Document - India: Clouds of Injustice: Bhopal disaster 20 years on

© مطبوعات منظمة العفو الدولية 2004

ISBN: 0-86210-364-9

رقم الوثيقة : ASA 20/015/2004

اللغة الأصلية : الإنجليزية



الهند : سُحب الظلم -

كارثة بوبال بعد 20 عاماً

[نص الغلاف الخلفي]


لقي أكثر من 7000 شخص مصرعهم في غضون أيام عندما تسربت غازات سامة من مصنع كيماوي في بوبال بالهند في ديسمبر/كانون الأول 1984. ومنذ ذلك الحين، أسفر التعرض للمواد السامة عن وفاة 15000 شخص آخر، فضلاً عن إصابة الآلاف غيرهم بأمراض مزمنة ومسببة للوهن والعجز. ولم يتم تنظيف موقع المصنع، لذا تستمر النفايات السامة في تلويث البيئة والمياه الجوفية. ورغم الجهود التي بذلها الناجون بتصميم وعزم للحصول على الإنصاف والعدالة، فقد حُرموا من التعويض الكافي ومن المساعدة الطبية والتأهيل المناسبين في الوقت المناسب. ومما يدعو للدهشة أنه لم تتم مساءلة أحد عن التسرب والنتائج المدمرة التي أدى إليها.


يعود تقرير سُحب الظلم :كارثة بوبال بعد 20 عاماً بذاكرتنا إلى عقدين من الزمن مضيا على وقوع الكارثة وينظر إليها بمنظار حقوق الإنسان، مشيراً إلى المسؤوليات التي تتحملها شركة يونيون كاربايد كوربوريشن والحكومة الهندية.


وتدعو منظمة العفو الدولية إلى القيام بعملية تنظيف وتطهير فورية للموقع، فضلاً عن تقديم سبل تظلم وانتصاف كاملة للضحايا، ينبغي أن تتضمن الاعتراف بالأذى الذي لحق بهم والتعويض عليهم وتأهيلهم، ومحاسبة المسؤولين عن مأساتهم. كما تدعو إلى وضع إطار دولي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، بحيث يتسنى لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان مثل تلك التي حدثت في بوبال أن ينعموا بالعدل فعلياً.




[الغلاف الخلفي الداخلي]


بوبال : معركة من أجل العدالة


تقوم منظمة بوبال غاز بيديث ماهيلا بوروش سانغارش مورتشا بحملات حول قضايا صحة الأشخاص المتضررين وبيئتهم.

لقد كانت منظمة بوبال غاز ماهيلا ستيشينري كارامتشاري وما زالت نصيراً لقضية النساء اللواتي تأثرن بتسرب الغاز وحقهن في لقمة العيش. كما أنها تعمل على توفير التأهيل الكافي للناجيات.

بوبال غاز بيديث ماهيلا أوديوغ سانغاثان هي منظمة للأشخاص المتضررين تقوم بحملات من أجل حقوقهم، وبخاصة الحقوق الاقتصادية للنساء. كما لجأت إلى سبل انتصاف قانونية نيابة عن الضحايا.

تعمل منظمة بوبال غاز بيديث نيراشريث بنشن وغي مانشن على حماية حقوق أولئك الذين أصبحوا معدمين بسبب تسرب الغاز، وبخاصة الأرامل.


وتعمل مجموعة بوبال للمعلومات والتحركات ومنظمة بوبال غاز بيديث سانغارش ساهيوغ ساميتي على توثيق القضايا المتعلقة بتسرب الغاز وتقوم بحملات بشأنها والدفاع عنها والدعوة لها.


بوبال كي أوازهي منظمة للشبان الذين أصبحوا أيتاما بسبب تسرب الغاز وتقوم بحملات من أجل حقوقهم.


الحملة الدولية للعدالة في بوبالعبارة عن تحالف يضم مختلف المجموعات المحلية والوطنية والدولية العاملة من أجل إنصاف ضحايا بوبال.


وتقدم عيادة سامبافنا الائتمانية الرعاية الطبية للناجين مستخدمة علاجات وأنظمة طبية بديلة. كما تجري العيادة أبحاثاً وتحتفظ بوثائق كثيرة حول مختلف جوانب كارثة تسرب الغاز في بوبال.


موقع الإنترنت : www.bhopal.net


صورة الغلاف : متظاهر شاب يشارك في مظاهرة تطالب بتنظيف موقع مصنع شركة يونيون كاربايد في بوبال، في ديسمبر/كانون الأول 2002. وأحيت المظاهرة التي جرت خارج المقر الرئيسي لشركة داو في مومباي، الذكرى السنوية لكارثة العام 1984.


صورة الغلاف الخلفي : مصنع مبيدات الآفات الزراعية التابع لشركة يونين كاربايد في بوبال بالهند، التُقطت هذه الصورة في العام 2002، بعد مضي زهاء 20 عاماً على تسرب الغاز.


مطبوعات منظمة العفو الدولية

صدر لأول مرة في العام 2004 عن

Amnesty International Publications

International Secretariat

Peter Benenson House

1 Easton Street

London WC1X 0DW

United Kingdom


موقع الإنترنت : www.amnesty.org


© مطبوعات منظمة العفو الدولية 2004

ISBN: 0-86210-364-9

رقم الوثيقة : ASA 20/015/2004

اللغة الأصلية : الإنجليزية


جميع الحقوق محفوظة، لا يجوز نشر أو تسجيل أو تخزين أو نقل أو نسخ أي جزء من هذ ? المطبوعة بأية وسيلة ميكانيكية أو إلكترونية أو غيرها، دون الحصول على إذن مسبق من الناشر.


نهدي هذا التقرير إحياءً لذكرى جميع الذين توفوا في أعقاب تسرب الغاز في بوبال الذي حدث في 2 ديسمبر/كانون الأول 1984 وإلى أولئك الذين ما زالوا يعانون من آثارها. ويصدر في الذكرى السنوية العشرين لذلك اليوم ويقر بالأنشطة التي قام بها العديد من الناجين والنشطاء الذين يتابعون النضال من أجل العدالة ويعطيها حق قدرها.


وتتوجه منظمة العفو الدولية بالشكر الجزيل إلى الأشخاص التالية أسماؤهم على ما بذلوه من جهد وما قدموه من مساعدة في إعداد هذا التقرير :


بغين جي باست

راتشنا دينغرا

مود دور

تيم إدواردز

عبد الجبار

سيما ميسرا

ماناس موهاباترا

س. موراليدار

فيجاي ناغاراج

شهيد نور

هـ. راجان شارما

نيثيا ف. رامان

أوشا راماناثان

ساتيناث سارانغي

بيتوا شارما

تارا سوني


قائمة المحتويات

المسرد

الملخص التنفيذي

الفصل الأول : تسرب الغاز – مأساة لحقوق الإنسان

الوفيات

الضرر الذي لحق بالصحة

الأطفال

ترسيخ الفقر

النساء

التلوث

الفصل الثاني : إطار قانون حقوق الإنسان

الحقوق المنتهكة

القانون والمعايير الهندية

مسؤوليات الشركات

الفصل الثالث : مساءلة يونيون كاربايد

لماذا تسرب الغاز؟

قضايا الشركة

المواجهة عقب الكارثة

الفصل الرابع : دور الحكومة الهندية

التسوية

التعويض : ’معاملة الضحايا كمذنبين‘

آلية التعويض

تأهيل الضحايا

الأيتام الذين تخلت عنهم الدولة

قمع النشطاء

الفصل الخامس : الخلاصة والتوصيات

التوصيات




المسرد

AIR تقرير عموم الهند

كرور 10 ملايين

CSIR مجلس الأبحاث العلمية والصناعية

داو شركة داو كميكال التي اشترت يونيون كاربايد في العام 2001.

FFM بعثة تقصي الحقائق الخاصة ببوبال

ICCPR العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

ICESCR العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

ICMR المجلس الهندي للأبحاث الطبية

لاخ 100,000

MIC مثيل أيزوسيانيت

SSC القضايا التي تنظر فيها المحكمة العليا

UCAPC شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية، شركة تابعة مملوكة بالكامل يقع مقرها الرئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية.

UCC يونيون كاربايد كوربوريشن

UCE شركة يونيون كاربايد إيسترن إنك، شركة تابعة مملوكة بالكامل يقع مقرها الرئيسي في هونغ كونغ لكنها مؤسسة في الولايات المتحدة الأمريكية.

UCIL شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة


الملخص التنفيذي

[الصورة :بعد مضي عشرين عاماً على تسرب الغاز، يظهر مصنع يونيون كاربايد في بوبال مهجوراً].


انتهى المربع]


منذ حوالي عشرين عاماً تعرض زهاء نصف مليون نسمة لمواد كيماوية سامة خلال تسرب للغازات من مصنع لمبيدات الآفات الزراعية في بوبال بالهند تسبب بحدوث كارثة. إذ لقي ما يزيد على 7000 شخص حتفهم خلال أيام. وتوفي 15000 شخص آخر في السنوات التالية. ويعاني حوالي 100,000 شخص من أمراض مزمنة تُسبب الوهن والعجز لم تستجب استجابة فعالة للعلاج.

وأصابت الكارثة العالم بالصدمة وأثارت أسئلة جوهرية حول مسؤولية الشركات والحكومات عن الحوادث الصناعية التي تزهق أرواح البشر وتدمر البيئة المحلية. ومع ذلك فبعد مضي 20 عاماً، ما زال الناجون ينتظرون التعويض العادل والمساعدة والمعالجة الطبية الكافيتين) والتأهيل الاقتصادي والاجتماعي الشامل. ولم يتم تنظيف موقع المعمل حتى الآن، لذا تواصل النفايات السامة تلويث البيئة والمياه اللتين تعتمد عليهما الجماعات التي تعيش في الجوار. ومما يدعو للدهشة أنه لم تتم مساءلة أحد عن التسرب ولا عن عواقبه الوخيمة.

وحتى الآن فإن الجهود التي بذلتها منظمات الناجين لاستخدام النظامين القضائيين الأمريكي والهندي لكي تأخذ العدالة مجراها ويحصلوا على تعويض كاف لم تتكلل بالنجاح. والشركتان متعددتا الجنسية المعنيتان – وهما يونيون كاربايد كوربوريشن وداو كميكالز التي اشترت يونيون كاربايد كوربوريشن في العام 2001 – صرحتا علناً أنهما لا تتحملان أية مسؤولية عن التسرب وعواقبه أو عن التلوث الناجم عن المصنع. وترفض شركة يونيون كاربايد كوربوريشن المثول أمام المحكمة في بوبال لمواجهة المحاكمة، ووافقت الحكومة الهندية على تسوية نهائية أدت إلى أن يعيش الناجين في عوز وإملاق.

وتضمنت التسوية التي أعلنتها الحكومة في العام 1989، قيام يونيون كاربايد كوربوريشن بدفع مبلغ 470 مليون دولار. وحتى هذا المبلغ غير الكافي لم يُوزَّع بالكامل على الضحايا. فقد رفضت الحكومة حوالي 30% من المطالبات المتعلقة بالجروح، وما زالت حوالي 16000 مطالبة معلقة وتلقى معظم المستدعين الذين أفلحو

u1575? في الحصول على تعويضات الحد الأدنى من التعويض. وعند كتابة هذا التقرير في سبتمبر/أيلول 2004، ظل البنك الاحتياطي الهندي يحتفظ بقرابة 330 مليون دولار من أصل الـ 470 مليون دولار.

وهذا التقرير الذي أعدته منظمة العفو الدولية بالتعاون الوثيق مع الناجين وأولئك الذين يعملون نيابة عنهم في بوبال، يعود بنا إلى الماضي لاستعراض العشرين عاماً التي مضت على مأساة بوبال بمنظار حقوق الإنسان. ومن بين القضايا العديدة المعقدة التي تظل كارثة الغاز تثيرها، سيركز التقرير على الآتي :

  1. تأثير التسرب والتلوث على حقوق الإنسان؛

  2. مساءلة الشركات عن التسرب؛ و

  3. مسؤولية الدولة الهندية في مساءلة يونيون كاربايد كوربوريشن وضمان حصول الضحايا على تعويض وتأهيل كافيين.


ويهدف التقرير إلى أمرين. الأول فضح تقاعس يونيون كاربايد كوربوريشن/داو والحكومة الهندية عن التقيد بالوجبات والمسؤوليات المترتبة على كل منها في (أ) منع تسرب الغاز ومواجهة النتائج و(ب) منع ووضع حد للتلوث المستمر للبيئة والمياه من خلال انتشار الغاز والمواد السامة والخطرة. والهدف الثاني هو إثبات الحاجة لوضع إطار عالمي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، من خلال إظهار كيفية تنصل الشركات من مسؤولياتها على صعيد حقوق الإنسان.

وتتحمل الحكومات المسؤولية الأساسية عن حماية الحقوق الإنسانية للجماعات التي تتعرض للخطر نتيجة أنشطة الشركات، مثل تلك التي تستخدم التكنولوجيا الخطرة. بيد أنه مع تزايد نفوذ الشركات وامتداداتها، بدأ يظهر إجماع على وجوب إخضاعها لإطار المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وهناك فعلاً اتجاه واضح لتوسيع الواجبات الدولية بحيث تتعدى الدول، وتطال الأفراد (بالنسبة للجرائم الدولية) والجماعات المسلحة والمنظمات الدولية والشركات الخاصة. وتدعم منظمة العفو الدولية هذا الاتجاه وتعتقد أن الشركات تتحمل مسؤولية غير قابلة للتصرف عن تأثير عملياتها على حقوق الإنسان.

ويُستهل هذا التقرير بوصف موجز للتسرب الذي حدث في تلك الليلة المشؤومة في 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984. ثم يصف تأثير التسرب – إزهاق آلاف الأرواح قبل أوانها؛ وتدمير حياة عشرات الآلاف بأمراض مزمنة ومُقعِدة. ومعاناة الأطفال من المشاكل الصحية، بمن فيهم أولئك الذين وُلدوا عقب الكارثة؛ واستمرار التلوث حول الموقع. وقد استُمد العديد من الكلمات المستخدمة من الناجين – أولئك الذين شهدوا المأساة وهي تتكشف فصولاً وعاشوا مع العواقب المخيفة التي ترتبت منذ ذلك الحين.

ويطرح الفصل الثاني إطار حقوق الإنسان المستخدم لتقييم هذه المأساة. وقد حُرم آلاف الأشخاص في بوبال من حقهم في الحياة، وتقوضت حقوق عشرات الآلاف في الصحة. وأُحيطت جهود أولئك الذين ناضلوا من أجل إقامة العدل (إحقاق الحق) والحصول على حق الانتصاف في بوبال. وعانت الآلاف من العائلات الفقيرة من المرض والحزن على وفاة الأحبة، مما أضعف قدرتها على التمتع بحقها في حياة كريمة.

وهذه الحقوق وغيرها من الحقوق الإنسانية الأساسية مكفولة صراحة في المعاهدات الدولية الملزمة قانونياً للحكومة الهندية. ويمكن للمحاكم الهندية إنفاذ هذه الواجبات إذا أُدخلت في القانون الهندي. ويكفل الدستور الهندي حق الحياة، وقضت المحكمة العليا الهندية أن هذا الحق يشمل الحق في الصحة والحماية من تلوث البيئة. كذلك قضت المحكمة بأن الشركات مسؤولة عن الأضرار البيئية وتعويض أي شخص يتعرض للأذى جراء أنشطتها.

كما يسلط الفصل الثاني الضوء على معايير الأمم المتحدة المتعلقة بمسؤوليات الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية فيما يتعلق بحقوق الإنسان (معايير الأمم المتحدة)، والتي شكل اعتمادها في العام 2003 خطوة مهمة نحو وضع معايير دولية لمسؤولية الشركات. ويمكن النظر إلى المعايير كأساس لإطار معياري معترف به عالمياً لتحديد مسؤوليات الشركات عن تأثير أفعالها على حقوق الإنسان.

ويتناول الفصل الثالث مساءلة شركة يونيون كاربايد عن كارثة بوبال. وكانت الشركة قد قررت تخزين كميات من مثيل السيانيت "الخطر للغاية" في بوبال بكميات سائبة (غير معبأة)، ولم تزود المصنع بالإمكانيات المقابلة للسلامة. ونقلت يونيون كاربايد تقانة غير مجربة وتنطوي على مخاطر تشغيلية. ولم تطبق معايير السلامة ذاتها في التصميم أو العمليات في بوبال التي تُطبقها في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى عكس ما فعلت في الولايات المتحدة، تقاعست الشركة عن وضع أي خطة أو نظام شامل للطوارئ في بوبال لتحذير السكان المحليين من التسربات. وفي فترة تعود إلى العام 1982، كانت يونيون كاربايد على علم بوجود بواعث قلق رئيسية على صعيد السلامة تتعلق بمصنع بوبال. وقبل أشهر من كارثة ديسمبر/كانون الأول 1984، حُذرت الشركة الأمريكية الأم من إمكانية حدوث تفاعل مشابه لذلك الذي تسبب بالتسرب الذي حدث في بوبال في نهاية المطاف.


أخفت يونيون كاربايد هوية منتجات التفاعل التي انبعثت والمعلومات المتعلقة بالسمية التي تتسم بأهمية حاسمة للمعالجة الطبية للضحايا. وحاولت الشركة توزيع المسؤولية على مختلف أذرع الشركة. وفي الواقع، احتفظت شركة يونيون كاربايد بدرجة عالية من السيطرة المؤسسية والإدارية والفنية والتشغيلية على الشركة التابعة لها في الهند، وهي يونيون كاربايد الهند المحدودة. لذا كانت تدرك المخاطر المحدقة وقادرة على اتخاذ إجراءات احترازية. وعقب شراء يونيون كاربايد من جانب داو كيمكالز، استخدمت كلا الشركتين هيكل الملكية الجديد في محاولة لتفادي مزيد من المسؤولية عن كارثة بوبال.

وينظر الفصل الرابع في مسؤولية الحكومة الهندية ومسؤولية حكومة ولاية ماديا برادش عن التسرب وعن التعامل مع العواقب التي ترتبت عليه. فالمسؤولون كانوا على علم بأن مصنع بوبال يحتوي على مواد وعمليات خطرة، لكن منظمة العفو الدولية لم تتمكن من العثور على أدلة تثبت أن الحكومة المركزي7? أو حكومة الولاية اتخذت خطوات كافية لتقييم المخاطر المحدقة بالسكان المحليين أو بالبيئة، أو لحث يونيون كاربايد على مراجعة آليات السلامة.

وفي العام 1989، أعلنت المحكمة العليا الهندية، التي أوقفت الإجراءات القضائية قبل انتهائها، التوصل إلى تسوية نهائية تدعمها المحكمة بين الشركة والحكومة الهندية من دون استشارة الضحايا. وقالت إن توفير الإغاثة للضحايا له الأولوية على تسوية قضايا القانون والتبعة. ومقابل تقديم دفعة مالية متواضعة إلى الضحايا، منحت التسوية حصانة مدنية وجنائية شاملة ليونيون كاربايد، وقايضت تلك الدفعة بالتبعة القانونية، بينما استبعدت ضحايا الكارثة من رسم نهاية القضية. بيد أن دفع التعويض لم يبدأ حتى العام 1992 وتضمن مشاكل عديدة، بينها دفع مبالغ غير كافية، وتأخير الدفع والرفض التعسفي للمطالبات.

وفي العام 1994، أُوقفت جميع الأبحاث الحكومية حول الآثار الطبية لكارثة بوبال بدون أي تفسير. ولم تُنشر بعد النتائج الكاملة للأبحاث التي أُجريت.

وأثبتت الجهود الحكومية لتوفير التأهيل عدم فعاليتها. وأدت النوعية الرديئة لنظام الرعاية الصحية إلى اضطرار الناجين لإنفاق معظم مبلغ التعويض على العلاج الطبي. وفشلت تدابير التأهيل الاقتصادي في منع إفقار الناجين الذين كانوا أصلاً في وضع اقتصادي هش.

ويخلص التقرير إلى أنه ليس هناك بديل من اتخاذ خطوات لتنظيم أنشطة الشركات متعددة الجنسية في كل من الدول المضيفة والدول الأم. ويجب وضع وإنفاذ قوانين في الدول المضيفة تسمح للحكومات الوطنية والسكان المحليين بمراقبة أنشطة الشركات متعددة الجنسية التي تعمل في أراضيهم. وينبغي على الشركات متعددة الجنسية أن تتفادى المعايير المزدوجة في السلامة وتعتمد أفضل الممارسات في جميع جوانب السلامة في كافة عملياتها.

وتظهر كارثة بوبال وعواقبها بوضوح الحاجة لإطار دولي لحقوق الإنسان يمكن تطبيقه على الشركات مباشرة، ويمكن أن يشكل محفزاً للإصلاح القانوني الوطني، وأن يمثل مقياساً للقانون والأنظمة الوطنية. وإن ضمان المشاركة الجماهيرية والشفافية العلنية في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بموقع الصناعات التي تستخدم مواد وتقانة خطيرة وسلامتها التشغيلية والتخلص من النفايات يمثل خطوة ضرورية لتعظيم الوعي بالمخاطر والسلوك المسؤول، فضلاً عن ضمان الاستعداد الأفضل لمنع وقوع كوارث مثل كارثة بوبال والتصدي لها.

وينبغي على المجتمع الدولي أن يكفل إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والتعويض عليهم بشكل فعال عن الأذى الذي لحق بهم بلا تمييز وبصرف النظر عما إذا كان المسؤولون عن الانتهاكات حكومات أو شركات.



الفصل الأول – تسرب الغاز – مأساة لحقوق الإنسان


[الصور :

الخزان الذي تسرب الغاز منه ليلة 2 ديسمبر/كانون الأول 1984.


وحدة لمعالجة سفين في حالة صدأ وتآكل الآن في موقع المصنع في بوبال.


عامل صحي يزور مريض بداء الدرن (السل) في إحدى المجتمعات المحلية التي تأثرت بالغازات. وتنشط عدة منظمات محلية في الترويج للوعي الصحي وبرامج معالجة الناجين في بوبال.


رئيس محمد

ناني باي

سكان بوبال يتظاهرون من أجل توفير الماء النظيف لهم، يوليو/تموز 2004. وقبل شهرين أمرت المحكمة العليا الهندية حكومة ولاية ماديا برادش بتوفير مياه شرب عذبة للسكان الذين تلوثت إمدادات المياه التي يشربون منها.


صبيِّان يملآن الماء من بئر ملوثة في ساندر ناغار، وهي مستوطنة في بوبال من 2004. وقد دهنت الحكومة المضخات الموجودة في الآبار الملوثة باللون الأحمر].


بدأ شتاء العام 1984 مثل أي شتاء آخر بالنسبة لسكان بوبال، عاصمة ولاية ماديا برادش الواقعة في وسط الهند. وبالنسبة للآلاف من السكان الفقراء الذين يعيشون في المستوطنات المقامة حول مصنع مبيدات الآفات الزراعية التابع ليونيون كاربايد الكائن في الجزء الشمالي من المدينة، شكل الشتاء استراحة منشودة من حرارة الصيف المرتفعة والليالي الحارة الرطبة والمسببة للعرق في المباني المزدحمة.

وبالنسبة لبونا بي، التي كانت في حينها أماً شابة لثلاثة أطفال يعيشون في جاي براكاش ناغار، وهي مستوطنة حضرية فقيرة يفصل طريق بينها وبين المصنع، لم تكن ليلة 2 ديسمبر/كانون الأول 1984 مختلفة، إلى أن استيقظ زوجها حوالي منتصف الليل ليشرب بعض الماء.


"... وفجأة بدأ بالسعال وفي هذه الأثناء سمع صرخات آتية من الخارج. وحالما فتح زوجي الباب كل ما أمكننا مشاهدته كان دخاناً يدخل البيت. ثم بدأ كل واحد من أفراد عائلتي بالسعال وأخذ أطفالي يشتكون من حريق في عيونهم. ثم سمعنا أحدهم يقول إنه علينا الهرب لأن أنبوب غاز قد انفجر في مصنع يونيون كاربايد. وبدأنا جميعنا بالركض وفي النهاية انفصلت عن عائلتي. وكل ما أتذكره هو أنني لم أستطع معرفة مكان أفراد العائلة، وبعد ذلك فقدت وعيي".


وما لم تعرفه بونا بي والآلاف من مواطني بوبال الغافلين هو أنه قبيل منتصف ليل 2/3 ديسمبر/كانون الأول، كانت أطنان من مادة مثيل أيزوسيانيت المميتة تتسرب بصمت في الهواء. وهكذا بدأت إحدى أسوأ الكوارث الصناعية في القرن العشرين تتكشف فصولاً. وذكر تحقيق أُجري لاحقاً أنه :


"في تمام الساعة 12,20 صباحاً، أخطر المشرف على إنتاج مادة مثيل أيزوسيانيت المشرف على المصنع بانبعاث المادة. ووصل المشرف على المصنع، الذي كان في منطقة المعادلات، إلى وحدة مثيل أيزوسيانيت عند حوالي الساعة 12,25 صباحاً ووجد كميات كبيرة من هذه المادة في الهواء ... وعند الساعة 12,46، دُوِّن في سجل المشرف أن العمل أُوقف في وحدة المشتقات بسبب ارتفاع تركيز مادة مثيل أيزوسيانيت في المنطقة. وعند حوالي الساعة الواحدة صباحاً، شغَّل عامل وحدة المشتقات إنذار الغاز السام. وفي ذلك ال ?قت أيضاً، تحقق المشرف على المصنع ومشغل وحدة ميثيل أيزوسيانيت من أن هذه المادة الموجودة في الخزان 610 تنبعث في الهواء من فتحة ماسورة (مدخنة) غسل الغاز".1

وأحس مشغل وحدة المشتقات ف.ن. سينغ، الذي شغَّل جهاز الإنذار من الغازات السامة، وزملاؤه بأول بوادر غاز مثيل أيزوسيانيت في الجو عند حوالي الساعة 11,30 مساء وأبلغوا المشرف. وبعد الساعة 12,50 صباحاً، كسر سينغ زجاج الإنذار لتشغيل صفارة المصنع ذات الصوت المرتفع. "كان ذلك لتحذير العمال الآخرين ولاستدعاء فريق الإنقاذ. وبعد بضع دقائق، حُولت الصفارة مرتفعة الصوت إلى صفارة منخفضة الصوت. وأتى فريق الإنقاذ إلى مصنع ميثيل أيزوسيانيت وحاول وقف انبعاث المادة السامة بضخ كميات كبيرة من رذاذ الماء عبر صنابير مكافحة الحريق. وخرج التسرب عن زمام السيطرة بحيث إنه بعد فترة من الوقت، بدأ الجميع يفرون من وحدة مثيل أيزوسيانيت بعكس اتجاه الريح. وأنا كذلك ركضت بعيداً عن مصنع مثيل أيزوسيانيت."2

ويقول قاضي مقاطعة بوبال الإضافي في حينه3إن التحذير الرسمي الأول من التسرب جاء عند حوالي الساعة 1,15 صباحاً عندما صادف شرطي كان في دورية ليلية مجموعة كبيرة من الناس الهاربين من منازلهم وهم يعانون من شعور شديد بالحريق في أعينهم ومن نوبات سعال. فنقل المعلومات إلى غرفة التحكم التابعة للشرطة عند حوالي الساعة 1,20 صباحاً. واتصل قاضي المقاطعة الإضافي بمدير عمال المصنع هاتفياً في منـزله، فقال الأخير إنه لا يعلم بحدوث أي تسرب سام وأشار إلى أنه إذا كان أي غاز يسبب التهيج في العينين، عندئذ يجب استخدام الماء لغسل العينين جيداً. "ولم تكشف يونيون كاربايد النقاب عن اسم الغاز. وجاء المسؤول الأول على مستوى المنطقة المعين من الدولة والذي يتمتع بمسؤوليات إدارية وقضائية إلى غرفة المراقبة عند حوالي الساعة 3,40 صباحاً وبصعوبة كبيرة تمكن من معرفة أن اسم الغاز هو ’مثيل أيزوسيانيت‘ من شري شتي، المشرف على المصنع".4

ورغم أن مسؤولي المصنع كانوا يعرفون أن هناك احتمالاً بأن غاز مثيل أيزوسيانيت يتسرب في الهواء بعيد منتصف الليل، فإنهم لم يفعلوا شيئاً لتحذير الجماعات التي تعيش في المنطقة أو الإدارة المحلية للمدينة أو الشرطة حتى الساعة 2,00 صباحاً عندما بدأت صفارة الغاز السام ذات الصوت المرتفع تدوي بصورة متواصلة.5

وشأنهم شأن بونا بي وعائلتها، استيقظ آلاف الأشخاص في شتى أنحاء بوبال عند حوالي منتصف الليل أو بعده وهم مصابين بسعال ويشعرون بضيق في التنفس مع اندفاع سحب الغاز عبر منازلهم. وتم الإحساس بآثار التسرب فوراً وبشكل شديد في أحياء الطبقة العاملة المبنية قبالة جدار المصنع. وقال الناجون إنهم شعروا وكأنهم يتنشقون الدخان الذي يتصاعد عند إحراق الفلفل، وأنهم أحسوا بتهيج حاد في أعينهم وحناجرهم. وبدأ الناس يكحون بشدة، وتقيأ بعضهم.

وبدأ الجميع يهرب، بعضهم إلى جيوب غاز أسوأ من تلك الموجودة في منازلهم،6مما زاد من كمية المواد الكيماوية السامة التي تنشقوها.7وبالنسبة للعديد ممن حاولوا الفرار، كان قد فات الأوان. وأحاط تقرير حكومي حول الموضوع بالمشهد :


"خلال ساعات غصت جميع مستشفيات بوبال بالضحايا الذين أصيبوا بالغاز السام. وعمل الأطباء وطلبة الطب والمتطوعون على مدار الساعة، لكن في غياب أي معلومات علنية حول الخصائص السمية المتعلقة بمثيل أيزوسيانيت، لا يمكن إعطاء إلا علاج للأعراض ... وأعقب ذلك سلسلة من المشاكل قصيرة وطويلة الأجل على حد سواء ... ولم يعرف أحد على وجه اليقين ما الغازات التي تسربت من مرفق يونيون كاربايد ... والتزمت إدارة يونيون كاربايد الصمت المطبق حول هذا الأمر ولم تقل حتى ما هي الغازات السامة التي انبعثت من المرفق أو ما الترياق الذي يمكن أن يساعد."8

وذكر الدكتور هيرش تشاندرا، الذي أجرى أكثر من 100 تشريح في مستشفى حميدية في الأيام التي تلت الكارثة، أنه كانت هناك "زيادة كبيرة في وزن الرئتين تصل إلى ثلاثة أضعاف الوزن الاعتيادي. وأظهر جهاز التنفس بأكمله تغييرات مرضية واضحة. فالرئتان كانتا مثقلتين بالماء وكان لديهما لون أحمر مميز بلون الكرز ... وكانت الأغشية المخاطية محتقنة بشكل حاد. وأظهرت القصبة الهوائية والأجزاء الرئيسية للشُعب الهوائية تغييرات ناخرة أو مقرحة."9

ومع مغيب شمس بوبال مساء 3 ديسمبر/كانون الأول، كانت القبور تمتلئ بسرعة وكان لهيب كوم الحطب المستخدمة في حرق الجثث خلال مراسم الجنازات يستعر؛ فقد لقي الآلاف مصرعهم وأُصيب عديدون غيرهم بالمرض. وتعرض ما لا يقل عن نصف مليون شخص للأبخرة السامة. وفي الأيام والأسابيع والسنوات القادمة سترتفع الحصيلة ... أكثر فأكثر. وما زالت بوبال تحصى قتلاها وجرحاها.

وما حدث في بوبال كان من أسوأ الكوارث الصناعية التي شهدها العالم على الإطلاق. لكنها لم تكن مجرد مأساة طواها النسيان، بل هي مأساة تستمر فصلوها منذ ذلك الحين.


[مربع]


ما الغازات التي تسربت

وفقاً ليونيون كاربايد، انبعث "قرابة 54000 رطل (24500 كيلوغرام) من مثيل أيزوسيانيت غير المتفاعل من الخزان 610 مع زهاء 26000 رطل (11800 كيلوغرام) من منتجات التفاعل."10 وبعد مضي عشرين عاماً على التسرب المميت، لم تكشف يونيون كاربايد كوربوريشن بعد عن المحتويات الدقيقة لمنتجات التفاعل.

[انتهى المربع]


[مربع]

مثيل أيزوسيانيت – خطر على الصحة

مقتطفات من كتيب يونيون كاربايد للمواد الكيميائية التفاعلية والخطرة،

مثيل أيزوسيانيت

مثيل أيزوسيانيت مادة خطرة عن طريق جميع وسائل الاحتكاك. ولا يمكن استعمال رائحتها أو آثارها الدمعية لتنبيه الأشخاص إلى وجود تركيز غير آمن للبخار. وقيمة حد المَشرِفية هي 0,02 أجزاء في المليون بالحجم في الهواء بالنسبة لمتوسط تعرُّض مدته 8 ساعات ... لكن لا يحس الإنسان برائحته

u1575? أو أثرها الدمعي حتى في تركيزات تصل إلى 0,4 جزء في المليون. ويلاحظ تهيج طفيف في الأنف والحنجرة والعينين (بدون رائحة) عند 2,0 جزء في المليون؛ ويصبح هذا التهيج أكثر حدة عن مستوى تركيز يبلغ 4,0 جزء في المليون ... غاز مثيل أيزوسيانيت سام للإنسان عبر استنشاقه كما تحدد أنظمة آي سي سي، ويجب اعتباره سماً عند ابتلاعه أو احتكاكه بالبشرة.

وبسبب الترتيب العالي بالنسبة للتنفس والاحتكاك بالعينين، أُعطي مثيل أيزوسيانيت الترتيب الصحي الأقصى البالغ 4 في نظام الإشارات الخطرة لدى يونيون كاربايد كوربوريشن.

وسائل مثيل أيزوسيانيت يلحق أذى خطيراً بالعيون حتى عند تخفيفه بسائل غير سام بنسبة تركيز قدرها واحد بالمائة... ويتم تفادي احتكاك العينين بالأبخرة أو السائل بارتداء نظارات واقية من البخار أو قناع لكامل الوجه.


ومثيل أيزوسيانيت سم معترف به عند الاستنشاق ويسبب تهيجاً حاداً للتنفس. ويُحدث تشنجاً شُعبياً شديداً وتنفساً شبيهاً بالربو. ومن المحتمل حدوث إصابة جدية متبقية رغم العلاج السريع.


تفادى استنشاق أبخرة مثيل أيزوسيانيت

يمكن لسائل مثيل أيزوسيانيت أن يتسبب بحروق جلدية وامتصاصه عن طريق البشرة قد يكون مؤذياً. وقد تحدث إصابة تتراوح بين الطفيفة والجدية الدائمة نتيجة الاحتكاك بالبشرة رغم العلاج السريع.

[انتهى المربع]


الوفيات

"كانت هناك آلاف الجثث. وقد انتشرت في كل مكان. وكان الناس يموتون في كافة الاتجاهات من حولنا".

محمد عويس، متطوع في مستشفى حميدية


توفي ما بين 7,000 و10,000 شخص خلال ثلاثة أيام من تسرب الغاز. وهذا التقدير الذي يستند إلى معلومات حصلت عليها منظمة العفو الدولية، يبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف معظم التقديرات التي أعطتها المصادر الرسمية. وفي السنوات التي أعقبت ذلك، توفي أكثر من 15000 شخص بسبب التسرب.11

وقال إلهي بخش، البالغ من العمر 59 عاماً، والذي كان يقود شاحنة تابعة لمؤسسة بلدية بوبال، إنه نقل مئات الجثث في 3 ديسمبر/كانون الأول 1984. وذكر أنه نقل ما مجموعه 25 جثة في كل رحلة من مناطق قريبة من مصنع بوبال إلى مشرحة المستشفى. وقام بين ثماني حالات و20 رحلة، وكان يقود واحدة فقط من عدد من الشاحنات يصل إلى 10 شاحنات مشابهة. ونقل إلهي بخش وزملاؤه ما لا يقل عن 1600 جثة في 3 ديسمبر/كانون الأول وحده، وكانت هناك شاحنات أخرى عديدة تعمل في مناطق أخرى.

وقال أسلم برويز، أمين سر مقبرة جدا في جاهينغيراباد ومحمد خرام، أحد الشبان الذين تطوعوا في العام 1984 لحفر القبور، لمنظمة العفو الدولية : "مقبرتنا صغيرة نسبياً وبعيدة جداً عن المصنع، لكننا مع ذلك دفنا ما لا يقل عن 400-500 جثة بحلول الخامس من الشهر. وفي ذلك الوقت كان هناك ما لا يقل عن سبع مقابر أخرى في الحي القديم في بوبال، كان بعضها أكبر بكثير من مقبرتنا. ولا بد أنه تم دفن ما لا يقل عن 1000 إلى 1200 شخص في بديباغ، أكبر هذه المقابر، وحدها."

ووفقاً لصاحب مطعم محلي اسمه شيام بابو، زود محارق الجثث بالخشب، أُحرقت أكثر من 7000 جثة على محارق الجنازات الخمس التابعة لائتمان فيشرام غات. وذكرت جمعية تجار الملابس أنها ورَّدت ما يكفي من القماش لصنع أكفان لما لا يقل عن 10000 ضحية هندوسي.12

وقال عدد من الأشخاص لمنظمة العفو الدولية إن الجثث كانت تُنقل ببساطة على متن شاحنات الجيش وتُلقى في قبور جماعية أو في نهر نارمادا البعيد عن بوبال.

ولا تضع الأرقام الرسمية في حسابها الأشخاص الذين ماتوا بعد الفرار من بوبال. إذ غادر مئات الآلاف من الأشخاص المنطقة ولا يعرف أحد عدد الذين لم يعودوا قط لأنهم ماتوا. وقُدمت 15000 مطالبة تتعلق بحالات وفاة. ولم تقبل الحكومة إلا أكثر من 5000 آلاف بقليل، لكن في حالات عديدة، لم يبق أحد من أفراد العائلة على قيد الحياة لتقديم المطالبة.13


الضرر الذي لحق بالصحة

أصر الخبراء الطبيون التابعون ليونيون كاربايد عند حصول التسرب بأن مثيل أيزوسيانيت لا يمكن أن يسبب إلا جروحاً سطحية وأنه لا يدخل إلى مجرى الدم أو يعبر حاجز الرئة. بيد أن تحاليل الدم والأنسجة التي أُجريت لاحقاً أظهرت أن هناك أدلة على وجود "كربملة" المثيل في دم الضحايا الذين ماتوا،14وترايمر (ثلاثي جزيئات) مثيل أيزو سيانيت في بقايا الخزان 610 الذي يُعرف بأنه مصدر تسرب الغاز.15

ووفقاً لعيادة سامبافنا الائتمانية، أدى التعرض للمواد السامة التي تسربت ليلة 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984 إلى إصابة ما لا يقل عن 12,000 شخص بأمراض مزمنة ومُقعِدة، أثبت العلاج الذي تلقوه لها عدم فعاليته في معظم الأحيان.16ويكشف التقرير السنوي الصادر في العام 2003 عن إدارة الإغاثة والتأهيل الخاصة بحادثة الغاز في ماديا برادش أنه بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2003، جرى تقييم طبي لـ 554,895 مطالبة بالتعويض عن إصابات أو حالات عجز متفاوتة الدرجات (تتراوح بين طفيفة وكبيرة) واعتمادها.17

ورغم الأنشطة المكثفة التي جرت عقب التسرب فوراً، لم يكن مدى الأبحاث الطبية وجودتها كافيين للوفاء بالمستوى الضروري لاتخاذ قرارات حول الإجراءات الخاصة بإزالة التسمم والعلاج قصير وطويل الأجل والعواقب الصحية بعيدة المدى وتنفيذ برنامج للتعويض على الضحايا.

عانت هذه الأبحاث غير الكافية مزيداً من الضعف بسبب انعدام المعلومات حول طبيعة الغازات المنبعثة خلال التسرب وسميتها.18وحتى اليوم توجد ثغرات في التحليل الطبي للعواقب التي ترتبت على تسرب الغاز في بوبال، الأمر الذي جعل صانعي القرار، فضلاً عن المواطنين المتضررين عاجزين عن التأكد من الصلات الدقيقة بين التعرض لهذه الغازات وبين الوضع الصحي. ونتفهم قلة الثقة بالخدمات الطبية المتوافرة التي عبر عنها غالباً أولئك الذين يعانون من مشاكل صحية يعتقدون أنها ناجمة عن التعرض للغازات أو التلوث طويل الأجل للمياه.


الأمراض ا�604?تنفسية

يواجه العديد من الناجين أمراضاً تنفسية مزمنة، وقد شددت الدراسات التي أُجريت على أن استنشاق مثيل أيزوسيانيت "يلحق ضرراً جسيماً" بالرئتين.19ويتلقى زكي محمد، 53 عاماً، علاجاً في مستشفى جواهر لال نهرو، الذي بُني في بوبال حصرياً من أجل المرضى الذين تأثروا بالغازات. وأوضح قائلاً : "لقد أنفقنا أموالاً كثيرة على المعالجة الطبية التي أتلقاها ... وأحياناً لا نملك حتى 5 أو 10 روبيات لشراء الشاي أو العقاقير. وكنت في حالة صحية ممتازة قبل حادثة الغاز... وبعدها أصبت بالسعال وضيق التنفس. وأحياناً يختفيان وأعتقد بأن حالتي الصحية ستشهد تحسناً ... وكل ثلاثة أشهر، كلثلاثة أشهر، آتي إلى هذا المستشفى ... وأتلقى حقناً هنا، وأقراصاً وجرعة أكسجين. والأكسجين يعطي المفعول الأكبر."

ومنذ تسرب الغاز، أظهرت دراسات مسحية عديدة أُجريت على السكان الذين تعرضوا للغازات انتشار الأمراض التنفسية واستمرارها. وتبين للمجلس الهندي للأبحاث الطبية أن 96% من الرجال والنساء في المناطق التي تأثرت تأثراً شديداً ذكروا إصابتهم بتلف في جهاز التنفس عقب التسرب مباشرة. وأظهرت دراسة طبية أجرتها منظمة غير حكومية في مارس/آذار 1985 أن نسبة 94,6% من الأشخاص الذين يعيشون على مسافة تتراوح بين نصف كيلومتر وكيلومترين من المصنع أُصيبوا بأعراض مثل السعال والألم في الصدر وبعد مضي 104 أيام على الحادثة، كانت نسبة 79,7% ما زالت تشكو من مرض في جهاز التنفس.20

وبعد مضي خمس سنوات، أظهرت إحدى الدراسات أن 70% من العينة المأخوذة من المنطقة التي تأثرت تأثراً شديداً ذكروا أنهم يشعرون بضيق في التنفس.21وبعد عشر سنوات، وجدت دراسة أخرى استمرار انسداد المجاري الهوائية الصغيرة لدى الناجين.22


أمراض العين

يُحدث مثيل أيزوسيانيت تأثيراً مهيجاً بشدة للعينين، وكانت مشاكل العينين من جملة الأعراض الأكثر ترداداً في المراحل الأولى التي أعقبت تسرب الغام.23وذكر المجلس الهندي للأبحاث الطبية أن نسبة 60 إلى 70% من المرضى الذين كُشف عليهم في الأيام والأسابيع التي أعقبت التسرب كانوا يعانون من مشاكل في العينين. كذلك ذكر المجلس المذكور أنه عند العلاج، فإن جميع المرضى الذين يعانون من مشاكل في العينين "قد استجابوا بصورة جيدة وزالت عنهم الأعراض خلال بضعة أيام."24

بيد أن تهيج العينين استمر لدى السكان الذين تعرضوا للغاز. وقال رئيس محمد، 62 عاماً، لمنظمة العفو الدولية أنه كان فناناً يرسم لوحات الإشارات قبل حدوث تسرب الغاز. وفي اليوم الذي أعقب التسرب، قال "تورمت عيناي. وعندما نظرت في الضوء بدا كأنه 1000 شعاع. وفي كل يوم بعد ذلك كنت أذهب للحصول على قطرة علاجية للعينين ... وبعد ذلك لم تتحسن حالة عيني قط. ولم أتمكن مطلقاً من أداء وظيفتي السابقة".

وبعد مضي تسعة أشهر على الحادثة، أظهرت إحدى الدراسات حدوث تدميع متواصل في العينين وغيره من الأعراض المزمنة للتهيج، لكن لم تحدث حالات عمى. وتبين في دراسة متابعة جرت بعد ثلاث سنوات تزايد خطر الإصابة بعدوى في العينين وأعراض تهيج العينين وتآكل القرنية والإصابة بإعتام عدسة العين (الماء الأزرق)، وهي ظاهرة وُصفت "بمتلازمة العيون في بوبال".25وتبين في دراسة أجريت بعد خمس سنوات من الحادثة أن "التعرض الحاد الوحيد أدى كما يبدو إلى حدوث عملية التهاب مزمنة."26


ضعف نظام المناعة

من الآثار التي ورد ذكرها لتسرب الغاز الضرر الذي لحق بجهاز المناعة، مما جعل الذين تأثروا به معرضين للإصابة بالأمراض.27 وبعد مضي قرابة العشرين سنة على التعرض للغاز، فإن نسبة احتمال إصابة الأشخاص الذين تعرضوا بشدة للغاز بالأمراض الشائعة تفوق سواهم بأربعة أضعاف، وإصابتهم وبأمراض الرئة تفوق سواهم بخمسة أضعاف، وبمشاكل العين تزيد على ثلاثة أضعاف وبأمراض المعدة تتجاوز الضعفين، وفقاً لمجلس الإغاثة والتأهيل الخاص بحادثة الغاز في ماديا برادش.28

ومن الدلائل على ضعف جهاز المناعة حدوث زيادة مفاجئة في عدوى داء الدرن (السل).29وتبين للمجلس الهندي للأبحاث الطبية أن واحداً من أصل 14 شخصاً في المناطق الأكثر تضرراً من المدينة يعاني من داء الدرن، وهذه النسبة أعلى بثلاثة أضعاف من المعدل الوطني.30

كانت نازمة بي، 22 عاماً، في الثانية من عمرها عند حدوث تسرب الغازات. وقالت "منذ أربع سنوات [أي بعد مضي 16 عاماً على التعرض للغاز]، أُصبت بحمى دائمة لمدة تتراوح بين ثمانية أيام وخمسة عشر يوماً ... وأظهر التشخيص أنني مصابة بداء الدرن عقب إجراء اختبار للبلغم، وخضعت للعلاج لمدة ستة أشهر ... وعندما أصبت بداء الدرن، لم يكن هناك أمل ببقائي على قيد الحياة. وخسرت جزءاً كبيراً من وزني وبقيت طريحة الفراش طوال أيام عديدة."


الضرر الذي لحق بالجهاز العصبي

كثرت الشكاوى من فقدان الذاكرة قصيرة الأجل ومن مشاكل في التركيز والإصابة بالصداع وصعوبة بقاء المصاب صاحياً والرائحة والطعم غير الاعتياديين عقب تسرب الغاز. بيد أن العديد من الأطباء رفضوا هذه الشكاوى، ولم يتم إيلاء اهتمام يُذكر بمقدار الضرر الذي لحق بالجهاز العصبي.31وأشارت الدراسات التي أجرتها اللجنة الطبية الدولية حول بوبال بعد مضي عقد من الزمن على الحادثة إلى الأضرار التي لحقت بالجهاز العصبي لدى الأشخاص الذين تعرضوا بشدة للغاز.32وأيدت دراسات المتابعة هذه الملاحظة الأولية، لكنها لم تربط بوضوح بين درجة التعرض وبين مقدار الضرر العصبي.33


الضرر العصبي – العضلي

تنتشر الأعراض العصبية العضلية مثل أوجاع العضلات وآلامها والوخز الخفيف والتخدير بين أولئك الذين تعرضوا للغاز.34وقال زكي محمد، الذي غالباً ما عانى من آلام مبرحة في كتفيه، في العام 2004 قبيل وفاته : "في ذلك الوقت (من الألم المبرح)، أشعر كأنني أريد الموت لأن الألم كان شديداً للغاية".


slmult1 وتلقت شاهين علاجاً لصعوبات في التنفس في مستشفى جواهر لال نهرو. وكان وزنها لا يزيد على 27 كيلوغراماً في العام 2004 قبيل وفاتها. وقالت : "لدي تورم في كاحليَّ وذراعيَّ وكتفيَّ وأشعر بالألم دائماً. ولا أستطيع حتى أن أمد ذراعيّ وساقيّ. وأشعر كما لو أن أحدهم يشد أعصابي من الداخل".


أنواع السرطان

أشارت الصحف إلى تزايد سرطان عنق الرحم والصدر بين النساء35. وموني بي، 45 عاماً، التي كانت تعيش في مستوطنة راجغات، التي تبعد مسافة تقل عن كيلومتر واحد من المصنع، عند حدوث التسرب تعاني من سرطان عنق الرحم. وقالت في العام 2004 : "كنت في حالة صحية ممتازة. ثم قبل 14 شهراً، بدأت المشاكل. وأصبحت أعاني من نزيف وإفرازات طوال الوقت. كذلك أُصبت بصداع وآلام في المفاصل وضيق في التنفس طوال السنوات الثماني الماضية، لكن هذه الأعراض لم تكن متكررة...وأنا أحصل على علاج بالأشعة".

وأشارت الدراسات التي أجريت عقب تسرب الغاز إلى حدوث تواتر أعلى في الزيغان (الزيغ) الكروموسومي بين الجماعات التي تعرضت للغاز وخصوصاً بين النساء.36ورُبطت هذه الحالات بالتغييرات الوراثية (الخلقية) المولدة للسرطان في الجسم. بيد أن الفهم الكامل لقدرة مثيل أيزوسيانيت على التسبب بمواد مولدة للسرطان يجب أن ينتظر حتى مرور 30 إلى 40 عاماً على الحادثة.


الأمراض النسائية

في فترة تعود إلى مارس/آذار 1985، أظهرت دراستان وجود عدد كبير من الاضطرابات المرضية النسائية في النساء اللواتي تعرضن للغاز.37وعلى رأس هذه الأعراض الإفرازات المهبلية المفرطة والنـزيف البولي غير العادي.38

وأظهرت الدراسات اللاحقة وجود أمراض نسائية مستمرة وطويلة الأجل نتيجة كارثة الغاز في بوبال، لكن لم يجر القيام بأعمال تذكر في هذا المجال.39

واجهت سيتارا بي، 40 عاماً، مشاكل مزمنة في الدورة الشهرية. وأوضحت قائلة : "يقول الطبيب إنني يجب أن أجري عملية استئصال للرحم. ولدي دورة شهرية غير منتظمة ... وقد بدأت بالنسبة لي بعد عام من تأثري بالغاز ... وعندما تأتي الدورة أشعر بالضعف. وأشعر بألم في ظهري ... ولا أستطيع مغادرة المنـزل وأشعر بألم شبيه بألم الإجهاض. أولاً، شعرت بالحرج من هذه المشاكل. وعندما أبلغت الأطباء بأنني أعاني منها، ردوا قائلين أن جميع النساء يعانين من هذه المشكلة. وعندما سألتهم عما إذا كانت العقاقير التي أتناولها تسبب النـزيف، قالوا لي أن أشرب الحليب (اللبن) وآكل الفاكهة. ولا نستطيع حتى تناول rotisلأننا لا نملك ثمنه. فكيف سنملك ثمن شراء الفاكهة؟


الإجهاض

تعرضت العديد من النساء اللواتي كن حوامل عند تسرب الغاز للإجهاض. وبحسب المركز الهندي للأبحاث الطبية، فإنه من أصل 2566 امرأة حامل، تعرضت 373 امرأة "لإجهاض تلقائي".40وانخفضت معدلات الإجهاض انخفاضاً حاداً من المناطق شديدة التعرض إلى المناطق الأقل تعرضاً. وفي المناطق شديدة التعرض، فاق المعدل الـ 50% في العام 1984. 41وأكدت دراسة تفصيلية أخرى هذه النتائج.42

والنساء اللواتي تعرضن للغاز وحملن بعد الحادثة ظللن يعانين من الآثار اللاحقة. وأظهرت دراسات المركز الهندي للأبحاث الطبية ارتفاع عدد حالات الإجهاض في المناطق المتأثرة حتى العام 1989 عندما أُوقفت الدراسة.43وكشفت دراسة مسحية أُجريت بعد عقد من التعرض للغاز أنه من أصل 390 حالة حمل حصلت بعد تسرب الغاز، أسفرت 9% منها عن موت الجنين، قياساً بـ 4% في المناطق التي لم تتعرض للغاز.44


الصحة العقلية

ألحق تسرب الغاز ضرراً شديداً بالصحة العقلية للسكان المحليين، لكن الأطباء النفسيين لم يشاركوا مباشرة إلا بعد مضي ثمانية أسابيع على وقوع الكارثة.45واشتملت المشاكل على الاكتئاب والقلق.46


وذكر المركز الهندي للأبحاث الطبية أن نسبة 10-12% من المرضى الذين زاروا العيادات كانت تعاني من "أعراض نفسية".47ووفقاً للبيانات المستمدة من 10 عيادات حكومية تابعة واقعة في مناطق معتدلة وشديدة التأثر، فإن نسبة 22% من 855 مريضاً كانت تعاني من مشاكل نفسية.48

وقد تأثرت الصحة العقلية للنساء بشكل خاص، وكذلك الصحة العقلية للأطفال. وتبين في دراسة حكومية أن الأطفال الذين تعرضوا للغاز يعانون من التبول أثناء النوم والعند وسرعة الانزعاج والخوف.

وتبين في دراسة تجريبية أجراها قسم علم النفس في جامعة بوبال أن 32,5% من الأطفال الذين تعرضوا للغاز رسموا أشخاصاً غير واضحين، بينما تمكن جميع أطفال المجموعة القياسية من رسم رسومات واضحة. وقال العديد من الأطباء العاملين في بوبال عقب تسرب الغاز إن مزاعم المشاكل النفسية مبالغ فيها، حتى إنهم أوحوا بأن حصص الطعام المجانية التي تقدمها الولاية شجعت الناس على تقديم شكاوى.49 بيد أن المشاكل النفسية ما زالت تتواصل منذ تسرب الغاز. وتبين في دراسة أُجريت بعد مضي عشر سنوات على التسرب أن 36% من الذين أُجريت مقابلات معهم ذكروا أنهم يعانون من كوابيس و65% من القلق و24% من ا لاكتئاب و64% من الصعوبة في اتخاذ قرار/قلة التركيز.50

وقالت أمرافاثي، وهي امرأة عمرها 45 عاماً إنها تعاني من غبراهات، كلمة تعني القلق باللغة الهندية، لكنها تُستخدم في بوبال لوصف العواقب العقلية المتبقية للتعرض للغاز. وقالت في العام 2004 : لقد أُصبت بالقلق منذ حدوث التسرب. وطوال السنوات العشر الماضية، كان وضعي أسوأ. وعندما ينتابني القلق أشعر كما لو أنه لا توجد حياة في جسدي. فأشعر بالثقل في رأسي، وأشعر كما لو أن العالم يدور من حولي. وبالأمس، وقعت على الأرض. والأعراض تزداد سوءاً ... وبدون عقاقير لا أملك القوة على الاستمرار. والنوبات متكررة، لا يفصل بينها إلا 10 أو 15 يوماً. ولا يمضي شهر دون أن أصاب بها."


الأطفال

ثبت أن الأطفال والمسنين هم الأكثر تأثراً في أعقاب الكارثة. وقد توفي الأطفال الذين تق4? أعمارهم عن 10 سنوات، صبية وبنات، بأعداد كبيرة.51

وفي الأسبوعين الأولين عقب الكارثة، استقبل مستشفى حميدية 1337 طفلاً. وكانت أغلبية المرضى الصغار تعاني من أعراض السعال وضيق التنفس وتدميع العينين المصحوب بالألم وشدة الحساسية للضوء والإسهال والتقيؤ. وأصيب بعضهم بالتشنجات وبنوبات فقدان الوعي والغيبوبة.52


كذلك ظهرت على الأطفال علامات الصدمة الأليمة والمشاكل النفسية المتعلقة بالمشاكل الطبية وتعطيل حياتهم الاجتماعية.53

والدراسات القليلة المتوافرة حول آثار كارثة الغاز في بوبال على الأطفال معظمها لها طابع المراقبة. وتشير التقارير الجديدة إلى أن الأطفال يظلون الأكثر تضرراً من الكارثة.54

وعملية إماطة اللثام عن الآثار بعيدة المدى لتعرض الأطفال للغاز ما زالت مستمرة. وقد تعرض ناريش، 23 عاماً، للغاز عندما كان في الثالثة من عمره فقط. وطوله الآن يقل عن خمسة أقدام (150 سنتمتراً). ويقول موضحاً : "طولي قصير جداً، لكنني لا أعرف فعلاً لماذا ... أبدو كما لو أنني الأصغر بين أشقائي (الأصغر مني سناً)."

وتبين في دراسة حديثة حول آثار التعرض للأبخرة السامة لمثيل أيزوسيانيت على أنماط النمو الجسدي للمراهقين وجود نقص ملموس في معظم القياسات لدى الصبية، ولكن ليس الفتيات.55وكانت الآثار أكثر وضوحاً في الفتيان الذين تعرضوا للغاز وهم ما زالوا في الأرحام، ربما نتيجة آثار جنسية محددة لمنتج الانحطاط (الانخفاض) ثلاثي مثيل أمين الناتج عن مثيل أيزوسيانيت.56


ترسيخ الفقر

بينما أُجريت أبحاث حول آثار التعرض للغاز على صحة الناس، لم تحدد إلا دراسات قليلة تأثير الكارثة على الجوانب الأخرى في حياة سكان بوبال. ورغم هذا، من الواضح أن تسرب الغاز غيَّر بشكل جذري البنية الاجتماعية والاقتصادية للحياة اليومية ورسّخ الفقر والحرمان الاجتماعي القائمين أصلاً.

وبسبب موقع المصنع واتجاه الريح ليلة 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984، أثر تسرب الغاز بشكل مبالغ به على الشرائح الأكثر فقراً في المدينة. ووفقاً للدراسات التي أجراها المركز الهندي للأبحاث الطبية، تنتمي نسبة 68-86% من سكان المناطق الأشد تأثراً إلى "طبقة اجتماعية محرومة جداً من الناجيتين الاجتماعية والاقتصادية." وتبين أن أكثر من 70% من أولئك الذين يعيشون في مناطق تأثرت بشدة يعيشون في منازل رديئة النوعية.57

لذا تحمل ذوو الإمكانيات المادية الأدنى العبء الأكبر للعواقب الاقتصادية والاجتماعية لتسرب الغاز. وفقدت عائلات فقيرة عديدة معيلها الرئيسي. ونفقت أعداد كبيرة من الماشية التي كانت تملكها العائلات. ويواجه الناجون الأمراض المزمنة والشقاء النفسي. ولا يستطيع بعضهم العمل أو يتعين عليهم العمل ساعات قليلة. وأُجبر آخرون على تغيير مهنتهم. ولم تتمكن نساء عديدات من الزواج أو واجهن مشاكل كبرى في حياتهن الزوجية نتيجة تعرضهن للغاز (انظر أدناه).

ويشتكي العديد من الناجين من انخفاض مداخيلهم بسبب عجزهم عن العمل نتيجة مختلف المشاكل الصحية أو الإصابات. وفي معرض حديثها عن تأثير اعتلال صحتها عليها وعلى أطفالها الخمسة، قالت حسينة بي، 46 عاماً، وهي من أتال أيوب ناغار: "عملت منذ ولادتي ... كنت ألف السجائر وأعاني من مشاكل في نظري لذا توقفت عن العمل ... ولا يستطيع أطفالي أن يعملوا لمدة يومين متتاليين (بسبب سوء صحتهم) ... وكعمال مياومين (يوميين) لا تقبض حسينة بي وأطفالها أجورهم إلا عندما يعملون.

ولم يتمكن محمد أيوب، 45 عاماً، من جاي براكاش ناغار، من العمل كسائق لفترات طويلة بسبب الألم الشديد الذي يشعر به في يديه وكتفيه. ووقعت عائلته في ديون كبيرة نتيجة لذلك.

ووفقاً لدراسة مديكو فريند سيركل فإنه اعتباراً من العام 1985 بعد حدوث تسرب الغاز بفترة وجيزة، واجهت نسبة 65% من الأشخاص العاملين في المناطق التي تأثرت بشدة انخفاضاً في الدخل يتراوح بين 20% و100%. وبعد 5 سنوات، أشارت نسبة 90% من الذين كانوا يعملون قبل حدوث التسرب إلى انخفاض قدرتها على العمل.58


وشعر العمال الذين يقبضون أجوراً يومية – وتُقدَّر نسبتهم بـ 70% من السكان العاملين الذين تأثروا بتسرب الغاز –بآثار هذا التسرب بشدة. ووفقاً لدراسة مسحية للعمال أجرتها بعثة تقصي الحقائق في بوبال، باتت نسبة 35% من العمال الذكور و25% من العاملات الإناث عاطلين عن العمل بعد التسرب. وأصبحت نسبة لا تقل عن 81% من العمال الذكور الذين غيَّروا وظائفهم تحقق دخلاً أدنى. وعانى العمال البالغ عددهم 456 والذين شاركوا في دراسة بعثة تقصي الحقائق في بوبال من سعال مزمن (81%)؛ وضعف البصر (67%)؛ وضيق التنفس والوهن (34%). وترك العديد من المشاركين في الدراسة وظائفهم بسبب اعتلال صحتهم؛ وخفضوا ساعات في عملهم، ولم يتمكنوا من العمل إلا بصورة متقطعة؛ وعانوا من إرهاق متواصل؛ ولم يستطيعوا العمل بعد مغيب الشمس بسبب مشاكل في النظر.59

واقتصرت إسهامات يونيون كاربايد المقدمة إلى بوبال على الإغاثة الطبية. وخططت حكومة ماديا برادش لمشاريع إغاثة وتأهيل، بما فيها مساكن خاصة وأموال للأرامل والأيتام، وتدريب مهني ومراكز إنتاج خاصة للنساء اللواتي تأثرن بالغاز وبرامج للقروض. لكن رغم أن الحالة الصحية للسكان المتأثرين ظلت تشهد تدهوراً،60إلا أن زخم تنفيذ هذه البرامج تلاشى.


النساء

وجدت النساء اللواتي أصبحن أرامل نتيجة الكارثة أنفسهن في وضع صعب جداً. "لا نتلقى جميعنا حتى المبلغ الزهيد البالغ 150 روبية (3,26 دولار أمريكي)61 في الشهر الذي يوزع على الأرامل. ورُفض منحي ذلك المبلغ على أساس أنني لم أبلغ 60 عاماً بعد"، هذا ما قالته كيران جين، وهي أرملة تبلغ من العمر 40 عاماً. ولا تتلقى أرملة أخرى اسمها ناني بي، رغم أنها تبلغ من العمر حوالي 60 عاماً، أي معاش تقاعدي ولا يحق لها شراء المواد الغذائية بأسعار مدعومة (منخفضة). "الحكومة لا تعطينا الوظائف ولا معاش التقاعد. وكل مبلغ التعويض الž?ي تلقيته عن وفاة زوجي قد نفد منذ زمن طويل، أولاً لدفع أتعاب المحامي والوسيط اللذين حصَّلا لي التعويض، ثم جميع الفواتير الطبية. فكم من الوقت سيدوم؟ وكيف يُتوقع منا أن نعيش؟"

ولم تلق دعوات الأرامل لتوفير الماء والكهرباء والدعم الاجتماعي والوظائف لأبنائهن آذاناً صاغية من الحكومة "لقد بذلنا كل ما في وسعنا – نظمنا مظاهرات ومهرجانات احتجاجية وحتى أقمنا حواجز على الطرق، لكن لم تتغير الأمور إلا قليلاً. وتواصل (السلطات) تقديم الوعود، لكنها لا تفعل شيئاً،" على حد قول كران جين.

للزواج والقدرة عليه انعكاسات اجتماعية وكذلك اقتصادية بالنسبة للعديد من النساء في الهند. فالتأثر بالغاز يحمل في طياته وصمة اجتماعية، ويقول النشطاء الذين يعملون مع منظمات الناجين إن النساء الشابات المعروف بأنهن تعرضن للغاز غالباً ما يجدن صعوبة في الزواج. ويعزى ذلك بصورة رئيسية إلى الصعوبات المحتملة في إنجاب الأطفال والتبعة المالية المحتملة المترتبة على الاعتلال المزمن للصحة. وأشارت الأبحاث التي أُنجزت في العام 1996 إلى أن نسبة النساء غير المتزوجات بين سن 15 و20 عاماً كانت 19% في المناطق التي تأثرت بشدة قياساً بنسبة 6% في المناطق التي تأثرت بشكل طفيف.62

وتواجه النساء المتزوجات اللواتي تعرضن للغاز صعوبات بسبب عجزهن عن العمل وصعوبات محتملة في إنجاب الأطفال أو ازدياد التبعات المالية بسبب المرض. وتخشى حسينة بي، وهي من سكان جاي براكاش ناغار، من عدم تمكُّن ابنتها روبينا البالغة من العمر 16، التي تعاني من فقر الدم والوهن وارتفاع مستويات الإفرازات المهبلية من الزواج لأنه من المعروف أنها تعاني من أمراض ناتجة عن التعرض للغاز.

وكانت سونيتا في سن الرابعة في وقت تسرب الغاز. وتقول إنها لا تستطيع العمل في منـزل أهل زوجها بسبب آلام في الصدر والشعور بالوهن. "وكانت حماتي تقول ’إنها تأكل كثيراً، ولا تقوم بأي عمل‘. وحرضت زوجي على ضربي... وكنت أشعر بالمرض الشديد. وكان (أهل زوجها) يقولون ’لم نكن نعرف بأنك تأثرت بالغاز، ولم نكن لنـزوجك من ابننا لو عرفنا ذلك‘".

رينا إبنة رامغوبال مينا وإيمارثي بي، تركها زوجها في منـزل والديها لأنه لم يعد يطيق مرضها الدائم. ووفقاً للنشطاء العاملين مع الناجين، هذه ظاهرة شائعة. كما يبدو أن تراجع قدرة النساء على القيام بالأعمال المنـزلية بسبب المرض أو الوهن الناجم عن التعرض للغاز قد يجعلن أكثر عرضة للانتهاكات.


التلوث

لا يقتصر تأثير المصنع على حقوق الإنسان على تسرب الغاز. فمنذ افتتاحه في العام 1970، كان مصدراً للتلوث البيئي. وحتى اليوم يستمر الموقع الملوث في تلويث المياه الجوفية بالسموم. وهي المصدر الوحيد للماء بالنسبة للذين يعيشون حول المصنع.

وقد بدأ مصنع بوبال في تصنيع مبيد الآفات الزراعية سفين في سبتمبر/أيلول 1977، مستخدماً مثيل أيزوسيانيت المستورد. وبحلول فبراير/شباط 1980، كان المصنع يُصنِّع مثيل أيزوسيانيت في الموقع، فضلاً عن مبيد الآفات الزراعية ألديكارب (الذي يتم تسويقه باسم تميك) والفوسجين وأحادي مثيل أمين، وكلاهما يستخدمان لصنع مثيل أيزوسيانيت.63 وتوقفت جميع العمليات في ديسمبر/كانون الأول 1984 عقب تسرب الغاز.

وألحقت الممارسات التشغيلية وتلك المتعلقة بالتخلص من النفايات في المصنع ضرراً بالبيئة، حتى قبل تسرب الغاز. وتكشف الوثائق الداخلية النقاب عن أن الشركة الأم الأمريكية كانت على علم بالعديد من الحوادث التي وقعت في مصنع بوبال وتسببت بعواقب خطيرة على البيئة.

وحذر قسم الهندسة في يونيون كاربايد كوربوريشن في فترة تعود إلى العام 1973 من أن تصميم مصنع بوبال، الذي كان يستخدم أحواض التبخر الشمسي لسوائل النفايات ينطوي على "خطر تلويث إمدادات المياه الجوفية في منطقة بوبال." وذكر أن "الأحواض الجديدة يجب أن تقام في فاصل زمني قدره سنة أو سنتين طوال مدة المشروع للتصدي لهذه المشكلة."64وتلاحظ مذكرة داخلية صدرت في العام 1973 بأنه : "بينما تم التعامل مع تدفق نفايات مشابهة في أمكنة أخرى، فإن هذا المزيج المعين من المواد المراد التخلص منها جديد، وبالتالي ينطوي على احتمالات أخرى صعبة."65

وكشفت مجموعة من التقارير الداخلية والحكومية وغير الحكومية عن أن التربة والمياه الجوفية حول موقع المصنع، ملوثة بالفعل، لكن الشركة لم تحذر السكان الذين يعيشون حوله ولم تتخذ تدابير جوهرية لتنظيف الموقع.

وفي العام 1980، تداعى صهريج لتخزين حامض الهيدروكلوريك في الحقل في أسفله، فتسرب منه الحامض إلى التربة.66

وفي مارس 1982، بعثت شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة بتلكس إلى شركة يونيون كاربايد إيسترن تبلغها بحدوث تسرب من أحد أحواض التبخر الشمسي ومن حوض للطوارئ.67ولاحظ تلكس ثانٍ أُرسل في إبريل/نيسان 1982 أن "استمرار التسرب من حوض التبخر يسبب قلقاً شديداً."68

وخلصت دراسة للسلامة التشغيلية لموقع مصنع بوبال أجراها موظفو يونيون كاربايد كوربوريشن في مايو/أيار 1982 إلى أنه : "تبين بأن أعمال التنظيف والترتيب في كامل المنطقة وحولها رديئة. ومن الصعب السيطرة على تسرب مادة نافثول، لكن الكومة العامة من البراميل الزيتية القديمة والأنبوب القديم وأحواض الزيت على الأرض الخ تخلق مشاكل غير ضرورية على صعيد التسبب بحرائق وصعوبة في الدخول والخروج."69

وفي مايو/أيار ويونيو/حزيران ويوليو/تموز 1989، أجرت يونيون كاربايد كوربوريشن اختبارات "أولية" على العينات الصلبة والسائلة المستخرجة من مناطق الطمر وحفر معالجة التدفق داخل المصنع". وكان كل من العينات السائلة والصلبة ساماً للسمك. واحتوت العينات الصلبة على نافثول أو نافتالين بكميات كبيرة، واحتوت العينات السائلة على نافثول و/أو سفين بكميات تزيد كثيراً على ما تسمح به معايير مؤسسة المعايير والمقاييس الهندية بالنسبة للتخلص من النفايات على الأرض."70

وفي إبريل/نيسان 1990، كلفت ž?كومة ماديا برادش معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية بدراسة مدى الضرر الناجم عن التلوث الذي تسببه أحواض التبخر الشمسي، والذي خلص إلى أنه لا يوجد تلوث في التربة أو المياه الجوفية بسبب التسرب من الأحواض.71

بيد أنه في الشهر ذاته أصدرت الحملة الوطنية الأمريكية لمكافحة المواد السامة تحليلاً لعينات التربة والمياه المأخوذة من أرض المصنع وحوله. وعلى عكس النتائج التي توصل إليها معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية، كشف هذا التحليل عن وجود سموم عديدة بينها ثنائي كلوروبنـزين وهيدروكربونات عطرية متعددة النواة، يُعرف بأن العديد منها مولدة للمواد السرطانية.

وأجرى تقرير الحملة الوطنية الأمريكية لمكافحة المواد السامة اختبارات لوجود عدد من المواد الكيماوية أكبر كثيراً من تلك التي أجراها معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية.72 وداخلياً نصحت يونيون كاربايد كوربوريشن "بتوخي الحذر في استخدم معطيات المعهد المذكور" لكنها تواصل الاستشهاد بتقريره دفاعاً عن نفسها.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1990 ناقش مسؤولو يونيون كاربايد كوربوريشن بواعث قلق خطيرة حول ترشيح المواد الملوثة إلى التربة خلال فصل الأمطار الموسمية. ونُصح بإجراء مزيد من الدراسات حول التلوث "... أساساً لكي نفهم نحن الوضع."73

وفي العام 1996 عثر كبير علماء الكيمياء في مختبر الأبحاث التابع للولاية في ماديا برادش على ملوثات سامة في 10 عينات مأخوذة من المراكز السكانية الواقعة بالقرب من المصنع.74وخلص إلى أنه : "تبين أن هذا التلوث ناجم عن المواد الكيماوية التي يستخدمها مصنع يونيون كاربايد كوربوريشن والتي ثبت أنها ضارة للغاية بالصحة".75

وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997 أعد معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية تقريراً حول ممارسات التخلص من النفايات في شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة. وذكر التقرير بأن النفايات الصلبة والقطرانية أُلقيت في ما يزيد قليلاً على خمس المساحة الإجمالية للمصنع، ويجب "معالجتها" من أجل "إعادة الجودة البيئية لأرض المصنع".76وخلص تقرير المعهد المذكور إلى القول إن 17 موقعاً داخل المصنع باتت ملوثة بشدة. ومع ذلك، صرح المعهد دون مواربة (بصورة قاطعة) بأن المياه الجوفية "تستوفي معايير جودة مياه الشرب" وقدَّر أنه ستمر 23 سنة قبل أن يكون للتلوث الناجم عن ممارسات التخلص من النفايات في موقع المصنع أي تأثير على المياه الجوفية.77

بيد أن آرثر دي. ليتل، وهي مجموعة استشارية دولية استخدمتها يونيون كاربايد كوربوريشن لمساعدة معهد الهندسة الوطني للأبحاث البيئية، شككت في النتائج والخلاصات التي توصل إليها المعهد قبل نشرها. وانتقدت تعليقات المجموعة على تقرير المعهد منهجيته وأشارت إلى أن "أوقات انتقال الملوثات إلى الطبقة الصخرية المائية الكائنة تحت الموقع ... قد تكون أقل بشكل ملموس من تلك التي ذُكرت في التقرير."78وذكرت أنه "يمكن للمرء أن يزعم أن وقت الانتقال في الاحتمال الأسوأ قد يكون سنتين". وقالت المجموعة إن الاستنتاجات المتعلقة بما إذا كانت المياه الجوفية صالحة للشرب قاطعة أكثر من اللازم إذا أخذنا الحدود الضيقة للمعطيات بعين الاعتبار. ولم ينعكس أي من هذه التعليقات في التقرير النهائي للمعهد الذي استخدمته شركة داو منذ ذلك الحين لتأكيد انعدام تلوث مياه الشرب المحلية.79

وفي يوليو/تموز 1998، تنازلت شركة إفريدي إنداستريز إنديا لمتد، الاسم الجديد لشركة يونيون كاربايد الهند المحدودة، عن عقد إيجار الموقع بينا كانت لا تزال تنفذ برنامجاً علاجياً بإشراف مجلس مكافحة التلوث في ماديا برادش للتخلص من البقايا الصلبة والقطرانية وإزالة التلوث من محيط مناطق إلقاء النفايات. ورغم التوسلات المتكررة التي قدمها مجلس مكافحة التلوث في ماديا برادش إلى شركة إفريدي إنداستريز إنديا المحدودة لاستكمال برنامج التنظيف، لم يكن قد استكمل عند كتابة هذا التقرير.80


وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1999، أصدرت غرينبيس تقريراً حول بوبال خلص إلى أن الموقع ومحيطه المباشر ملوثين بالمواد الكيماوية الناجمة عن العمليات الروتينية والتسربات والحوادث التي تقع في المصنع، أو من المواد التي تم التخلص منها وتخزينها في الموقع. وعثرت غرينبيس على بقع ساخنة ذات تلوث شديد بالمعادن الثقيلة وملوثات عضوية مستمرة81 ولاحظت أن أكياس سفين ما زالت مخزونة في منشآت المصنع وأن بقايا المواد الموجودة على ما تبقى من تركيبات المصنع لم تتم إزالتها.82وتضمنت المواد الكيماوية التي عُثر عليها الكربون رباعي الكلوريد والكلوروفورم وثلاثي كلورو الإيثين ورباعي كلورو الإيثين وثنائي كلورو البنـزين. وعثر على هذه المواد الكيماوية في تركيزات تتراوح من خمس أضعاف إلى أكثر من 600 ضعف الحدود التي توصي بها وكالة حماية البيئة الأمريكية. وجميعها مواد سامة، والأرجح أنها مولدة للمواد السرطانية.

وتبين في تقرير أعدته في يناير/كانون الثاني 2002 منظمة شريشتي وتوكسيكس لينك، وهي منظمة غير حكومية بيئية يقع مقرها في دلهي، وجود تلوث في الخضار المزروعة حول موقع المصنع، ليس هذا وحسب، بل أيضاً تركيز – حيوي للمواد الملوثة في عينات حليب الثدي المأخوذة من النساء المقيمات في المناطق المحيطة بالمصنع.83

وفي مايو/أيار 2004، واستناداً إلى تقرير أعدته لجنة مراقبة النفايات،84لاحظت المحكمة العليا الهندية أنه "نظراً لإلقاء النفايات الخطرة بلا تمييز بسبب عدم وجود ممارسات أو اتباع ممارسات تتسم بالإهمال، فضلاً عن عدم إنفاذ القوانين والأنظمة من جانب السلطات، تعرضت المياه الجوفية وبالتالي إمدادات مياه الشرب" للضرر.85وأصدرت المحكمة العليا أمراً يوجه حكومة ماديا برادش بتوفير مياه الشرب العذبة بواسطة ناقلات صهريجية إلى الأشخاص الذين تلوثت إمداداتهم من مياه الشرب بالملوثات التي تخرج من المصنع.86


20 الماء

في العام 1997، دُهنت 250 مضخة يدوية حول المصنع بإشارات حمراء جديدة تعلن أن المياه التي توفرها غير صالحة للشرب. وفي غياب أي مصدر مناسب آخر، يواصل معظم الناس الذين يعيشون في المجتمعات المحيطة شرب الماء المستخرج بواسطة المضخات.87وعند كتابة التقرير، لم تكن حكومة الولاية قد نفَّذت أمر المحكمة العليا بتوفير مياه الشرب لهذه المجتمعات.

تشرب حسينة بي التي تعيش في أتال أيوب ناغار، وهو حي في بوبال قريب من المصنع، المياه المستخرجة بواسطة ا لمضخات اليدوية الموجودة قرب منـزلها منذ 18 عاماً. وقالت : "عندما تنظر إلى الماء، تشاهد طبقة رقيقة من الزيت عليها. وقد تغيرت ألوان جميع أواني الطبخ في منـزلي ... إلى لون أخضر – مائل إلى الصفرة". وأضافت : "علينا السير مسافة كيلومترين على الأقل للحصول على الماء النظيف – إلى تشولا ناكا. وصحتي سيئة كثيراً لدرجة تمنعني من حمل الماء الذي احتاجه من هناك."

واشتكت فوزية، وهي فتاة عمرها 15 عاماً غالباً ما تذهب لتعبئة الماء من المضخة، من أن الماء "أحمر اللون وله رائحة... كما لو أنه يحتوي على دواء ما." وقالت موني بي إن الماء "مر الطعم ويصعب ابتلاعه." وتعيش عائلتيهما في أنو ناغار، وهي إحدى مناطق بوبال، ونادراً ما تدخل الناقلات الصهريجية الحكومية التي تنقل ماء عذباً إلى حارتهما.

وأُصيب أناس عديدون لم يتعرضوا لتسرب الغاز بمشاكل صحية مشابهة لمشاكل أولئك الذين تعرضوا، ربما من مياه الشرب الملوثة. وقد انتقلت شهيستا قريشي، 35 عاماً، إلى أنو ناغار بعد زواجها منذ 12 عاماً وأوضحت قائلة : "منذ عامين ونصف العام، توقفت دورتي الشهرية بالكامل، وفي البداية كانت تأتيني كل شهرين، ثم كل أربعة أشهر، ثم توقفت بالمرة." كذلك اشتكت من ألم في أسفل ظهرها يمتد إلى أربيتها. ويشتكي ابنها أتيب البالغ من العمر سبع سنوات من آلام في مفاصله. ولم يتعرض أي منهما للغاز لكنهما يشربان كلاهما من المياه الملوثة.


الفصل الثاني : إطار قانون حقوق الإنسان

[الصورة : نساء وأطفال يشربون من مياه آمنة قدمتها سيارة نقل للمتظاهرين الذين يحتجون على تلوث إمدادات المياه التي يشربون منها، 20 يوليو/تموز 2004. وقد شارك أكثر من 1000 شخص في المظاهرة.]

كانت الكارثة التي وقعت في بوبال مأساة إنسانية ومأساة لحقوق الإنسان وتظل كذلك. ومن خلال استخدام إطار حقوق الإنسان للنظر في ما حدث، يمكننا أن نرى ما الواجبات المترتبة بموجب القانون الدولي التي انتُهكت وما معايير الحماية التي أخفقت. كما يشير إطار حقوق الإنسان إلى الآليات الخاصة بمساءلة الحكومات إذا تقاعست عن أداء واجباتها في احترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها.

لقد انتهك ما تم فعله أو إغفاله بشأن الكارثة التي وقعت في بوبال الحقوق المدنية والسياسية للضحايا فضلاً عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويكمن في صميم القوانين والمعايير التي تُعرِّف حقوق الإنسان مبدأ عالمية جميع حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة – وبكلمات أخرى، يجب أن يتمتع جميع الناس بجميع حقوق الإنسان. والمجموعة الواسعة من حقوق الإنسان – المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية – مترابطة ويعتمد بعضها على بعضها الآخر.88

وهناك بعض الفروق بين الطريقة التي يكفل فيها القانون الدولي الحقوق المدنية والسياسية، والطريقة التي يكفل فيها الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وينبغي الوفاء بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كاملةً بالتدريج، وفقاً للحد الأقصى من الموارد المتوافرة للدول.89 بيد أن أوجه الشبه أكثر من أوجه الخلاف. وفي الواقع ينبغي الوفاء بالحقوق المدنية والسياسية أيضاً كاملةً بصورة تدريجية،90ولكلا المجموعتين من الحقوق مضمون أساسي أدنى تكون الدول ملزمة بضمانه في جميع الظروف.91والتقاعس عن التقيد بهذه الواجبات يؤدي إلى ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

وتنطبق عادة معاهدات ومعايير حقوق الإنسان على الدول. ومنذ انضمام الهند إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العام 1979، باتت الحكومة الهندية وحكومة ولاية ماديا برادش ملزمتين قانونياً باحترام حقوق الإنسان الواردة في العهدين المذكورين وحمايتها والوفاء بها.92 كما أن الحكومة الأمريكية التي مارست محاكمها الولاية القضائية على بعض جوانب كارثة بوبال، هي أيضاً طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وملزمة بأحكامه.

وقد فسرت الهيئات التابعة للأمم المتحدة – لجنة حقوق الإنسان ولجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية – نصوص العهدين وراقبت تقيد الدول الأطراف بهاتين المعاهدتين.

وتتعدى مسؤوليات حقوق الإنسان نطاق الدول. فمنذ العام 1948 قدَّم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان معياراً مشتركاً للإنجازات يعني أن كل شخص وكل هيئة في المجتمع تتحمل مسؤولية عن الاعتراف والتقيد العالميين والفعالين بالحقوق والحريات الواردة فيه.

ومنذ كارثة بوبال، أسهبت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بأساليب عمل الشركات العابرة للحدود وأنشطتها في شرح هذه المسؤولية من حيث انطباقها على الشركات.93وفي العام 2003، اعتمدت اللجنة الفرعية للأمم المتحدة المعنية بتعزيز وحماية حقوق الإنسان معايير الأمم المتحدة الخاصة بمسؤوليات الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى فيما يتعلق بحقوق الإنسان (معايير الأمم المتحدة) وأحالتها للنقاش إلى لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وتلاحظ ديباجة معايير الأمم المتحدة أن "الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى وموظفيها والأشخاص العاملين لديها ملزمون أيضاً باحترام المسؤوليات والمعايير المتعارف عليها عموماً والواردة في معاهدات الأمم المتحدة وغيرها من الصكوك الدولية."94


الحقوق المنتهكة

حق الحياة

الحق في الحياة محدد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعديد من المعاهدات والمعايير الأخرى لحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو معاهدة ملزمة قانونياً انضمت إليها الهند في العام 1979 على أن :


"الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان. وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً."


وتقدم لجنة حقوق الإنسان تفسيرات موثوقاً بها للحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تصاغ في تعليقاتها العامة. وينص التعليق العام 6، في فقرته الخامسة على أن "عبارة ’حق الحياة الملازم‘ لا يمكن فهمه بشكل صحيح بطريقة تقييدية، وتقتضي حماية هذا الحق أن تعتمد الدول تدابير إيجابية."

وتصر منظمة العفو الدولية على أن هذه التدابير يمكن أن تشمل تنظيم أنشطة الشركات على نحو يكفل عدم تهديدها للحق في الحياة. وفي قضية إي إتش بي ضد كندا،تبين للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن شكوى تزعم إلقاء نفايات نووية على نطاق واسع هددت أرواح السكان المحليين وصلت إلى حد قضية ظاهرة الوجاهة على انتهاك الحق في الحياة.95


الحق في التمتع بأعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه

يعاني عشرات، وربما مئات الآلاف من الأشخاص من اعتلال مزمن في صحتهم كنتيجة مباشرة لما تفعله وتغفله الدولة وسواها بشأن كارثة بوبال. وقد انتهك حقهم في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه. والحق في الصحة مكرس في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الثقافية، وهو أيضاً معاهدة ملزمة قانونياً انضمت إليها الهند في العام 1979. وهذا يؤسس على إدراج الصحة ضمن الحق في مستوى معيشة كاف الوارد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 25-1).96


وتنص المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أن :

"تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه."


وأوضحت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام 14 للعام 2000 بأن الحق في الصحة حق شامل لا ينطبق فقط على الرعاية الصحية، بل "أيضاً على العناصر التي تحدد الصحة، مثل الحصول على ماء آمن وصالح للشرب ومرافق صحية كافية وكمية كافية من المواد الغذائية الآمنة، والتغذية والسكن، والأوضاع الصحية في العمل والبيئة، والحصول على التعليم والمعلومات المتعلقة بالصحة، بما في ذلك الصحة الجنسية والإنجابية".

وتقتضي المادة 12(2)(ب) من الدول الأطراف اتخاذ الخطوات الضرورية من أجل "تحسين جميع جوانب الصحة البيئية والصناعية". ويوضح التعليق العام 14 بأن هذا يستلزم اتخاذ "تدابير وقائية بشأن حوادث وأمراض العمل" فضلاً عن "منع وتقليل تعرض السكان للمواد الضارة مثل الإشعاعات والمواد الكيماوية المؤذية أو غيرها من الأوضاع البيئية المضرة التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على صحة الإنسان."

وتُلزم المعاهدات الدولية الدول باحترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها. فعلى سبيل المثال، فيما يتعلق بالحق في الصحة :


  1. ينبغي على الدول احترام الحق في الصحة بعدم التدخل في الحصول على الصحة. فعلى سبيل المثال، يترتب عليها واجب تغيير السياسات التي تعرقل حصول الناس على الرعاية.

  2. يتعين على الدول حماية الحق في الصحة، باتخاذ تدابير ضد أولئك الذين يسيئون إلى حق الأشخاص الآخرين في الصحة.

  3. يترتب على الدول واجب الوفاء بالحق في الصحة من خلال تهيئة الأوضاع التي تسمح للناس بالحصول على حقهم في الصحة.97

ورغم أن الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتم تحقيقها تدريجياً، وفقاً للحد الأقصى من الموارد المتوافرة،98 فإن الدول التي تصادق على العهد أو تنضم إليه توافق على الواجبات التي تدخل حيز النفاذ فوراً. وبرأي لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن هذه "الواجبات الأساسية الدنيا" غير قابلة للانتقاص؛99وبعبارات أخرى، تنطبق في جميع الأوقات والأحوال. وقد يؤدي التقاعس عن إنفاذ هذه الحقوق إلى زعم بانتهاك حقوق الإنسان. واعتبرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأن انتهاكات الحق في الصحة تشمل : "التقاعس عن سن أو إنفاذ قوانين تمنع تلوث المياه والهواء والتربة من جانب الصناعات الاستخراجية والتحويلية."100


الحق في سبيل انتصاف

لم يحقق أولئك الذين يناضلون من أجل الحصول على العدالة في بوبال – من أجل التعويض والتأهيل والاعتراف بالأذى الذي عانوا منه، ولمساءلة المسؤولين عن ذلك- لم يحققوا نجاحاً يذكر. وقد حُرموا من حقهم في سبيل انتصاف على انتهاك حقوقهم الإنسانية.

ويرد الحق في سبيل انتصاف أو تظلم في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 2 على أن :


تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد :

(أ) بأن تكفل توفير سبيل فعال للتظلم لأي شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها فيه هذا العهد، حتى لو صدر الانتهاك من أشخاص يتصرفون بصفتهم الرسمية؛

(ب) بأن تكفل لكل متظلم على هذا النحو أن تبت في الحقوق التي يدعي انتهاكها سلطة قضائية أو إدارية أو تشريعية مختصة، أو أية سلطة مختصة أخرى ينص عليها نظام الدولة القانوني، وبأن تنمي إمكانيات التظلم القضائي؛

(ج) بأن تكفل قيام السلطات المختصة بإنفاذ الأحكام الصادرة لمصالح المتظلمين.


وبالمثل توصي لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتما93?ية والثقافية بأن تقدم الدول الأطراف سبل تظلم قضائية فيما يتعلق بالحقوق التي يمكن، وفقاً لنظام القضاء الوطني، أن تعتبر قابلة للإنفاذ قانونياً. كما تشير اللجنة إلى الحق في سبيل تظلم بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعلاقته بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجهة المساواة وعدم التمييز.101وفي فترة أحدث عهداً، ذكرت اللجنة، على صعيد التطبيق المحلي للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بأنه : "يجب الإقرار بمعايير العهد بالطرق المناسبة ضمن النظام القانوني المحلي. وينبغي توفير الوسائل المناسبة للتعويض أو الانتصاف لأي فرد أو مجموعة متضررة، ووضع الوسائل المناسبة لضمان المساءلة الحكومية."102 وبرأي اللجنة، فإن الحق في انتصاف وتعويض فعالين يمكن أن يشمل رد الحقوق والتعويض المادي والرضاء أو تقديم ضمانات بعدم التكرار.103


ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً مهماً في صياغة مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتعلقة بالتلوث غير الحدود. وتضمنت هذه المبادئ القاعدة العامة القاضية بأن أولئك الذين تلحق بهم إصابات جراء الضرر البيئي يحق لهم سبل انتصاف من الجهة القائمة على التلويث في دولة المنشأ وأعادت تأكيد هذه القاعدة.104 وتظل الدعاوى المدنية التي رفعها ضحايا بوبال للتعويض عن الأضرار وإزالة التلوث ضد يونيون كاربايد كوربوريشن عالقة في محاكم الولايات المتحدة الأمريكية.


الحق في مستوى معيشة كافٍ

ازدادت آلاف العائلات الفقيرة فقراً نتيجة تأثير تسرب الغاز والضرر البيئي على قدرتها على العمل وضمان مستوى معيشة لائق لأنفسهم ولعائلاتهم. وبما أن هذا جاء نتيجة أفعال الدولة والشركة وتقاعسها، فقد انتُهك حقهم في مستوى معيشة كافٍ، والمحدد في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وتنص المادة 11 من العهد المذكور على أن :


"تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوى معيشي كاف له ولأسرته. يوفر ما يفي بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقه في تحسين متواصل لظروفه المعيشية".


كذلك أصدرت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تعليقاً عاماً حول الحق في الماء الذي ينص تحديداً على أن الصحة البيئية، في سياق الحق في الصحة "تشمل اتخاذ خطوات ... لمنع الأخطار التي تتهدد الصحة والناجمة عن أوضاع المياه غير الآمنة والسامة". والدول الأطراف ملزمة بضمان حماية موارد المياه الطبيعية "من التلوث بالمواد الضارة والميكروبات المتعلقة بنشوء المرض،" وهي ملزمة "بمراقبة ومكافحة الأوضاع التي تشكل فيها الأنظمة البيئية المائية موئلاً لناقلات الأمراض كلما شكلت خطراً على بيئة الإنسان".105وإن مبدأ "مسبب التلوث يدفع الثمن"، المعترف به في إعلان الريو، يشير إلى أن التبعة القانونية عن هذا الضرر البيئي يجب أن توجه نحو الشركات الخاصة المسؤولة فعلاً عن التسبب به.106


الحق في عدم التعرض للتمييز

إن النساء اللواتي تأثرن بتسرب الغاز تُلصق بهن وصمة عار اجتماعية. ويؤيد النشطاء المحليون شهادات الناجين بأن النساء اللواتي عُرف بأنهن تعرضن للغاز غالباً ما يجدن صعوبة في الزواج. كذلك تواجه النساء المتزوجات اللواتي تعرضن للغاز مشاكل معينة، تشمل في بعض الحالات هجر أزواجهن لهن، بسبب عدم قدرتهن على العمل، واحتمال مواجهتهن صعوبات في إنجاب الأطفال، أو ازدياد التبعة المالية بسبب تعرضهن للمرض. وربما يترتب على بعض النساء عبء رعاية أكبر بكثير داخل العائلات التي تضم أفراداً مصابين بأمراض مزمنة، بينما تواجه الأرامل وضعاً صعباً للغاية (انظر الفصل 1).

وتعرض حق النساء في التمتع بحقوقهن الإنسانية بدون تمييز لمزيد من التقويض، وهو حق محدد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلاً عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وهي معاهدة صادقت عليها الهند في العام 1993. وتنص المادة 3 من معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على أن :


"تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل."


الحق في بيئة آمنة

"تشكل حماية البيئة ... جزءاً حيوياً من المبدأ المعاصر لحقوق الإنسان، إذ إنها شرط لازم كل اللزوم للعديد من حقوق الإنسان مثل الحق في الصحة والحق في الحياة نفسه. ونادراً ما يكون ضرورياً الإسهاب في شرح هذا الأمر، لأن الأضرار التي تلحق بالبيئة يمكن أن تمس وتضعف جميع حقوق الإنسان التي تحدث عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من صكوك حقوق الإنسان."107


القاضي ويرامانتري العضو في محكمة العدل الدولية في لاهاي


كما يشير القاضي ويرامانتري، فإن حماية البيئة أداة فعالة في إنفاذ حقوق الإنسان. والدول ملزمة بأن تضمن على أقل تقدير بألا يمس الانحطاط البيئي (التراجع البيئي) بصورة خطيرة بالحق في الحياة والحق في أعلى مستوى من الصحة يمكن بلوغه وبمستوى معيشة كاف، وبخاصة الحق في الحصول على ما يكفي من الغذاء والماء النظيف.

وأكدت محكمة العدل الدولية مؤخراً واجب كل دولة في حماية الدول الأخرى من الأفعال المؤذية التي يرتكبها أشخاص بصفتهم الخاصة ضمن ولايتها القضائية.108 وفي رأيين صرحت المحكمة بأن : "وجود الواجب العام المترتب على الدول في التأكد من أن الأنشطة التي تُمارس ضمن ولايتها القضائية وسيطرتها تحترم بيئة الدول الأخرى أو المناطق الخارجة عن سيطرتها الوطنية يشكل الآن جزءاً من مجموعة نصوص القانون الدولي المتعلقة بالبيئة."109

وإضافة إلى ذلك، رُبط التلوث البيئي بالحق في حرية المعلومات (السماح لأولئك الذين يعيشون بالقرب من المنشآت التي يحتمل أن تتسبب بتلوث بيئي في اتخاذ قرارات مبنية على معلومات صحيحة (قرارات مستنيرة)،110والحق في المشاركة في صناعة القرار التي يمكن أن تؤثر على إنفاذ الحقوق،111 والحق في الخصوصيات.112

وتؤسس اتفاقية آرهوس الخاصة بالحصول على المعلومات والمشاركة العامة والحصول على العدالة في القضايا البيئية على هذه المبادئ.113وتعكس القاعدة الواردة في القانون الدولي والتي تقضي بأن الأشخاص الأفراد الذين تلحق بهم إصابات من ضرر بيئي يحصل في دولة أخرى لهم الحق في الحصول على تعويض من مسبب الضرر في دولة المنشأ. وتعترف الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المبادئ.114

وقضت المحكمة العليا الهندية بأن واجب اتخاذ إجراءات احترازية لتفادي تلوث البيئة (المعروف بالمبدأ الاحترازي) يشكل قاعدة في القانون الدولي العرفي.115 وبعبارة أخرى، إنه ملزم للدول حتى إذا لم تصادق على معاهدة معينة. ويتكرر المبدأ الاحترازي في إعلان برغن الوزاري للعام 1990 حول التنمية المستدامة : "يجب أن تتوقع التدابير البيئية أسباب الانحطاط البيئي وتمنعها وتتصدى لها. وحيث تنشأ تهديدات بإحداث ضرر خطير ولا يمكن إصلاحه، لا يجوز استخدام عدم اليقين العلمي كسبب لتأجيل اتخاذ تدابير لمنع الانحطاط البيئي".116


القانون والمعايير الهندية

يجب أن تُدرج الالتزامات الدولية، بما فيها الواجبات المترتبة على صعيد حقوق الإنسان في القانون المحلي قبل أن يتيسر تطبيقها وإنفاذها من جانب المحاكم في الهند.

والمادة 21 من الدستور الهندي تكفل الحق في الحياة للجميع. وقد فهمت المحكمة العليا الهندية ذلك النص على أنه يحمي الحق في الصحة والبيئة الآمنة : "يجب اعتبار التلوث البيئي والإيكولوجي وتلوث الهواء والماء الخ بأنه يصل إلى حد انتهاك المادة 21."117


وتم سن العديد من التشريعات التي تضع معايير حماية البيئة في مسعى لحماية هذا الحق.118وتقتضي هذه القواعد وضع أنظمة تتعلق بالتلوث البيئي، وتجيز إخضاع الشركات والهيئات الحكومية التي تتراخى في التقيد بالمعايير المحلية لإجراءات وعقوبات قانونية.119

وعلى مر السنين شددت المحكمة العليا على أن الحق في الحياة الوارد في المادة 21 يتضمن الحق في الصحة الجيدة؛120 وواجب منع إلحاق الضرر بالبيئة؛121والحق في بيئة نظيفة وآمنة؛122والحق في هواء وماء نظيفين.123

وأخضعت المحاكم الهندية بين الفينة والأخرى الشركات للمساءلة عن الضرر الذي يلحق بالصحة والبيئة. وأمرت المحاكم الشركات التي تسبب التلوث بالانتقال ودفع غرامات اتعاظية لتشكل عبرة للشركات الأخرى.124وفي العام 1987، في قضية أم.سي. مهتا ضد يونيون أوف إنديا، وهي قضية تتعلق بتسرب غاز أوليوم من مصنع كيماوي، قضت المحكمة العليا بأن :


"أية شركة تعمل في قطاع ينطوي على مخاطرة أو محفوف بطبيعته بالخطر ويشكل تهديداً محتملاً لصحة وسلامة الأشخاص العاملين في المصنع والمقيمين في المنطقة المحيطة به، يترتب عليها واجب مطلق وغير قابل للانتقاص تجاه المجتمع في ضمان عدم إلحاق الأذى بأحد نتيجة أنشطتها."125

كذلك قضت المحكمة أن مثل هذه الشركة تتحمل بكل تأكيد تبعة التعويض على جميع الأشخاص الذين يتأثرون بالحادثة، وكذلك لا تخضع هذه التبعة لأية استثناءات ويجب أن يرتبط ذلك التعويض بحجم الشركة وإمكانياتها.

وحددت المحكمة العليا الهندية ثلاثة مبادئ مهمة بشأن الحق في بيئة آمنة :

  1. المبدأ الاحترازي (واجب اتخاذ إجراءات احترازية لتفادي تلويث البيئة)؛

  2. مبدأ أن "مسبب التلوث يدفع الثمن"،126

  3. مبدأ رد الحقوق (ينبغي على مسبب التلوث أن يعيد البيئة إلى حالتها السابقة، ويصلح الضرر الذي ألحقه بالضحايا).127


مسؤوليات الشركات

تحدد اتفاقيات بيئية دولية عديدة واجبات الأفراد والجهات الخاصة غير التابعة للدولة في عدم التسبب بأضرار خطيرة للبيئة تعرض حياة الإنسان أو صحته للخطر، وبخاصة في إطار النفايات السامة.128

ومنذ أكثر من 20 عاماً، قررت لجنة القانون الدولي بأن تعريض بيئة الإنسان لخطر جسيم ينتهك المبادئ التي "أصبحت قواعد أساسية جداً في القانون الدولي العام."129

وتعتمد اتفاقية روتردام الخاصة بإجراء الموافقة المسبقة المستنيرة على بعض المواد الكيماوية ومبيدات الآفات الزراعية الخطرة في التجارة الدولية تعتمد على الأفراد والجهات الخاصة في التأكد من وضع المعلومات المتعلقة بالمخاطر المتعلقة بالمواد الكيماوية ومبيدات الآفات الزراعية في متناول الجمهور. وتشير المادة الرابعة من اتفاقية التنوع الأحيائي إلى مسؤولية كل دولة عن اتخاذ إجراءات لمراقبة عمليات مواطنيها وأنشطتهم، حتى عندما تحدث الآثار خارج نطاق الصلاحية القضائية الوطنية (المادة 4(ب)). وعملياً، ينقل هذا الأمر الواجبات البيئية الدولية إلى القانون المحلي الملزم للأفراد والجهات الخاصة.

كما يشير إعلانا ستوكهولم والريو إلى أن القانون الدولي يضع المسؤولية عن الحماية البيئية على عاتق الأفراد والجهات غير التابعة للدولة، فضلاً عن تلك التابعة لها.130

والتعبير الأكثر عمومية لفرض التبعة المدنية على مسببي الضرر البيئي قد أُعد في مجلس أوروبا. ومع بضعة استثناءات، يتحمل كل مشغل خاص لنشاط خطر، يتضمن إنتاج مادة أو أكثر من المواد الخطرة أو مناولتها أو تخزينها أو استعمالها أو التخلص منها، يتح05?ل، من جملة أمور، مسؤولية إزهاق الأرواح أو الإصابات الشخصية الناجمة عن أنشطته. وتوضح ديباجة الاتفاقية بأن التبعة الصارمة في هذا الإطار تستند إلى مبدأ أن "مسبب الضرر يدفع الثمن" (انظر أعلاه). كما تقر الديباجة بالحاجة إلى "تسهيل عبء الإثبات بالنسبة للأشخاص الذين يطالبون بالتعويض" عن الضرر الذي تتسبب به الأنشطة الخطرة.131

ومن المواضيع المتكررة الآن في القانون البيئي توجيه التبعة عن الضرر البيئي نحو المسبب أو المُلوِّث الخاص، أحياناً على أساس الخطأ المرتكب وفي حالات أخرى على أساس التبعة الصارمة.132ويتحمل مشغلو المرافق الخطرة التبعة، في بعض الحالات بموجب المعاهدات التي تفرض تبعة صارمة.133

وكما ذكرنا سابقاً، يدعو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كل شخص وكل هيئة في المجتمع، تشمل الشركات والمشاريع التجارية، إلى حماية حقوق الإنسان وتعزيزها. ويضع القانون الدولي لحقوق الإنسان الواجب الأساسي في إنفاذ حقوق الإنسان على الدول. بيد أنه هناك إقرار بأن المسؤوليات تطال كل "هيئة في المجتمع"، بما فيها الشركات.

كذلك هناك اتجاه متزايد نحو وضع واجبات حقوق الإنسان على الشركات نفسها. فعلى سبيل المثال قالت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إن الدول ينبغي أن "تكفل بأن قطاع الشركات والمجتمع المدني يدركان الحق في المياه عند مزاولة أنشطتهما وينظران في أهميته."

وينعكس أيضاً فرض الواجبات على الأفراد والشركات في الإجراءات التي تتخذها هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. ففي العام 1995، اعتمدت لجنة حقوق الإنسان قراراً بتعيين مقرر خاص معني بالآثار الضارة للنقل والإلقاء غير المشروعين للمنتجات والنفايات السامة والخطرة على التمتع بحقوق الإنسان.134 والمقرر الخاص مفوض من جملة أشياء، بإعداد قائمة سنوية بأسماء الدول والشركات عابرة للحدود التي تزاول الإلقاء غير المشروع للنفايات، فضلاً عن قائمة بأسماء الأشخاص الذين قُتلوا أو تشوهوا أو أُصيبوا على نحو آخر بسبب عملية إلقاء النفايات هذه.135

وبالمثل، هناك تحركات لإعداد معايير لمساءلة الشركات عن حقوق الإنسان.136وتعتقد منظمة العفو الدولية أنه ضمن مجالات أنشطة الشركات ونفوذها، تتحمل هذه الشركات مسؤوليات تتعلق بمصالح موظفيها ومعوليهم وشركائها التجاريين والمتعاملين معها ومقاوليها من الباطن والمجتمعات التي تعمل الشركات فيها وصحة جميع هؤلاء وسلامتهم وحقوقهم الإنسانية.


معايير الأمم المتحدة

وجَّهت العديد من منظمات حقوق الإنسان بواعث القلق إلى الشركات منذ عدد من السنين. وإدراكاً منهم بأن العولمة الاقتصادية وسعت مدى سلطة الشركات، ناضل الدعاة للتأكد من إخضاع الشركات، بالقدر ذاته الذي تخضع فيه الجهات المهمة الأخرى لإطار القواعد الدولية لحقوق الإنسان. ويساعد استخدام إطار حقوق الإنسان كمقياس لقياس تأثير أنشطة الشركات على توفير معيار مشترك وعالمي.

وأدى ذلك إلى صدور دعوات لوضع صكوك أكثر تفصيلاً وشمولية. وتبلورت معايير الأمم المتحدة الخاصة بمسؤوليات الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى فيما يتعلق بحقوق الإنسان في هذا السياق.

وقد اعتُمدت معايير الأمم المتحدة والتعليق عليها137من جانب اللجنة الفرعية المعنية بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها138عقب عملية تشاور مع الشركات والنقابات والمنظمات غير الحكومية. وتحدد معايير الأمم المتحدة والتعليق عليها في وثيقة واحدة موجزة، قائمة شاملة بمعايير حقوق الإنسان المتعلقة بأنشطة الشركات. كما تشكل معايير الأمم المتحدة علامة قياس مفيدة يمكن بموجبها أن تحكم على التشريعات الوطنية لتحديد ما إذا كانت الحكومات تفي بواجباتها في حماية الحقوق بضمان وضع أطر تنظيمية مناسبة.


ووفقاً للمادة 14 من معايير الأمم المتحدة، تتحمل الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى مسؤولية عن تأثير أنشطتها على البيئة وحقوق الإنسان.


وينص التعليق على المادة 14 على أن :

"(أ) تحترم الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى الحق في بيئة نظيفة وصحية...

(ب) تتحمل الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى مسؤولية عن تأثير جميع أنشطتها على البيئة وحقوق الإنسان...

(ج) ... "على أساس دوري (يُفضل أن يكون سنوياً أو نصف سنوي)، تجري الشركات العابرة للحدود وغيرها من المؤسسات التجارية تقييماً لتأثير أنشطتها على البيئة وصحة الإنسان بما في ذلك التأثيرات الناجمة عن ... توليد المواد الخطرة والسامة وتخزينها ونقلها والتخلص منها. وتكفل الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى بأن لا يقع عبء العواقب البيئية السلبية على الجماعات العرقية والإثنية والاجتماعية – الاقتصادية المعرضة للانتهاكات.


... (هـ) تحترم الشركات عابرة للحدود وغيرها من المؤسسات التجارية المبدأ الوقائي ... والمبدأ الاحترازي ...

(و) عند انتهاء العمر المجدي لمنتجاتها ... تكفل الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى استخدام وسائل فعالة لجمع البقايا أو تدبير عملية جمعها ...

(ز) تتخذ الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى التدابير المناسبة في أنشطتها للتقليل من خطر وقوع الحوادث وإلحاق الضرر بالبيئة، وذلك عن طريق اعتماد ممارسات وتقانات للإدارة ... والإبلاغ عن الانبعاثات المتوقعة أو الفعلية للمواد الخطرة والسامة."


كما تتناول النصوص الأخرى لمعايير الأمم المتحدة أوضاع مثل ذلك المتعلق بكارثة بوبال. فالمادة 18 مثلاً، تدعو الشركات العابرة للحدود وغيرها من المؤسسات التجارية إلى دفع تعويضات عن الأضرار التي وقعت بسبب تقاعسها عن استيفاء المعايير المحددة صراحة في المعايير :


"تقدم الشركات العابرة للحدود والمؤسسات التجارية الأخرى تعويضاً سريعاً وفعالاً وكافياً إلى الأشخاص والكيانات والمجتمعات التي تأثرت سلباً بالتقاعس عن التقيد بهذه المعايير من خلال عدة وسائل، تشمل دون حصر، التعويضات ورد الحقوق والتعويض المادي والتأهيل بالنسبة لأي ضرر وقع أو ممتلكات صودرت. وفيما يتعلق بتحديد الأضرار، وبالنسبة للعقوبات الجنائية، ومن جميع الجوانب الأخرى، تطبق المحاكم الوطنية و/أو الهيئات القضائية الدولية هذه المعايير وفقاً للقانون الوطني والدولي."


وتدعو المادة 17 الدول إلى وضع الإطار القانوني والإداري الضروري لإدخال المعايير حيز النفاذ:

"ينبغي على الدول أن تضع وتعزز الإطار القانوني والإداري الضروري لضمان تنفيذ المعايير وغيرها من القوانين الوطنية والدولية ذات الصلة من جانب الشركات العابرة للحدود وغيرها من المؤسسات التجارية."


ولم تكن معايير الأمم المتحدة قائمة في الوقت الذي وقعت فيه كارثة بوبال، ولا يمكن للمرء أن يتوقع من شركة يونيون كاربايد كوربوريشن ولا يونيون كاربايد الهند المحدودة ولا الحكومة الهندية أو حكومة ولاية ماديا برادش أن تسترشد بها. بيد أن كارثة بوبال وما أعقبها يثبتان التأثير الخطير لأنشطة الشركات العابرة للحدود والحكومات المسؤولة عن تنظيمها على احترام حقوق الإنسان وحمايتها والوفاء بها. وما حدث في بوبال لا يترك مجالاً للشك في أهمية معايير الأمم المتحدة والحاجة لاعتراف الحكومات والشركات العابرة للحدود بمسؤوليات المؤسسات التجارية فيما يتعلق بحقوق الإنسان.



الفصل الثالث : مساءلة يونيون كاربايد


[الصور :

راية الحملة الدولية للعدالة في بوبال، واحدة من المنظمات العديدة التي تعمل عالمياً من أجل إنصاف ضحايا الكارثة. وتطالب المنظمة مساءلة شركة داو عن إزالة التلوث.


إعلان في العام 1962 يعلن عن وصول يونيون كاربايد إلى الهند.


متظاهرون خارج المقر الرئيسي لشركة داو في مومباي، خلال مظاهرة جرت في ديسمبر/كانون الأول 2002 لإحياء الذكرى السنوية للكارثة، والمطالبة بتنظيف بوبال. وكُتبت على الراية الأمامية الكبيرة عبارة "اضربوا داو بمكنسة : العاملات المتأثرات بالغاز في بوبال."]


تُحمِّل منظمة العفو الدولية الشركات مسؤولية أفعالها التي تؤثر على حقوق الإنسان. وفي حالة مصنع بوبال، هناك نمط من التقاعس الخطير من جانب يونيون كاربايد في السنوات التي سبقت وقوع الحادثة. فقد قررت الشركة تخزين كميات سائبة من مثيل أيزوسيانيت في بوبال، لكنها لم تزود المصنع بآليات السلامة اللازمة للتعامل مع الحوادث. وكانت يونيون كاربايد على علم بأن بعض التقانة التي نقلتها لم تثبت جدارتها،139 وانطوت على مخاطر تشغيلية وأخرى تتعلق بالسلامة، ولم تُصدِّر يونيون كاربايد كوربوريشن إلى بوبال معايير السلامة ذاتها في التصميم أو العمليات التي كانت قائمة في الولايات المتحدة الأمريكية. وبشكل خاص، تقاعست يونيون كاربايد عن وضع أية خطة أو نظام شامل للحالات الطارئة في بوبال لتحذير السكان المحليين من التسربات، رغم أنها كانت تملك مثل هذه الخطة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي فترة تعود إلى العام 1982، كانت الشركة على علم بوجود بواعث قلق رئيسية على صعيد السلامة تتعلق بمصنع بوبال. وقبل أشهر من الحادثة، جرى تحذير يونيون كاربايد من إمكانية حدوث تفاعل مشابه لذلك الذي سبب التسرب اللاحق في بوبال.

وفي ردها على المأساة، حجبت يونيون كاربايد المعلومات وحاولت تشويه سمعة الضحايا وسعت إلى نقل المسؤولية بين أذرعها المختلفة. وعندما قامت شركة داو بشراء يونيون كاربايد، حاولت كلا الشركتين تفادي المسؤولية.


[مربع]

مصنع يونيون كاربايد في بوبال

في العام 1984، كانت شركة يونيون كاربايد كوربوريشن، وهي شركة تابعة لداو كميكال ومملوكة بالكامل لها منذ العام 2001، إحدى أكبر الشركات الكيماوية متعددة الجنسية في العالم.140

وإن شركة يونيون كاربايد التي يقع مقرها في دانبري، بولاية كونيتيكت، بالولايات المتحدة الأمريكية، كانت تملك أو تدير، عبر فروعها والشركات التابعة لها والمنتسبة إليها مئات المصانع حول العالم. وصنعت هذه المصانع وعالجت مواد كيماوية وبتروكيماويات ومنتجات مرتبطة بها لإنتاج مواد كيماوية معقدة ومبيدات للآفات الزراعية ومبيدات حشرية وغيرها من المنتجات الاستهلاكية.141


وفي الهند كانت يونيون كاربايد كوربوريشن تعمل من خلال شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة. وكانت يونيون كاربايد تملك نسبة 50,9% من أسهم شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة، وبالتالي مارست سيطرة الأغلبية على أسهم التصويت فيها، الأمر الذي أعطى شركة يونيون كاربايد كوربوريشن سيطرة إدارية وتشغيلية واسعة على شركة يونيون كاربايد الهند المحدودة. وفي إطار الاستهلاك المتزايد بسرعة للهند من مبيدات الآفات الزراعية بسبب الثورة الخضراء في الهند،142اقترحت يونيون كاربايد كوربوريشن لأول مرة في العام 1966 إنشاء مرفق لإنتاج مبيد الآفات الزراعية سفين143في الهند وفيما بعد اختارت بوبال كأفضل موقع. ومنحت الحكومة الهندية وحكومة ولاية ماديا برادش إذناً إلى يونيون كاربايد كوربوريشن/يونيون كاربايد الهند المحدودة لبناء المصنع، الذي صُمم وأُنشئ تحت الإشراف الوثيق لمهندسي يونيون كاربايد كوربوريشن وموظفيها.

وفي البداية استوردت الشركتان مثيل أيزوسيانيت وألفا نافثول إلى الهند، وهما عنصران ضروريان لتصنيع سفين.144 ومُنحت الشركتان ترخيصاً لتصنيع مثيل أيزوسيانيت في بوبال العام 1976. وبين العامين 1976 و1980 وضعت يونيون كاربايد كوربوريشن تصوراً لوحدة مثيل أيزوسي?نيت وصممتها وأشرفت على إنشائها ودربت موظفي يونيون كاربايد الهند المحدودة في الهند والولايات المتحدة على العمل في جميع جوانب مصنع مثيل أيزوسيانيت. وبدأ مصنع مثيل أيزوسيانيت في بوبال عمله في العام 1980.


[انتهى المربع]


لماذا تسرب الغاز؟

العامل الفوري المسبب لتسرب الغاز الذي أحدث كارثة كان دخول كمية كبيرة من الماء وغيرها من الشوائب إلى الخزان 610 الذي كان يخزن عدة آلاف من الأرطال من مثيل أيزوسيانيت،145 وفقاً لفريق التحقيق التابع ليونيون كاربايد كوربوريشن والتحقيق الذي أجراه مجلس البحوث العملية والصناعية الذي يقع مقره في الهند، من جملة جهات أخرى.146

بيد أنه كان هناك أكثر من تفسير واحد لكيفية دخول الماء وغيره من الشوائب إلى خزان تخزين مثيل أيزوسيانيت. وتقول إحدى النظريات التي طلع بها عمال المصنع إن ذلك حدث خلال الغسيل الروتيني للأنابيب بالماء مساء 2 ديسمبر/كانون الأول خلال المناوبة الثانية للإنتاج والتي لم يعد فيها مشرف على الصيانة بسبب تخفيض عدد الموظفين.147ومع انسداد عدد من خطوط التفريغ، بدأ الماء يتجمع في النظام واندفع عبر صمام به تسرب إلى الأنبوب الرئيسي لفتحة صمام التنفيس. ثم سقط في كبل عبور أمتد بين الأنبوب الرئيسي لفتحة صمام التنفيس والأنبوب الرئيسي لفتحة المعالجة والذي تم تركيبه في مايو/أيار 1984 بإذن من مهندسي يونيون كاربايد كوربوريشن.148وظل صمام واحد لحماية الخزان 610، وهو صمام خروج النيتروجين (الأزوت)، لكن هذا كان به تسرب كما هو معروف لأن المهندسين لم يتمكنوا من تكييف ضغط الخزان في 26 نوفمبر/تشرين الثاني.149

ولم تُعطِ يونيون كاربايد كوربوريشن أي سبب محدد لدخول الماء إلى الخزان في التقرير الخاص بالتحقيق الذي أجرته في العام 1985، 150 ولم تذكر كبل العبور. وبعد حدوث التسرب بفترة، بدأت يونيون كاربايد كوربوريشن تضفي المصداقية على النظرية القائلة إنه يعود إلى عملية تخريب قام بها موظف ساخط، وكلفت المجموعة الاستشارية الدولية آرثر دي. ليتل بإعداد تقرير كتبه الدكتور أشوك كاليلكار ونُشر في العام 1988. 151

وطعن عديدون بنظرية التخريب، ومن ضمنهم عمال المصنع وشهادة مديري يونيون كاربايد كوربوريشن أنفسهم.152وعلق مهندس كيماوي مستقل قائلاً : "حتى إذا كان الدكتور كاليلكار يؤمن بنظرية التخريب التي طلع بها (أنا لا أؤمن بها)، عليه ألا يسمح باستخدامها لصرف الانتباه عن العيوب الكامنة وراء التصميم والإدارة التي خلقت الظروف المفضية إلى الكارثة".153 بيد أن نظرية التخريب نجحت فعلاً في تعقيد الإجراءات القانونية المدنية أمام المحاكم الهندية وتأخيرها أكثر.154ورفضت يونيون كاربايد كوربوريشن الإفصاح عن اسم الموظف ولم تبرز أية أدلة محددة في المحكمة تتعلق بالتخريب.


قرار تخزين مثيل أيزوسيانيت بكميات سائبة

كان مثيل أيزوسيانيت الذي تسرب ليلة 2/3 ديسمبر/كانون الأول 1984 قد صُنع في أواخر أكتوبر/تشرين الأول تقريباً من ذلك العام، ولم يكن ليُستخدم حتى حوالي منتصف ديسمبر/كانون الأول.155ويعود هذا إلى أن مصنع بوبال أنتج وقام بتخزين كميات من مثيل أيزوسيانيت أكبر بكثير مما يمكنه معالجته فوراً. وكما أشار تقرير مجلس الأبحاث العلمية والصناعية للعام 1985 فإن :

"وحدة سفين يمكن أن تعالج كميات من مثيل أيزوسيانيت في حدود ثلاثة إلى أربعة أطنان يومياً. وكان مخزون مثيل أيزوسيانيت في خزان التخزين في حدود 90 طناً، ما يوازي قرابة 30 يوم إنتاج ... وكان من غير الضروري على الإطلاق توفير مرافق لتخزين مثل هذه الكميات الضخمة من مثيل أيزوسيانيت في خزانات. وكانت الكميات المخزونة لا تتناسب أبداً مع القدرة على تحويل المزيد في وحدة معالجة مثيل أيزوسيانيت. وأدى ذلك إلى تخزين مثيل أيزوسيانيت طوال أشهر من دون تقدير المخاطر المحتملة :"

وخلال مرحلة تصميم المصنع فضلت يونيون كاربايد الهند المحدودة تخزين مثيل أيزوسيانيت بكميات صغيرة في حاويات فردية صغيرة، لأسباب تتعلق بالتوفير والسلامة. بيد أن يونيون كاربايد كوربوريشن لم توافق على ذلك وتم تركيب خزانات للتخزين السائب لمثيل أيزوسيانيت في مصنع بوبال، مشابهة لتلك الموجودة في مصنع الشركة الأم في إنستيتيوت بولاية وست فرجينيا، في الولايات المتحدة الأمريكية.156 والفرق المهم هو أن مصنع يونيون كاربايد كوربوريشن في إنستيتيوت كان يعمل على مدار الساعة، حيث كان يعالج كميات كبيرة من مثيل أيزوسيانيت لإنتاج مبيدات الآفات الزراعية أو للبيع كمادة كيماوية. وفي بوبال، كانت طاقة معالجة مثيل أيزوسيانيت بطيئة جداً لدرجة أدت إلى تخزين كميات كبيرة منه طيلة أسابيع.

وفي الشهادة التي أدلى بها أمام الكونغرس الأمريكي بعيد الحادثة، قال رونالد ويشهارت، أحد نواب رئيس شركة يونيون كاربايد إنه "بالنسبة لمعايير السلامة المعتمدة لدينا، فإننا نستوفي الأعلى بين اثنين، معيار يونيون كاربايد أو المعيار المحلي."157فإذا كان الأمر كذلك، عندئذ يجب أن يتمتع مصنعا يونيون كرابايد كوربوريشن في بوبال ووست فرجينيا بمعايير السلامة ذاتها. لكن يبدو أنه كان هناك عدد من الفروق الحاسمة في مستويات التصميم والعمليات بين مصنعي بوبال وإنستيتيوت (انظر الجدول).


إجراءات السلامة في مصنعي يونيون كاربايد كوربوريشن في الولايات المتحدة الأمريكية والهند158


إنستيتيوت، وست فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكيةبوبال ، ماديا برادش، الهند


الطاقة

إنتاج عال لمثيل أيزوسيانيت تقابله طاقة معالجة عالية. لم يكن مثيل أيزوسيانيت يُخزن لفترات طويلة.

طاقة إنتاجية عا ?ية لمثيل أيزوسيانيت، مع طاقة معالجة متدنية. كان مثيل أيزوسيانيت يُخزن بكميات كبيرة لفترات طويلة من الزمن.



أجهزة غسل الغاز الطارئة

خزان تخزين مثيل أيزوسيانيت مزود بأجهزة غسل طارئة (لإبطال مفعول أي كمية من مثيل أيزوسيانيت تتسرب) مصممة للعمل في الحالات الطارئة.

لا يوجد جهاز غسيل أكال للطوارئ لإبطال مفعول أي تسرب لمثيل أيزوسيانيت.



المراقبة بواسطة الحاسوب

مراقبة بواسطة الحاسوب للأجهزة (أدوات القياس، أجهزة الإنذار الخ) وعمليات لمساعدة المراقبة البصرية.

لا توجد مراقبة بواسطة الحاسوب للأجهزة والعمليات. تعتمد فقط على المراقبة اليدوية.



نظام التبريد

استخدمت خزانات تخزين مثيل أيزوسيانيت في الحقل نظام تبريد يسند إلى الكلوروفورم (خامد ولا يتفاعل مع مثيل أيزوسيانيت).

استخدمت خزانات مثيل أيزوسيانيت نظام تبريد استند إلى محلول ملحي (يتفاعل جداً مع مثيل أيزوسيانيت.



وحدة التبريد القوي

لم يتم قط إيقاف تشغيل وحدة التبريد اللازم للسيطرة على درجة حرارة الخزانات.

أُوقف تشغيل وحدة التبريد منذ يونيو/حزيران 1984.



ضغط النيتروجين

كان مثل أيزوسيانيت يُحفظ دائماً تحت ضغط النيتروجين.

لم تُعرض خزانات مثيل أيزوسيانيت

قط لضغط النيتروجين منذ أكتوبر/تشرين الأول 1982.



خطة الطوارئ

هناك خطة طوارئ محكمة مؤلفة من أربع مراحل للتعامل مع انبعاثات الغاز والحرائق الخ، بما فيها تنبيه للجمهور العام متصل بالشرطة المحلية وحركة المرور بواسطة الأنهار وسكة الحديد ومحطات الإذاعة المحلية. وتوجد مختلف أنظمة البث الطارئة لتنبيه الجمهور وتزويده بالمعلومات المناسبة.

لا يوجد نظام لإبلاغ السلطات أو الناس الذين يعيشون بجوار المصنع. ولا يتم تقاسم خطة طوارئ مع السكان الذين يعيشون بجوار المصنع؛ ولا يوجد نظام لنقل المعلومات المتعلقة بالحالة الطارئة إلى الجمهور باستثناء صفارة إنذار عالية الصوت.



برنامج الصيانة

يوجد برنامج صيانة لتحديد وتقييم عدد مرات استبدال الصمامات والأجهزة وأنظمة الإنذار. وتجري مراجعات أسبوعية لصمامات الأمان. ويتم تسجيل المراجعات والصيانة بشكل واسع.

لا دليل على وجود برنامج صيانة فعال للأجهزة. برنامج اختبار صمامات الأمان غير فعال بمعظمه ولا توجد سجلات صحيحة لمراجعات الأجهزة والصمامات وأجهزة الإنذار الخ.



التحليل المخبري (المعملي)

أُجري تحليل مخبري لمثيل أيزوسيانيت لاختبار الجودة والتحقق من خلوه من التلوث قبل تخزينه أو معالجته أو توزيعه.

لم يجر أي تحليل مخبري للجودة.

وجرى تخزين مثيل أيزوسيانيت لفترات طويلة بدون إجراء اختبار تلوث.



التدريب

برنامج واسع لتدريب الموظفين لضمان وجود مستوى عالٍ من التدريب والمعلومات لدى جميع الموظفين المعنيين بالإجراءات العادية وإجراءات الطوارئ.

تسلم المشغلون مهام عملهم بدون تدريب كافٍ



المعدات الواقية

توزيع واسع للمعدات المناسبة للوقاية الشخصية على الموظفين، بما في ذلك ملابس واقية وأجهزة تنفس الهواء الخ.

لا تتوافر معدات الحماية الشخصية وأجهزة تنفس الهواء بسهولة وهي غير كافية وذات نوعية رديئة.




تجاهل التحذيرات

هناك أدلة قاطعة تشير إلى أن إدارة يونيون كاربايد كوربوريشن كانت على علم بمشاكل السلامة في مصنع بوبال منذ مدة طويلة قبل ديسمبر/كانون الأول 1984. ففي مايو/أيار 1982، وبعد وقوع عدة حوادث في ذلك العام، بما فيها تسرب للغاز والإصابة بحروق، أجريت دراسة للسلامة التشغيلية لمصنع بوبال من جانب فريق من فنيي يونيون كاربايد كوربوريشن جيء بهم من الولايات المتحدة الأمريكية.159 ولاحظت الدراسة وجود العديد من الثغرات في أنظمة السلامة وسلطت الضوء على ما لا يقل عن 10 أخطار صنفتها "بالرئيسية"، ومن ضمنها :

  1. احتمال انبعاث مواد سامة في وحدة فوسجين/مثيل أيزوسيانيت وأماكن التخزين، إما بسبب تعطل المعدات أو مشاكل التشغيل أو مشاكل الصيانة؛

  2. نواقص في برامج صيانة صمامات الأمان والأجهزة؛

  3. مشاكل ناجمة عن المعدل العالي لتغيير العاملين في المصنع، وبخاصة في العمليات.

  4. وهناك أدلة تبين أن الأمور اتجهت في05?ا بعد إلى الأسوأ بدل الأحسن (انظر أدناه).

  5. في مارس/آذار 1983، بعث محام محلي اسمه شاه نواز خان برسالة إلى المدير العام لمصنع بوبال يهدده فيها برفع دعوى قانونية بسبب تخزين مواد خطرة تعرض السكان لمخاطر جسيمة وإلقاء النفايات السامة التي لوثت المياه والتربة وألحقت ضرراً بصحة السكان.160

  6. في يونيو/حزيران 1984، كتب صحفي مقيم في بوبال اسمه راج كومار كيسواني، مقالاً في جريدة جانساتا، إحدى الصحف الرائدة الصادرة باللغة الهندية في الهند، بعنوان "بوبال : على شفير الكارثة"، سلط فيه الضوء على المخاطر التي ينطوي عليها مصنع بوبال.161

  7. في أغسطس/آب 1984، كتب الأمين العام لنقابة عمال يونيون كاربايد، وهي نقابة لعمال مصنع بوبال، رسالة إلى مدير الأعمال في مصنع بوبال أثار فيها بواعث قلق حول تلوث الهواء والتلوث الناجم عن الضجيج وتعرض العمال لمواد خطرة.162 وتلاحظ الرسالة أننا "اشتكينا مرات عديدة جداً من ازدياد تلوث الهواء والضجيج في مختلف أقسام مصنعنا، لكننا أُصبنا بخيبة أمل من أنه ... يزداد يوماً بعد يوم بطريقة خرجت عن السيطرة."

وفي سبتمبر/أيلول 1984، حذرت دراسة للسلامة التشغيلية/الصحة في وحدة مثيل أيزوسيانيت 2 في مصنع إنستيتيوت التابع ليونين كاربايد كوربوريشن من أن : "هناك قلقاً إزاء إمكانية حدوث تفاعل جامح في أحد خزانات التخزين في وحدة مثيل أيزوسيانيت وأن مواجهة هذا الموقف لن تتم في الوقت المناسب ولن تكون فعالة بما فيه الكفاية لمنع وقوع عطل كارثي في الخزان."163وحدد التقرير فترة التخزين الطويلة نسبياً لمثيل أيزوسيانيت، مقرونةً بإمكانية تلوثه من : أ) المبرد (المحلول الملحي)؛ و/أو (ب) الماء الناجم عن تسرب؛ و/أو ج) الشوائب/المواد التحفيزية المرتدة من نظام شعلة إحراق الغاز والتي يمكن أن تُعجل بحدوث تفاعل جامح.164وهذه كانت بعض العوامل التي حددها تحقيق مجلس الأبحاث العلمية والصناعية كأسباب محتملة للتفاعل الجامح والقصور (العطل) الكارثي الذي حدث في الخزان فيما بعد في مصنع بوبال.165وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، ليست هناك أية أدلة تبين أنه تم إطلاع يونيون كاربايد الهند المحدودة على هذا التقرير أو اتخاذ أية تدابير وقائية مناسبة في مصنع بوبال.


خفض التكاليف، زيادة المخاطر

بين بداية العام 1983 ووقت حدوث الكارثة، تم تنفيذ سلسلة من تدابير خفض التكاليف. إذ تم ترميم المعدات المتضررة أو المعطلة على عجل عوضاً عن إصلاحها، أو تم استبدالها بمواد دون المستوى المطلوب. وكما يتذكر موظف السلامة السابق : "بدأنا نستخدم أجزاء من المعدات كان من الأفضل التخلص منها – مثلاً صناديق الأنابيب وأجزاء متفرقة منها. وكنا نلحمها بعضها ببعض ونستخدمها."166

وأدت هذه الإجراءات إلى تراجع أكبر في نوعية عمال المصنع وعددهم، الذين قال بضعهم إنهم كانوا قد تأثروا أصلاً تأثراً شديداً برداءة الأمن الوظيفي وعدم وجود سياسة للترقية وسوء سياسة الأجور.167وبحلول العام 1983، كان يعمل في وحدة مثيل أيزوسيانيت ستة مشغلين فقط مقارنة بـ 13 في العام 1980، بينما خُفض عدد عمال الصيانة إلى اثنين فقط.168وبات نقل العمال من مناصبهم المنتظمة إلى أي مكان به نقص من الممارسات الراسخة في المصنع. وتدنت نوعية التدريب ومدته. ورغم التحذيرات الواردة في دراسة السلامة التشغيلية للعام 1982 (انظر أعلاه)، نُقل المشغلون وغيرهم من الموظفين بين الوحدات وطُلب منهم تولي المسؤولية رغم عدم تقديم تدريب كافٍ لهم. وأدى معدل التغيير الشديد للموظفين إلى ترك المتدربين يتعاملون مع جزء كبير من العمليات.169


قضايا الشركة

العلاقة بين يونيون كاربايد كوربوريشن ويونيون كاربايد الهند المحدودة

زعمت يونيون كاربايد كوربوريشن بثبات أنها لا يمكن أن تتحمل مسؤولية التسرب الذي حدث في بوبال، لأنها لم تمارس السيطرة على يونيون كاربايد الهند المحدودة التي كانت تشغل مصنع بوبال.170

ورغم أن يونيون كاربايد كوربوريشن نفت أية مسؤولية في المحاكم الأمريكية والهندية على أساس أن يونيون كاربايد الهند المحدودة كانت تتمتع باستقلال ذاتي كامل ولم تخضع لسيطرتها، لم تصدر أية محكمة حكماً مبرماً حول مسؤولية يونيون كاربايد كوربوريشن. وفي رفض النظر في القضية في المحاكم الأمريكية على أساس أن تمثل يونيون كاربايد كوربوريشن أمام المحاكم الهندية، صرحت محكمة المقاطعة الجنوبية في نيويورك بالولايات المتحدة أنها ترفض صراحة إصدار نتائج حول التبعة الفعلية في هذه المرحلة من التقاضي."171

وتبين المحكمة العليا في ماريا برادش التي قضت بأن يونيون كاربايد كوربوريشن تتحمل تبعة دفع إغاثة مؤقتة أن "المتهم- يونيون كاربايد كوربوريشن كانت تتمتع بالسيطرة الحقيقية على المشروع الذي كان "ينفذ عمليات صناعية تنطوي على مخاطر جمة وتتسم بالخطورة بطبيعتها في مصنع بوبال، وبالتالي تتحمل مسؤولية مطلقة (بدون أية استثناءات) عن دفع تعويضات إلى العدد الهائل من ضحايا الغاز."172


السيطرة على ملكية الشركة

رغم أن يونيون كاربايد كوربوريشن حاولت إعفاء نفسها من أية مسؤولية عن إدارة يونيون كاربايد الهند المحدودة، فإن هذا يتعارض مع النظام الأساسي لشركة يونيون كاربايد كوربوريشن الذي ينص على أن : "نظام إدارة يونيون كاربايد كوربوريشن سيصمم على نحو يحقق تخطيطاً وتوجيهاً وسيطرة استراتيجية مركزية متكاملة على الشركة، وتنفيذ تخطيطي وتشغيلي استراتيجي لامركزي للأعمال التجارية."

ويحدد كتيب سياسة شركة يونيون كاربايد كوربوريشن هذا الأمر حتى بصورة أكثر صراحة : "باستثناء بعض الأوضاع الخاصة، تتمثل السياسة العامة للشركة في ضمان السيطرة الإدارية الفعالة على الشركة التابعة والاحتفاظ بها. وعادة يتم تحقيق ذلك من خلال ملكية أسهم الشركة التابعة مائة بالمائة حيث يتماشى ذلك مع القوانين والسياسات والأعراف المتبعة في الدولة المضيفة..."173

وفي 2 ديسمبر/كانون الأول 1973، قُدم الاقتراح الخاص بيونيون كاربايد الهند المحدودة المتعلق بإنشاء مشروع للمواد الكيماوية يرتكز على مثيل أيزوسيانيت مصحوباً بميزانية رأسمالية وخطة تمويل إلى لجنة إدارة يونيون كاربايد كوربوريشن لاعتماده من جانب يونيون كاربايد إيسترن إنك، وهي شركة تابعة ليونيون كاربايد كوربوريشن ومملوكة لها بالكامل.174وتكشف خطة التمويل، التي تشير إلى مفاوضات مع الحكومة الهندية حول مقدار الحصة الأجنبية، تكشف بوضوح أن يونيون كاربايد كوربوريشن لم تكن لديها قط نية لتخفيض حصتها إلى أي حد يقل عما يمنحها حصة مسيطرة على يونيون كاربايد الهند المحدودة :


"يتوقف هذا الاقتراح على نجاح هذه المفاوضات. ونتوقع تماماً أن نحرز النجاح في هذه المفاوضات. وإذا أُجبرنا على قبول ملكية نقل عن 53,5% ، سنُقدم اقتراحاً جديداً إلى لجنة الإدارة. وهدفنا المحدد هو عدم القبول بأي شروط يمكن أن تخفض حصتنا إلى ما دون 51%".175


السيطرة على مجلس الإدارة

كانت يونيون كاربايد الهند المحدودة تابعة ليونيون كاربايد إيسترن، وهي شركة تابعة مملوكة بالكامل ليونيون كاربايد كوربوريشن ويقع مقرها في هونغ كونغ، لكنها مؤسسة في ولاية ديلاوير بالولايات المتحدة الأمريكية. وتتبع يونيون كاربايد إيسترن بدورها يونيون كاربايد كوربوريشن، في دانبري بولاية كونيتيكت، الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت الأقسام الأخرى في يونيون كاربايد الهند المحدودة تتبع إدارة مجموعة المنتجات في يونيون كاربايد كوربوريشن، وكان معمل بوبال يرفع تقاريره عبر شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية، وهي شركة تابعة مملوكة بالكامل يقع مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية.176

كما أن رئيس مجلس إدارة يونيون كاربايد الهند المحدودة وثلاثة من أعضاء مجلس إدارتها هم أعضاء في مجلس إدارة يونيون كاربايد كوربوريشن، الأمر الذي يعزز التأكيدات بأن قرارات إدارة يونيون كاربايد الهند المحدودة كانت تتأثر تأثراً شديداً بيونيون كاربايد كوربوريشن إن لم تكن تخضع لسيطرتها.


التصميم والسيطرة الفنية والتشغيلية

تلاحظ المذكرة الموجهة إلى لجنة إدارة يونيون كاربايد كوربوريشن والتي تطلب اعتماد اقتراح الميزانية الرأسمالية وخطة التمويل المتعلقتين بإقامة مصنع يستند إلى مثيل أيزوسيانيت ويقع مقره في بوبال أنه :


"بالقدر الممكن ستقدم يونيون كاربايد كوربوريشن التقانة الضرورية وتصميم العمليات وستراجع أية تقانة يتم تطويرها خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وإضافة إلى تحمل المسؤولية عن هذه الأنشطة، وافقت يونيون كاربايد كوربوريشن أيضاً على تقديم الدعم لبدء التشغيل والتدريب الوارد في هذا الاقتراح.


"يتمتع هذا المشروع بدعم لجنة السياسة الزراعية العالمية ليونيون كاربايد كوربوريشن وشعبة المواد الكيماوية الزراعية الأمريكية، ويحظى بموافقة يونيون كاربايد إيسترن. وقامت بمراجعته الأقسام القانونية والمالية والشؤون البيئية.


"ونطلب بهذا أن تعكفوا على دراسة هذا الاقتراح."177

وتشير المذكرة بوضوح إلى أنه منذ البداية، من المقرر أن يعتمد المشروع على يونيون كاربايد كوربوريشن للحصول على الدعم الفني والتصميمي، وأن يونيون كاربايد كوربوريشن ستقوم بمراجعة أية تقانة يتم تطويرها في الخارج من جانب يونيون كاربايد الهند المحدودة.


وقد دخلت وحدة مثيل أيزوسيانيت في بوبال مرحلة التشغيل في مطلع العام 1980. وعُين وارن وومر، الذي شغل منصب مدير المشاريع الخاصة داخل شعبة المنتجات الزراعية في إنستيتيوت بوست فرجينيا بموجب عقد مدته سنتان ابتداء من العام 1980 كمدير للأعمال في وحدة مثيل أيزوسيانيت في بوبال.178وصرَّح في إفادته أنه كان يُزوَّد بجميع سجلات مصنع إنستيتيوت التي يمكن أن تعطي أجوبة عن أسئلة تتعلق بمصنع مثيل أيزوسيانيت في بوبال. وإذا ثبت أن السجلات الواردة من إنستيتيوت كانت غير كافية في أي ظرف، عندئذ كان يتصل بنظيره في إنستيتيوت مباشرة بواسطة التلكس.179

وأكد موظفون سابقون آخرون في يونيون كاربايد الهند المحدودة مدى السيطرة التشغيلية التي كانت تمارسها يونيون كاربايد كوربوريشن على يونيون كاربايد الهند المحدودة. وصرح أحدهم : "على حد علمي شخصياً، كان كل تعديل في التصميم وكل تغيير ملموس في إجراء تشغيلي في يونيون كاربايد الهند المحدودة يتم التصديق عليه واعتماده من جانب موظفي يونيون كاربايد في الولايات المتحدة، وتحديداً أولئك الموجودون في تشارلستون بوست فرجينيا وإنستيتيوت في وست فرجينيا ... وعلى عكس مصنع سفين، كانت معظم معدات وأجهزة مصنع مثيل أيزوسيانيت تُستورد من الولايات المتحدة. وحصل كبار العاملين في المصنع على تدريب في مصنع إنستيتيوت بوست فرجينيا."180

وقال موظف سابق آخر إن "أي تغيير في التصميم يجري في الهند كان يجب أن يعتمد في الولايات المتحدة. وأي تغيير في مواد صنع مختلف المعدات كان ينبغي أن يُعتمد، لأنهم كما ترى، يملكون الخبرة في التعامل مع مثيل أيزوسيانيت – بينما نحن لا نملكها. وكنا نعتمد عليهم في تزويدنا بالتوصيات."181

ولاحظ تقرير نشرته نيويورك تايمز في العام 1986 استناداً إلى وثائق المحكمة أنه : "بعد حادثة وقعت في العام 1981 في بوبال وأودت بحياة أحد العمال، جاء في تلكس أن التحسينات ’ستحظى باهتمام شديد من لجنة الإدارة في نيويورك". وجاء في مذكرة أخرى أنه : "لم تحدث أية تغييرات في التصميم بدون موافقة قسم الهندسة العامة أو قسم الهندسة في مصنع إنستيتيوت،" مشيراً إلى مهندسي شركة يونيون كاربايد في إنستيتيوت، وست فرجينيا.182

وفي منتصف العام 1982، قدمت يونيون كاربايد الهند المحدودة

u1591?لباً لتجديد اتفاقية التعاون الأجنبي مع يونيون كاربايد لتصنيع مبيدات للآفات الزراعية تستند إلى مثيل أيزوسيانيت. ويبين الطلب العلاقة المتبادلة بين يونيون كاربايد الهند المحدودة وشركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية (وهي شركة تابعة ومملوكة بالكامل ليونيون كاربايد كوربوريشن يقع مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية) واعتماد يونيون كاربايد الهند المحدودة على يونيون كاربايد كوربوريشن في مجالات تقنية وتشغيلية مهمة.


"يُعرف بأن تصنيع مثيل أيزوسيانيت ينطوي على بعض العمليات الخطرة للغاية مع تعقيد في مجالات الفعالية وتوازن المواد والتآكل والسلامة. ونظراً لذلك، علينا العمل عن كثب مع الخبراء الأجانب لاستيعاب المدخلات (الإسهامات) التقنية. ونحتاج إلى مساعدة متواصلة من شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية...


"ونتيجة للخبرة التي تتمتع بها شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية في مناولة المواد الكيماوية السامة على مدى عدة سنوات، يمكن لها أن تطور إجراءات ومرافق فعالة بشأن سلامة المصنع. وستظل المعرفة والخبرات الراهنة في مناولة المواد شديدة السمية تتوافر بصورة متواصلة ليونيون كاربايد الهند المحدودة. وينطوي التعامل مع أوضاع طارئة مثل تسرب غاز سام، مصحوباً أحياناً بحريق يعرض سلامة السكان للخطر، ينطوي على أنشطة مهنية جداً. وسيساعد استمرار توافر المعطيات في هذا المجال يونيون كاربايد الهند المحدودة على توفير حماية كاملة لعمال المصنع وممتلكاته...


"ويجمع علماء شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية معطيات... هائلة حول مختلف المنتجات من أجل تسجيلها ومن أجل التصنيع التجاري للتقانة والمعادلات، يجمعون معطيات حول المنتجات والغازات الثانوية السامة التي تنبعث خلال عملية التصنيع، إضافة إلى أنواع الترياق واحتياطات السلامة التي يجب اتخاذها خلال التصنيع من جانب الموظفين والعمال."183

كما يسوق الطلب الحجج المؤيدة للتعاون مستشهداً بالدعم المتواصل الذي تقدمه شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية فيما يتعلق بدراسات التآكل وجدارة المعدات بالثقة وفي تقديم يد العون إلى يونيون كاربايد الهند المحدودة بشأن المصاعب التشغيلية. وقبلت الحكومة الهندية هذا الطلب وكانت اتفاقية التعاون الأجنبي سارية المفعول في وقت حدوث المأساة في ديسمبر/كانون الأول 1984.


سحب الاستثمار من مصنع بوبال

لم يحقق مصنع بوبال أرباحاً على الإطلاق. ففي العام 1981، شكلت شركة يونيون كاربايد للمنتجات الزراعية "فريق عمل خاص ببوبال" لاستكشاف طرق لجعله مربحاً.184وبحلول الوقت الذي حدثت فيه الكارثة. كانت يونيون كاربايد كوربوريشن تدرس إمكانيات عرض المصنع للبيع في السوق. واقترحت خطة قُدِّمت في فبراير/شباط 1984، من جانب رئيس شركة يونيون كاربايد إيسترن لبيع مرفق بوبال أو تأخيره، بأن تحتفظ يونيون كاربايد الهند المحدودة بوحدة مثيل أيزوسيانيت لإنتاج المادة المذكورة للتصدير، لكن مع بيع أو تأجير سائر أجزاء المصنع.185وأخيراً، أُمرت يونيون كاربايد الهند المحدودة بإعداد دراسة جدوى لبيع المصنع بكامله، ثم إنجازها قبل ثلاثة أيام فقط من وقوع الكارثة.186وفي إطار هذه الدراسة، بعث المهندس في يونيون كاربايد الهند المحدودة أومش ناندا بتلكس في نوفمبر/تشرين الثاني 1984 يحذر فيه الإدارة من أن تفكيك وحدة مثيل أيزوسيانيت وشحنها سيخلق مشكلة "بسبب التآكل الشديد في عدة نقاط" تحتاج إلى إصلاحات بتكلفة مرتفعة.187


المواجهة عقب الكارثة

تمثل رد يونيون كاربايد على الكارثة في البداية في التقليل من الطبيعة السامة لمثيل أيزوسيانيت بالزعم أنه غير مؤذٍ. ثم حجبت معلومات حيوية حول مدى سميته فضلاً عن هوية منتجات التفاعل التي انبعثت في الهواء. وفيما بعد، سعت يونيون كاربايد كوربوريشن إلى المماطلة والتسويف في الإجراءات القانونية بإثارة قضايا قانونية معقدة، زاعمة أن يونيون كاربايد كوربوريشن لم تكن شركة متعددة الجنسية ونافية الطبيعة الخطرة لمثيل أيزوسيانيت. ورفضت دفع الإغاثة المؤقتة للضحايا الذين حاولت تشويه سمعتهم. كذلك رفضت المثول أمام المحكمة في قضية جنائية، وفي نهاية الأمر سعت من خلال اندماجها مع شركة داو كميكالز إلى محو جميع آثار المساءلة.


التحقيق في التسرب

قد يوحي الرد الأولي ليونيون كاربايد كوربوريشن على الكارثة إحساسها بالمسؤولية عن الحادثة. فبعد حدوث التسرب، أرسلت فريقاً من الاختصاصيين الهندسيين والعلميين إلى الهند للمساعدة على التخلص الآمن مما تبقى من مثيل أيزوسيانيت والتحقيق في السبب المحتمل للكارثة. وأمضى الفريق 24 يوماً في ديسمبر/كانون الأول 1984 في الهند وما لا يقل عن الشهرين في الولايات المتحدة الأمريكية في جمع وتجهيز مجموعة واسعة من المعلومات التي تشمل الأبعاد التشغيلية والفيزيائية والكيماوية للتسرب.188وصدر تقرير الفريق في 20 مارس/آذار 1985 في دانبري بالولايات المتحدة الأمريكية، المركز الرئيسي ليونيون كاربايد كوربوريشن.


حجب المعلومات

بينما كان الآلاف يموتون في بوبال نتيجة التعرض للغازات، أنكر مسؤولو يونيون كاربايد كوربوريشن/يونيون كاربايد الهند المحدودة أن مثيل أيزوسيانيت سام. وقال جاكسون براونينغ، مدير شؤون الصحة والسلامة والبيئة في يونيون كاربايد كوربوريشن في حينه إن ما تسرب "لم يكن أكثر من غاز قوي مسيل للدموع."189بيد أن أدبيات يونيون كاربايد كوربوريشن نفسها والتي تعود إلى فترة تسبق حدوث التسرب في بوبال بمدة طويلة، تكشف بأن يونيون كاربايد كوربوريشن كانت تعرف بأن مثيل أيزوسيانيت يمكن أن يكون مميتاً. فصفحة سلامة المواد الخاصة بمثيل أيزوسيانيت تلاحظ بوضوح أن التعرض "قد يسبب أوديما رئوية قاتلة (انتفاخ الرئتين بسبب تراكم المائع)190. وي6?ص كتيب المواد الكيماوية المتفاعلة والخطرة لدى يونيون كاربايد كوربوريشن على أنه : "نظراً للتصنيفات العالية للتنفس والاحتكاك بالعينين، أُعطي مثيل أيزوسيانيت التصنيف الصحي الأقصى البالغ 4 في نظام إشارات الخطر لدى يونيون كاربايد كوربوريشن."

وفي مارس/آذار 1985، خلص التحقيق الذي أجرته يونيون كاربايد كوربوريشن نفسها إلى أن "ما يقرب من 54,000 رطل (24,500 كيلوغرام) من مثيل أيزوسيانيت غير المتفاعل غادر الخزان 610 مع حوالي 26,000 رطل (11,800 كيلوغرام) من المنتجات المتفاعلة".191 ومع ذلك فحتى هذا اليوم، لم تعطِ يونيون كاربايد اسم أي من المواد الكيماوية ومنتجات التفاعل التي تسربت مع مثيل أيزوسيانيت.

وبعد خمس سنوات من حدوث التسرب، لاحظت مجلة رائدة في الصناعات الكيماوية أن "اختصاصيي علم السموم في يونيون كاربايد ربما يملكون أفضل المعلومات المتوافرة حول مدى سمية مثيل أيزوسيانيت، لكنهم يعاملونها كسر من أسرار المهنة."192ومن خلال حجب تفاصيل منتجات التفاعل، حرمت يونيون كاربايد كوربوريشن وتواصل حرمان أولئك الذين تأثروا بالتسرب من المعلومات الحاسمة اللازمة للعلاج والأبحاث الفعالة.

ويتعارض هذا السلوك تعارضاً صارخاً مع رد يونيون كاربايد كوربوريشن على تسرب الغاز الذي حدث في مصنعها في إنستيتيوت بوست فرجينيا، بالولايات المتحدة الأمريكية في أغسطس/آب 1985. وفي أعقاب التسرب، أصدرت يونيون كاربايد كوربوريشن قائمة تفصيلية بمنتجات التفاعل بحسب الاسم والكميات المنبعثة، في مقادير تتراوح بين 650 رطلاً وأخرى لا تتعدى السبعة أرطال.193


تشويه سمعة الضحايا

رغم مزاعم يونيون كاربايد كوربوريشن بتحمل "مسؤولية أخلاقية" عن ضحايا بوبال، وعروض المساعدة المعلنة، استخفت الشركة بالناجين أمام المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية والهند.

وفي معرض الحث على رفض القضية في الولايات المتحدة الأمريكية، ساقت يونيون كاربايد كوربوريشن الحجج أمام محكمة المقاطعة الأمريكية قائلة " في الواقع إن الاستحالة العملية على المحاكم الأمريكية وهيئات المحلفين الأمريكيين، المتشربة للقيم الثقافية ومستويات المعيشة والتوقعات الأمريكية، لتحديد مستويات معيشة أشخاص يعيشون في أكواخ أو "معسكرات مؤلفة من بيوت خشبية" تحيط بشركة يونيون كاربايد الهند المحدودة في بوبال، بالهند، تؤكد بحد ذاتها أن الحاكم الهندية هي بشكل قاطع المحاكم الأنسب. فهذا الفقر المدقع والقيم والمستويات والتوقعات التي تختلف اختلافاً شاسعاً والمصاحبة لها هي من الأمور الشائعة العادية في الهند والعالم الثالث. وتستعصي على فهم الأمريكيين الذين يعيشون في الولايات المتحدة."194

وفي الهند، ساق محامو يونيون كاربايد كوربوريشن الحجج أمام قاضي بوبال قائلين إن "المدعين أميون ولا يفهمون مضمون الإفادات المشفوعة بالقسم التي مهروها ببصمات إبهامهم. لذا ... يجب رفض طلبات المشتكين."195

وأمضى الفريق القانوني ليونيون كاربايد كوربوريشن جزءاً كبيراً من وقته في المحكمة متعمداً زيادة تعقيد القضية196وصارفاً الانتباه عن محنة الضحايا. واستهل الفريق دفاعه بحجج في يوليو/تموز 1985 تقول إن المحاكم الأمريكية غير مناسبة للبت في القضية وأن المحاكم الهندية تمثل مكاناً كافياً ومناسباً على السواء. ودفع المستشار القانوني ليونيون كاربايد كوربوريشن دفاعاً عن حجته بأن : "النظام القانوني الهندي لا يستند إلى مبادئ سليمة وراسخة في القانون الإنجلو - ساكسوني وحسب، بل إن المحاكم في الهند قد طورت الفقه القانوني الهندي ورفعته إلى مستويات موازية إن لم تكن متفوقة على أية ديمقراطية أخرى في العالم."197 وفي الواقع، قدمت يونيون كاربايد كوربوريشن حججاً مطولة لإثبات اختصاص المحاكم الهندية وإبداعها وقدرتها.198

ورغم أن محكمة المقاطعة الأمريكية وافقت على الطلب شريطة أن تقبل يونيون كاربايد كوربوريشن بالولاية القضائية للمحاكم الهندية، فقد قدمت يونيون كاربايد كوربوريشن استئنافاً ضد هذا الشرط. وفي تراجع تام، زعمت الشركة بعد ذلك في محكمة الاستئناف أن : "المحاكم الهندية، رغم أنها تشكل محفلاً كافياً إلا أنها لا تراعي معايير الإجراءات القانونية المتبعة اللازمة باعتبارها أمراً مفروغاً منه في هذه البلاد."199


يونيون كاربايد كوربوريشن : مشروع أمريكي محلي

زعمت يونيون كاربايد كوربوريشن في المحاكم أنها شركة تتخذ من الولايات المتحدة مقراً حصرياً لها. وذكرت أنها "تنفي أن لها ’عمليات‘ في الهند كما زُعم، أو في أي مكان آخر خارج الولايات المتحدة الأمريكية كما زعم."200


وفي تناقض صارخ مع ما تقدم أشار التقرير السنوي ليونيون كاربايد كوربوريشن للعام 1984، إلى أن "أعمال يونيون كاربايد كوربوريشن في العالم تجري بصورة أساسية من خلال الفروع والشركات التابعة والمنتسبة المدرجة أدناه."201ومن بين تلك الشركات المدرجة يونيون كاربايد الهند المحدودة التي أُدرجت أيضاً في الميزانية العمومية الموحدة عن العام نفسه : قال وارن أندرسن الرئيس التنفيذي ليونيون كاربايد كوربوريشن أمام جلسة عقدتها لجنة فرعية تابعة للكونغرس في 14 ديسمبر/كانون الأول 1984 أن لدى يونيون كاربايد 100,000 موظف حول العالم.202وزعم حاكسون براونينغ، وهو من كبار المديرين التنفيذيين في الشركة أنه : "في العام 1984، أعلنت يونيون كاربايد أن مبيعاتها بلغت 9,5 مليار دولار، مما يعكس وضعها كإحدى أكبر الشركات الصناعية في الولايات المتحدة والعالم. ومثلت العمليات الدولية قرابة 30% من إجمالي المبيعات في تلك السنة. وكانت الهند واحدة من ثلاث دستات (دزينات) من الدول التي يوجد فيها للشركة شركات تابعة ومصالح تجارية".203


مثيل أيزوسيانيت ليس خطراً للغاية

تتناقض المعلومات التي قدمتها يونيون كاربايد كوربوريشن إلى المحكمة الهندية مع المعلومات التي قدمها مدير شؤون الصحة والسلامة والبيئة في الشركة. ففي البيان الذي قدمته محكمة مقاطعة بوبال، اعترفت يونيون كاربايد كوربوريشن بأنه "في ظروف معينة(التشديد مضاف)، يكون مثيل أيزوسيانيت ساماً، قابلاً للاشتعال وخطراً"، لكنها مضت قائلة إن "المتهم ينفي أن مثيل أيزوسيانيت ’خطر إلى أقصى الحدود‘".204

في 14 ديسمبر/كانون الأول 1984 قال جاكسون براونينغ، مدير شؤون الصحة والسلامة والبيئة في يونيون كاربايد كوربوريشن في جلسة عقدها الكونغرس إن : "مثيل أيزوسيانيت مادة كيماوية خطرة للغاية. وهي تفاعلية وسامة وسريعة التطاير وقابلة للاشتعال".205 كما تكرر صفحة معطيات سلامة المواد لدى يونيون كاربايد كوربوريشن الخاصة بمثيل أيزوسيانيت وكتيب المواد الكيماوية الخطرة والتفاعلية، الطبيعة السامة للغاية وسريعة التطاير والتفاعلية لمثيل أيزوسيانيت، لكنها تتجاوز ذلك للإشارة إلى أن التعرض لمثيل أيزوسيانيت قد يسبب إصابات دائمة كبيرة، رغم المعالجة الفورية. وهكذا، بينما كان الجسم الطبي يسعى جاهداً لفهم مدى سمية مثيل أيزوسيانيت، كانت يونيون كاربايد كوربوريشن تقدم حججاً إلى المحكمة يُقصد بها التمييز بين المواد "الخطرة" والخطرة للغاية و"الخطرة إلى أقصى الحدود".


عرقلة حق الضحايا في العدالة والإغاثة المؤقتة

في إبريل/نيسان 1987، قدمت محكمة مقاطعة بوبال مقترحات إلى كل من يونيون كاربايد كوربوريشن والحكومة الهندية تتعلق بدفع إغاثة مؤقتة لضحايا المأساة. وفي 17 ديسمبر/كانون الأول وجهت المحكمة يونيون كاربايد كوربوريشن إيداع 350 كرور روبية (1 كرور = 10 ملايين) لدفع "تعويض مؤقت ملموس واتخاذ تدابير اجتماعية لمساعدة ضحايا الغاز".206وأوضحت المحكمة أن أمر الإغاثة المؤقتة لا يمس بأي شكل مسألة تبعة يونيون كاربايد كوربوريشن أو الحكومة ا لهندية أو حكومة ماديا برادش.

وقدمت يونيون كاربايد كوربوريشن استئنافاً إلى المحكمة العليا، واصفة أمر محكمة المقاطعة بشأن الإغاثة المؤقتة بأنه "’تعسفي وقاسٍ ويحملها أعباء ثقيلة‘، و ’منحرف كلياً‘ و ’يظهر تحيزاً تاماً‘." وزعم محامو يونيون كاربايد أن الأمر لا أساس له في القانون. وهو عقابي بطبيعته وأن القاضي أُجبر على إصداره استجابة لضغط الجمهور.207

وفي 4 إبريل/نيسان 1988، أعادت المحكمة العليا في ماديا برادش ذكر القانون الذي يجيز للمحكمة منح "مبلغ معقول كتعويض مؤقت" وخفضت المبلغ المطلوب إيداعه من جانب يونيون كاربايد كوربوريشن من 350 كرور روبية إلى 250 كرور روبية.208واحتجت يونيون كاربايد كوربوريشن فوراً على هذا القرار.

وفي التماس طويل وتفصيلي قدمته إلى المحكمة العليا الهندية، طعنت يونيون كاربايد كوربوريشن في أوامر المحكمة العليا، زاعمة أن القرار اتُخذ فعلياً "بدون دليل أو أساس أو سابقة."209وأثار التماس يونيون كاربايد كوربوريشن لدى المحكمة العليا أسئلة عديدة تتعلق بالإجراءات والسلطات القضائية الهندية،210 مما زاد من تعقيد القضية إلى مستوى استبعد أية إمكانية بإيجاد حل قضائي سريع.

وبحلول هذا الوقت كانت قد مضت أربع سنوات على وقوع الكارثة ولم يتلق الضحايا وعائلاتهم أي شيء فعلياً. ثم في فبراير/شباط 1989، أعلنت المحكمة العليا فجأة التوصل إلى تسوية كاملة ونهائية بين يونيون كاربايد كوربوريشن والحكومة الهندية. ولم تتم استشارة الضحايا ولم تتم تسوية قضية التبعة.

ومنذ العام 1991، رفضت يونيون كاربايد كوربوريشن المثول أمام محكمة مقاطعة بوبال حيث لا تزال التهم الجنائية الموجهة إليها عالقة. وفي هذا انتهاك لأمر محكمة المقاطعة الأمريكية، التي صرحت بأن القضية يجب أن يُنظر فيها بالهند بشرط أن تخضع يونيون كاربايد كوربوريشن للولاية القضائية للمحاكم هناك. وبينما لم ترفض أية محكمة في الهند أو الولايات المتحدة الأمريكية الدعوى المرفوعة ضد يونيون كاربايد كوربوريشن، إلا أن أياً من هذه المحاكم لم يتمكن من حمل الشركة على المثول أمامه.


اندماج يونيون كاربايد كوربوريشن مع داو

في فبراير/شباط 2001، أصبحت يونيون كاربايد كوربوريشن شركة تابعة ومملوكة بالكامل لشركة داو كميكال (داو)، أكبر شركة كيماوية متعددة الجنسية في العالم.211ورغم أن يونيون كاربايد كوربوريشن قد واصلت عملها ككيان قانوني منفصل، إلا أن هويتها كشركة وجميع أعمالها دُمجت كلياً مع هوية وأعمال داو.

ويلاحظ موقع يونيون كاربايد على شبكة الإنترنت والذي يشكل الآن جزءاً من موقع داو بأنه : "منذ شراء يونيون كاربايد كوربوريشن من جانب ذي داو كميكال كومباني، تبيع يونيون كاربايد معظم المنتجات التي تصنعها إلى داو ... "212ويلاحظ التقرير السنوي ليونيون كاربايد كوربوريشن للعام 2003 بأن : "الأنشطة التجارية للشركة تتضمن عناصر من الأعمال العالمية لداو وليس عمليات منفصلة..."213

وإن مدى سيطرة داو على يونيون كاربايد كوربوريشن حاسم في إطار التهم الجنائية الموجهة ضد الأخيرة في محكمة مقاطعة بوبال والتي لم يُبَت فيها بعد وأية تبعات مدنية محتملة يمكن أن تنشأ في المستقبل.


تشويه الحقائق في اتفاقية الاندماج

أصدر كبير القضاة في بوبال إعلاناً في ديسمبر/كانون الأول 1991، يأمر فيه وارن أندرسون، الرئيس التنفيذي ليونيون كاربايد كوربوريشن في ذلك الحين ويونيون كاربايد إيسترن بالمثول أمام المحكمة في فبراير/شباط 1992 لمواجهة تهم بالقتل القصد (القتل المؤاخذ) الذي لا يصل إلى حد القتل العمد فيما يتعلق بتسرب الغاز. ورغم هذه الأوامر، لم يمثل أياً منهما (؟) أمام المحكمة "وأُعلنا بأنهما فاران من وجه العدالة". وما زالت الملاحقات الجنائية ضد يونيون كاربايد كوربوريشن ويونيون كاربايد إيسترن ووارن أندرسون مفتوحة وعالقة. ويظل يشار إلى جميع الأطراف الثلاثة المتهمة بعبارة "فارين من وجه العدالة" من جانب محكمة مقاط3?ة بوبال والمحكمة العليا الهندية.


وتنفي اتفاقية الاندماج الموقعة بين داو ويونيون كاربايد التبعة الجنائية ليونيون كاربايد كلياً في قضية بوبال. وفي الواقع، تنفي بأنه توجد أية مقاضاة جنائية عالقة ضد يونيون كاربايد. وتنص المادة الخامسة من اتفاقية الاندماج214على أنه : لا توجد (أ) قضايا أو دعاوى أو مطالبات أو جلسات أو تحقيقات أو إجراءات مدنية أو جنائية أو إدارية عالقة أو لا توجد على حد علم موظفيها التنفيذيين، تهديدات بإقامتها ضدها أو ضد أي من الشركات التابعة لها... باستثناء تلك التي لا يحتمل بشكل معقول أن يكون لها بصورة فردية أو جماعية تأثير سلبي جوهري عليها."


مسؤولية داو

يشير محام كبير في الولايات المتحدة يمثل ضحايا كارثة الغاز إلى أنه بموجب القانون الأمريكي، تسلمت داو جميع التبعات المدنية والجنائية المترتبة على يونيون كاربايد عند شرائها لها.215 كما أشار الممثل القانوني للضحايا في المحاكم الأمريكية لمنظمة العفو الدولية إلى أنه في العام 1987 في قضية بنك ألامو ضد الولايات المتحدة، قضت المحكمة العليا بأن بنك في الولاية، يستمر في أعماله بعد عملية دمج بينه وبين بنك وطني، يكون مسؤولاً عن الانتهاكات الجنائية السابقة للدمج التي ارتكبها البنك الوطني قبل الدمج.216 واستشهد بحالات أخرى عدة أصرت فيها المحكمة العليا الأمريكية أيضاً على أن "الأغراض الرادعة للتبعة الجنائية للشركات يمكن أن تَضعف بشكل جوهري إذا أمكن للشركة إطفاء (إبطال) تبعتها عن السلوك الجنائي عبر تغيير شكلها."217

وفي الحقيقة، تقر أيضاً اتفاقية الاندماج الموقعة بين يونيون كاربايد كوربوريشن وداو بنقل التبعة بالقدر الذي قبلت فيه الأخيرة حوالي ملياري دولار من الديون غير المسددة المستحقة على يونيون كاربايد كوربوريشن. وعلاوة على ذلك، دفعت داو قيمة مطالبات التعرض للأسبستوس المقامة ضد يونيون كاربايد والتي يعود تاريخها إلى العام 1972 في تكساس ووست فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية.


استمرار واجبات معالجة آثار التلوث

ثمة حاجة لخطوات فورية للتحقق من وجود مزيد من التلوث في المياه والتربة نتيجة استمرار وجود السموم التي ألقاها مصنع بوبال وحماية حق السكان المتضررين في الصحة وفي بيئة آمنة ونظيفة.

وقد نشأت إمكانية محاسبة يونيون كاربايد كوربوريشن عن إزالة التلوث مرة أخرى في المحاكم الأمريكية. ففي 17 مارس/آذار 2004، قضت محكمة استئناف أمريكية أن طلب "التصحيح" لاستعادة الجودة البيئية للموقع والذي قدمه المدعون من بوبال ضد يونيون كاربايد لا يمكن منعه بفعل التقادم.218وأعلنت محكمة الاستئناف بأن محكمة المقاطعة يجب أن تكون حرة في إعادة النظر في رفضها للمطالبة بتصحيح موقع المصنع في حال طلبت الحكومة الهندية أو حكومة ماديا برادش كشف الظلم هذا. وفيما بعد حثت الحكومة الهندية وحكومة ماديا برادش محكمة المقاطعة على إصدار أمر إلى يونيون كاربايد لدفع تكلفة تصحيح موقع المصنع والضرر الناجم عن التلوث.219وعند إجراء تقييم مستقل للضرر، سيظل هناك احتمال بمساءلة يونيون كاربايد/داو من جانب محكمة قضائية عن التلوث، وربما يُطلب منها دفع تكلفة التنظيف والأضرار.


الفصل الرابع : دور الحكومة الهندية

[الصور :

سكان بوبال يحتفلون بالإعلان عن الأمر الصادر عن المحكمة العليا بوجوب دفع أموال التعويض المتبقية إلى ضحايا كارثة الغاز. 19 يوليو/تموز 2002.


فردوس وغانغا وسومان وسانجي وفيروزا وشهيد وساداناند – الظاهرون في الصورة هنا مع أفراد عائلاتهم الصغار – كانوا من ضمن أطفال عديدين أصبحوا أيتاماً نتيجة كارثة بوبال.


بارفاتي بي

كيران جين]

في جميع الدول، تتحمل الدولة المسؤولية الرئيسية عن ضمان الوفاء بحقوق الإنسان. وهذا يشمل اتخاذ خطوات معقولة للتأكد من أن الإساءة إلى البيئة لا تعرض حياة السكان أو صحتهم للخطر، وعندما يحدث ذلك فعلاً، يجب ضمان تقديم تعويضات سريعة وكافية.

وكانت الحكومة الهندية وحكومة ولاية ماديا برادش على علم بأن مصنع بوبال به مواد وعمليات خطرة. وعلى سبيل المثال، فإن طلب العام 1982 لتجديد التعاون الأجنبي بين يونيون كاربايد الهند المحدودة ويونيون كاربايد كوربوريشن، يلاحظ بوضوح أن : "تصنيع مثيل أيزوسيانيت يُعرف عنه بأنه ينطوي على بعض العمليات الخطيرة للغاية التي تتسم بالتعقيد في مجالات الفعالية وتوازن المواد والتآكل والسلامة."220

وعلى حد علم منظمة العفو الدولية لا تتوافر أية معلومات تشير إلى أن الحكومة المركزية أو حكومة الولاية اتخذت أو طلبت من يونيون كاربايد الهند المحدودة/يونيون كاربايد كوربوريشن اتخاذ أية خطوات محددة لتقييم الخطر المحدق بالسكان المحليين أو بالبيئة أو لمراجعة آليات السلامة أو تعزيزها.

وبعدما بدأ تشغيل المصنع، نشأت مستوطنات ذات كثافة سكانية حوله من جميع النواحي. وفي فترة تعود إلى العام 1975، أصدر مدير إدارة التخطيط البلدي في بوبال إشعاراً بشأن المصنع طلب فيه نقله إلى مكان آخر. بيد أنه عوضاً عن ذلك، تم نقل مدير الإدارة من منصبه. وفي العام 1984، قبل بضعة أشهر من حدوث التسرب المميت، منحت حكومة الولاية سندات قانونية إلى عدد كبير من المنازل التي باتت على مسافة قريبة من محيط المصنع.221

ويتحمل مدير إدارة السلامة والصحة الصناعية في حكومة ولاية ماديا برادش المسؤولية الأساسية عن التأكد من أن مصنع بوبال اتخذ خطوات كافية لضمان السلامة المهنية والاحتياط ضد المخاطر المحتملة الناجمة عن المواد أو العمليات الخطرة. وكان مفتشو السلامة التابعون للإدارة مسؤولين عن معاينة المصنع. وقبل العام 1984، سجلت الإدارة ما لا يقل عن ستة حوادث في المصنع. وسجلت عمليات التفتيش التي أعقبت كل حادثة توصيات أو تع4?يمات، لكن الإدارة لم تتابع تنفيذ توصياتها.222

وفي أعقاب وفاة أحد العمال في حادث يتعلق بغاز الفوسجين في ديسمبر/كانون الأول 1982، أوعزت حكومة ماديا برادش بإجراء تحقيق. وسُلِّم التقرير الخاص بهذا التحقيق، والذي "أثار بعض بواعث القلق الشديدة إزاء السلامة الأساسية في المصنع،" في مارس/آذار 1984، لكن لا توجد أية أدلة على أنه أدى إلى صدور أي رد جوهري عن الحكومة."223

وفي وقت الحادثة لم يرد في قانون المصانع للعام 1948 الذي ينظم لوائح الصحة والسلامة أية نصوص محددة لتنظيم التقانة والعمليات الخطرة أو التعامل معها، ولم يكن هناك أي نوع من التشريعات حول حماية البيئة. وفضلاً عن الإطار التشريعي غير الكافي وانعدام الاستعداد المؤسسي، يبدو أن الحكومة كانت تفتقر أيضاً إلى الإرادة السياسية لفرض الانضباط على يونيون كابايد.224


التسوية

إن خطوات إنفاذ حق الأفراد الذين يقعون ضحايا لانتهاكات حقوق الإنسان في سبيل تظلم يجب أن يشمل، وفقاً للمبادئ التوجيهية التي تدرسها حالياً لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الحق في اللجوء إلى العدالة، والتعويض عن الضرر الحاصل (بما في ذلك رد الحقوق والتعويض المادي والتأهيل والرضاء وإعطاء ضمانات بعدم التكرار) والحصول على المعلومات الحقيقية المتعلقة بالانتهاكات.225

ورغم مطالب الضحايا التي يُبت فيها، ففي 14 فبراير/شباط 1989، وبينما كانت يونيون كاربايد كوربوريشن تقدم استئنافاً ضد قرار صادر عن المحكمة العليا بوجوب دفع 250 كرور روبية (حوالي 157 مليون دولاراً أمريكي على أساس سعر الصرف السائد) كإغاثة مؤقتة، أعلنت المحكمة العليا عن تسوية تحظى بتأييدها تمت بين يونيون كاربايد كوربوريشن والحكومة الهندية. وتم التفاوض على هذه التسوية من دون مشاركة الضحايا، رغم حقيقة أن طلباً قُدِّم نيابة عن الضحايا طلب صراحة من المحكمة إشراك الضحايا في أية مفاوضات تجري حول التسوية.226

وأشار أمر المحكمة العليا تحديداً إلى أن جميع الإجراءات المدنية المتعلقة بكارثة الغاز في بوبال يجب أن تُنقل إلى المحكمة العليا و"تعتبر بأنها اختُتمت من حيث تسويتها، وأن جميع الإجراءات الجنائية المتعلقة بالكارثة أو الناشئة عنها تعتبر ملغاة حيثما قد تكون عالقة."227

وفي اليوم التالي، أصدرت المحكمة العليا أمراً أشار تحديداً إلى أنه يتعين على يونيون كاربايد كوربوريشن ويونيون كاربايد الهند المحدودة دفع 470 مليون دولار كتعويض "إلى يونيون أوف إنديا بوصفه مدعياً ولمصلحة جميع ضحاياكارثة الغاز في بوبال بموجب البرنامج الخاص بكارثة تسرب الغاز في بوبال (تسجيل المطالبات وتسيير معاملاتها)، للعام 1985، وليس كغرامات أو جزاءات أو تعويضات عقابية" (التشديد مضاف)228

ومنحت التسوية حصانة مدنية وجنائية شاملة ليونيون كاربايد كوربوريشن ويونيون كاربايد الهند المحدودة، مبطلةً بذلك مسؤوليتهما القانونية.

وفي أعقاب التسوية واجهت المحكمة العليا والحكومة على السواء انتقادات علنية واسعة النطاق. وفي مايو/أيار 1989، أوضحت المحكمة العليا أنها قررت بأن واجبها "القضائي والإنساني" في تقديم إغاثة فورية للضحايا كان له الأولوية على تسوية القضايا المعقدة المتعلقة بالقانون والتبعة والتي "حتى بعد مرور أربع سنوات من التقاضي ... ما زالت قيد المناقشة."229

وفضلاً عن استبعاد الضحايا من العملية، وضعت التسوية سقفاً لمسؤولية يونيون كاربايد كوربوريشن بلغت قيمته 470 مليون دولار قبل تصنيف المطالبات وتقدير المدى الكامل للأضرار.

وبعد مضي ثلاثة أشهر على تسرب الغاز، سن البرلمان قانون (إنجاز مطالبات) كارثة تسرب الغاز في بوبال (قانون المطالبات). وأعطى القانون الحكومة "الحق الحصري" في تمثيل الضحايا والتصرف نيابة عنهم في أي تقاضٍ يجري في الهند أو في أماكن أخرى. كذلك أعد القانون نظاماً بيروقراطياً محكماً لتقديم المطالبات وتسيير معاملاتها وتصنيفها.

وحرم قانون المطالبات الضحايا من حقهم في تقديم مطالبات فردية أمام المحاكم ضد يونيون كاربايد كوربوريشن عن الأضرار أو الإصابات الشخصية الناجمة عن تسرب الغاز. وطعن الناجون في قانون المطالبات في المحكمة العليا على أساس أنه غير دستوري وأن الحكومة الهندية يحتمل أيضاً أن تكون مسؤولة أيضاً عن تسرب الغاز.230


"استند النظام برمته إلى معاملة الضحايا كمذنبين يلجئون إلى الكذب" على حد قول أحد الناشطين الذي يعمل مع ضحايا بوبال منذ حدوث التسرب تقريباً. وتذكرت حميدة بي بغضب كيف "أنك تعامل في المحكمة بدون احترام. وعند اعتماد المطالبة تعين علينا تقديم بصمات كلا الكفين ثم بصمات أصابعنا. وعاملنا القضاة والموظفون وسواهم معاملة سيئة، فحتى قطاع الطرق يُعامَلون بقدر أكبر من الاحترام في المحكمة مما عُوملنا به نحن ضحايا الغاز".

واحتج الضحايا وجماعات المجتمع المدني وسواهم ضد التسوية وطعنوا فيها عبر التماس قدموه لإعادة النظر فيها. وفي الحكم الذي أصدرته بشأن الالتماس، أيدت المحكمة العليا التسوية، لكنها أعادت العمل بالتهم الجنائية الموجهة ضد يونيون كاربايد كوربوريشن/يونيون كاربايد الهند المحدودة.231كذلك قضت المحكمة العليا أنه إذا اعتُبرت التسوية غير كافية لسد تكاليف الإصابات الشخصية والتعويض، عندئذ تعوض الحكومة الهندية عن النقص.

ويُظهر قانون المطالبات، الذي أرغم الضحايا على القبول بالحكومة محامياً عنهم، فضلاً عن التسوية التي أيدتها المحكمة العليا في العام 1989، كيف أن الإجراءات التنفيذية الرامية إلى التغلب على التعقيدات القضائية ترتب عليها ضمان الحصانة للشركة عوضاً عن مساءلتها. وأدت تعقيدات النظام القضائي إلى حرمان الضحايا من حق اللجوء إلى العدالة.


التعويض : "’معاملة الضحايا كمذنبين‘"

زعمت الحكومة أنها توصلت إلى تسوية في 05?صلحة الضحايا لأن "قضية من هذا النوع لم يكن بالإمكان إنهاؤها في أقل من 15 إلى 20 عاماً من الآن." وزعمت أن التسوية كانت كافية، وأن المفاوضات تكللت بالنجاح لأن المبلغ كان أكبر من الـ 350 مليون دولار تقريباً الذي كانت الشركة مستعدة لدفعه في البداية.232

بيد أن تسوية الـ 470 مليون دولار كانت أقل بكثير من معظم التقديرات المتعلقة بالأضرار التي صدرت في حينه. وفي قضيتها المعدلة التي رفعتها أمام محكمة مقاطعة بوبال في يناير/كانون الثاني 1998. أصرت الحكومة على أن المطالبات المتعلقة بالتسرب ستتجاوز 3 مليارات دولار.233وبعد عام، قبلت بأقل من سدس ذلك المبلغ. وزعم تدخل قُدِّم نيابة عن الضحايا إلى المحكمة العليا أن هناك حاجة إلى 1000 كرور روبية (حوالي 628 مليون دولار) كإغاثة مؤقتة فقط.234ولم تزد التسوية الكاملة على 750 كرور روبية (حوالي 470 مليون دولار أمريكي) في ذلك الحين.

كما أن تقديرات الخبراء المستقلين كانت أعلى بكثير من 470 مليون دولار. فالبروفيسور ألفرد دي غرازيا، مؤلف الكتاب الإلكتروني سحابة فوق بوبال، قدَّر في العام 1985 بأن الخسائر الاقتصادية وحدها يمكن أن تصل إلى 1,3 مليار دولار أمريكي. ويستند تقديره إلى حد كبير إلى خسارة الدخل الناجمة عن الوفاة والعجز والإصابة، وخسارة الأعمال والممتلكات والأتعاب القانونية. وهو يستبعد نفقات التأهيل والعلاج الطبي. أما تقديرات العام 1986 لآرون سابرامانيان ووارد مورهاوس، مؤلفي كتاب مأساة بوبال، فهي أكثر شمولية وتغطي النفقات المتعلقة بالخسائر الاقتصادية والأبحاث والعلاجات الطبية والتأهيل المهني والأتعاب القانونية. وقد بلغ مجموع تقديرهما ما يزيد قليلاً على 4 مليارات دولار.235

وصرحت المحكمة العليا في مايو/أيار 1989 بأن التسوية استندت إلى تقدير يبلغ 3000 قتيل و30000 حالة عجز دائم أو كلي و20,000 حالة عجز مؤقت أو جزئي و2000 إصابة خطيرة و50000 إصابة طفيفة. وإضافة إلى ذلك، أخذت المحكمة في حسابها 50000 حالة خسارة للممتلكات و50000 حالة خسارة للماشية الخ.236وهذه التقديرات التي تتعلق بما مجموعه 205 آلاف ضحية استندت إلى الأرقام التي استخدمتها المحكمة العليا في توجيه يونيون كاربايد كوربوريشن بدفع تعويض مؤقت.


وفي أفضل الأحوال لا تزيد هذه الأرقام عن كونها تقديرات. وفي وقت التوصل إلى التسوية، كان قد تم تقديم ما يفوق الـ 600000 مطالبة بالتعويض، لكن تم إنجاز أقل من 29000 منها وتأكيد الوفيات أو طبيعة الإصابة ومداها.237وبحلول الوقت الذي نطقت فيه المحكمة العليا بحكمها النهائي المتعلق بالتسوية في العام 1991، كانت الحصيلة الرسمية للقتلى قد ارتفعت من 3000 كما كان مقدراً إلى 3828.

وفي أمر أصدرته في 3 مارس/آذار 1989، أمرت المحكمة العليا بتوزيع حبوب غذائية مجانية على 582,692 ضحية متضرر من الغاز.238 بيد أنه عند حساب التسوية، استخدمت المحكمة تقديراً قوامه 105 آلاف قتيل أو جريح أو معوق و100000 حالة تتعلق بخسارة ممتلكات شخصية أو ماشية الخ.239

ويكشف التقرير السنوي للعام 2003 الصادر عن إدارة إغاثة وتأهيل ضحايا الغاز في ماديا برادش أنه بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2003، تم دفع تعويضات في 15248 حالة وفاة وما لا يقل عن 554895 حالة إصابة أو عجز – وهذا يفوق بأكثر من خمسة أضعاف أعداد الموتى والجرحى والمقعدين التي استخدمتها المحكمة العليا لاحتساب قيمة التسوية.240

وواجه الناجون مشاكل عديدة تتعلق بمقدار التعويض. وكان المبلغ المدفوع غير كافٍ، ولم تُدفع أية فائدة على الدفعات المتأخرة، وظل التعويض دون تسديد. وتضمنت المشاكل التي انطوت عليها العملية : إنكار حق الفرد في المطالبة بتعويضات؛ والفساد؛ وإرغام الضحايا على الاختيار بين التسوية أو مواجهة ا لتقاضي؛ والحرمان من آليات الاستئناف المناسبة؛ والحرمان من المعونة القانونية؛ وعمليات التأخير الطويلة والبيروقراطية الهائلة.241


[المربع]

نظام الجرائر (الإساءات الشخصية)

حاول ضحايا تسرب الغاز في بوبال في اللجوء إلى القضاء عن طريق نظام الجرائر في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والهند، لكنهم مُنوا بالفشل.242 وفي القرار الذي اتخذه القاضي الأمريكي كينان بإحالة قضية بوبال إلى المحاكم الهندية، لاحظ أنه "كان على قناعة تامة من أن النظام القانوني الهندي في وضع أفضل بكثير ... لتحديد سبب الحادثة المأساوية وبالتالي تحديد التبعة عنها"، نظراً لتوافر قدر من المعلومات أكبر مما لدى المحاكم الأمريكية، لتحديد مبلغ التعويض المناسب.243ومع ذلك لم يحدد التقاضي في الهند سبب الحادثة ولم يحدد التبعة عنها.


ومثل هذه القضايا تنطوي على عراقيل كثيرة أمام المدعين. فإلى جانب كونها بطيئة وباهظة التكلفة عموماً، فإنه في الحالات التي تتعلق بالتلوث السام، فإن عبء تحديد التبعة بناء على الأدلة غالباً ما يحبط مساعي المدعين.244 وفي حين أن قضايا الجرائر فعالة بشكل معقول في تقييم الإصابات الشخصية والأضرار التي تلحق بالممتلكات، إلا أنها أقل ملاءمة لتقييم الأضرار التي تلحق بالسلع والعمليات البيئية وتخمينها وتحديد مقدارها.245وبالنسبة للقضايا ذات البعد الدولي، تنشأ أسئلة إضافية حول المنتدى المناسب للبت في القضية والقانون المنطبق عليها. وحتى إذا قبلت محكمة في بلد غير ذلك الذي وقع فيه الضرر النظر في القضية، يمكن لقيمة التعويضات أن تكون صغيرة إذا قررت المحكمة أنه من المناسب استخدام القانون الأكثر تقييداً للدولة التي وقع فيها الضرر.246 ويثير تطبيق قانون الجرائر على الشركات متعددة الجنسية مشاكل خاصة، نظراً لتعقيد هياكلها التنظيمية والقانونية التي يمكن أن توزع على فروع وشركات تابعة وشركات منتسبة منتشرة عبر الدول.247

[انتهى المربع]


آلية التعويض

أشار الأمر الصادر عن المحكمة العليا في مايو/أيار 1989 والذي حدد التسوية إلى أنه : "لا يحق لأي مدعٍ فردي المطالبة بمبلغ تعويض معين حتى إذا تبين أن قضيته تندرج ضمن أي من الفئات العامة"248وهذا يعني أن الضحايا حُرموا من حقهم الفردي في إثبات مدى الأضرار الفردية التي لحقت بهم والمطالبة بتعويض مناسب.


وقد تم الفصل في المطالبات في محاكم المطالبات من جانب مفوضي المطالبات، ومفوضي مطالبات إضافيين، ومفوض الرفاه الاجتماعي (وهو قاض عضو في المحكمة العليا في ماديا باردش).249


وتعين على أصحاب المطالب (المدعين) المرور عبر مراحل عدة من أجل تأمين التعويض : التسجيل وإثبات الهوية (يقتضي تقديم أدلة تثبت الهوية والسكن والسجلات الطبية لإثبات آثار الغاز)