Document - USA: Slippery slopes and the politics of torture

الولايات المتحدة الأمريكية

المنـزلقات وسياسة التعذيب

إنه لمشهد مزعج أن نرى المؤسسة الرسمية الأمريكية في حيرة من أمرها إزاء التعذيب. فمن ناحية يزعم الرئيس أن بلاده تتصدر الكفاح العالمي ضد التعذيب. ومن ناحية أخرى، يسمح بتنفيذ برنامج للاعتقال السري يمكن فيه احتجاز المعتقلين بمعزل كامل عن العالم الخارجي وتعريضهم لأساليب استجواب "معززة". وفي هذه الأثناء، يسارع المسؤولون الآخرون إلى الترويج "للقيم الأمريكية"، ومع ذلك يتباطئون في الاعتراف بحدوث التعذيب عندما يوصف لهم أو في التنديد به من حيث المبدأ. ويبدو أن موقفهم الأخلاقي السامي محاط بمزالق كثيرة هذه الأيام.

ويجب أن يكون الأمر واضحاً لا لبس فيه. فالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ممنوعان بتاتاً. وليست هناك أية ظروف – أكانت حرباً أم تهديداً بالحرب أم حالة طوارئ أم تهديداً بحدوث حالة طوارئ – يمكن استخدامها لتبرير انتهاك هذا الحظر. ويحق لكل إنسان بألا يتعرض للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة – مواطناً كان أم أجنبياً، متهماً بارتكاب جريمة أم لا، ونُعت "بالعدو" أم لا. فالتعذيب خطأ، أياً يكن الدافع من ورائه وأياً تكن الجهة التي تجيزه. ويُشكل سيناريو "القنبلة الموقوتة" – وهي النظرية التي تُطرح لمحاولة تبرير التعذيب لمرة واحدة لانتـزاع معلومات حول هجوم وشيك – أداة بدائية صُنعت على عجل لاستغلال مخاوف الرأي العام. فليس هناك ما يُسمى بالتعذيب لمرة واحدة؛ فالتعذيب يتسلل بسهولة فائقة عبر المشهد الأخلاقي والقانوني. وإذا استُخدم للحصول على معلومات، وليس لمجرد إذلال الشخص أو بث الرعب في المجتمع، فلا يمكن الركون إلى هذه المعلومات، ناهيك عن استخدامها في محاكمة عادلة. والتعذيب ظلم، وليس سبيلاً إلى العدالة. ويشكل تهديداً للأمن بعيد المدى، وليس وسيلة لكسب القلوب والعقول.


والضجة الأخيرة التي أُثيرت حول التعذيب الذي تمارسه الولايات المتحدة تركزت مرة أخرى على أسلوب "محاكاة الغرق"،. وفي الجلسات الأخيرة التي عُقدت لتثبيت تعيينه في أعقاب ترشيح الرئيس بوش له لتولي منصب النائب العام للولايات المتحدة – وهو منصب أكده مجلس الشيوخ في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2007 – لم يكن مايكل موكاسي مستعداً لإعطاء جواب قاطع إلى لجنة الشؤون القضائية في مجلس الشيوخ حول ما إذا كان أسلوب محاكاة الغرق يشكل تعذيباً وغير قانوني. وقبل عامين ونصف العام أبدى المرشح لمنصب النائب العام ألبرتو غونزاليس ممانعة مشابهة في وصف محاكاة الغرق بالتعذيب.(1) ويشير هذا التكتم من جانب الرئيس المرتقب للموظفين المكلفين بإنفاذ القانون في الولايات المتحدة الأمريكية إلى وجود علة عميقة في النظام.


وفي حين أننا نرحب بالتنديد العلني من جان ببعض السياسيين بأسلوب محاكاة الغرق وغيره من الأساليب وأوضاع الاعتقال غير القانونية، إلا أن التنديد بعيد كل البعد عن الإجماع. فمثلاً عندما سُئل المرشح الرئاسي رودولف جولياني في اجتماع عُقد في أيوا حول ما إذا كانت محاكاة الغرق تشكل تعذيباً، أجاب أن ذلك يتوقف على كيفية القيام به. ويتوقف على الظروف. ويتوقف على من يفعله".(2)كذلك ورد أن مرشحين آخرين هما ميت رومني وفريد تومبسون رفضاً أيضاً إدانة محاكاة الغرق.(3)


وفي حين أنه لا يجوز السماح لهذا التركيز على أسلوب محاكاة الغرق أن يطغى على أسئلة حول أساليب الاستجواب الأخرى وأوضاع الاعتقال التي تنتهك القانون الدولي، إلا أنه في الوقت ذاته يجب ألا يخامر الشك أي مسؤول بأن محاكاة الغرق تشكل تعذيباً. وفي الواقع تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن "شبه الغرق" يشكل تعذيباً عندما يحدث في الدول الأخرى.(4)

وقد يفيدنا في هذا المجال مقال حديث بقلم محام عسكري سابق وقاض أمريكي حالي يشير إلى أن محاكاة الغرق يمكن أن تتخذ عدة أشكال :


"قد يتم تغطيس الضحية في الماء، أو إدخال الماء عنوة في الأنف والفم، أو صب الماء على قطعة قماش توضع فوق الوجه بحيث يتم استنشاق السائل أو ابتلاعه ... وتنتاب الضحية أحاسيس الغرق : المقاومة والذعر وحبس الأنفاس وابتلاع الماء وتقيؤه ودخوله إلى الرئتين، وفي النهاية، الشعور ذاته بعدم القدرة على التنفس الذي يحسه المرء عقب تلقيه لكمة في بطنه... ووفقاً لأولئك الذين درسوا آثار محاكاة الغرق، فإنه يمكن أن يتسبب بصدمة نفسية شديدة، مثل نوبات الهلع، طوال سنوات".(5)


وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، شهد مدرب سابق على النجاة في سلاح البحرية الأمريكي وأخصائي في مكافحة الإرهاب في جهاز المخابرات أمام أعضاء الكونغرس بأن محاكاة الغرق تشكل تعذيباً وأنها أداة غير فعالة لجمع المعلومات، لأن الأشخاص الذين يتعرضون لها سيقولون أي �588?يء لوقف تعذيبهم. وبما أنه تعرض هو نفسه للأسلوب كجزء من التدريب الذي تلقاه، يتذكر مالكولم دبليو نانس قائلاً :


"في حالتي، كان الأسلوب سريعاً جداً ومهنياً جداً لدرجة أنني لم أعرف ماذا كان يحدث إلى أن دخل الماء في أنفي وحنجرتي.ثم نزل إلى القصبة الهوائية وبدأ عملية التراجع في القدرة على التنفس. وقد فقدت زمام السيطرة في هذه التجربة التي تثير الرعب وغرائز الصراع المحموم من أجل البقاء. ومع تكشف الأحداث فصولاً، كنت أعي تماماً ما كان يحدث لي : لقد تعرضت للتعذيب."(6)


وفي حين أن الكتيب الميداني المنقح للجيش الأمريكي الخاص بعمليات الاستجواب الصادر في سبتمبر/أيلول 2006 يحظر صراحة على العسكريين أو غيرهم من موظفي الوكالات الأخرى في المرافق الخاضعة لسلطة البنتاغون استخدام محاكاة الغرق، إلا أنه في فترة سابقة من "الحرب على الإرهاب"، كانت وزارة الدفاع تعتبر الأسلوب "متوافر قانونياً".(7)كذلك أشارت وثيقة عسكرية إلى أن محاكاة الغرق – وتحديداً "استخدام منشفة مبللة وقطرات الماء لخلق إحساس خاطئ بالاختناق" كان واحداً من عدد من أساليب الاستجواب التي استخدمتها "وكالات حكومية أخرى"، وهو مصطلح يُستخدم عادة للإشارة إلى وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه).(8)ويبدو واضحاً من الأدلة التي تكشفت منذ ذلك الحين أن محاكاة الغرق قد استُخدمت، حتى ولو فقط ضد حفنة من المعتقلين في برنامج الاعتقال السري الذي صرَّح به الرئيس بوش ونفَّذته السي آي إيه في "الحرب على الإرهاب".


وتقر رسالة مؤرخة في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2007 موجهة من المرشح لمنصب النائب العام مايكل موكاسيإلى أعضاء اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، تقر ضمناً بالفرق بين الوكالات العسكرية وغير العسكرية في هذا الصدد. وقد لاحظ أنه لم يعد بمقدور الجيش الأمريكي استخدام محاكاة الغرق" لأن استخدامها من جانب الجيش يشكل انتهاكاً واضحاً لقانون معاملة المعتقلين (التشديد مضاف)" بيد أن رسالته التي صيغت بعبارات متأنية لم تقل إن محاكاة الغرق ممنوعة بحد ذاتها بموجب هذا القانون الصادر في العام 2005 الذي يحظر ممارسة المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ضد أي معتقل محتجز لدى الولايات المتحدة في أي مكان من العالم. وعوضاً عن ذلك أوضح أن "الكونغرس شرَّع تحديداً في قانون معاملة المعتقلين" بأنه لا يجوز إخضاع أي شخص محتجز لدى وزارة الدفاع أو في مرفق تابع لها لأي أسلوب استجواب "غير مصرح به وغير مدرج" في الكتيب الميداني للجيش (DTA §1002a). "وفي غياب التشريع الذي يحظر صراحة بعض أساليب الاستجواب في جميع الظروف" كما ورد في الرسالة فإنه "ينبغي على المرء أن ينظر في ما إذا كان أسلوب بعينه يتقيد بالمعايير القانونية ذات الصلة". وبموجب هذا التحليل، فإن كون محاكاة الغرق "يمكن أن تشكل تعذيباً أو معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة" في كافة الظروف – مثلاً إذا استُخدمت من جانب السي آي إيه في مرافق غير تابعة للبنتاغون – يظل موضع تساؤل.


وهذا يمثل انزلاقاً كبيراً. فقبل ستة عقود، كانت الولايات المتحدة تنظر إلى محاكاة الغرق كجريمة حرب.(9)واليوم، لم تكن كما يبدو جزءاً من مجموعة أدوات السي آي إيه وحسب، بل إن الكونغرس والإدارة تعاوناً لتسهيل إفلات أولئك الذين أذنوا أو استخدموا هذا الأسلوب أو غيره من الأساليب التي تنتهك القانون الدولي من العقاب، سواء بمفردها أو بالاشتراك مع أساليب أخرى. والباب 1004 من قانون معاملة المعتقلين، مثلاً، ينص على نوع من الدفاع ’بحسن نية‘ ضد التبعة الجنائية والمدنية المترتبة على الموظفين الأمريكيين الذين يمارسون التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة مستخدمين أساليب استجواب أو أوضاع اعتقال تحظى بمباركة رسمية. ولدى توقيعه على قانون معاملة المعتقلين ليدخل حيز النفاذ، شدد الرئيس بوش على أن التشريع "يتضمن حماية إضافية من التبعة بالنسبة للذين يشاركون في اعتقال أو استجواب للإرهابيين مسموح به بصورة صحيحة".(10)وفي الرسالة التي بعث بها مايكل موكاسي إلى اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ قال إنه يمانع في مناقشة "أساليب الاستجواب الإكراهية"، لأنه من جملة أمور، ليس طرفاً في التفاصيل السرية – تظل أساليب الاستجواب "المعززة" لدى السي آي إيه مصنفة كمعلومات محاطة بأعلى مستوى من السرية – وإنه لا يريد "أي تصريح غير قائم على المعرفة يدلي به" أن يفسره المحققون بأنه تهديد لهم بإمكانية تعرضهم للتبعة الجنائية عن السلوك الماضي أو الحاضر الذي سمحت به وزارة العدل.


وجاءت المشورة التي قدمتها وزارة العدل إلى السي آي إيه حول عمليات الاستجواب في صيغة سلسلة من المذكرات القانونية، التي يظل بعضها سرياً.(11)وفي بيان أصدرته في العام 2005 يؤكد أن موظفيها "لا يمارسون التعذيب" (بينما التزمت الصمت حول ما إذا كانوا يمارسون المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة)، لاحظت السي آي إيه بأن سياسات الاستجواب التي تتبعها "تقيدت دائماً بالإرشادات القانونية التي قدمتها وزارة العدل. وإذا انتهك شخص ما السياسة، فسيخضع للمساءلة".(12)ويوحي عدم مقاضاة موظفي السي آي إيه برغم وجود أدلة على ارتكابهم آثاماً جنائية أن تفسير الولايات المتحدة الأمريكية لواجباتها القانونية لا يستوفي أبداً القانون الدولي أو أن سياسة الولايات المتحدة تسير جنباً إلى جنب مع سياسة الحصانة من المقاضاة التي يتمتع بها منتهكو حقوق الإنسان.


وهكذا سيواجه النائب العام الأمريكي العتيد خياراً بين : الحفاظ على الأمر الواقع أو التأكد من تقيد جميع نصائح وزارة العدل المتعلقة بالاعتقالات والاستجوابات بالقانون الدولي ومن تقديم جميع الجناة المزعومين إلى العدالة. وقد وعد مايكل موكاسي في الرسالة التي بعث بها إلى اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ بأنه إذا جرى تأكيدها فسوف "يجري مراجعة لأية أساليب استجواب إكراهية تستخدمها حكومة الولايات المتحدة حالياً وللتحليل القانوني الذي يجيز استعمالها لتقييم ما إذا كانت هذه الأساليب تتقيد بالقانون. وإذا تبين لي بعد هذه المراجعة، أن أي أسلوب غير قانوني، فلن أتردد في أن أخطر الرئيس بذلك وسوف ألغي أو أصحح أي رأي قانوني تبديه وزارة العدل ويؤيد استخدام الأسلوب."


وهذا التزام يستحق الترحيب إلى المدى الذي يذهب إليه، برغم أنه لا يأتي على ذكر قضية المساءلة على الانتهاكات السابقة، ومن ضمنها الجريمتان الدوليتان للتعذيب والاختفاء القسري. وعلاوة على ذلك، لا بد للتفسير الماضي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية للواجبات القانونية المترتبة عليها أن يخفف من التفاؤل إزاء احتمالات تحقيق تقدم في المستقبل. والاعتقال السري مثلاُ، محظور بوضوح في القانون الدولي، ومع ذلك تصر الولايات المتحدة الأمريكية على أن برنامجها الخاص بالاعتقال السري قانوني، وقد أذن به محامو السي آي إيه ووزارة العدل. وعلاوة على ذلك، فإن سياسات الإدارة في "الحرب على الإرهاب" لم تأتِ من المجهول. فسياسة "التسليم السري" مثلاً، بنيت على ممارسة ماضية وأمر رئاسي صدر في العام 1995. وبني اختيار غوانتنامو كموقع للاعتقالات في "الحرب على الإرهاب" بعيد عن الإشراف القضائي المستقل والحقيقي على تفسير وزارة العدل للفقه القانوني الأمريكي الحالي. وتصف كتيبات التدريب على الاستجواب المعتمدة لدى السي آي إيه بين الستينيات والثمانينيات والتي نُزعت عنها صفة السرية "أساليب إكراهية" تعكس أساليب "الضغط والإكراه" التي سُمح بها في "الحرب على الإرهاب". وقد اتبعت الولايات المتحدة الأمريكية أسلوباً انتقائياً إزاء القانون الدولي قبل وقت طويل من 11 سبتمبر/أيلول 2001. وعلاقة الإدارة بالقانون الدولي في "الحرب على الإرهاب"، بما في ذلك تفسيرها الانتقائي لاتفاقيات جنيف وتطبيقها لها، ما برحت تقوم على ممانعة حالية من جانب الولايات المتحدة في أن تُطبق على نفسها القواعد ذاتها التي تقول دائماً إنها تتوقع من الآخرين تطبيقها.


لقد كان أعضاء مجلس الشيوخ محقين في إعرابهم عن قلقهم العميق إزاء تذبذب مايكل موكاسي حول موضوع محاكاة الغرق. بيد أنه في أعقاب تصويت 53 ضد40 في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2007 لمصلحة تثبيته في منصبه بوصفه النائب العام الحادي والثمانين للولايات المتحدة، ينبغي الآن على جميع أعضاء مجلس الشيوخ أن يدركوا بأن مجلسهم يتحمل مسؤولية في الموقف الذي تتخذه الولايات المتحدة بشأن مسألة التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. فعندما صادقت الولايات المتحدة، بمشورة مجلس الشيوخ وموافقته، على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) في أكتوبر/تشرين الأول 1994، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية قبل سنتين من ذلك، فعلت ذلك بشرط أن يعني الحظر الوارد في هاتين المعاهدتين للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة فقط ما هو محظور أصلاً بموجب الدستور الأمريكي.(13)وكما أشارت رسالة مايكل موكاسي الموجهة إلى اللجنة القضائية، فإنه بموجب الفقه القانوني الأمريكي، يُحظَّر السلوك الذي "يصدم الضمير". بيد أن السلوك "الذي يصدم الضمير في بيئة ما قد لا يكون شنيعاً بشكل واضح جداً في بيئة أخرى"، وبالتالي يحتاج إلى "تحليل دقيق للظروف قبل التنديد بأية إساءة استخدام للسلطة باعتباره يهز الضمير".(14)


وهكذا فُتح الباب أمام مقياس متحرك لقانونية الأفعال التي تصل إلى حد التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة ضد المعتقلين الذين ينظر إليهم السجانون الأمريكيون أولاً وقبل كل شيء كمصادر محتملة للمعلومات الاستخبارية. وكلما زادت القيمة التي تُعطى للمعلومات التي يُزعم أن المعتقل يملكها، كلما "تعززت" أساليب الاستجواب المستخدمة ضد الشخص، وكلما اعتُبرت المعاملة أقل "صدمة للضمير". وكما نُقل عن رئيس لجنة أمن الوطن في مجلس النواب النائب بيتر كينغ قوله في العام 2006، فإنه "إذا ألقينا القبض على بن لادن غداً واضطررنا إلى تغطيس رأسه تحت الماء لمعرفة متى سيحدث الهجوم التالي، فيجب أن نتمكن من فعل ذلك".(15)وفي الشهر التالي، بدا أن نائب الرئيس تشيني يؤيد استخدام محاكاة الغرق ضد المعتقلين "ذوي القيمة العالمية".(16)وقد اختُص المعتقلون في غوانتنامو الذين اعتبروا "ذوي قيمة عالية" "بخطط استجواب خاصة" سمح بها وزير الدفاع السابق رامزفلد تعرضوا بموجبها للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة. ومع ذلك استمر البنتاغون في تأييد عمليات الاستجواب حتى بعد تكشُّف تفاصيلها، مشدداً على مزاعم قيمة المعلومات الاستخبارية التي تم الحصول عليها.(17)


وفي 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، أدلى العقيد في سلاح الجو الأمريكي ستيفن كلاينمان، وهو ضابط استخبارات رفيع ومستنطق عسكري، ببيان أمام أعضاء الكونغرس، في جلسة إشراف حول "فعالية الاستجواب ’المعزز‘ وعواقبه" قال فيه :


"إن العديد من الأمريكيين الساخطين والساعين وراء نوع من الانتقام في أعقاب هجوم 11/9 وهذا مفهوم، وقعوا ضحية للافتراض بأن الضغوط الجسدية والنفسية والعاطفية المفرطة ضرورية لإرغام الإرهابيين أو المتمردين على الإجابة عن أسئلة المستنطق. وعلاوة على ذلك، فإن هذا الشكل من الاستجواب غالباً ما يُنظر إليه على أنه وسيلة عقاب حتمية ومناسبة يستحقها المعتقلون بسبب أفعالهم الشريرة. وهذه المعتقدات تتساوى في عدم صحتها ... فالإكراه غير فعال بالتأكيد. وأساليب الاستجواب الإكراهية غير مثمرة مطلقاً في كسب قلوب المعتقلينوعقولهم، بالإضافة إلى الشعوب التي ينتمون إليها. وعوضاً عن ذلك، من شبه المؤكد أن أساليب الإكراه تخلق ما لعله يمثل الشكل الأكثر قسوة للحط من الكرامة الذي يمكن أن يلحقه إنسان بإنسان آخر : إلا وهو الإذلال. والإذلال هو الثمرة الحتمية لأي شكل من أشكال التعذيب".(18)


وقد أُعدت اتفاقية مناهضة التعذيب التي مضى هذه السنة عشرون عاماً على دخولها حيز النفاذ، لأن المجتمع الدولي أراد "أن يجعل الكفاح ضد التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أكثر فعالية في جميع أنحاء العالم".(19)وشهدت السنوات الأخيرة إقدام الولايات المتحدة على تقويض هذا الكفاح وإظهار نفسها بأنها أبعد ما تكون عن زعمها بأنها النصير العالمي لمناهضة التعذيب. وثمة حاجة لمقاربة جديدة، مقاربة يتجاوز فيها الاحترام لحقوق الإنسان السياسة الحزبية، وتتضمن يقظة دائمة ضد تقويض أشكال الحماية من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، وتلتزم بالمساءلة الكاملة على الانتهاكات، ويتكون محورها التقيد الكامل والمتواصل بالواجبات القانونية الدولية المرتبة على الولايات المتحدة الأمريكية. ويجب على جميع المسؤولين في جميع سلطات الحكم اعتماد مثل هذه المقاربة.


INTERNATIONAL SECRETARIAT, 1 EASTON STREET, LONDON WC1X 0DW, UNITED KINGDOM

********


(1) رسالة مفتوحة إلى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بينما كانوا يستعدون للتصويت على تعيين ألبرتو غونزاليس لمنصب النائب العام، رقم الوثيقة : AMR 51/031/2005، 1فبراير/شباط 2005. http://web.amnesty.org/library/pdf/AMR510312005ENGLISH/$File/AMR5103105.pdf.


(2) استجواب جولياني بشأن التعذيب. نيويورك تايمز، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2007.


(3) ثلاثة من كبار المرشحين الجمهوريين يتخذون موقفاً متشدداً إزاء استجواب المعتقلين، نيويورك تايمز، 3 نوفمبر/تشرين اثاني 2007.


(4) انظر مثلاً، باب سريلانكا في التقارير القطرية الخاصة بممارسات حقوق الإنسان – 2006، وزارة الخارجية الأمريكية، مارس/آذار 2007 . http://www.state.gov/g/drl/rls/hrrpt/2006/78875.htm.


(5) كانت محاكاة الغرق جريمة، بقلم إيفان والاتش، واشنطن بوست، 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2007. إيفان والاتش قاض في المحكمة الأمريكية للتجارة الدولية في نيويورك.


(6) نُقل عن المدرب السابق في سلاح البحرية قوله إن محاكاة الغرق تشكل تعذيباً، واشنطن بوست، 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2007.


(7) الأساليب المضادة للمقاومة. مذكرة عمل من وليام جيه هينـز، المستشار العام لوزارة الدفاع، 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2002.


(8) طلب اعتماد الاستراتيجيات المضادة للمقاومة. من جيرالد فايفر، ال تي سي، الولايات المتحدة الأمريكية، مدير جيه2. مذكرة من قائد القوة الخاصة المشركة 170 خليج غوانتنامو، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2002.


(9) محاكاة الغرق مثيرة للجدل تاريخياً. واشنطن بوست، 5 أكتوبر/تشرين الأول ("في العام 1947، وجهت الولايات المتحدة تهمة إلى الضابط الياباني يوكيو أسانو، بارتكاب جرائم حرب لأنه نفَّذ شكلاً آخر من أشكال محاكاة الغرق ضد مدني أمريكي. وقد قُيِّد الشخص المعني على نقالة وضعت في وضع مائل بحيث ارتفعت قدماه في الهواء وكان رأسه قريباً من الأرضية، وصُبت كميات قليلة من الماء على وجهه، بحيث تعذَّر عليه التنفس وأخذ يلهث إلى أن وافق على الكلام")


(10) بيان، 30 ديسمبر/كانون الأول 2005 . http://www.whitehouse.gov/news/releases/2005/12/20051230-9.html


(11) انظر الولايات المتحدة الأمريكية : القانون والفوضى التنفيذية : الرئيس يعطي الضوء الأخضر لبرنامج الاعتقال السري، أغسطس/آب 2007 . http://web.amnesty.org/library/pdf/AMR511352007ENGLISH/$File/AMR5113507.pdf.


(12) بيان مدير الشؤون العامة في السي آي إيه، 18 مارس/آذار 2005. https://www.cia.gov/news-information/press-releases-statements/press-release-archive-2005/pr03182005.html.


(13) دعت الهيئتان التابعتان للأمم المتحدة المكلفتان بالإشراف على تنفيذ هاتين المعاهدتين – لجنة مناهضة التعذيب واللجنة المعنية بحقوق الإنسان – الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب هذه التحفظات (التحفظات التي تتعارض مع هدف المعاهدة وغرضها تنتهك القانون الدولي، المادة 19، اتفاقية فيينا الخاصة بقانون المعاهدات). بيد أن حكومة الولايات المتحدة تواصل الاعتماد على التحفظات. فمثلاً، في ردها الأخير على سؤال لجنة مناهضة التعذيب حول استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للسجن المؤبد بدون إمكانية العفو المبكر بالنسبة للمذنبين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، رفضت الحكومة الإقرار بقلق اللجنة من أن مثل هذا الحكم على المذنبين الأطفال يمكن أن يصل إلى حد سوء المعاملة، وأشارت إلى التحفظ الأمريكي على المادة 16 من الاتفاقية مناهضة التعذيب. وبما أن المحاكم الأمريكية "قضت بأن الحكم بالسجن المؤبد على الأحداث لا ينتهك دستور الولايات المتحدة الأمريكية، أكدت الحكومة أن "هذه الأحكام لا تنتهك واجبات الولايات المتحدة بموجب الاتفاقية فيما يتعلق بالمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". وثيقة الأمم المتحدة : CAT/C/USA/CO/2/Add. 1، 6نوفمبر/تشرين الثاني 2007.


(14) قضية روتشين ضد كاليفورنيا 342 U.S. 165 (1952) وساكريمنتو ضد لويس، 523 U.S. 833 (1998). وللاطلاع على مزيد من النقاش، انظر القانون والفوضى التنفيذية، المصدر آنف الذكر.


(15) صدام غير متوقع بشأن المعتقلين، نيويورك تايمز، 15 سبتمبر/أيلول 2006.


(16) المذيع الذي أجرى المقابلة : "لقد اتصل بي أشخاص وقالوا، رجاء أبلغ نائب الرئيس أنه إذا لزم الأمر تغطيس إرهابي في الماء، فنحن جميعاً نؤيد ذلك، إذا كان سيُنقذ أرواح الأمريكيين. ومرة أخرى، يبدو هذا النقاش سخيفاً إلى حد ما بالنظر إلى التهديد الذي نواجهه، ألا توافق على ذلك؟" نائب الرئيس : "أوافق فعلاً ..." المذيع : "هل توافق بأن التغطيس في الماء لا يستحق عناء التفكير إذا كان ينقذ الأرواح؛ نائب الرئيس : "إنه لا يستحق عناء التفكير بالنسبة لي ..." مقابلة مع نائب الرئيس أجراها سكوت هنن، دبليو داي في محطة اليوم في البيت الأبيض، 24 أكتوبر/تشرين الأول 2006، http://www.whitehouse.gov/news/releases/2006/10/20061024-7.html.


(17) انظر مثلاً، الولايات المتحدة الأمريكية : التسليم السري – التعذيب – المحاكمة؟ قضية المعتقل في غوانتنامو محمود ولد صلاحي، AMR 51/149/2006، سبتمبر/أيلول 2006، http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR511492006، انظر أيضاً غوانتنامو تقدم معلومات استخبارية قيّمة. بيان صحفي صادر عن وزارة الدفاع، 12 يونيو/حزير

u1575?ن 2005، http://www.defenselink.mil/Releases/Release.aspx?ReleaseID=8583.


(18) العقيد في سلاح الجو الأمريكي ستيفن أم كلاينمان، بيان أدلى به أمام لجنة مجلس النواب المعنية بالقضاء، اللجنة الفرعية المعنية بالدستور، الحقوق المدنية والحريات المدنية. 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، http://judiciary.house.gov/media/pdfs/Kleinman071108.pdf.


(19) الديباجة، اتفاقية مناهضة التعذيب (دخلت المعاهدة حيز النفاذ في 26 يونيو/حزيران 1987، بعد مضي 30 يوماً على انضمام الدولة العشرين إليها كدولة طرف). واليوم هناك 145 دولة طرف في الاتفاقية.



Page 4 of 4