التصريحات العلنية المتعددة التي أدلى بها قادة سياسيون وعسكريون إسرائيليون والتي تشير إلى أن القوات الإسرائيلية تعتبر المدنيين الذين لم يلوذا بالفرار من جنوب لبنان أهدافاً مشروعة. ففي 27 يوليو/تموز قال وزير العدل الإسرائيلي حاييم رامون : "إن جميع الموجودين الآن في جنوب لبنان هم إرهابيون لهم صلة ما بحزب الله."(46) وقال أيضاً : "إن قرية مثل بنت جبيل حُذِّر سكانها بإخلائها وتركوها، وبقي فيها مسلحو حزب الله فقط، يجب أن تُقصف من الجو وبالمدفعية قبل دخول القوات البرية إليها."(47)

وفي اليوم ذاته، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس في مؤتمر صحفي إن : "بنت جبيل قُصفت من الجو وبالمدفعية بالقدر الذي حسبنا أنه كافٍ. هذه ليست قضية إنسانية، لأن بنت جبيل خالية من المواطنين ومحاطة بالإرهابيين من الداخل والخارج على السواء".(48)

بيد أن قرية بنت جبيل لم تكن "خالية من المواطنين". ففي 31 يوليو/تموز و1 أغسطس/آب عندما تمكَّن الصحفيون واللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة بنت جبيل خلال وقف الغارات الجوية لمدة يومين من جانب القوات الإسرائيلية، عرضت وسائل الإعلام الجثث فضلاً عن الناجين الذين يجري انتشالهم من بين أنقاض منازلهم. وقال ثلاثة صحفيين لمنظمة العفو الدولية إنهم التقوا بامرأة حزينة تحفر بأيديها العاريتين وتتوسل إليهم لمساعدتها في العثور على شقيقتها تحت الأنقاض. فساعدوها وفي النهاية عثروا على امرأتين عجوزين، إحداهما مقعدة والأخرى طريحة الفراش، وشقيقيهما الأكبر وهم على قيد الحياة. وكان الثلاثة، وجمعيهم في العقد الثامن من العمر، محاصرين تحت أنقاض منـزلهم الكائن في وسط بنت جبيل طوال أكثر من أسبوع.

ويثير محتوى المنشورات التي ألقتها القوات الإسرائيلية بصورة متكررة فوق جنوب لبنان بواعث قلق مشابهة، وهي تحذر السكان من الهجمات الوشيكة وتأمرهم بإخلاء المنطقة أو توقع القصف. ومما يثير قلقاً شديداً المنشور المؤرخ في 7 أغسطس/آب والذي أعلن أن "أية عربة أياً كان نوعها تسير جنوب نهر الليطاني ستُقصف، للاشتباه بنقلها صواريخ ومعدات عسكرية وإرهابيين". وهذا يشكل انتهاكاً صارخاً لمبدأ التمييز ولافتراض الصفة المدنية : فالهجوم الذي يشن تنفيذاً لهذا التهديد يشكل هجوماً يُشن بلا تمييز وربما يشكل أيضاً هجوماً مباشراً على المدنيين.

وتوحي المنشورات والأنماط الأخرى للهجوم أن القوات الإسرائيلية كانت تستهدف أنواعاً معينة من السيارات مثل الشاحنات وسيارات النقل المقفلة والدراجات النارية على افتراض أنها تُستخدم من قبل مقاتلي حزب الله. وذكر منشور أُلقي في 25 يوليو/تموز أن "سيارات النقل النصفية" أو "الشاحنات" قد تقصف لهذه الأسباب. وقد وثقت منظمة العفو الدولية (انظر الفصل الرابع) ضربتين جويتين مميتتين على سيارة نقل مقفلة لأحد المخابز وعلى رجل يركب دراجة نارية، جرت كلتاهما في 6 أغسطس/آب بالقرب من قافلة إنسانية تابعة للأمم المتحدة كانت تسير شمال صور.

وعندما سألت منظمة العفو الدولية في سبتمبر/أيلول 2006 عن هذه الأنواع من الهجمات، قال المسؤولون الإسرائيليون إنه في معظم الحالات كانت لدينا معلومات بأن السيارات المستهدفة كانت تقوم "بمهمة لحزب الله". بيد أنهم أشاروا أيضاً إلى أنهم يعتبرون الشاحنات التي تواصل سيرها على الطرقات بعد أن تم تحذير كثير من السكان، ومغادرة معظمهم، بأنها تشكل هدفاً مشروعاً، وبخاصة في أماكن مثل الطرق الرئيسية التي تربط لبنان بسورية. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن أي هجوم لا يأخذ في الحسبان بشكل كامل الظروف المحددة لكل حالة ينتهك افتراض الصفة المدنية ويمكن أن يصل إلى حد هجوم شُن بلا تمييز وربما هجوم مباشر على المدنيين.

وعلى أية حال، لم يكن الهروب ضمانة للسلامة. فقد هاجمت القوات الإسرائيلية المدنيين الذين غادروا قراهم وكانوا متجهين شمالاً استجابة لتعليمات السلطات العسكرية الإسرائيلية التي وُجهت عبر المنشورات التي أُلقيت من الجو وغيرها من الوسائل. ولم تعطِ إسرائيل أي تفسير كافٍ للحالات المحددة لقتل المدنيين العزل في هذه الظروف.

التعرض للهجوم أثناء الفرار
"أمرنا الجيش بمغادرة القرية، لكن الذين فعلوا ذلك قُصفوا وقتُلوا. لماذا؟ سيارة مليئة بالأطفال!"

هذا وصف أحد أفراد عائلة عبد الله الذي نجا من هجوم إسرائيلي على قافلة من العائلات الهاربة من قرية مروحين لحالة اليأس والحيرة التي شعر بها. لقد خلَّف الهجوم الذي وقع في 15 يوليو/تموز 23 قتيلاً مدنياً، معظمهم من الأطفال. ولم يُخلِ سكان مروحين قريتهم إلا بعد أن أمرهم الجنود الإسرائيليون أن يفعلوا ذلك عبر مكبرات الصوت. وقال الناجي :

"اتهمنا الجنود الإسرائيليون الموجودون بالقرب من السياج الحدودي بمساعدة المقاومة وقالوا إن علينا المغادرة، لكن لم يكن لنا أية علاقة بالمقاومة. وكان هناك مقاتل واحد من حزب الله من القرية وأوضحنا له بأننا نعارض أية هجمات تُشن بالقرب من القرية أو أية أسلحة في القرية".

ومع وصول القافلة إلى منطقة تقع بين شمعة والبياضة، تعرضت لهجوم متواصل من سفينة حربية إسرائيلية ومروحية عسكرية إسرائيلية تطلق الصواريخ كما يبدو. وحصيلة القتلى في هذه الحادثة لوحدها تجعل من يتابع القراءة يشعر بالأسى :

زهرة فارس عبد الله، عمرها 45 عاماً، أم لـ 10 أطفال، وابنها هادي، 6 سنوات وابنتها ميرنا، 12 عاماً؛ وسناء محمد عبد الله، 30 عاماً وخمسة من أطفالها – علي، 15 عاماً ومحمد، 13 عاماً وحسين، 12 عاماً وحسن، 10 أعوام ولما، عامان؛ ومحمد موسى غنام، 47 عاماً وزوجته سهى البالغة من العمر 35 عاماً وأطفالهما الستة – قاسم، 16 عاماً ومصطفى، 15 عاماً وحسين، 11 عاماً وفاطمة، 14 عاماً وزينب، 10 أعوام ودعاء، 7 أعوام؛ ومريم إبراهيم عبد الله 27 عاماً؛ وعلي كامل عبد الله، 55 عاماً وابنه محمد، 17 عاماً ووالدته العجوز صبحة حسن عبد الله وشقيقتان مسنتان هما لطيفة وفوزية أبو هدلة.

وأُصيب كثيرون غيرهم بجروح خطيرة، بينهم رجل عجوز هو موسى طحان سيف الذي فقد كلا ساقيه.

ثمة مجال آخر يثير قلقاً بالغاً هو تفسير إسرائيل لمفهوم "الميزة العسكرية" عند النظر في مسألة التناسب. فإسرائيل تصر على أن الميزة العسكرية "ليست في ذلك الهجوم المحدد بل في العملية العسكرية ككل".(49) وذكر المسؤولون الإسرائيليون لمنظمة العفو الدولية أن الحقيقة البسيطة بأن أشياءً معينة مثل الكهرباء ومنشآت الوقود، يمكن أن تعطي ميزة عسكرية بنظرهم، قد تجعلها هدفاً مشروعاً.

هذا تفسير أوسع من اللازم. فلا يمكن للميزة العسكرية المشروعة أن تكون مجرد ميزة محتملة أو غير محددة، وإلا فإنه يمكن استخدام تفسيرهم فعلياً لتبرير أي هجوم لأن جميع الأهداف المدنية تقريباً يحتمل أن يكون لها استخدام عسكري، حتى الطعام والماء. وعوضاً عن ذلك، يجب الموازنة بين الميزة العسكرية والأذى المتوقع الذي يلحق بالمدنيين، وينبغي على القوات المسلحة أن تمتنع عن القيام بهجوم إذا كانت كفة الأذى تُرجَّح على كفة الميزة العسكرية.

إن نمط ونطاق الهجمات العسكرية الإسرائيلية التي شُنت على البنية التحتية في لبنان، مقرونة بالتصريحات التي أدلى بها المسؤولون الإسرائيليون عكست هذا التفسير المبالغ فيه لمفهوم الميزة العسكرية. ويبدو أن هذه الهجمات استهدفت إنزال شكل من أشكال العقاب الجماعي بالشعب اللبناني، لحض الحكومة اللبنانية على الانقلاب على حزب الله، فضلاً عن إلحاق الأذى بالقدرة العسكرية لحزب الله.(50) وفي هذا السياق، يبدو أن القوات الإسرائيلية نفَّذت هجمات مباشرة على أهداف مدنية، مثل تدمير المصانع والميناء الصغير في الأوزاعي ومراكب الصيد فيه (انظر الفصل الخامس).

وألقت التصريحات الإسرائيلية الرسمية الضوء على الطبيعة العقابية المحتملة للهجمات التي شُنت على البنية التحتية. ففي فترة مبكرة من النـزاع، عقب وقوع جنديين إسرائيليين في أسر حزب الله، أطلق رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي تهديدات قائلاً إنه : "إذا لم يُعد الجنديان، سنعيد لبنان عشرين سنة إلى الوراء".(51) ووفقاً لصحيفة جيروزالم بوست، هدد أحد كبار ضباط جيش الدفاع الإسرائيلي بأن تدمر إسرائيل محطات الكهرباء اللبنانية إذا أطلق مقاتلو حزب الله صواريخ بعيدة المدى على منشآت استراتيجية في شمال إسرائيل.(52) وفي 24 يوليو/تموز وفي مؤتمر صحفي لأحد كبار ضباط سلاح الجو الإسرائيلي، قيل للمراسلين إن رئيس الأركان أمر الجيش بتدمير 10 مبانٍ في بيـروت مقابل كل صاروخ كاتيوشا يضرب حيفا.(53) ووفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، قال رئيس الأركان إن الضربات الجوية تهدف إلى ممارسة الضغط على المسؤولين اللبنانيين وتوجيه رسالة إلى الحكومة اللبنانية مفادها بأن عليها أن تتحمل مسؤولية أفعال حزب الله.(54)

وعلى أية حال يبدو أن جزءاً كبيراً من التدمير الإسرائيلي للبنية التحتية اللبنانية قد أعاق أساساً هروب المدنيين والقوافل الإنسانية، دون أن يمنع مقاتلي حزب الله من نقل المقاتلين أو المعدات.

الجية – كارثة بيئية
كان لقصف إسرائيل لمحطة الكهرباء في الجية يومي 13 و15 يوليو/تموز تأثير مدمر على البيئة، فضلاً عن الاقتصاد ومعيشة الكثيرين.

وقد تسرب إلى البحر ما بين 10,000 و15,000 طن من زيت الوقود. واحترق 55,000 طن فبعث بدخان كثيف وأدى إلى ترسب قطرات النفط على مساحة واسعة.

وغطى التسرب حوالي 120 كيلومتراً من ساحل البحر الأبيض المتوسط بالنفط بدرجات متفاوتة، وتلوثت مساحات كبيرة من قاع البحر. ولحقت أضرار بالأنظمة البيئية الساحلية والبحرية، بما فيها الطيور والأسماك.(55)

وقال مدير محطة الكهرباء عبد الرزاق العيتاني لمنظمة العفو الدولية إن الخزان الأول الذي كان يحتوي على 10,000 طن من الوقود، أُصيب بضربة جوية في 13 يوليو/تموز. وبعد يومين أُصيب الخزان الذي يحتوي على 15,000 طن من الوقود وأدى إلى اندلاع النيران في خزان يحتوي على 25,000 طن من الوقود. وقال إن شخصاً واحداً أُصيب بجروح طفيفة في الهجمات وتعرض عدة أشخاص بينهم هو لاستنشاق الدخان.

وتُقدِّر الحكومة اللبنانية أن المنطقة تحتاج إلى 10 سنوات للعودة إلى وضعها السابق بالكامل؛ وتُقدِّر الأمم المتحدة تكلفة التنظيف الأولي للساحل بـ 64 مليون دولار أمريكي.

وبما أن محطة الكهرباء وخزانات الوقود فيها تقع بجانب البحر، فقد كان من المحتمل جداً أن يؤدي استهدافها إلى عواقب مدمرة فورية وطويلة الأجل على البيئة البحرية. فمثل هذه المخاطر تجاوزت بوضوح أية ميزة عسكرية متوقعة. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن الهجمات على محطة كهرباء الجية كانت غير متناسبة. كذلك انتهكت الحظر المفروض على طرق أو وسائل العمليات الحربية التي يمكن أن يُتوقع أن تسبب ضرراً واسع النطاق وطويل الأجل وشديداً للبيئة.

ومن جملة الهجمات الإسرائيلية التي يبدو أنها غير متناسبة بشكل فاضح تلك التي شُنت على ضاحية بيـروت الجنوبية التي يقع فيها مقر قيادة حزب الله.

فقد تعرضت الضاحية لقصف واسع وعنيف من البحر والجو، بما في ذلك عقب مدة طويلة من هروب سكانها. وتسبب القصف بأضرار فادحة – وبحسب ما ورد دُمرت 250 عمارة متعددة الطوابق وتحتوي على حوالي 4000 شقة على الأقل.(56) ويُقدَّر أن عدداً من الأشخاص يتراوح بين 30,000 و60,000 خسروا منازلهم.(57) وفي حين أن مراكز القيادة العسكرية الواقعة في مقر قيادة حزب الله يمكن أن تشكل هدفاً مشروعاً، إلا أن مدى الأضرار يوحي بأن الضربات الإسرائيلية كانت تستهدف أي مبنى قد يكون ضم أي نشاط له علاقة بحزب الله، بما في ذلك الأنشطة غير العسكرية. وبالتالي يمكن أن تشكل ضربات مباشرة لأهداف مدنية، وربما نُفِّذت أيضاً كشكل من أشكال العقاب الجماعي لسكان الضاحية.

وطوال فترة الحرب قصفت القوات الإسرائيلية جنوب لبنان جواً وبراً وبحراً، وأطلقت آلاف القذائف يومياً. وأودى هذا القصف بحياة المدنيين ودمر آلاف المنازل والمباني الأخرى أو جعلها غير صالحة للسكن. وربما كان ذلك جزءاً من التكتيك الذي وصفه جيش الدفاع الإسرائيلي بأنه "إطلاق النار على مناطق الإطلاق لمنع حزب الله من العمل السلس أو تعطيله إلى أكبر درجة ممكنة."(58)

بيد أن القصف المدفعي لجنوب لبنان جرى بلا تمييز. "وفي الحرب الأخيرة في لبنان أطلقنا النار كالمجانين، بدون التقيد بأي مدى للسلامة"، على حد قول أحد ضباط المدفعية كما ورد.(59) وقال أحد الجنود الإسرائيليين لمنظمة العفو الدولية إن وحدة مدفعيته أُعطيت إحداثيات للأهداف في مطلع أغسطس/آب ترقى إلى حد "الطوفان" – القصف المكثف – لعدد من القرى اللبنانية، بينها الطيبة كما يعتقد (انظر الفصل الرابع).

وفي الأغلبية الساحقة من المباني المدمرة أو المتضررة التي فحصتها منظمة العفو الدولية، لم تعثر على أي دليل يشير إلى أن مقاتلي حزب الله استخدموها كمخابئ أو لتخزين الأسلحة. وفي معظم الحالات، أشار نمط التدمير إلى أن الممتلكات استُهدفت لجعلها غير صالحة للسكن وليس لقتل مقاتلين أفراد أو لتدمير أسلحة مخزنة فيها. ونمط الضرر الذي لحق بالمباني بواسطة هذا الوابل من طلقات المدفعية لم يكن عادة ليعيق إخراج الأسلحة من جانب حزب الله فيما لو وُضعت هناك. وفي العديد من المباني التي عاينها مندوبو منظمة العفو الدولية، لم يلاحظوا حدوث حرائق واسعة تنجم عادة عن إصابة مخزن للذخيرة، حتى عندما نجمت الحرائق عن استخدام مقذوفات حارقة أو سواها من العوامل.

وفي الأيام الثلاثة الأخيرة للنـزاع، عقب الاتفاق على وقف إطلاق النار، تكثفت الضربات الجوية والمدفعية الإسرائيلية وتضمنت الاستخدام واسع النطاق للأسلحة العنقودية في المناطق السكنية. وقد تناثرت حوالي أربعة ملايين قنبلة صغيرة، لم ينفجر ربعها تقريباً في جنوب لبنان، وسقطت في القرى والمنازل والحقول والطرق والبساتين، كما أوضحنا في الفصل الرابع.

أُصيبت مروى وسكنة معري، كلتاهما في سن الثانية عشرة، وحسن طحينة البالغ من العمر 10 سنوات، بجروح عندما انفجرت قنبلة عنقودية بالقرب من منـزلهم في قرية عيتا الشعب في 17 أغسطس/آب 2006. وقالت مروى لمنظمة العفو الدولية إنها كانت تلعب مع سكنة وحسن بين أنقاض منـزل يملكه قريب لهم، دمرته القوات الإسرائيلية عندما لاحظت جسماً صغيراً :
"التقطت القنبلة، لكنني لم أدرِ أنها كانت قنبلة. وقال لي حسن بأن أرميها بعيداً وعندما رميتها انفجرت".

وأُصيب الأطفال الثلاثة جميعهم بجروح. وأُصيب حسن بجروح بالغة في بطنه. وأُصيبت مروى وسكنة بجروح ناجمة عن الشظايا في مختلف أنحاء جسميهما. وقال الطبيب الذي فحص حسن للمرة الأولى إن :

"جروح الصبي كانت مرعبة؛ وكانت أمعاؤه قد تدلت من بطنه وكنا قلقين جداً من أن نفقده. لكنه لحسن الحظ نجا".

وقالت والدة مروى لمنظمة العفو الدولية إن :
"اليوم الذي تلا بداية الحرب، أخذتُ الأطفال وهربنا لأن الجيش الإسرائيلي قصف القرية. وأمضينا شهراً بعيداً عن المنـزل ولم نعد إلا في 15 أغسطس/آب، اليوم الذي تلا نهاية الحرب، لكننا وجدنا أن منـزلنا دُمر والآن نقيم مع أقربائنا. واعتقدتُ أننا على الأقل سنكون في مأمن الآن بعد أن انتهت الحرب، لكن هناك قنابل لم تنفجر في كل مكان. والآن ليس لدينا بيت وستبدأ المدرسة في فترة لاحقة من هذا العام لأن المدارس وكل شيء دُمِّر في القرية، لذا يلعب الأطفال في الخارج أكثر من ذي قبل، وينتابني الهلع كلما ابتعد الأطفال عن ناظري".

وتشكل القنابل العنقودية خطراً شديداً على السكان المدنيين. والقنابل الصغيرة التي تنثرها صغيرة الحجم وذات أشكال مختلفة – بعضها أشبة بكرة المضرب وبعضها الآخر أشبه بمصباح كشاف. وهذا يجعلها جذابة بنظر الأطفال ويجعل اكتشافها أصعب بكثير من الذخائر الأخرى التي لم تنفجر.

ويظل العدد الهائل من القنابل الصغيرة التي لم تنفجر يسبِّب الموت والتشويه بلا تمييز. ومن المتوقع أن يستمر على هذا المنوال طوال السنوات العديدة القادمة. ودافعت إسرائيل عن استخدامها للقنابل العنقودية بالقول إن هذه الأسلحة قانونية بموجب القانون الدولي وإنها بذلت "جهوداً مضنية" لتجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين. بيد أن الأسلحة العنقودية تخضع لقواعد القانون الإنساني الدولي بالطريقة ذاتها التي تخضع لها أية أسلحة أخرى، وفي هذا الصدد، فإن استخدامها واسع النطاق في المناطق الآهلة بالسكان وصل بوضوح إلى حد الهجوم الذي شُن بلا تمييز.

كذلك لاحظت منظمة العفو الدولية نمطاً من التدمير الناجم عن الهجمات الإسرائيلية أشار إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت أهدافاً لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، بما فيها أسواق المواد التموينية (السوبرماركت) وغيرها من نقاط توزيع الأغذية ومحطات البنـزين ومحطات ضخ المياه. وتضاعف تأثير هذا النمط من التدمير بفعل الحصار البحري والجوي الإسرائيلي الذي فُرض منذ بداية النـزاع وحتى قرابة أربعة أسابيع بعد وقف إطلاق النار. وأصرت إسرائيل على أن الحصار كان ضرورياً لقطع الأسلحة والإمدادات عن حزب الله، وبعد وقف إطلاق النار، أخرت رفع الحصار على أساس أن قوات حفظ السلام الدولية يجب أن تنتشر أولاً لمنع إعادة تسليح حزب الله من البحر والجو.

ورغم أن الحصار ليس محظوراً في القانون الإنساني الدولي، إلا أنه لا يجوز أن يمنع وصول المواد الغذائية وغيرها من المؤن الضرورية إلى المدنيين. والحصار الإسرائيلي منع أو عرقل فعلاً وصول الإمدادات والمساعدات الإنسانية الحيوية إلى السكان الذي يحتاجونها، وربما فُرض كشكل من أشكال العقاب الجماعي، فضلاً عن كونه وسيلة لعرقلة العمليات العسكرية لحزب الله.

ومن الأهمية بمكان إجراء تحقيق صحيح في المعلومات التي تشير إلى ارتكاب انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، مثل الأدلة الواردة في هذا التقرير. وثمة حاجة لإجراء مثل هذا التحقيق إذا أردنا تقديم أولئك المسؤولين عن الانتهاكات، بما فيها جرائم الحرب، إلى العدالة؛ وتقديم تعويضات كاملة إلى الضحايا؛ ووضع سياسات جديدة وإجراءات ضرورية أخرى موضع التنفيذ لمنع تكرار هذه الانتهاكات.

الفصل الرابع: المدنيون يتعرضون للقصف
الذين حوصروا وأرهبوا
"كان الانتقال على الطرقات محفوفاً بالمخاطر، لكن البقاء في منازلنا كان أيضاً ينطوي على خطر." أحد الأفراد الناجين في عائلة عواضة، التي قُتل تسعة من أفرادها في منـزلهم بصاروخ إسرائيلي في 17 يوليو/تموز.

أدت حدة القصف الإسرائيلي منذ بداية الحرب خلال بضعة أيام إلى فرار معظم سكان جنوب لبنان البالغ عددهم نصف مليون نسمة وعشرات الآلاف من الزوار باتجاه الشمال. بيد أن كثيرين حوصروا طوال أيام وأسابيع، وبقي عدد يصل إلى 120 ألفاً في القرى والبلدات الواقعة في جنوب لبنان طوال مدة النـزاع، يواجهون القصف الإسرائيلي.(60)

ولم يستطع البعض الفرار بسبب سنهم أو عجزهم. وأراد البعض المغادرة، لكنهم خافوا من أن يكون السفر محفوفاً بمخاطر جسيمة أو أنهم لم يملكوا وسيلة النقل. ولم يرد البعض ترك منازلهم.

وقد بدأ الناس بمغادرة قراهم منذ الأيام الأولى للحرب. بيد أن الهجوم الإسرائيلي على المركبات التي هربت من قرية مروحين في 15 يوليو/تموز (انظر الفصل الثالث)، فضلاً عن الهجمات واسعة النطاق التي شُنت على الطرقات وغيرها من أجزاء البنية التحتية، ردعت العديدين عن المغادرة كما يبدو. وفي 30 يوليو/تموز، أعلنت إسرائيل وقفاً للقصف الجوي لمدة 48 ساعة على أن يبدأ في اليوم التالي. فانتهز العديد من سكان القرى الجنوبية الذين لم يغادروا بعد الفرصة للفرار. وبحلول نهاية مهلة الـ 48 ساعة في 1 أغسطس/آب، أصبحت قرى عديدة في جنوب لبنان شبه مهجورة.

وفي الأسبوع الثاني من النـزاع، ألقت القوات الإسرائيلية منشورات فوق جنوب لبنان تأمر السكان بمغادرته. وعموماً لم تذكر المنشورات قرى محددة، بل أمرت السكان بإخلاء كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.

ولكن بحلول هذا الوقت، بات من الصعب جداً على السكان المغادرة. فقد كانت طرقات عديدة غير صالحة للمرور وأدى استهداف القوات الإسرائيلية للعربات المتحركة إلى جعل السفر على الطرقات التي ظلت مفتوحة محفوفاً بمخاطر متزايدة.

كذلك حدث نقص في الوقود نتيجة الحصار واستهداف مستودعات الوقود ومحطات البنـزين من جانب القوات الإسرائيلية. وأقفلت معظم محطات البنـزين التي لم ينفد منها البنـزين أو تُدمر لأن أصحابها خشوا من استهدافها. وهذا يعني أنه حتى أولئك الذين يملكون سيارات لم يستطيعوا العثور على البنـزين.

وبالنسبة لأولئك الذين لا يملكون سيارات، ارتفعت تكلفة حتى الرحلات القصيرة ارتفاعاً هائلاً بسبب نقص الوقود والمخاطر القائمة، الأمر الذي جعل تكلفة الهروب تتجاوز قدرة معظم الناس. وحتى أولئك القادرين على تحمل تكلفة الرحلة لم تتوفر لديهم أية وسيلة للاتصال بالمدن لترتيب وسيلة نقل؛ لأنه بحلول هذا الوقت كانت شبكتا الهاتف والكهرباء قد أُعطبتا في القصف الإسرائيلي، ولم يتمكن الناس من استخدام الخطوط الهاتفية الأرضية ولا تعبئة أجهزة هواتفهم النقالة بسبب انقطاع الكهرباء.

وفي البداية أمرت المنشورات التي ألقتها القوات الإسرائيلية الجميع بمغادرة كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني التي يقطنها زهاء 500 ألف نسمة. وقالت المنشورات التي أُلقيت لاحقاً إن أية مركبة في المنطقة مهما كان نوعها ستتعرض للهجوم. وهكذا وُضع المدنيون في موقف مستحيل، حيث كانت أرواحهم معرضة للخطر سواء بقوا أو غادروا. وحتى المغادرة في قوافل جرى تنسيقها مع القوات الإسرائيلية لم تشكل ضماناً للسلامة، كما أظهر الهجوم الذي تعرض له أولئك الذين فروا من مرجعيون في 11 أغسطس/آب (انظر أدناه).

إلى سكان القرى الذين يعيشون جنوب نهر الليطاني

بسبب العمليات الإرهابية التي نُفِّذت ضد دولة إسرائيل انطلاقاً من قراكم ومنازلكم، فإن جيش الدفاع الإسرائيلي مضطر للرد فوراً على هذه الأفعال حتى داخل قراكم.

فمن أجل سلامتكم!!!

يُطلب منكم إخلاء قراكم فوراً باتجاه شمال الليطاني.(61)


إلى الشعب اللبناني

أصغوا إلى هذه التعليمات!!

سيكثف جيش الدفاع الإسرائيلي أنشطته وسيقصف بشدة كامل المنطقة التي تُطلق منها الصواريخ على دولة إسرائيل

وكل من يوجد في هذه المناطق يعرض حياته للخطر!

وإضافة إلى ذلك، فإن أية سيارة نقل نصفية أو سيارة نقل تسير جنوب نهر الليطاني سيُشتبه في أنها تنقل صواريخ وأسلحة وقد تتعرض للقصف.

وعليكم أن تدركوا أن كل من ينتقل في سيارة نقل صغيرة أو كبيرة يعرض حياته للخطر.

دولة إسرائيل(62)



إلى المدنيين اللبنانيين في جنوب نهر الليطاني

اقرؤوا هذا الإعلان بعناية واتبعوا التعليمات

سيُصعِّد جيش الدفاع الإسرائيلي من عملياته، وسيضرب بقوة شديدة مجموعات الإرهابيين التي تستغلكم كدروع بشرية، والتي تطلق الصواريخ من منازلكم على دولة إسرائيل.

وأية عربة مهما كان نوعها تسير جنوب نهر الليطاني ستُقصف، للاشتباه بنقلها صواريخ ومعدات عسكرية وإرهابيين.

وكل من ينتقل في أية عربة يُعرِّض حياته للخطر.

دولة إسرائيل.(63)


ولم تصل هذه المنشورات إلى جميع القرى، وكانت هناك مناطق لم تُلقَ فيها المنشورات إلا بعد أن تعرضت الأمكنة للقصف.(64) وفي القرى التي زارتها منظمة العفو الدولية قال العديد من الناس إنهم لم يشاهدوا أية منشورات. وقد ورد ذكر المنشورات على نطاق واسع في محطات الإذاعة والتلفزة اللبنانية والعالمية، ولكن في العديد من القرى فقد السكان الاتصال سريعاً بوسائل الإعلام وبالعالم الخارجي؛ لأن الهجمات الإسرائيلية دمرت شبكات الكهرباء والإرسال والاتصالات.

وخلص آخرون ممن شاهدوا أو سمعوا عن المنشورات التي تعلن أن القوات الإسرائيلية ستقصف المناطق التي تُطلق منها الصواريخ أو سمعوا عنها إلى أن البقاء في المنـزل أكثر آماناً إذا كانوا يعلمون أن الصواريخ لم تكن تُطلق من مكان قريب. كذلك اعتقدوا أنهم إذا تنقلوا، فقد يدخلون دون قصد إلى مناطق كانت تطلق منها الصواريخ أو تجري فيها اشتباكات على الأرض بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حزب الله.

وفي بضع القرى مثل عيناتا وعيترون وبنت جبيل التي كانت القوات الإسرائيلية موجودة حولها منذ بداية النـزاع، سرعان ما أصبح السكان محاصرين بسبب القتال الذي كان محتدماً حول قراهم. وفي قرى أخرى، كان الناس على علم بأن القوات الإسرائيلية دخلت إلى جنوب لبنان لمقاتلة حزب الله على الأرض، لكنهم لم يكونوا يعرفون على وجه الدقة مكان وجود هذه القوات، لذا كانوا يخشون الانتقال.

الذين قُتلوا في منازلهم
"لم يكن لأي منا أية علاقة بالحرب. لا أفهم لماذا قصفوا منـزلنا". فاطمة الأخرس التي فقدت 12 من أفراد أسرتها عندما أُصيب منـزلهم في قرية عيترون في هجوم إسرائيلي وقع في 16 يوليو/تموز.

ومنذ اليوم الأول للنـزاع، في 12 يوليو/تموز، وردت أنباء حول هجمات بالمدفعية شنها الجيش الإسرائيلي على القرى الواقعة في جنوب لبنان. وفي اليوم الثاني، أصابت الضربات الجوية المنازل في العديد من القرى وأسفرت عن مصرع عشرات المدنيين.

وفي الحالات التي سُلِّط الضوء عليها في هذا الفصل،لم تعثر منظمة العفو الدولية على أية أدلة على وجود نشاط عسكري لحزب الله في المواقع التي أُصيبت أو بالقرب منها. وطلبت منظمة العفو الدولية معلومات من السلطات الإسرائيلية تتعلق بمعظم هذه الحالات، وبخاصة الأسباب الداعية لشن الهجمات التي وقع فيها قتلى وجرحى في صفوف المدنيين وتبريرها بموجب قوانين الحرب. وأبلغت السلطات الإسرائيلية منظمة العفو الدولية أنه تم تقييم الأهداف واعتمادها عقب الحصول على مشورة قانونية، لكنها لم تُقدِّم مزيداً من التفاصيل. وحتى الآن، لم تقدم المعلومات الإضافية التي طلبتها منظمة العفو الدولية ويمكن أن تشير إلى ما إذا كانت هذه الهجمات تتقيد بالقانون الإنساني الدولي. واستناداً إلى الأدلة المتوافرة وفي غياب المعلومات المحددة المطلوبة، ترى منظمة العفو الدولية أن الوفيات والإصابات في صفوف المدنيين يحتمل أن تكون نتيجة ارتكاب القوات الإسرائيلية انتهاكات للقانون الإنساني الدولي.

زبقين – 13 يوليو/تموز
قُتل اثنا عشر فرداً من عائلة بزيع وأًصيب اثنان آخران بجروح خطيرة في غارة جوية إسرائيلية على منـزل فاطمة أحمد بزيع البالغة من العمر 78 عاماً والكائن في وسط قرية زبقين في 13 يوليو/تموز بينما كانت العائلة تتناول طعام الفطور. وكان عدة أفراد في العائلة ممن يعيشون في منازل أخرى في القرية مقيمين مع الجدة ليكونوا بجانبها أو لأنهم كانوا يخشون من أن منازلهم الواقعة على مشارف القرية والتي قُصفت في اليوم السابق، قد تكون أكثر خطورة.

والقتلى هم : فاطمة أحمد بزيع؛ وشقيقتها ثانية البالغة من العمر 60 عاماً؛ وابنتها آمال البالغة من العمر 44 عاماً وبناتها الثلاث خلود، 18 عاماً، وفرح، 14 عاماً، وعزيزة، 12 عاماً؛ وزوجة ابنها مريم الحسيني بزيع البالغة من العمر 45 عاماً وأبناؤها الثلاثة، التوأم مالك ومحمد البالغان من العمر 17 عاماً، وحسين البالغ من العمر 12 عاماً؛ وزوجة ابنها سعاد نصور بزيع، 40 عاماً، وحفيدها نعيم وائل بزيع البالغ من العمر 18 عاماً.

وقال ابنا فاطمة، علي ودرويش بزيع لمنظمة العفو الدولية في لبنان :
"كنا نجلس على الشرفة نحتسي القهوة ... وكان الوضع هادئاً منذ بضع ساعات؛ وسمعنا بعض القصف حول القرية عند قرابة الساعة الخامسة صباحاً لكن ليس بعد ذلك. كذلك حدث قصف في مساء اليوم السابق عند الساعة السابعة مساء تقريباً، أيضاً حول القرية، لكن ليس في القرية نفسها. وذهبنا إلى منـزل والدتنا لنكون بقربها. وكان المنـزل قديماً ومتيناً؛ وقد أضيف دور ثان فوق المنـزل القديم المؤلف من دور واحد... ولا ندري ما إذا كانت القنبلة أتت من السطح أو من الجانب. وشعرنا بوقوع انفجارين، وقد دُفعنا إلى الخارج بعيداً عن المنـزل."

وأصيب علي ودرويش على السواء بجروح خطيرة. وأُصيب علي الذي فقد زوجته مريم وأطفاله الثلاثة (مالك ومحمد وحسين) في الهجوم بجروح في رأسه وبكسور في أنفه وكاحله الأيمن. وأُصيب درويش، الذي فقد زوجته سعاد بجرح في رأسه وبعدة حروق وبجروح ناجمة عن شظايا في كامل الجزء الأيمن من جسمه، وانقطعت أوتار قدمه اليسرى. وأمضى 27 يوماً في المستشفى، أربعة منها في العناية المكثفة.

وقالت زهرة بندر جارة عائلة بزيع لمنظمة العفو الدولية :
"ذهبت إلى منـزل جارتي فاطمة عند حوالي الساعة الثامنة صباحاً لاقترض بعض الدقيق لصنع الخبز ... ودعوني للبقاء وتناول طعام الفطور معهم، لكنني مكثت بضع دقائق وعدت إلى المنـزل لأعد طعام الفطور. ولم يكن قد مضى على وجودي في المنـزل إلا برهة وجيزة عندما قُصف منـزلهم. وكان شيئاً رهيباً لا يُصدَّق، وألقيت بعض الجثث خارج المنـزل بعيداً عنه. وعُثر على جثث الأشخاص الخمسة الذين تركتهم في غرفة النوم في المكان ذاته. وكانت جثة فاطمة ممزقة إرباً، وأُلقيت جثتا فرح ونعيم في الحقول وأُلقي علي بعيداً أيضاً؛ ولم أستطع أن أصدق أن أحداً منهم بقي على قيد الحياة. ولم يتم العثور على جثة مريم طوال أيام".

وشرحت زهرة بندر المحنة التي تحملتها هي وأقرباؤها في الأسابيع التي تلت الهجوم:
"عقب قصف منـزل فاطمة باتت الأمور صعبة جداً في القرية. فالأشخاص الذين كانوا يعيشون على مشارف القرية انتابهم الخوف. وأتى أقرباء كثيرون إلى منـزلي، لأنه أقل انكشافاً. وكنا حوالي 20 شخصاً. ويوم الجمعة في بداية المساء حدثت عمليات قصف كثيرة وأتى مزيد من الأقرباء وسواهم من القرية، وأصبحنا 60 أو 70 شخصاً معاً، معظمهم من النساء والأطفال والمسنين. وتحطمت الأبواب بفعل الانفجارات، وكان الأمر مرعباً جداً، ولم نكن نملك طعاماً كافياً للجميع، لكن الخروج من المنـزل للبحث عن الطعام كان محفوفاً بمخاطر جمة. ويوم السبت انتقلنا جميعاً إلى مرآب بيت آخر قريب بدا أنه يقع في مكان يُوفر درجة أكبر من الحماية، لكن لم نجد حتى ماء.

"ومرت بعض العربات المدرعة التابعة لقوات اليونيفيل (قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في لبنان) وحاولنا إيقافهم لنطلب منهم إجلاءنا، لكنهم لم يستطيعوا ذلك. وانتقل بعضنا مجدداً إلى منـزل آخر؛ وفي كل مرة كنا ننتقل فيها إلى مكان بدا أكثر أماناً، كان القصف يحدث عندها بالقرب منا. ومجدداً شاهدنا دورية لليونيفيل، هذه المرة برفقة عربة للجيش اللبناني، لكنهم لم يتمكنوا أيضاً من إجلائنا. وظللنا ننتقل من منـزل إلى آخر. وفي إحدى المرات ما أن غادرنا المنـزل الذي كنا فيه وعبرنا الطريق للذهاب إلى منـزل مهجور يعود لسيدة توفيت قبل فترة، حتى سقطت قذيفة على الطريق بعد أن عبرنا تواً في المكان ذاته الذي عبرنا عنده قبل دقيقتين. وشعرنا بأننا مستهدفون."