Document - India: Clouds of Injustice: Bhopal disaster 20 years on
© مطبوعات منظمة العفو الدولية 2004
ISBN: 0-86210-364-9
رقم الوثيقة : ASA 20/015/2004
اللغة الأصلية : الإنجليزية
الهند : سُحب الظلم -
كارثة بوبال بعد 20 عاماً
[نص الغلاف الخلفي]
لقي أكثر من 7000 شخص مصرعهم في غضون أيام عندما تسربت غازات سامة من مصنع كيماوي في بوبال بالهند في ديسمبر/كانون الأول 1984. ومنذ ذلك الحين، أسفر التعرض للمواد السامة عن وفاة 15000 شخص آخر، فضلاً عن إصابة الآلاف غيرهم بأمراض مزمنة ومسببة للوهن والعجز. ولم يتم تنظيف موقع المصنع، لذا تستمر النفايات السامة في تلويث البيئة والمياه الجوفية. ورغم الجهود التي بذلها الناجون بتصميم وعزم للحصول على الإنصاف والعدالة، فقد حُرموا من التعويض الكافي ومن المساعدة الطبية والتأهيل المناسبين في الوقت المناسب. ومما يدعو للدهشة أنه لم تتم مساءلة أحد عن التسرب والنتائج المدمرة التي أدى إليها.
يعود تقرير سُحب الظلم :كارثة بوبال بعد 20 عاماً بذاكرتنا إلى عقدين من الزمن مضيا على وقوع الكارثة وينظر إليها بمنظار حقوق الإنسان، مشيراً إلى المسؤوليات التي تتحملها شركة يونيون كاربايد كوربوريشن والحكومة الهندية.
وتدعو منظمة العفو الدولية إلى القيام بعملية تنظيف وتطهير فورية للموقع، فضلاً عن تقديم سبل تظلم وانتصاف كاملة للضحايا، ينبغي أن تتضمن الاعتراف بالأذى الذي لحق بهم والتعويض عليهم وتأهيلهم، ومحاسبة المسؤولين عن مأساتهم. كما تدعو إلى وضع إطار دولي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، بحيث يتسنى لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان مثل تلك التي حدثت في بوبال أن ينعموا بالعدل فعلياً.
[الغلاف الخلفي الداخلي]
بوبال : معركة من أجل العدالة
تقوم منظمة بوبال غاز بيديث ماهيلا بوروش سانغارش مورتشا بحملات حول قضايا صحة الأشخاص المتضررين وبيئتهم.
لقد كانت منظمة بوبال غاز ماهيلا ستيشينري كارامتشاري وما زالت نصيراً لقضية النساء اللواتي تأثرن بتسرب الغاز وحقهن في لقمة العيش. كما أنها تعمل على توفير التأهيل الكافي للناجيات.
بوبال غاز بيديث ماهيلا أوديوغ سانغاثان هي منظمة للأشخاص المتضررين تقوم بحملات من أجل حقوقهم، وبخاصة الحقوق الاقتصادية للنساء. كما لجأت إلى سبل انتصاف قانونية نيابة عن الضحايا.
تعمل منظمة بوبال غاز بيديث نيراشريث بنشن وغي مانشن على حماية حقوق أولئك الذين أصبحوا معدمين بسبب تسرب الغاز، وبخاصة الأرامل.
وتعمل مجموعة بوبال للمعلومات والتحركات ومنظمة بوبال غاز بيديث سانغارش ساهيوغ ساميتي على توثيق القضايا المتعلقة بتسرب الغاز وتقوم بحملات بشأنها والدفاع عنها والدعوة لها.
بوبال كي أوازهي منظمة للشبان الذين أصبحوا أيتاما بسبب تسرب الغاز وتقوم بحملات من أجل حقوقهم.
الحملة الدولية للعدالة في بوبالعبارة عن تحالف يضم مختلف المجموعات المحلية والوطنية والدولية العاملة من أجل إنصاف ضحايا بوبال.
وتقدم عيادة سامبافنا الائتمانية الرعاية الطبية للناجين مستخدمة علاجات وأنظمة طبية بديلة. كما تجري العيادة أبحاثاً وتحتفظ بوثائق كثيرة حول مختلف جوانب كارثة تسرب الغاز في بوبال.
موقع الإنترنت : www.bhopal.net
صورة الغلاف : متظاهر شاب يشارك في مظاهرة تطالب بتنظيف موقع مصنع شركة يونيون كاربايد في بوبال، في ديسمبر/كانون الأول 2002. وأحيت المظاهرة التي جرت خارج المقر الرئيسي لشركة داو في مومباي، الذكرى السنوية لكارثة العام 1984.
صورة الغلاف الخلفي : مصنع مبيدات الآفات الزراعية التابع لشركة يونين كاربايد في بوبال بالهند، التُقطت هذه الصورة في العام 2002، بعد مضي زهاء 20 عاماً على تسرب الغاز.
مطبوعات منظمة العفو الدولية
صدر لأول مرة في العام 2004 عن
Amnesty International Publications
International Secretariat
Peter Benenson House
1 Easton Street
London WC1X 0DW
United Kingdom
موقع الإنترنت : www.amnesty.org
© مطبوعات منظمة العفو الدولية 2004
ISBN: 0-86210-364-9
رقم الوثيقة : ASA 20/015/2004
اللغة الأصلية : الإنجليزية
جميع الحقوق محفوظة، لا يجوز نشر أو تسجيل أو تخزين أو نقل أو نسخ أي جزء من هذ ? المطبوعة بأية وسيلة ميكانيكية أو إلكترونية أو غيرها، دون الحصول على إذن مسبق من الناشر.
نهدي هذا التقرير إحياءً لذكرى جميع الذين توفوا في أعقاب تسرب الغاز في بوبال الذي حدث في 2 ديسمبر/كانون الأول 1984 وإلى أولئك الذين ما زالوا يعانون من آثارها. ويصدر في الذكرى السنوية العشرين لذلك اليوم ويقر بالأنشطة التي قام بها العديد من الناجين والنشطاء الذين يتابعون النضال من أجل العدالة ويعطيها حق قدرها.
وتتوجه منظمة العفو الدولية بالشكر الجزيل إلى الأشخاص التالية أسماؤهم على ما بذلوه من جهد وما قدموه من مساعدة في إعداد هذا التقرير :
بغين جي باست
راتشنا دينغرا
مود دور
تيم إدواردز
عبد الجبار
سيما ميسرا
ماناس موهاباترا
س. موراليدار
فيجاي ناغاراج
شهيد نور
هـ. راجان شارما
نيثيا ف. رامان
أوشا راماناثان
ساتيناث سارانغي
بيتوا شارما
تارا سوني
قائمة المحتويات
المسرد
الملخص التنفيذي
الفصل الأول : تسرب الغاز – مأساة لحقوق الإنسان
الوفيات
الضرر الذي لحق بالصحة
الأطفال
ترسيخ الفقر
النساء
التلوث
الفصل الثاني : إطار قانون حقوق الإنسان
الحقوق المنتهكة
القانون والمعايير الهندية
مسؤوليات الشركات
الفصل الثالث : مساءلة يونيون كاربايد
لماذا تسرب الغاز؟
قضايا الشركة
المواجهة عقب الكارثة
الفصل الرابع : دور الحكومة الهندية
التسوية
التعويض : ’معاملة الضحايا كمذنبين‘
آلية التعويض
تأهيل الضحايا
الأيتام الذين تخلت عنهم الدولة
قمع النشطاء
الفصل الخامس : الخلاصة والتوصيات
التوصيات
المسرد
AIR تقرير عموم الهند
كرور 10 ملايين
CSIR مجلس الأبحاث العلمية والصناعية
داو شركة داو كميكال التي اشترت يونيون كاربايد في العام 2001.
FFM بعثة تقصي الحقائق الخاصة ببوبال
ICCPR العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
ICESCR العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
ICMR المجلس الهندي للأبحاث الطبية
لاخ 100,000
MIC مثيل أيزوسيانيت
SSC القضايا التي تنظر فيها المحكمة العليا
UCAPC شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية، شركة تابعة مملوكة بالكامل يقع مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية.
UCC يونيون كاربايد كوربوريشن
UCE شركة يونيون كاربايد إيسترن إنك، شركة تابعة مملوكة بالكامل يقع مقرها الرئيسي في هونغ كونغ لكنها مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
UCIL شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة
الملخص التنفيذي
[الصورة :بعد مضي عشرين عاماً على تسرب الغاز، يظهر مصنع يونيون كاربايد في بوبال مهجوراً].
انتهى المربع]
منذ حوالي عشرين عاماً تعرض زهاء نصف مليون نسمة لمواد كيماوية سامة خلال تسرب للغازات من مصنع لمبيدات الآفات الزراعية في بوبال بالهند تسبب بحدوث كارثة. إذ لقي ما يزيد على 7000 شخص حتفهم خلال أيام. وتوفي 15000 شخص آخر في السنوات التالية. ويعاني حوالي 100,000 شخص من أمراض مزمنة تُسبب الوهن والعجز لم تستجب استجابة فعالة للعلاج.
وأصابت الكارثة العالم بالصدمة وأثارت أسئلة جوهرية حول مسؤولية الشركات والحكومات عن الحوادث الصناعية التي تزهق أرواح البشر وتدمر البيئة المحلية. ومع ذلك فبعد مضي 20 عاماً، ما زال الناجون ينتظرون التعويض العادل والمساعدة والمعالجة الطبية الكافيتين) والتأهيل الاقتصادي والاجتماعي الشامل. ولم يتم تنظيف موقع المعمل حتى الآن، لذا تواصل النفايات السامة تلويث البيئة والمياه اللتين تعتمد عليهما الجماعات التي تعيش في الجوار. ومما يدعو للدهشة أنه لم تتم مساءلة أحد عن التسرب ولا عن عواقبه الوخيمة.
وحتى الآن فإن الجهود التي بذلتها منظمات الناجين لاستخدام النظامين القضائيين الأمريكي والهندي لكي تأخذ العدالة مجراها ويحصلوا على تعويض كاف لم تتكلل بالنجاح. والشركتان متعددتا الجنسية المعنيتان – وهما يونيون كاربايد كوربوريشن وداو كميكالز التي اشترت يونيون كاربايد كوربوريشن في العام 2001 – صرحتا علناً أنهما لا تتحملان أية مسؤولية عن التسرب وعواقبه أو عن التلوث الناجم عن المصنع. وترفض شركة يونيون كاربايد كوربوريشن المثول أمام المحكمة في بوبال لمواجهة المحاكمة، ووافقت الحكومة الهندية على تسوية نهائية أدت إلى أن يعيش الناجين في عوز وإملاق.
وتضمنت التسوية التي أعلنتها الحكومة في العام 1989، قيام يونيون كاربايد كوربوريشن بدفع مبلغ 470 مليون دولار. وحتى هذا المبلغ غير الكافي لم يُوزَّع بالكامل على الضحايا. فقد رفضت الحكومة حوالي 30% من المطالبات المتعلقة بالجروح، وما زالت حوالي 16000 مطالبة معلقة وتلقى معظم المستدعين الذين أفلحو
u1575? في الحصول على تعويضات الحد الأدنى من التعويض. وعند كتابة هذا التقرير في سبتمبر/أيلول 2004، ظل البنك الاحتياطي الهندي يحتفظ بقرابة 330 مليون دولار من أصل الـ 470 مليون دولار.
وهذا التقرير الذي أعدته منظمة العفو الدولية بالتعاون الوثيق مع الناجين وأولئك الذين يعملون نيابة عنهم في بوبال، يعود بنا إلى الماضي لاستعراض العشرين عاماً التي مضت على مأساة بوبال بمنظار حقوق الإنسان. ومن بين القضايا العديدة المعقدة التي تظل كارثة الغاز تثيرها، سيركز التقرير على الآتي :
-
تأثير التسرب والتلوث على حقوق الإنسان؛
-
مساءلة الشركات عن التسرب؛ و
-
مسؤولية الدولة الهندية في مساءلة يونيون كاربايد كوربوريشن وضمان حصول الضحايا على تعويض وتأهيل كافيين.
ويهدف التقرير إلى أمرين. الأول فضح تقاعس يونيون كاربايد كوربوريشن/داو والحكومة الهندية عن التقيد بالوجبات والمسؤوليات المترتبة على كل منها في (أ) منع تسرب الغاز ومواجهة النتائج و(ب) منع ووضع حد للتلوث المستمر للبيئة والمياه من خلال انتشار الغاز والمواد السامة والخطرة. والهدف الثاني هو إثبات الحاجة لوضع إطار عالمي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، من خلال إظهار كيفية تنصل الشركات من مسؤولياتها على صعيد حقوق الإنسان.
وتتحمل الحكومات المسؤولية الأساسية عن حماية الحقوق الإنسانية للجماعات التي تتعرض للخطر نتيجة أنشطة الشركات، مثل تلك التي تستخدم التكنولوجيا الخطرة. بيد أنه مع تزايد نفوذ الشركات وامتداداتها، بدأ يظهر إجماع على وجوب إخضاعها لإطار المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وهناك فعلاً اتجاه واضح لتوسيع الواجبات الدولية بحيث تتعدى الدول، وتطال الأفراد (بالنسبة للجرائم الدولية) والجماعات المسلحة والمنظمات الدولية والشركات الخاصة. وتدعم منظمة العفو الدولية هذا الاتجاه وتعتقد أن الشركات تتحمل مسؤولية غير قابلة للتصرف عن تأثير عملياتها على حقوق الإنسان.
ويُستهل هذا التقرير بوصف موجز للتسرب الذي حدث في تلك الليلة المشؤومة في 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984. ثم يصف تأثير التسرب – إزهاق آلاف الأرواح قبل أوانها؛ وتدمير حياة عشرات الآلاف بأمراض مزمنة ومُقعِدة. ومعاناة الأطفال من المشاكل الصحية، بمن فيهم أولئك الذين وُلدوا عقب الكارثة؛ واستمرار التلوث حول الموقع. وقد استُمد العديد من الكلمات المستخدمة من الناجين – أولئك الذين شهدوا المأساة وهي تتكشف فصولاً وعاشوا مع العواقب المخيفة التي ترتبت منذ ذلك الحين.
ويطرح الفصل الثاني إطار حقوق الإنسان المستخدم لتقييم هذه المأساة. وقد حُرم آلاف الأشخاص في بوبال من حقهم في الحياة، وتقوضت حقوق عشرات الآلاف في الصحة. وأُحيطت جهود أولئك الذين ناضلوا من أجل إقامة العدل (إحقاق الحق) والحصول على حق الانتصاف في بوبال. وعانت الآلاف من العائلات الفقيرة من المرض والحزن على وفاة الأحبة، مما أضعف قدرتها على التمتع بحقها في حياة كريمة.
وهذه الحقوق وغيرها من الحقوق الإنسانية الأساسية مكفولة صراحة في المعاهدات الدولية الملزمة قانونياً للحكومة الهندية. ويمكن للمحاكم الهندية إنفاذ هذه الواجبات إذا أُدخلت في القانون الهندي. ويكفل الدستور الهندي حق الحياة، وقضت المحكمة العليا الهندية أن هذا الحق يشمل الحق في الصحة والحماية من تلوث البيئة. كذلك قضت المحكمة بأن الشركات مسؤولة عن الأضرار البيئية وتعويض أي شخص يتعرض للأذى جراء أنشطتها.
كما يسلط الفصل الثاني الضوء على معايير الأمم المتحدة المتعلقة بمسؤوليات الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية فيما يتعلق بحقوق الإنسان (معايير الأمم المتحدة)، والتي شكل اعتمادها في العام 2003 خطوة مهمة نحو وضع معايير دولية لمسؤولية الشركات. ويمكن النظر إلى المعايير كأساس لإطار معياري معترف به عالمياً لتحديد مسؤوليات الشركات عن تأثير أفعالها على حقوق الإنسان.
ويتناول الفصل الثالث مساءلة شركة يونيون كاربايد عن كارثة بوبال. وكانت الشركة قد قررت تخزين كميات من مثيل السيانيت "الخطر للغاية" في بوبال بكميات سائبة (غير معبأة)، ولم تزود المصنع بالإمكانيات المقابلة للسلامة. ونقلت يونيون كاربايد تقانة غير مجربة وتنطوي على مخاطر تشغيلية. ولم تطبق معايير السلامة ذاتها في التصميم أو العمليات في بوبال التي تُطبقها في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى عكس ما فعلت في الولايات المتحدة، تقاعست الشركة عن وضع أي خطة أو نظام شامل للطوارئ في بوبال لتحذير السكان المحليين من التسربات. وفي فترة تعود إلى العام 1982، كانت يونيون كاربايد على علم بوجود بواعث قلق رئيسية على صعيد السلامة تتعلق بمصنع بوبال. وقبل أشهر من كارثة ديسمبر/كانون الأول 1984، حُذرت الشركة الأمريكية الأم من إمكانية حدوث تفاعل مشابه لذلك الذي تسبب بالتسرب الذي حدث في بوبال في نهاية المطاف.
أخفت يونيون كاربايد هوية منتجات التفاعل التي انبعثت والمعلومات المتعلقة بالسمية التي تتسم بأهمية حاسمة للمعالجة الطبية للضحايا. وحاولت الشركة توزيع المسؤولية على مختلف أذرع الشركة. وفي الواقع، احتفظت شركة يونيون كاربايد بدرجة عالية من السيطرة المؤسسية والإدارية والفنية والتشغيلية على الشركة التابعة لها في الهند، وهي يونيون كاربايد الهند المحدودة. لذا كانت تدرك المخاطر المحدقة وقادرة على اتخاذ إجراءات احترازية. وعقب شراء يونيون كاربايد من جانب داو كيمكالز، استخدمت كلا الشركتين هيكل الملكية الجديد في محاولة لتفادي مزيد من المسؤولية عن كارثة بوبال.
وينظر الفصل الرابع في مسؤولية الحكومة الهندية ومسؤولية حكومة ولاية ماديا برادش عن التسرب وعن التعامل مع العواقب التي ترتبت عليه. فالمسؤولون كانوا على علم بأن مصنع بوبال يحتوي على مواد وعمليات خطرة، لكن منظمة العفو الدولية لم تتمكن من العثور على أدلة تثبت أن الحكومة المركزي7? أو حكومة الولاية اتخذت خطوات كافية لتقييم المخاطر المحدقة بالسكان المحليين أو بالبيئة، أو لحث يونيون كاربايد على مراجعة آليات السلامة.
وفي العام 1989، أعلنت المحكمة العليا الهندية، التي أوقفت الإجراءات القضائية قبل انتهائها، التوصل إلى تسوية نهائية تدعمها المحكمة بين الشركة والحكومة الهندية من دون استشارة الضحايا. وقالت إن توفير الإغاثة للضحايا له الأولوية على تسوية قضايا القانون والتبعة. ومقابل تقديم دفعة مالية متواضعة إلى الضحايا، منحت التسوية حصانة مدنية وجنائية شاملة ليونيون كاربايد، وقايضت تلك الدفعة بالتبعة القانونية، بينما استبعدت ضحايا الكارثة من رسم نهاية القضية. بيد أن دفع التعويض لم يبدأ حتى العام 1992 وتضمن مشاكل عديدة، بينها دفع مبالغ غير كافية، وتأخير الدفع والرفض التعسفي للمطالبات.
وفي العام 1994، أُوقفت جميع الأبحاث الحكومية حول الآثار الطبية لكارثة بوبال بدون أي تفسير. ولم تُنشر بعد النتائج الكاملة للأبحاث التي أُجريت.
وأثبتت الجهود الحكومية لتوفير التأهيل عدم فعاليتها. وأدت النوعية الرديئة لنظام الرعاية الصحية إلى اضطرار الناجين لإنفاق معظم مبلغ التعويض على العلاج الطبي. وفشلت تدابير التأهيل الاقتصادي في منع إفقار الناجين الذين كانوا أصلاً في وضع اقتصادي هش.
ويخلص التقرير إلى أنه ليس هناك بديل من اتخاذ خطوات لتنظيم أنشطة الشركات متعددة الجنسية في كل من الدول المضيفة والدول الأم. ويجب وضع وإنفاذ قوانين في الدول المضيفة تسمح للحكومات الوطنية والسكان المحليين بمراقبة أنشطة الشركات متعددة الجنسية التي تعمل في أراضيهم. وينبغي على الشركات متعددة الجنسية أن تتفادى المعايير المزدوجة في السلامة وتعتمد أفضل الممارسات في جميع جوانب السلامة في كافة عملياتها.
وتظهر كارثة بوبال وعواقبها بوضوح الحاجة لإطار دولي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، ويمكن أن يشكل محفزاً للإصلاح القانوني الوطني، وأن يمثل مقياساً للقانون والأنظمة الوطنية. وإن ضمان المشاركة الجماهيرية والشفافية العلنية في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بموقع الصناعات التي تستخدم مواد وتقانة خطيرة وسلامتها التشغيلية والتخلص من النفايات يمثل خطوة ضرورية لتعظيم الوعي بالمخاطر والسلوك المسؤول، فضلاً عن ضمان الاستعداد الأفضل لمنع وقوع كوارث مثل كارثة بوبال والتصدي لها.
وينبغي على المجتمع الدولي أن يكفل إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والتعويض عليهم بشكل فعال عن الأذى الذي لحق بهم بلا تمييز وبصرف النظر عما إذا كان المسؤولون عن الانتهاكات حكومات أو شركات.
الفصل الأول – تسرب الغاز – مأساة لحقوق الإنسان
[الصور :
الخزان الذي تسرب الغاز منه ليلة 2 ديسمبر/كانون الأول 1984.
وحدة لمعالجة سفين في حالة صدأ وتآكل الآن في موقع المصنع في بوبال.
عامل صحي يزور مريض بداء الدرن (السل) في إحدى المجتمعات المحلية التي تأثرت بالغازات. وتنشط عدة منظمات محلية في الترويج للوعي الصحي وبرامج معالجة الناجين في بوبال.
رئيس محمد
ناني باي
سكان بوبال يتظاهرون من أجل توفير الماء النظيف لهم، يوليو/تموز 2004. وقبل شهرين أمرت المحكمة العليا الهندية حكومة ولاية ماديا برادش بتوفير مياه شرب عذبة للسكان الذين تلوثت إمدادات المياه التي يشربون منها.
صبيِّان يملآن الماء من بئر ملوثة في ساندر ناغار، وهي مستوطنة في بوبال من 2004. وقد دهنت الحكومة المضخات الموجودة في الآبار الملوثة باللون الأحمر].
بدأ شتاء العام 1984 مثل أي شتاء آخر بالنسبة لسكان بوبال، عاصمة ولاية ماديا برادش الواقعة في وسط الهند. وبالنسبة للآلاف من السكان الفقراء الذين يعيشون في المستوطنات المقامة حول مصنع مبيدات الآفات الزراعية التابع ليونيون كاربايد الكائن في الجزء الشمالي من المدينة، شكل الشتاء استراحة منشودة من حرارة الصيف المرتفعة والليالي الحارة الرطبة والمسببة للعرق في المباني المزدحمة.
وبالنسبة لبونا بي، التي كانت في حينها أماً شابة لثلاثة أطفال يعيشون في جاي براكاش ناغار، وهي مستوطنة حضرية فقيرة يفصل طريق بينها وبين المصنع، لم تكن ليلة 2 ديسمبر/كانون الأول 1984 مختلفة، إلى أن استيقظ زوجها حوالي منتصف الليل ليشرب بعض الماء.
"... وفجأة بدأ بالسعال وفي هذه الأثناء سمع صرخات آتية من الخارج. وحالما فتح زوجي الباب كل ما أمكننا مشاهدته كان دخاناً يدخل البيت. ثم بدأ كل واحد من أفراد عائلتي بالسعال وأخذ أطفالي يشتكون من حريق في عيونهم. ثم سمعنا أحدهم يقول إنه علينا الهرب لأن أنبوب غاز قد انفجر في مصنع يونيون كاربايد. وبدأنا جميعنا بالركض وفي النهاية انفصلت عن عائلتي. وكل ما أتذكره هو أنني لم أستطع معرفة مكان أفراد العائلة، وبعد ذلك فقدت وعيي".
وما لم تعرفه بونا بي والآلاف من مواطني بوبال الغافلين هو أنه قبيل منتصف ليل 2/3 ديسمبر/كانون الأول، كانت أطنان من مادة مثيل أيزوسيانيت المميتة تتسرب بصمت في الهواء. وهكذا بدأت إحدى أسوأ الكوارث الصناعية في القرن العشرين تتكشف فصولاً. وذكر تحقيق أُجري لاحقاً أنه :
"في تمام الساعة 12,20 صباحاً، أخطر المشرف على إنتاج مادة مثيل أيزوسيانيت المشرف على المصنع بانبعاث المادة. ووصل المشرف على المصنع، الذي كان في منطقة المعادلات، إلى وحدة مثيل أيزوسيانيت عند حوالي الساعة 12,25 صباحاً ووجد كميات كبيرة من هذه المادة في الهواء ... وعند الساعة 12,46، دُوِّن في سجل المشرف أن العمل أُوقف في وحدة المشتقات بسبب ارتفاع تركيز مادة مثيل أيزوسيانيت في المنطقة. وعند حوالي الساعة الواحدة صباحاً، شغَّل عامل وحدة المشتقات إنذار الغاز السام. وفي ذلك ال ?قت أيضاً، تحقق المشرف على المصنع ومشغل وحدة ميثيل أيزوسيانيت من أن هذه المادة الموجودة في الخزان 610 تنبعث في الهواء من فتحة ماسورة (مدخنة) غسل الغاز".1
وأحس مشغل وحدة المشتقات ف.ن. سينغ، الذي شغَّل جهاز الإنذار من الغازات السامة، وزملاؤه بأول بوادر غاز مثيل أيزوسيانيت في الجو عند حوالي الساعة 11,30 مساء وأبلغوا المشرف. وبعد الساعة 12,50 صباحاً، كسر سينغ زجاج الإنذار لتشغيل صفارة المصنع ذات الصوت المرتفع. "كان ذلك لتحذير العمال الآخرين ولاستدعاء فريق الإنقاذ. وبعد بضع دقائق، حُولت الصفارة مرتفعة الصوت إلى صفارة منخفضة الصوت. وأتى فريق الإنقاذ إلى مصنع ميثيل أيزوسيانيت وحاول وقف انبعاث المادة السامة بضخ كميات كبيرة من رذاذ الماء عبر صنابير مكافحة الحريق. وخرج التسرب عن زمام السيطرة بحيث إنه بعد فترة من الوقت، بدأ الجميع يفرون من وحدة مثيل أيزوسيانيت بعكس اتجاه الريح. وأنا كذلك ركضت بعيداً عن مصنع مثيل أيزوسيانيت."2
ويقول قاضي مقاطعة بوبال الإضافي في حينه3إن التحذير الرسمي الأول من التسرب جاء عند حوالي الساعة 1,15 صباحاً عندما صادف شرطي كان في دورية ليلية مجموعة كبيرة من الناس الهاربين من منازلهم وهم يعانون من شعور شديد بالحريق في أعينهم ومن نوبات سعال. فنقل المعلومات إلى غرفة التحكم التابعة للشرطة عند حوالي الساعة 1,20 صباحاً. واتصل قاضي المقاطعة الإضافي بمدير عمال المصنع هاتفياً في منـزله، فقال الأخير إنه لا يعلم بحدوث أي تسرب سام وأشار إلى أنه إذا كان أي غاز يسبب التهيج في العينين، عندئذ يجب استخدام الماء لغسل العينين جيداً. "ولم تكشف يونيون كاربايد النقاب عن اسم الغاز. وجاء المسؤول الأول على مستوى المنطقة المعين من الدولة والذي يتمتع بمسؤوليات إدارية وقضائية إلى غرفة المراقبة عند حوالي الساعة 3,40 صباحاً وبصعوبة كبيرة تمكن من معرفة أن اسم الغاز هو ’مثيل أيزوسيانيت‘ من شري شتي، المشرف على المصنع".4
ورغم أن مسؤولي المصنع كانوا يعرفون أن هناك احتمالاً بأن غاز مثيل أيزوسيانيت يتسرب في الهواء بعيد منتصف الليل، فإنهم لم يفعلوا شيئاً لتحذير الجماعات التي تعيش في المنطقة أو الإدارة المحلية للمدينة أو الشرطة حتى الساعة 2,00 صباحاً عندما بدأت صفارة الغاز السام ذات الصوت المرتفع تدوي بصورة متواصلة.5
وشأنهم شأن بونا بي وعائلتها، استيقظ آلاف الأشخاص في شتى أنحاء بوبال عند حوالي منتصف الليل أو بعده وهم مصابين بسعال ويشعرون بضيق في التنفس مع اندفاع سحب الغاز عبر منازلهم. وتم الإحساس بآثار التسرب فوراً وبشكل شديد في أحياء الطبقة العاملة المبنية قبالة جدار المصنع. وقال الناجون إنهم شعروا وكأنهم يتنشقون الدخان الذي يتصاعد عند إحراق الفلفل، وأنهم أحسوا بتهيج حاد في أعينهم وحناجرهم. وبدأ الناس يكحون بشدة، وتقيأ بعضهم.
وبدأ الجميع يهرب، بعضهم إلى جيوب غاز أسوأ من تلك الموجودة في منازلهم،6مما زاد من كمية المواد الكيماوية السامة التي تنشقوها.7وبالنسبة للعديد ممن حاولوا الفرار، كان قد فات الأوان. وأحاط تقرير حكومي حول الموضوع بالمشهد :
"خلال ساعات غصت جميع مستشفيات بوبال بالضحايا الذين أصيبوا بالغاز السام. وعمل الأطباء وطلبة الطب والمتطوعون على مدار الساعة، لكن في غياب أي معلومات علنية حول الخصائص السمية المتعلقة بمثيل أيزوسيانيت، لا يمكن إعطاء إلا علاج للأعراض ... وأعقب ذلك سلسلة من المشاكل قصيرة وطويلة الأجل على حد سواء ... ولم يعرف أحد على وجه اليقين ما الغازات التي تسربت من مرفق يونيون كاربايد ... والتزمت إدارة يونيون كاربايد الصمت المطبق حول هذا الأمر ولم تقل حتى ما هي الغازات السامة التي انبعثت من المرفق أو ما الترياق الذي يمكن أن يساعد."8
وذكر الدكتور هيرش تشاندرا، الذي أجرى أكثر من 100 تشريح في مستشفى حميدية في الأيام التي تلت الكارثة، أنه كانت هناك "زيادة كبيرة في وزن الرئتين تصل إلى ثلاثة أضعاف الوزن الاعتيادي. وأظهر جهاز التنفس بأكمله تغييرات مرضية واضحة. فالرئتان كانتا مثقلتين بالماء وكان لديهما لون أحمر مميز بلون الكرز ... وكانت الأغشية المخاطية محتقنة بشكل حاد. وأظهرت القصبة الهوائية والأجزاء الرئيسية للشُعب الهوائية تغييرات ناخرة أو مقرحة."9
ومع مغيب شمس بوبال مساء 3 ديسمبر/كانون الأول، كانت القبور تمتلئ بسرعة وكان لهيب كوم الحطب المستخدمة في حرق الجثث خلال مراسم الجنازات يستعر؛ فقد لقي الآلاف مصرعهم وأُصيب عديدون غيرهم بالمرض. وتعرض ما لا يقل عن نصف مليون شخص للأبخرة السامة. وفي الأيام والأسابيع والسنوات القادمة سترتفع الحصيلة ... أكثر فأكثر. وما زالت بوبال تحصى قتلاها وجرحاها.
وما حدث في بوبال كان من أسوأ الكوارث الصناعية التي شهدها العالم على الإطلاق. لكنها لم تكن مجرد مأساة طواها النسيان، بل هي مأساة تستمر فصلوها منذ ذلك الحين.
[مربع]
ما الغازات التي تسربت
وفقاً ليونيون كاربايد، انبعث "قرابة 54000 رطل (24500 كيلوغرام) من مثيل أيزوسيانيت غير المتفاعل من الخزان 610 مع زهاء 26000 رطل (11800 كيلوغرام) من منتجات التفاعل."10 وبعد مضي عشرين عاماً على التسرب المميت، لم تكشف يونيون كاربايد كوربوريشن بعد عن المحتويات الدقيقة لمنتجات التفاعل.
[انتهى المربع]
[مربع]
مثيل أيزوسيانيت – خطر على الصحة
مقتطفات من كتيب يونيون كاربايد للمواد الكيميائية التفاعلية والخطرة،
مثيل أيزوسيانيت
مثيل أيزوسيانيت مادة خطرة عن طريق جميع وسائل الاحتكاك. ولا يمكن استعمال رائحتها أو آثارها الدمعية لتنبيه الأشخاص إلى وجود تركيز غير آمن للبخار. وقيمة حد المَشرِفية هي 0,02 أجزاء في المليون بالحجم في الهواء بالنسبة لمتوسط تعرُّض مدته 8 ساعات ... لكن لا يحس الإنسان برائحته
u1575? أو أثرها الدمعي حتى في تركيزات تصل إلى 0,4 جزء في المليون. ويلاحظ تهيج طفيف في الأنف والحنجرة والعينين (بدون رائحة) عند 2,0 جزء في المليون؛ ويصبح هذا التهيج أكثر حدة عن مستوى تركيز يبلغ 4,0 جزء في المليون ... غاز مثيل أيزوسيانيت سام للإنسان عبر استنشاقه كما تحدد أنظمة آي سي سي، ويجب اعتباره سماً عند ابتلاعه أو احتكاكه بالبشرة.
وبسبب الترتيب العالي بالنسبة للتنفس والاحتكاك بالعينين، أُعطي مثيل أيزوسيانيت الترتيب الصحي الأقصى البالغ 4 في نظام الإشارات الخطرة لدى يونيون كاربايد كوربوريشن.
وسائل مثيل أيزوسيانيت يلحق أذى خطيراً بالعيون حتى عند تخفيفه بسائل غير سام بنسبة تركيز قدرها واحد بالمائة... ويتم تفادي احتكاك العينين بالأبخرة أو السائل بارتداء نظارات واقية من البخار أو قناع لكامل الوجه.
ومثيل أيزوسيانيت سم معترف به عند الاستنشاق ويسبب تهيجاً حاداً للتنفس. ويُحدث تشنجاً شُعبياً شديداً وتنفساً شبيهاً بالربو. ومن المحتمل حدوث إصابة جدية متبقية رغم العلاج السريع.
تفادى استنشاق أبخرة مثيل أيزوسيانيت
يمكن لسائل مثيل أيزوسيانيت أن يتسبب بحروق جلدية وامتصاصه عن طريق البشرة قد يكون مؤذياً. وقد تحدث إصابة تتراوح بين الطفيفة والجدية الدائمة نتيجة الاحتكاك بالبشرة رغم العلاج السريع.
[انتهى المربع]
الوفيات
"كانت هناك آلاف الجثث. وقد انتشرت في كل مكان. وكان الناس يموتون في كافة الاتجاهات من حولنا".
محمد عويس، متطوع في مستشفى حميدية
توفي ما بين 7,000 و10,000 شخص خلال ثلاثة أيام من تسرب الغاز. وهذا التقدير الذي يستند إلى معلومات حصلت عليها منظمة العفو الدولية، يبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف معظم التقديرات التي أعطتها المصادر الرسمية. وفي السنوات التي أعقبت ذلك، توفي أكثر من 15000 شخص بسبب التسرب.11
وقال إلهي بخش، البالغ من العمر 59 عاماً، والذي كان يقود شاحنة تابعة لمؤسسة بلدية بوبال، إنه نقل مئات الجثث في 3 ديسمبر/كانون الأول 1984. وذكر أنه نقل ما مجموعه 25 جثة في كل رحلة من مناطق قريبة من مصنع بوبال إلى مشرحة المستشفى. وقام بين ثماني حالات و20 رحلة، وكان يقود واحدة فقط من عدد من الشاحنات يصل إلى 10 شاحنات مشابهة. ونقل إلهي بخش وزملاؤه ما لا يقل عن 1600 جثة في 3 ديسمبر/كانون الأول وحده، وكانت هناك شاحنات أخرى عديدة تعمل في مناطق أخرى.
وقال أسلم برويز، أمين سر مقبرة جدا في جاهينغيراباد ومحمد خرام، أحد الشبان الذين تطوعوا في العام 1984 لحفر القبور، لمنظمة العفو الدولية : "مقبرتنا صغيرة نسبياً وبعيدة جداً عن المصنع، لكننا مع ذلك دفنا ما لا يقل عن 400-500 جثة بحلول الخامس من الشهر. وفي ذلك الوقت كان هناك ما لا يقل عن سبع مقابر أخرى في الحي القديم في بوبال، كان بعضها أكبر بكثير من مقبرتنا. ولا بد أنه تم دفن ما لا يقل عن 1000 إلى 1200 شخص في بديباغ، أكبر هذه المقابر، وحدها."
ووفقاً لصاحب مطعم محلي اسمه شيام بابو، زود محارق الجثث بالخشب، أُحرقت أكثر من 7000 جثة على محارق الجنازات الخمس التابعة لائتمان فيشرام غات. وذكرت جمعية تجار الملابس أنها ورَّدت ما يكفي من القماش لصنع أكفان لما لا يقل عن 10000 ضحية هندوسي.12
وقال عدد من الأشخاص لمنظمة العفو الدولية إن الجثث كانت تُنقل ببساطة على متن شاحنات الجيش وتُلقى في قبور جماعية أو في نهر نارمادا البعيد عن بوبال.
ولا تضع الأرقام الرسمية في حسابها الأشخاص الذين ماتوا بعد الفرار من بوبال. إذ غادر مئات الآلاف من الأشخاص المنطقة ولا يعرف أحد عدد الذين لم يعودوا قط لأنهم ماتوا. وقُدمت 15000 مطالبة تتعلق بحالات وفاة. ولم تقبل الحكومة إلا أكثر من 5000 آلاف بقليل، لكن في حالات عديدة، لم يبق أحد من أفراد العائلة على قيد الحياة لتقديم المطالبة.13
الضرر الذي لحق بالصحة
أصر الخبراء الطبيون التابعون ليونيون كاربايد عند حصول التسرب بأن مثيل أيزوسيانيت لا يمكن أن يسبب إلا جروحاً سطحية وأنه لا يدخل إلى مجرى الدم أو يعبر حاجز الرئة. بيد أن تحاليل الدم والأنسجة التي أُجريت لاحقاً أظهرت أن هناك أدلة على وجود "كربملة" المثيل في دم الضحايا الذين ماتوا،14وترايمر (ثلاثي جزيئات) مثيل أيزو سيانيت في بقايا الخزان 610 الذي يُعرف بأنه مصدر تسرب الغاز.15
ووفقاً لعيادة سامبافنا الائتمانية، أدى التعرض للمواد السامة التي تسربت ليلة 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984 إلى إصابة ما لا يقل عن 12,000 شخص بأمراض مزمنة ومُقعِدة، أثبت العلاج الذي تلقوه لها عدم فعاليته في معظم الأحيان.16ويكشف التقرير السنوي الصادر في العام 2003 عن إدارة الإغاثة والتأهيل الخاصة بحادثة الغاز في ماديا برادش أنه بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2003، جرى تقييم طبي لـ 554,895 مطالبة بالتعويض عن إصابات أو حالات عجز متفاوتة الدرجات (تتراوح بين طفيفة وكبيرة) واعتمادها.17
ورغم الأنشطة المكثفة التي جرت عقب التسرب فوراً، لم يكن مدى الأبحاث الطبية وجودتها كافيين للوفاء بالمستوى الضروري لاتخاذ قرارات حول الإجراءات الخاصة بإزالة التسمم والعلاج قصير وطويل الأجل والعواقب الصحية بعيدة المدى وتنفيذ برنامج للتعويض على الضحايا.
عانت هذه الأبحاث غير الكافية مزيداً من الضعف بسبب انعدام المعلومات حول طبيعة الغازات المنبعثة خلال التسرب وسميتها.18وحتى اليوم توجد ثغرات في التحليل الطبي للعواقب التي ترتبت على تسرب الغاز في بوبال، الأمر الذي جعل صانعي القرار، فضلاً عن المواطنين المتضررين عاجزين عن التأكد من الصلات الدقيقة بين التعرض لهذه الغازات وبين الوضع الصحي. ونتفهم قلة الثقة بالخدمات الطبية المتوافرة التي عبر عنها غالباً أولئك الذين يعانون من مشاكل صحية يعتقدون أنها ناجمة عن التعرض للغازات أو التلوث طويل الأجل للمياه.
الأمراض ا�604?تنفسية
يواجه العديد من الناجين أمراضاً تنفسية مزمنة، وقد شددت الدراسات التي أُجريت على أن استنشاق مثيل أيزوسيانيت "يلحق ضرراً جسيماً" بالرئتين.19ويتلقى زكي محمد، 53 عاماً، علاجاً في مستشفى جواهر لال نهرو، الذي بُني في بوبال حصرياً من أجل المرضى الذين تأثروا بالغازات. وأوضح قائلاً : "لقد أنفقنا أموالاً كثيرة على المعالجة الطبية التي أتلقاها ... وأحياناً لا نملك حتى 5 أو 10 روبيات لشراء الشاي أو العقاقير. وكنت في حالة صحية ممتازة قبل حادثة الغاز... وبعدها أصبت بالسعال وضيق التنفس. وأحياناً يختفيان وأعتقد بأن حالتي الصحية ستشهد تحسناً ... وكل ثلاثة أشهر، كلثلاثة أشهر، آتي إلى هذا المستشفى ... وأتلقى حقناً هنا، وأقراصاً وجرعة أكسجين. والأكسجين يعطي المفعول الأكبر."
ومنذ تسرب الغاز، أظهرت دراسات مسحية عديدة أُجريت على السكان الذين تعرضوا للغازات انتشار الأمراض التنفسية واستمرارها. وتبين للمجلس الهندي للأبحاث الطبية أن 96% من الرجال والنساء في المناطق التي تأثرت تأثراً شديداً ذكروا إصابتهم بتلف في جهاز التنفس عقب التسرب مباشرة. وأظهرت دراسة طبية أجرتها منظمة غير حكومية في مارس/آذار 1985 أن نسبة 94,6% من الأشخاص الذين يعيشون على مسافة تتراوح بين نصف كيلومتر وكيلومترين من المصنع أُصيبوا بأعراض مثل السعال والألم في الصدر وبعد مضي 104 أيام على الحادثة، كانت نسبة 79,7% ما زالت تشكو من مرض في جهاز التنفس.20
وبعد مضي خمس سنوات، أظهرت إحدى الدراسات أن 70% من العينة المأخوذة من المنطقة التي تأثرت تأثراً شديداً ذكروا أنهم يشعرون بضيق في التنفس.21وبعد عشر سنوات، وجدت دراسة أخرى استمرار انسداد المجاري الهوائية الصغيرة لدى الناجين.22
أمراض العين
يُحدث مثيل أيزوسيانيت تأثيراً مهيجاً بشدة للعينين، وكانت مشاكل العينين من جملة الأعراض الأكثر ترداداً في المراحل الأولى التي أعقبت تسرب الغام.23وذكر المجلس الهندي للأبحاث الطبية أن نسبة 60 إلى 70% من المرضى الذين كُشف عليهم في الأيام والأسابيع التي أعقبت التسرب كانوا يعانون من مشاكل في العينين. كذلك ذكر المجلس المذكور أنه عند العلاج، فإن جميع المرضى الذين يعانون من مشاكل في العينين "قد استجابوا بصورة جيدة وزالت عنهم الأعراض خلال بضعة أيام."24
بيد أن تهيج العينين استمر لدى السكان الذين تعرضوا للغاز. وقال رئيس محمد، 62 عاماً، لمنظمة العفو الدولية أنه كان فناناً يرسم لوحات الإشارات قبل حدوث تسرب الغاز. وفي اليوم الذي أعقب التسرب، قال "تورمت عيناي. وعندما نظرت في الضوء بدا كأنه 1000 شعاع. وفي كل يوم بعد ذلك كنت أذهب للحصول على قطرة علاجية للعينين ... وبعد ذلك لم تتحسن حالة عيني قط. ولم أتمكن مطلقاً من أداء وظيفتي السابقة".
وبعد مضي تسعة أشهر على الحادثة، أظهرت إحدى الدراسات حدوث تدميع متواصل في العينين وغيره من الأعراض المزمنة للتهيج، لكن لم تحدث حالات عمى. وتبين في دراسة متابعة جرت بعد ثلاث سنوات تزايد خطر الإصابة بعدوى في العينين وأعراض تهيج العينين وتآكل القرنية والإصابة بإعتام عدسة العين (الماء الأزرق)، وهي ظاهرة وُصفت "بمتلازمة العيون في بوبال".25وتبين في دراسة أجريت بعد خمس سنوات من الحادثة أن "التعرض الحاد الوحيد أدى كما يبدو إلى حدوث عملية التهاب مزمنة."26
ضعف نظام المناعة
من الآثار التي ورد ذكرها لتسرب الغاز الضرر الذي لحق بجهاز المناعة، مما جعل الذين تأثروا به معرضين للإصابة بالأمراض.27 وبعد مضي قرابة العشرين سنة على التعرض للغاز، فإن نسبة احتمال إصابة الأشخاص الذين تعرضوا بشدة للغاز بالأمراض الشائعة تفوق سواهم بأربعة أضعاف، وإصابتهم وبأمراض الرئة تفوق سواهم بخمسة أضعاف، وبمشاكل العين تزيد على ثلاثة أضعاف وبأمراض المعدة تتجاوز الضعفين، وفقاً لمجلس الإغاثة والتأهيل الخاص بحادثة الغاز في ماديا برادش.28
ومن الدلائل على ضعف جهاز المناعة حدوث زيادة مفاجئة في عدوى داء الدرن (السل).29وتبين للمجلس الهندي للأبحاث الطبية أن واحداً من أصل 14 شخصاً في المناطق الأكثر تضرراً من المدينة يعاني من داء الدرن، وهذه النسبة أعلى بثلاثة أضعاف من المعدل الوطني.30
كانت نازمة بي، 22 عاماً، في الثانية من عمرها عند حدوث تسرب الغازات. وقالت "منذ أربع سنوات [أي بعد مضي 16 عاماً على التعرض للغاز]، أُصبت بحمى دائمة لمدة تتراوح بين ثمانية أيام وخمسة عشر يوماً ... وأظهر التشخيص أنني مصابة بداء الدرن عقب إجراء اختبار للبلغم، وخضعت للعلاج لمدة ستة أشهر ... وعندما أصبت بداء الدرن، لم يكن هناك أمل ببقائي على قيد الحياة. وخسرت جزءاً كبيراً من وزني وبقيت طريحة الفراش طوال أيام عديدة."
الضرر الذي لحق بالجهاز العصبي
كثرت الشكاوى من فقدان الذاكرة قصيرة الأجل ومن مشاكل في التركيز والإصابة بالصداع وصعوبة بقاء المصاب صاحياً والرائحة والطعم غير الاعتياديين عقب تسرب الغاز. بيد أن العديد من الأطباء رفضوا هذه الشكاوى، ولم يتم إيلاء اهتمام يُذكر بمقدار الضرر الذي لحق بالجهاز العصبي.31وأشارت الدراسات التي أجرتها اللجنة الطبية الدولية حول بوبال بعد مضي عقد من الزمن على الحادثة إلى الأضرار التي لحقت بالجهاز العصبي لدى الأشخاص الذين تعرضوا بشدة للغاز.32وأيدت دراسات المتابعة هذه الملاحظة الأولية، لكنها لم تربط بوضوح بين درجة التعرض وبين مقدار الضرر العصبي.33
الضرر العصبي – العضلي
تنتشر الأعراض العصبية العضلية مثل أوجاع العضلات وآلامها والوخز الخفيف والتخدير بين أولئك الذين تعرضوا للغاز.34وقال زكي محمد، الذي غالباً ما عانى من آلام مبرحة في كتفيه، في العام 2004 قبيل وفاته : "في ذلك الوقت (من الألم المبرح)، أشعر كأنني أريد الموت لأن الألم كان شديداً للغاية".
slmult1 وتلقت شاهين علاجاً لصعوبات في التنفس في مستشفى جواهر لال نهرو. وكان وزنها لا يزيد على 27 كيلوغراماً في العام 2004 قبيل وفاتها. وقالت : "لدي تورم في كاحليَّ وذراعيَّ وكتفيَّ وأشعر بالألم دائماً. ولا أستطيع حتى أن أمد ذراعيّ وساقيّ. وأشعر كما لو أن أحدهم يشد أعصابي من الداخل".
أنواع السرطان
أشارت الصحف إلى تزايد سرطان عنق الرحم والصدر بين النساء35. وموني بي، 45 عاماً، التي كانت تعيش في مستوطنة راجغات، التي تبعد مسافة تقل عن كيلومتر واحد من المصنع، عند حدوث التسرب تعاني من سرطان عنق الرحم. وقالت في العام 2004 : "كنت في حالة صحية ممتازة. ثم قبل 14 شهراً، بدأت المشاكل. وأصبحت أعاني من نزيف وإفرازات طوال الوقت. كذلك أُصبت بصداع وآلام في المفاصل وضيق في التنفس طوال السنوات الثماني الماضية، لكن هذه الأعراض لم تكن متكررة...وأنا أحصل على علاج بالأشعة".
وأشارت الدراسات التي أجريت عقب تسرب الغاز إلى حدوث تواتر أعلى في الزيغان (الزيغ) الكروموسومي بين الجماعات التي تعرضت للغاز وخصوصاً بين النساء.36ورُبطت هذه الحالات بالتغييرات الوراثية (الخلقية) المولدة للسرطان في الجسم. بيد أن الفهم الكامل لقدرة مثيل أيزوسيانيت على التسبب بمواد مولدة للسرطان يجب أن ينتظر حتى مرور 30 إلى 40 عاماً على الحادثة.
الأمراض النسائية
في فترة تعود إلى مارس/آذار 1985، أظهرت دراستان وجود عدد كبير من الاضطرابات المرضية النسائية في النساء اللواتي تعرضن للغاز.37وعلى رأس هذه الأعراض الإفرازات المهبلية المفرطة والنـزيف البولي غير العادي.38
وأظهرت الدراسات اللاحقة وجود أمراض نسائية مستمرة وطويلة الأجل نتيجة كارثة الغاز في بوبال، لكن لم يجر القيام بأعمال تذكر في هذا المجال.39
واجهت سيتارا بي، 40 عاماً، مشاكل مزمنة في الدورة الشهرية. وأوضحت قائلة : "يقول الطبيب إنني يجب أن أجري عملية استئصال للرحم. ولدي دورة شهرية غير منتظمة ... وقد بدأت بالنسبة لي بعد عام من تأثري بالغاز ... وعندما تأتي الدورة أشعر بالضعف. وأشعر بألم في ظهري ... ولا أستطيع مغادرة المنـزل وأشعر بألم شبيه بألم الإجهاض. أولاً، شعرت بالحرج من هذه المشاكل. وعندما أبلغت الأطباء بأنني أعاني منها، ردوا قائلين أن جميع النساء يعانين من هذه المشكلة. وعندما سألتهم عما إذا كانت العقاقير التي أتناولها تسبب النـزيف، قالوا لي أن أشرب الحليب (اللبن) وآكل الفاكهة. ولا نستطيع حتى تناول rotisلأننا لا نملك ثمنه. فكيف سنملك ثمن شراء الفاكهة؟
الإجهاض
تعرضت العديد من النساء اللواتي كن حوامل عند تسرب الغاز للإجهاض. وبحسب المركز الهندي للأبحاث الطبية، فإنه من أصل 2566 امرأة حامل، تعرضت 373 امرأة "لإجهاض تلقائي".40وانخفضت معدلات الإجهاض انخفاضاً حاداً من المناطق شديدة التعرض إلى المناطق الأقل تعرضاً. وفي المناطق شديدة التعرض، فاق المعدل الـ 50% في العام 1984. 41وأكدت دراسة تفصيلية أخرى هذه النتائج.42
والنساء اللواتي تعرضن للغاز وحملن بعد الحادثة ظللن يعانين من الآثار اللاحقة. وأظهرت دراسات المركز الهندي للأبحاث الطبية ارتفاع عدد حالات الإجهاض في المناطق المتأثرة حتى العام 1989 عندما أُوقفت الدراسة.43وكشفت دراسة مسحية أُجريت بعد عقد من التعرض للغاز أنه من أصل 390 حالة حمل حصلت بعد تسرب الغاز، أسفرت 9% منها عن موت الجنين، قياساً بـ 4% في المناطق التي لم تتعرض للغاز.44
الصحة العقلية
ألحق تسرب الغاز ضرراً شديداً بالصحة العقلية للسكان المحليين، لكن الأطباء النفسيين لم يشاركوا مباشرة إلا بعد مضي ثمانية أسابيع على وقوع الكارثة.45واشتملت المشاكل على الاكتئاب والقلق.46
وذكر المركز الهندي للأبحاث الطبية أن نسبة 10-12% من المرضى الذين زاروا العيادات كانت تعاني من "أعراض نفسية".47ووفقاً للبيانات المستمدة من 10 عيادات حكومية تابعة واقعة في مناطق معتدلة وشديدة التأثر، فإن نسبة 22% من 855 مريضاً كانت تعاني من مشاكل نفسية.48
وقد تأثرت الصحة العقلية للنساء بشكل خاص، وكذلك الصحة العقلية للأطفال. وتبين في دراسة حكومية أن الأطفال الذين تعرضوا للغاز يعانون من التبول أثناء النوم والعند وسرعة الانزعاج والخوف.
وتبين في دراسة تجريبية أجراها قسم علم النفس في جامعة بوبال أن 32,5% من الأطفال الذين تعرضوا للغاز رسموا أشخاصاً غير واضحين، بينما تمكن جميع أطفال المجموعة القياسية من رسم رسومات واضحة. وقال العديد من الأطباء العاملين في بوبال عقب تسرب الغاز إن مزاعم المشاكل النفسية مبالغ فيها، حتى إنهم أوحوا بأن حصص الطعام المجانية التي تقدمها الولاية شجعت الناس على تقديم شكاوى.49 بيد أن المشاكل النفسية ما زالت تتواصل منذ تسرب الغاز. وتبين في دراسة أُجريت بعد مضي عشر سنوات على التسرب أن 36% من الذين أُجريت مقابلات معهم ذكروا أنهم يعانون من كوابيس و65% من القلق و24% من ا لاكتئاب و64% من الصعوبة في اتخاذ قرار/قلة التركيز.50
وقالت أمرافاثي، وهي امرأة عمرها 45 عاماً إنها تعاني من غبراهات، كلمة تعني القلق باللغة الهندية، لكنها تُستخدم في بوبال لوصف العواقب العقلية المتبقية للتعرض للغاز. وقالت في العام 2004 : لقد أُصبت بالقلق منذ حدوث التسرب. وطوال السنوات العشر الماضية، كان وضعي أسوأ. وعندما ينتابني القلق أشعر كما لو أنه لا توجد حياة في جسدي. فأشعر بالثقل في رأسي، وأشعر كما لو أن العالم يدور من حولي. وبالأمس، وقعت على الأرض. والأعراض تزداد سوءاً ... وبدون عقاقير لا أملك القوة على الاستمرار. والنوبات متكررة، لا يفصل بينها إلا 10 أو 15 يوماً. ولا يمضي شهر دون أن أصاب بها."
الأطفال
ثبت أن الأطفال والمسنين هم الأكثر تأثراً في أعقاب الكارثة. وقد توفي الأطفال الذين تق4? أعمارهم عن 10 سنوات، صبية وبنات، بأعداد كبيرة.51
وفي الأسبوعين الأولين عقب الكارثة، استقبل مستشفى حميدية 1337 طفلاً. وكانت أغلبية المرضى الصغار تعاني من أعراض السعال وضيق التنفس وتدميع العينين المصحوب بالألم وشدة الحساسية للضوء والإسهال والتقيؤ. وأصيب بعضهم بالتشنجات وبنوبات فقدان الوعي والغيبوبة.52
كذلك ظهرت على الأطفال علامات الصدمة الأليمة والمشاكل النفسية المتعلقة بالمشاكل الطبية وتعطيل حياتهم الاجتماعية.53
والدراسات القليلة المتوافرة حول آثار كارثة الغاز في بوبال على الأطفال معظمها لها طابع المراقبة. وتشير التقارير الجديدة إلى أن الأطفال يظلون الأكثر تضرراً من الكارثة.54
وعملية إماطة اللثام عن الآثار بعيدة المدى لتعرض الأطفال للغاز ما زالت مستمرة. وقد تعرض ناريش، 23 عاماً، للغاز عندما كان في الثالثة من عمره فقط. وطوله الآن يقل عن خمسة أقدام (150 سنتمتراً). ويقول موضحاً : "طولي قصير جداً، لكنني لا أعرف فعلاً لماذا ... أبدو كما لو أنني الأصغر بين أشقائي (الأصغر مني سناً)."
وتبين في دراسة حديثة حول آثار التعرض للأبخرة السامة لمثيل أيزوسيانيت على أنماط النمو الجسدي للمراهقين وجود نقص ملموس في معظم القياسات لدى الصبية، ولكن ليس الفتيات.55وكانت الآثار أكثر وضوحاً في الفتيان الذين تعرضوا للغاز وهم ما زالوا في الأرحام، ربما نتيجة آثار جنسية محددة لمنتج الانحطاط (الانخفاض) ثلاثي مثيل أمين الناتج عن مثيل أيزوسيانيت.56
ترسيخ الفقر
بينما أُجريت أبحاث حول آثار التعرض للغاز على صحة الناس، لم تحدد إلا دراسات قليلة تأثير الكارثة على الجوانب الأخرى في حياة سكان بوبال. ورغم هذا، من الواضح أن تسرب الغاز غيَّر بشكل جذري البنية الاجتماعية والاقتصادية للحياة اليومية ورسّخ الفقر والحرمان الاجتماعي القائمين أصلاً.
وبسبب موقع المصنع واتجاه الريح ليلة 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984، أثر تسرب الغاز بشكل مبالغ به على الشرائح الأكثر فقراً في المدينة. ووفقاً للدراسات التي أجراها المركز الهندي للأبحاث الطبية، تنتمي نسبة 68-86% من سكان المناطق الأشد تأثراً إلى "طبقة اجتماعية محرومة جداً من الناجيتين الاجتماعية والاقتصادية." وتبين أن أكثر من 70% من أولئك الذين يعيشون في مناطق تأثرت بشدة يعيشون في منازل رديئة النوعية.57
لذا تحمل ذوو الإمكانيات المادية الأدنى العبء الأكبر للعواقب الاقتصادية والاجتماعية لتسرب الغاز. وفقدت عائلات فقيرة عديدة معيلها الرئيسي. ونفقت أعداد كبيرة من الماشية التي كانت تملكها العائلات. ويواجه الناجون الأمراض المزمنة والشقاء النفسي. ولا يستطيع بعضهم العمل أو يتعين عليهم العمل ساعات قليلة. وأُجبر آخرون على تغيير مهنتهم. ولم تتمكن نساء عديدات من الزواج أو واجهن مشاكل كبرى في حياتهن الزوجية نتيجة تعرضهن للغاز (انظر أدناه).
ويشتكي العديد من الناجين من انخفاض مداخيلهم بسبب عجزهم عن العمل نتيجة مختلف المشاكل الصحية أو الإصابات. وفي معرض حديثها عن تأثير اعتلال صحتها عليها وعلى أطفالها الخمسة، قالت حسينة بي، 46 عاماً، وهي من أتال أيوب ناغار: "عملت منذ ولادتي ... كنت ألف السجائر وأعاني من مشاكل في نظري لذا توقفت عن العمل ... ولا يستطيع أطفالي أن يعملوا لمدة يومين متتاليين (بسبب سوء صحتهم) ... وكعمال مياومين (يوميين) لا تقبض حسينة بي وأطفالها أجورهم إلا عندما يعملون.
ولم يتمكن محمد أيوب، 45 عاماً، من جاي براكاش ناغار، من العمل كسائق لفترات طويلة بسبب الألم الشديد الذي يشعر به في يديه وكتفيه. ووقعت عائلته في ديون كبيرة نتيجة لذلك.
ووفقاً لدراسة مديكو فريند سيركل فإنه اعتباراً من العام 1985 بعد حدوث تسرب الغاز بفترة وجيزة، واجهت نسبة 65% من الأشخاص العاملين في المناطق التي تأثرت بشدة انخفاضاً في الدخل يتراوح بين 20% و100%. وبعد 5 سنوات، أشارت نسبة 90% من الذين كانوا يعملون قبل حدوث التسرب إلى انخفاض قدرتها على العمل.58
وشعر العمال الذين يقبضون أجوراً يومية – وتُقدَّر نسبتهم بـ 70% من السكان العاملين الذين تأثروا بتسرب الغاز –بآثار هذا التسرب بشدة. ووفقاً لدراسة مسحية للعمال أجرتها بعثة تقصي الحقائق في بوبال، باتت نسبة 35% من العمال الذكور و25% من العاملات الإناث عاطلين عن العمل بعد التسرب. وأصبحت نسبة لا تقل عن 81% من العمال الذكور الذين غيَّروا وظائفهم تحقق دخلاً أدنى. وعانى العمال البالغ عددهم 456 والذين شاركوا في دراسة بعثة تقصي الحقائق في بوبال من سعال مزمن (81%)؛ وضعف البصر (67%)؛ وضيق التنفس والوهن (34%). وترك العديد من المشاركين في الدراسة وظائفهم بسبب اعتلال صحتهم؛ وخفضوا ساعات في عملهم، ولم يتمكنوا من العمل إلا بصورة متقطعة؛ وعانوا من إرهاق متواصل؛ ولم يستطيعوا العمل بعد مغيب الشمس بسبب مشاكل في النظر.59
واقتصرت إسهامات يونيون كاربايد المقدمة إلى بوبال على الإغاثة الطبية. وخططت حكومة ماديا برادش لمشاريع إغاثة وتأهيل، بما فيها مساكن خاصة وأموال للأرامل والأيتام، وتدريب مهني ومراكز إنتاج خاصة للنساء اللواتي تأثرن بالغاز وبرامج للقروض. لكن رغم أن الحالة الصحية للسكان المتأثرين ظلت تشهد تدهوراً،60إلا أن زخم تنفيذ هذه البرامج تلاشى.
النساء
وجدت النساء اللواتي أصبحن أرامل نتيجة الكارثة أنفسهن في وضع صعب جداً. "لا نتلقى جميعنا حتى المبلغ الزهيد البالغ 150 روبية (3,26 دولار أمريكي)61 في الشهر الذي يوزع على الأرامل. ورُفض منحي ذلك المبلغ على أساس أنني لم أبلغ 60 عاماً بعد"، هذا ما قالته كيران جين، وهي أرملة تبلغ من العمر 40 عاماً. ولا تتلقى أرملة أخرى اسمها ناني بي، رغم أنها تبلغ من العمر حوالي 60 عاماً، أي معاش تقاعدي ولا يحق لها شراء المواد الغذائية بأسعار مدعومة (منخفضة). "الحكومة لا تعطينا الوظائف ولا معاش التقاعد. وكل مبلغ التعويض ال?ي تلقيته عن وفاة زوجي قد نفد منذ زمن طويل، أولاً لدفع أتعاب المحامي والوسيط اللذين حصَّلا لي التعويض، ثم جميع الفواتير الطبية. فكم من الوقت سيدوم؟ وكيف يُتوقع منا أن نعيش؟"
ولم تلق دعوات الأرامل لتوفير الماء والكهرباء والدعم الاجتماعي والوظائف لأبنائهن آذاناً صاغية من الحكومة "لقد بذلنا كل ما في وسعنا – نظمنا مظاهرات ومهرجانات احتجاجية وحتى أقمنا حواجز على الطرق، لكن لم تتغير الأمور إلا قليلاً. وتواصل (السلطات) تقديم الوعود، لكنها لا تفعل شيئاً،" على حد قول كران جين.
للزواج والقدرة عليه انعكاسات اجتماعية وكذلك اقتصادية بالنسبة للعديد من النساء في الهند. فالتأثر بالغاز يحمل في طياته وصمة اجتماعية، ويقول النشطاء الذين يعملون مع منظمات الناجين إن النساء الشابات المعروف بأنهن تعرضن للغاز غالباً ما يجدن صعوبة في الزواج. ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى الصعوبات المحتملة في إنجاب الأطفال والتبعة المالية المحتملة المترتبة على الاعتلال المزمن للصحة. وأشارت الأبحاث التي أُنجزت في العام 1996 إلى أن نسبة النساء غير المتزوجات بين سن 15 و20 عاماً كانت 19% في المناطق التي تأثرت بشدة قياساً بنسبة 6% في المناطق التي تأثرت بشكل طفيف.62
وتواجه النساء المتزوجات اللواتي تعرضن للغاز صعوبات بسبب عجزهن عن العمل وصعوبات محتملة في إنجاب الأطفال أو ازدياد التبعات المالية بسبب المرض. وتخشى حسينة بي، وهي من سكان جاي براكاش ناغار، من عدم تمكُّن ابنتها روبينا البالغة من العمر 16، التي تعاني من فقر الدم والوهن وارتفاع مستويات الإفرازات المهبلية من الزواج لأنه من المعروف أنها تعاني من أمراض ناتجة عن التعرض للغاز.
وكانت سونيتا في سن الرابعة في وقت تسرب الغاز. وتقول إنها لا تستطيع العمل في منـزل أهل زوجها بسبب آلام في الصدر والشعور بالوهن. "وكانت حماتي تقول ’إنها تأكل كثيراً، ولا تقوم بأي عمل‘. وحرضت زوجي على ضربي... وكنت أشعر بالمرض الشديد. وكان (أهل زوجها) يقولون ’لم نكن نعرف بأنك تأثرت بالغاز، ولم نكن لنـزوجك من ابننا لو عرفنا ذلك‘".
رينا إبنة رامغوبال مينا وإيمارثي بي، تركها زوجها في منـزل والديها لأنه لم يعد يطيق مرضها الدائم. ووفقاً للنشطاء العاملين مع الناجين، هذه ظاهرة شائعة. كما يبدو أن تراجع قدرة النساء على القيام بالأعمال المنـزلية بسبب المرض أو الوهن الناجم عن التعرض للغاز قد يجعلن أكثر عرضة للانتهاكات.
التلوث
لا يقتصر تأثير المصنع على حقوق الإنسان على تسرب الغاز. فمنذ افتتاحه في العام 1970، كان مصدراً للتلوث البيئي. وحتى اليوم يستمر الموقع الملوث في تلويث المياه الجوفية بالسموم. وهي المصدر الوحيد للماء بالنسبة للذين يعيشون حول المصنع.
وقد بدأ مصنع بوبال في تصنيع مبيد الآفات الزراعية سفين في سبتمبر/أيلول 1977، مستخدماً مثيل أيزوسيانيت المستورد. وبحلول فبراير/شباط 1980، كان المصنع يُصنِّع مثيل أيزوسيانيت في الموقع، فضلاً عن مبيد الآفات الزراعية ألديكارب (الذي يتم تسويقه باسم تميك) والفوسجين وأحادي مثيل أمين، وكلاهما يستخدمان لصنع مثيل أيزوسيانيت.63 وتوقفت جميع العمليات في ديسمبر/كانون الأول 1984 عقب تسرب الغاز.
وألحقت الممارسات التشغيلية وتلك المتعلقة بالتخلص من النفايات في المصنع ضرراً بالبيئة، حتى قبل تسرب الغاز. وتكشف الوثائق الداخلية النقاب عن أن الشركة الأم الأمريكية كانت على علم بالعديد من الحوادث التي وقعت في مصنع بوبال وتسببت بعواقب خطيرة على البيئة.
وحذر قسم الهندسة في يونيون كاربايد كوربوريشن في فترة تعود إلى العام 1973 من أن تصميم مصنع بوبال، الذي كان يستخدم أحواض التبخر الشمسي لسوائل النفايات ينطوي على "خطر تلويث إمدادات المياه الجوفية في منطقة بوبال." وذكر أن "الأحواض الجديدة يجب أن تقام في فاصل زمني قدره سنة أو سنتين طوال مدة المشروع للتصدي لهذه المشكلة."64وتلاحظ مذكرة داخلية صدرت في العام 1973 بأنه : "بينما تم التعامل مع تدفق نفايات مشابهة في أمكنة أخرى، فإن هذا المزيج المعين من المواد المراد التخلص منها جديد، وبالتالي ينطوي على احتمالات أخرى صعبة."65
وكشفت مجموعة من التقارير الداخلية والحكومية وغير الحكومية عن أن التربة والمياه الجوفية حول موقع المصنع، ملوثة بالفعل، لكن الشركة لم تحذر السكان الذين يعيشون حوله ولم تتخذ تدابير جوهرية لتنظيف الموقع.
وفي العام 1980، تداعى صهريج لتخزين حامض الهيدروكلوريك في الحقل في أسفله، فتسرب منه الحامض إلى التربة.66
وفي مارس 1982، بعثت شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة بتلكس إلى شركة يونيون كاربايد إيسترن تبلغها بحدوث تسرب من أحد أحواض التبخر الشمسي ومن حوض للطوارئ.67ولاحظ تلكس ثانٍ أُرسل في إبريل/نيسان 1982 أن "استمرار التسرب من حوض التبخر يسبب قلقاً شديداً."68
وخلصت دراسة للسلامة التشغيلية لموقع مصنع بوبال أجراها موظفو يونيون كاربايد كوربوريشن في مايو/أيار 1982 إلى أنه : "تبين بأن أعمال التنظيف والترتيب في كامل المنطقة وحولها رديئة. ومن الصعب السيطرة على تسرب مادة نافثول، لكن الكومة العامة من البراميل الزيتية القديمة والأنبوب القديم وأحواض الزيت على الأرض الخ تخلق مشاكل غير ضرورية على صعيد التسبب بحرائق وصعوبة في الدخول والخروج."69
وفي مايو/أيار ويونيو/حزيران ويوليو/تموز 1989، أجرت يونيون كاربايد كوربوريشن اختبارات "أولية" على العينات الصلبة والسائلة المستخرجة من مناطق الطمر وحفر معالجة التدفق داخل المصنع". وكان كل من العينات السائلة والصلبة ساماً للسمك. واحتوت العينات الصلبة على نافثول أو نافتالين بكميات كبيرة، واحتوت العينات السائلة على نافثول و/أو سفين بكميات تزيد كثيراً على ما تسمح به معايير مؤسسة المعايير والمقاييس الهندية بالنسبة للتخلص من النفايات على الأرض."70
وفي إبريل/نيسان 1990، كلفت ?كومة ماديا برادش معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية بدراسة مدى الضرر الناجم عن التلوث الذي تسببه أحواض التبخر الشمسي، والذي خلص إلى أنه لا يوجد تلوث في التربة أو المياه الجوفية بسبب التسرب من الأحواض.71
بيد أنه في الشهر ذاته أصدرت الحملة الوطنية الأمريكية لمكافحة المواد السامة تحليلاً لعينات التربة والمياه المأخوذة من أرض المصنع وحوله. وعلى عكس النتائج التي توصل إليها معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية، كشف هذا التحليل عن وجود سموم عديدة بينها ثنائي كلوروبنـزين وهيدروكربونات عطرية متعددة النواة، يُعرف بأن العديد منها مولدة للمواد السرطانية.
وأجرى تقرير الحملة الوطنية الأمريكية لمكافحة المواد السامة اختبارات لوجود عدد من المواد الكيماوية أكبر كثيراً من تلك التي أجراها معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية.72 وداخلياً نصحت يونيون كاربايد كوربوريشن "بتوخي الحذر في استخدم معطيات المعهد المذكور" لكنها تواصل الاستشهاد بتقريره دفاعاً عن نفسها.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1990 ناقش مسؤولو يونيون كاربايد كوربوريشن بواعث قلق خطيرة حول ترشيح المواد الملوثة إلى التربة خلال فصل الأمطار الموسمية. ونُصح بإجراء مزيد من الدراسات حول التلوث "... أساساً لكي نفهم نحن الوضع."73
وفي العام 1996 عثر كبير علماء الكيمياء في مختبر الأبحاث التابع للولاية في ماديا برادش على ملوثات سامة في 10 عينات مأخوذة من المراكز السكانية الواقعة بالقرب من المصنع.74وخلص إلى أنه : "تبين أن هذا التلوث ناجم عن المواد الكيماوية التي يستخدمها مصنع يونيون كاربايد كوربوريشن والتي ثبت أنها ضارة للغاية بالصحة".75
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997 أعد معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية تقريراً حول ممارسات التخلص من النفايات في شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة. وذكر التقرير بأن النفايات الصلبة والقطرانية أُلقيت في ما يزيد قليلاً على خمس المساحة الإجمالية للمصنع، ويجب "معالجتها" من أجل "إعادة الجودة البيئية لأرض المصنع".76وخلص تقرير المعهد المذكور إلى القول إن 17 موقعاً داخل المصنع باتت ملوثة بشدة. ومع ذلك، صرح المعهد دون مواربة (بصورة قاطعة) بأن المياه الجوفية "تستوفي معايير جودة مياه الشرب" وقدَّر أنه ستمر 23 سنة قبل أن يكون للتلوث الناجم عن ممارسات التخلص من النفايات في موقع المصنع أي تأثير على المياه الجوفية.77
بيد أن آرثر دي. ليتل، وهي مجموعة استشارية دولية استخدمتها يونيون كاربايد كوربوريشن لمساعدة معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية، شككت في النتائج والخلاصات التي توصل إليها المعهد قبل نشرها. وانتقدت تعليقات المجموعة على تقرير المعهد منهجيته وأشارت إلى أن "أوقات انتقال الملوثات إلى الطبقة الصخرية المائية الكائنة تحت الموقع ... قد تكون أقل بشكل ملموس من تلك التي ذُكرت في التقرير."78وذكرت أنه "يمكن للمرء أن يزعم أن وقت الانتقال في الاحتمال الأسوأ قد يكون سنتين". وقالت المجموعة إن الاستنتاجات المتعلقة بما إذا كانت المياه الجوفية صالحة للشرب قاطعة أكثر من اللازم إذا أخذنا الحدود الضيقة للمعطيات بعين الاعتبار. ولم ينعكس أي من هذه التعليقات في التقرير النهائي للمعهد الذي استخدمته شركة داو منذ ذلك الحين لتأكيد انعدام تلوث مياه الشرب المحلية.79
وفي يوليو/تموز 1998، تنازلت شركة إفريدي إنداستريز إنديا لمتد، الاسم الجديد لشركة يونيون كاربايد الهند المحدودة، عن عقد إيجار الموقع بينا كانت لا تزال تنفذ برنامجاً علاجياً بإشراف مجلس مكافحة التلوث في ماديا برادش للتخلص من البقايا الصلبة والقطرانية وإزالة التلوث من محيط مناطق إلقاء النفايات. ورغم التوسلات المتكررة التي قدمها مجلس مكافحة التلوث في ماديا برادش إلى شركة إفريدي إنداستريز إنديا المحدودة لاستكمال برنامج التنظيف، لم يكن قد استكمل عند كتابة هذا التقرير.80
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1999، أصدرت غرينبيس تقريراً حول بوبال خلص إلى أن الموقع ومحيطه المباشر ملوثين بالمواد الكيماوية الناجمة عن العمليات الروتينية والتسربات والحوادث التي تقع في المصنع، أو من المواد التي تم التخلص منها وتخزينها في الموقع. وعثرت غرينبيس على بقع ساخنة ذات تلوث شديد بالمعادن الثقيلة وملوثات عضوية مستمرة81 ولاحظت أن أكياس سفين ما زالت مخزونة في منشآت المصنع وأن بقايا المواد الموجودة على ما تبقى من تركيبات المصنع لم تتم إزالتها.82وتضمنت المواد الكيماوية التي عُثر عليها الكربون رباعي الكلوريد والكلوروفورم وثلاثي كلورو الإيثين ورباعي كلورو الإيثين وثنائي كلورو البنـزين. وعثر على هذه المواد الكيماوية في تركيزات تتراوح من خمس أضعاف إلى أكثر من 600 ضعف الحدود التي توصي بها وكالة حماية البيئة الأمريكية. وجميعها مواد سامة، والأرجح أنها مولدة للمواد السرطانية.
وتبين في تقرير أعدته في يناير/كانون الثاني 2002 منظمة شريشتي وتوكسيكس لينك، وهي منظمة غير حكومية بيئية يقع مقرها في دلهي، وجود تلوث في الخضار المزروعة حول موقع المصنع، ليس هذا وحسب، بل أيضاً تركيز – حيوي للمواد الملوثة في عينات حليب الثدي المأخوذة من النساء المقيمات في المناطق المحيطة بالمصنع.83
وفي مايو/أيار 2004، واستناداً إلى تقرير أعدته لجنة مراقبة النفايات،84لاحظت المحكمة العليا الهندية أنه "نظراً لإلقاء النفايات الخطرة بلا تمييز بسبب عدم وجود ممارسات أو اتباع ممارسات تتسم بالإهمال، فضلاً عن عدم إنفاذ القوانين والأنظمة من جانب السلطات، تعرضت المياه الجوفية وبالتالي إمدادات مياه الشرب" للضرر.85وأصدرت المحكمة العليا أمراً يوجه حكومة ماديا برادش بتوفير مياه الشرب العذبة بواسطة ناقلات صهريجية إلى الأشخاص الذين تلوثت إمداداتهم من مياه الشرب بالملوثات التي تخرج من المصنع.86
20 الماء
في العام 1997، دُهنت 250 مضخة يدوية حول المصنع بإشارات حمراء جديدة تعلن أن المياه التي توفرها غير صالحة للشرب. وفي غياب أي مصدر مناسب آخر، يواصل معظم الناس الذين يعيشون في المجتمعات المحيطة شرب الماء المستخرج بواسطة المضخات.87وعند كتابة التقرير، لم تكن حكومة الولاية قد نفَّذت أمر المحكمة العليا بتوفير مياه الشرب لهذه المجتمعات.
تشرب حسينة بي التي تعيش في أتال أيوب ناغار، وهو حي في بوبال قريب من المصنع، المياه المستخرجة بواسطة ا لمضخات اليدوية الموجودة قرب منـزلها منذ 18 عاماً. وقالت : "عندما تنظر إلى الماء، تشاهد طبقة رقيقة من الزيت عليها. وقد تغيرت ألوان جميع أواني الطبخ في منـزلي ... إلى لون أخضر – مائل إلى الصفرة". وأضافت : "علينا السير مسافة كيلومترين على الأقل للحصول على الماء النظيف – إلى تشولا ناكا. وصحتي سيئة كثيراً لدرجة تمنعني من حمل الماء الذي احتاجه من هناك."
واشتكت فوزية، وهي فتاة عمرها 15 عاماً غالباً ما تذهب لتعبئة الماء من المضخة، من أن الماء "أحمر اللون وله رائحة... كما لو أنه يحتوي على دواء ما." وقالت موني بي إن الماء "مر الطعم ويصعب ابتلاعه." وتعيش عائلتيهما في أنو ناغار، وهي إحدى مناطق بوبال، ونادراً ما تدخل الناقلات الصهريجية الحكومية التي تنقل ماء عذباً إلى حارتهما.
وأُصيب أناس عديدون لم يتعرضوا لتسرب الغاز بمشاكل صحية مشابهة لمشاكل أولئك الذين تعرضوا، ربما من مياه الشرب الملوثة. وقد انتقلت شهيستا قريشي، 35 عاماً، إلى أنو ناغار بعد زواجها منذ 12 عاماً وأوضحت قائلة : "منذ عامين ونصف العام، توقفت دورتي الشهرية بالكامل، وفي البداية كانت تأتيني كل شهرين، ثم كل أربعة أشهر، ثم توقفت بالمرة." كذلك اشتكت من ألم في أسفل ظهرها يمتد إلى أربيتها. ويشتكي ابنها أتيب البالغ من العمر سبع سنوات من آلام في مفاصله. ولم يتعرض أي منهما للغاز لكنهما يشربان كلاهما من المياه الملوثة.
الفصل الثاني : إطار قانون حقوق الإنسان
[الصورة : نساء وأطفال يشربون من مياه آمنة قدمتها سيارة نقل للمتظاهرين الذين يحتجون على تلوث إمدادات المياه التي يشربون منها، 20 يوليو/تموز 2004. وقد شارك أكثر من 1000 شخص في المظاهرة.]
كانت الكارثة التي وقعت في بوبال مأساة إنسانية ومأساة لحقوق الإنسان وتظل كذلك. ومن خلال استخدام إطار حقوق الإنسان للنظر في ما حدث، يمكننا أن نرى ما الواجبات المترتبة بموجب القانون الدولي التي انتُهكت وما معايير الحماية التي أخفقت. كما يشير إطار حقوق الإنسان إلى الآليات الخاصة بمساءلة الحكومات إذا تقاعست عن أداء واجباتها في احترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها.
لقد انتهك ما تم فعله أو إغفاله بشأن الكارثة التي وقعت في بوبال الحقوق المدنية والسياسية للضحايا فضلاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويكمن في صميم القوانين والمعايير التي تُعرِّف حقوق الإنسان مبدأ عالمية جميع حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة – وبكلمات أخرى، يجب أن يتمتع جميع الناس بجميع حقوق الإنسان. والمجموعة الواسعة من حقوق الإنسان – المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية – مترابطة ويعتمد بعضها على بعضها الآخر.88
وهناك بعض الفروق بين الطريقة التي يكفل فيها القانون الدولي الحقوق المدنية والسياسية، والطريقة التي يكفل فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وينبغي الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملةً بالتدريج، وفقاً للحد الأقصى من الموارد المتوافرة للدول.89 بيد أن أوجه الشبه أكثر من أوجه الخلاف. وفي الواقع ينبغي الوفاء بالحقوق المدنية والسياسية أيضاً كاملةً بصورة تدريجية،90ولكلا المجموعتين من الحقوق مضمون أساسي أدنى تكون الدول ملزمة بضمانه في جميع الظروف.91والتقاعس عن التقيد بهذه الواجبات يؤدي إلى ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.
وتنطبق عادة معاهدات ومعايير حقوق الإنسان على الدول. ومنذ انضمام الهند إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1979، باتت الحكومة الهندية وحكومة ولاية ماديا برادش ملزمتين قانونياً باحترام حقوق الإنسان الواردة في العهدين المذكورين وحمايتها والوفاء بها.92 كما أن الحكومة الأمريكية التي مارست محاكمها الولاية القضائية على بعض جوانب كارثة بوبال، هي أيضاً طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وملزمة بأحكامه.
وقد فسرت الهيئات التابعة للأمم المتحدة – لجنة حقوق الإنسان ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – نصوص العهدين وراقبت تقيد الدول الأطراف بهاتين المعاهدتين.
وتتعدى مسؤوليات حقوق الإنسان نطاق الدول. فمنذ العام 1948 قدَّم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معياراً مشتركاً للإنجازات يعني أن كل شخص وكل هيئة في المجتمع تتحمل مسؤولية عن الاعتراف والتقيد العالميين والفعالين بالحقوق والحريات الواردة فيه.
ومنذ كارثة بوبال، أسهبت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بأساليب عمل الشركات العابرة للحدود وأنشطتها في شرح هذه المسؤولية من حيث انطباقها على الشركات.93وفي العام 2003، اعتمدت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان معايير الأمم المتحدة الخاصة بمسؤوليات الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى فيما يتعلق بحقوق الإنسان (معايير الأمم المتحدة) وأحالتها للنقاش إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتلاحظ ديباجة معايير الأمم المتحدة أن "الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى وموظفيها والأشخاص العاملين لديها ملزمون أيضاً باحترام المسؤوليات والمعايير المتعارف عليها عموماً والواردة في معاهدات الأمم المتحدة وغيرها من الصكوك الدولية."94
الحقوق المنتهكة
حق الحياة
الحق في الحياة محدد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من المعاهدات والمعايير الأخرى لحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو معاهدة ملزمة قانونياً انضمت إليها الهند في العام 1979 على أن :
"الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً."
وتقدم لجنة حقوق الإنسان تفسيرات موثوقاً بها للحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تصاغ في تعليقاتها العامة. وينص التعليق العام 6، في فقرته الخامسة على أن "عبارة ’حق الحياة الملازم‘ لا يمكن فهمه بشكل صحيح بطريقة تقييدية، وتقتضي حماية هذا الحق أن تعتمد الدول تدابير إيجابية."
وتصر منظمة العفو الدولية على أن هذه التدابير يمكن أن تشمل تنظيم أنشطة الشركات على نحو يكفل عدم تهديدها للحق في الحياة. وفي قضية إي إتش بي ضد كندا،تبين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن شكوى تزعم إلقاء نفايات نووية على نطاق واسع هددت أرواح السكان المحليين وصلت إلى حد قضية ظاهرة الوجاهة على انتهاك الحق في الحياة.95
الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه
يعاني عشرات، وربما مئات الآلاف من الأشخاص من اعتلال مزمن في صحتهم كنتيجة مباشرة لما تفعله وتغفله الدولة وسواها بشأن كارثة بوبال. وقد انتهك حقهم في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه. والحق في الصحة مكرس في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وهو أيضاً معاهدة ملزمة قانونياً انضمت إليها الهند في العام 1979. وهذا يؤسس على إدراج الصحة ضمن الحق في مستوى معيشة كاف الوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25-1).96
وتنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن :
"تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه."
وأوضحت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام 14 للعام 2000 بأن الحق في الصحة حق شامل لا ينطبق فقط على الرعاية الصحية، بل "أيضاً على العناصر التي تحدد الصحة، مثل الحصول على ماء آمن وصالح للشرب ومرافق صحية كافية وكمية كافية من المواد الغذائية الآمنة، والتغذية والسكن، والأوضاع الصحية في العمل والبيئة، والحصول على التعليم والمعلومات المتعلقة بالصحة، بما في ذلك الصحة الجنسية والإنجابية".
وتقتضي المادة 12(2)(ب) من الدول الأطراف اتخاذ الخطوات الضرورية من أجل "تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية". ويوضح التعليق العام 14 بأن هذا يستلزم اتخاذ "تدابير وقائية بشأن حوادث وأمراض العمل" فضلاً عن "منع وتقليل تعرض السكان للمواد الضارة مثل الإشعاعات والمواد الكيماوية المؤذية أو غيرها من الأوضاع البيئية المضرة التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على صحة الإنسان."
وتُلزم المعاهدات الدولية الدول باحترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بالحق في الصحة :
-
ينبغي على الدول احترام الحق في الصحة بعدم التدخل في الحصول على الصحة. فعلى سبيل المثال، يترتب عليها واجب تغيير السياسات التي تعرقل حصول الناس على الرعاية.
-
يتعين على الدول حماية الحق في الصحة، باتخاذ تدابير ضد أولئك الذين يسيئون إلى حق الأشخاص الآخرين في الصحة.
-
يترتب على الدول واجب الوفاء بالحق في الصحة من خلال تهيئة الأوضاع التي تسمح للناس بالحصول على حقهم في الصحة.97
ورغم أن الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتم تحقيقها تدريجياً، وفقاً للحد الأقصى من الموارد المتوافرة،98 فإن الدول التي تصادق على العهد أو تنضم إليه توافق على الواجبات التي تدخل حيز النفاذ فوراً. وبرأي لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن هذه "الواجبات الأساسية الدنيا" غير قابلة للانتقاص؛99وبعبارات أخرى، تنطبق في جميع الأوقات والأحوال. وقد يؤدي التقاعس عن إنفاذ هذه الحقوق إلى زعم بانتهاك حقوق الإنسان. واعتبرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأن انتهاكات الحق في الصحة تشمل : "التقاعس عن سن أو إنفاذ قوانين تمنع تلوث المياه والهواء والتربة من جانب الصناعات الاستخراجية والتحويلية."100
الحق في سبيل انتصاف
لم يحقق أولئك الذين يناضلون من أجل الحصول على العدالة في بوبال – من أجل التعويض والتأهيل والاعتراف بالأذى الذي عانوا منه، ولمساءلة المسؤولين عن ذلك- لم يحققوا نجاحاً يذكر. وقد حُرموا من حقهم في سبيل انتصاف على انتهاك حقوقهم الإنسانية.
ويرد الحق في سبيل انتصاف أو تظلم في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 2 على أن :
تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد :
(أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها فيه هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك من أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية؛
(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمي إمكانيات التظلم القضائي؛
(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.
وبالمثل توصي لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتما93?ية والثقافية بأن تقدم الدول الأطراف سبل تظلم قضائية فيما يتعلق بالحقوق التي يمكن، وفقاً لنظام القضاء الوطني، أن تعتبر قابلة للإنفاذ قانونياً. كما تشير اللجنة إلى الحق في سبيل تظلم بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعلاقته بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجهة المساواة وعدم التمييز.101وفي فترة أحدث عهداً، ذكرت اللجنة، على صعيد التطبيق المحلي للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأنه : "يجب الإقرار بمعايير العهد بالطرق المناسبة ضمن النظام القانوني المحلي. وينبغي توفير الوسائل المناسبة للتعويض أو الانتصاف لأي فرد أو مجموعة متضررة، ووضع الوسائل المناسبة لضمان المساءلة الحكومية."102 وبرأي اللجنة، فإن الحق في انتصاف وتعويض فعالين يمكن أن يشمل رد الحقوق والتعويض المادي والرضاء أو تقديم ضمانات بعدم التكرار.103
ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً مهماً في صياغة مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بالتلوث غير الحدود. وتضمنت هذه المبادئ القاعدة العامة القاضية بأن أولئك الذين تلحق بهم إصابات جراء الضرر البيئي يحق لهم سبل انتصاف من الجهة القائمة على التلويث في دولة المنشأ وأعادت تأكيد هذه القاعدة.104 وتظل الدعاوى المدنية التي رفعها ضحايا بوبال للتعويض عن الأضرار وإزالة التلوث ضد يونيون كاربايد كوربوريشن عالقة في محاكم الولايات المتحدة الأمريكية.
الحق في مستوى معيشة كافٍ
ازدادت آلاف العائلات الفقيرة فقراً نتيجة تأثير تسرب الغاز والضرر البيئي على قدرتها على العمل وضمان مستوى معيشة لائق لأنفسهم ولعائلاتهم. وبما أن هذا جاء نتيجة أفعال الدولة والشركة وتقاعسها، فقد انتُهك حقهم في مستوى معيشة كافٍ، والمحدد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتنص المادة 11 من العهد المذكور على أن :
"تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته. يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية".
كذلك أصدرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعليقاً عاماً حول الحق في الماء الذي ينص تحديداً على أن الصحة البيئية، في سياق الحق في الصحة "تشمل اتخاذ خطوات ... لمنع الأخطار التي تتهدد الصحة والناجمة عن أوضاع المياه غير الآمنة والسامة". والدول الأطراف ملزمة بضمان حماية موارد المياه الطبيعية "من التلوث بالمواد الضارة والميكروبات المتعلقة بنشوء المرض،" وهي ملزمة "بمراقبة ومكافحة الأوضاع التي تشكل فيها الأنظمة البيئية المائية موئلاً لناقلات الأمراض كلما شكلت خطراً على بيئة الإنسان".105وإن مبدأ "مسبب التلوث يدفع الثمن"، المعترف به في إعلان الريو، يشير إلى أن التبعة القانونية عن هذا الضرر البيئي يجب أن توجه نحو الشركات الخاصة المسؤولة فعلاً عن التسبب به.106
الحق في عدم التعرض للتمييز
إن النساء اللواتي تأثرن بتسرب الغاز تُلصق بهن وصمة عار اجتماعية. ويؤيد النشطاء المحليون شهادات الناجين بأن النساء اللواتي عُرف بأنهن تعرضن للغاز غالباً ما يجدن صعوبة في الزواج. كذلك تواجه النساء المتزوجات اللواتي تعرضن للغاز مشاكل معينة، تشمل في بعض الحالات هجر أزواجهن لهن، بسبب عدم قدرتهن على العمل، واحتمال مواجهتهن صعوبات في إنجاب الأطفال، أو ازدياد التبعة المالية بسبب تعرضهن للمرض. وربما يترتب على بعض النساء عبء رعاية أكبر بكثير داخل العائلات التي تضم أفراداً مصابين بأمراض مزمنة، بينما تواجه الأرامل وضعاً صعباً للغاية (انظر الفصل 1).
وتعرض حق النساء في التمتع بحقوقهن الإنسانية بدون تمييز لمزيد من التقويض، وهو حق محدد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي معاهدة صادقت عليها الهند في العام 1993. وتنص المادة 3 من معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن :
"تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل."
الحق في بيئة آمنة
"تشكل حماية البيئة ... جزءاً حيوياً من المبدأ المعاصر لحقوق الإنسان، إذ إنها شرط لازم كل اللزوم للعديد من حقوق الإنسان مثل الحق في الصحة والحق في الحياة نفسه. ونادراً ما يكون ضرورياً الإسهاب في شرح هذا الأمر، لأن الأضرار التي تلحق بالبيئة يمكن أن تمس وتضعف جميع حقوق الإنسان التي تحدث عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من صكوك حقوق الإنسان