Document - USA: The execution of mentally ill offenders - Summary Report

الولايات المتحدة الأمريكية: ملخص تقرير1 - إعدام المذنبين المصابين بأمراض عقلية





لا أستطيع أن أصدق أن عقوبة الإعدام هي الحل – إذ إن إبطال القتل بالقتل، يشكل سلسلة لا تنتهي من عمليات القتل. وعندما سمعت أن قاتل ابنتي لن يُعدم، اتسم رد فعل الأولي بشعور عميق بالارتياح من عذاب إضافي : لقد أُوقفت الكارثة المعتادة التي تولد مزيداً من الكوارث – ومن الممكن تحويل الشرير إلى خيِّر. لقد تعاطفت مع هذا الرجل، ضحية مرض رهيب، ضحية شيطان ليس له سيطرة عليه، وربما من المفيد معرفة الأسباب الكامنة وراء جنونه وإيجاد علاج شافٍ له...

والدة ضحية قتل عمرها 19 عاماً،

كاليفورنيا، نوفمبر/تشرين الثاني 1960


اليوم في تمام الساعة السادسة مساء، من المقرر أن تقتل ولاية فلوريدا شقيقي توماس بروفنـزانو، رغم وجود أدلة واضحة على أنه مريض عقلياً ... ولا بد لي من التساؤل : أين العدل في قتل إنسان مريض؟

شقيقة نزيل ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه، يونيو/حزيران 2000


لدي شيء واحد أقوله، أبعدوا حارسكم عن هذا (الكرسي الكهربائي؟) وأخرسوا – أنا من جزيرة باربادوس. أنا حارس هذه الوحدة. الناس يرونكم وأنتم تفعلون هذا.

القول الأخير لمونتي دلك، رجل مريض عقلياً أُعدم في تكساس في 28 فبراير/شباط 2002.

فجوة في ’المعايير الناشئة للياقة‘

الأساس المنطقي الذي يكمن وراء حظر إعدام الأشخاص المتخلفين عقلياً لا تقل قوتهبالنسبةلحظر إعدام الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي خطير، وهو تحديداً المعايير الناشئة للياقة.

محكمة العدل العليا في إنديانا، سبتمبر/أيلول 2002

بحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول 2005، أُعدم ما يفوق 1000 رجل وامرأة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ استئناف عمليات الإعدام في العام 1977. وكان لدى العشرات من هؤلاء تاريخ في المرض العقلي الخطير، إما قبل ارتكاب الجرائم التي حُكم عليهم بالإعدام بسببها أو عند إعدامهم. وكان البعض يعاني من تخلف عقلي،2والبعض الآخر من مرض عقلي، وآخرون من الاثنين معاً وأشار تشخيص حالة بعضهم إلى أنهم يعانون من اضطراب عقلي ناجم عن أذى مريع تعرضوا له في طفولتهم، أو من العنف في السجن أو من تجاربهم كجنود أرسلتهم حكومة بلادهم إلى القتال. وبالنسبة لآخرين، يبدو أن المرض العقلي موروث. وبالنسبة لبعض الذين أُعدموا، أدى الانتظار سنوات في السجن لتنفيذ حكم الإعدام فيهم إلى مشاكل في صحتهم العقلية أو فاقم من المشاكل الحالية. والنـزلاء المصابون بأمراض عقلية هم من ضمن أكثر من مائة شخص منذ العام 1977 تنازلوا عن تقديم الاستئناف و"قبلوا" بتنفيذ حكم الإعدام فيهم، وهذه رغبة في الموت ولَّدتها دولة راغبة جداً في السير قدماً بحرية الاختيار الممنوحة لهؤلاء الأفراد حتى نهايتها المميتة.

وفي بعض الحالات، كانت هناك شكوك جدية حول أهلية المتهم في الخضوع للمحاكمة – وما إذا كان يفهم حقاً طبيعة الإجراءات المتخذة ضده وخطورتها أو كانت لديه القدرة على المساعدة في الدفاع عن نفسه. وقد استعاد بعضهم أهليته في مستشفيات الأمراض العقلية عقب ارتكاب جرائمهم، بما في ذلك بواسطة عقاقير مضادة للاختلال العقلي (الذهان). كذلك كانت هناك شكوك في بعض الحالات حول أهلية المتهمين في الاعتراف بالذنب أو التخلي عن محامي الدفاع وتمثيل أنفسهم – وفي الواقع، طالب بعض المتهمين المصابين بمرض عقلي بإنزال عقوبة الإعدام بهم في إطار محاولة واضحة للانتحار. حتى أن بعضهم ربما ارتكب جريمة قتل لكي تُوقع به عقوبة الإعدام. وفي بعض الحالات، أدى التمثيل القانوني غير الكافي إلى عدم معرفة هيئة المحلفين بوجود أو بمدى الاختلال العقلي لدى الشخص الذي يُطلب منهم إصدار حكم بالإعدام عليه. وفي حالات أخرى، ثبتلمحامي الدفاع ذوي الإمكانيات غير الكافية أن حماية موكليهم المرضى عقلياً من عقوبة الإعدام تشكل تحدياً لا يمكن التغلب عليه. وربما أُعطي المتهم عقاقير شوشت أفكاره لدرجة دفعته إلى عدم التعاون، فتصورت هيئة المحلفين أنه عدم الشعور بالندم – وهذا عامل مشدد جداً في قرارات توقيع الإعدام من عدمه التي يتخذها المحلفون. أو ربما أدى المرض بالأوهام الذي يعاني منه المتهم إلى عدم رغبته بالإفصاح عن المعلومات لمحام أو طبيب يعتقد المتهم أنه جزء من مؤامرة تحاك ضده.

وبالنسبة للبعض، فإن استعداد الادعاء (النيابة) للتقليل من شأن الأدلة على وجود إعاقة عقلية، أو حتى لتصوير هذا المرض على أنه علامة على خطورة الشخص، وبالتالي يشكل سبباً لعدم التساهل معه ربما جعل العقاب يتجه نحو عقوبة الإعدام، عوضاً عن السجن المؤبد. وفي بعض الحالات، دخل الأطباء في حلف غير أخلاقي مع الولاية للتنبؤ بدرجة مطلقة من اليقين بالخطر المستقبلي الذي يشكله المتهم. وفي حالات عديدة، فإن قرار المجتمع بممارسة القتل جاء في أعقاب تقاعسه عن الإصغاء إلى التحذيرات من ميل شخص معين إلى العنف وضمان تقديم مساعدة أو رعاية علاجية مناسبة له.

وفي الملحق المرفق بهذا التقرير، تدرج منظمة العفو الدولية أسماء 100 رجل وامرأة أُعدموا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ استئناف عمليات القتل القضائية فيها العام 1977. وقد عانى كل واحد من هؤلاء الأشخاص من شكل من أشكال المرض العقلي الخطير أو العنف العقلي بخلاف التخلف العقلي. وهم يشكلون واحداً من كل 10 من ضحايا الإعدام القضائي في الولايات المتحدة الأمريكية منذ ذلك التاريخ. والقائمة هي لأغراض التوضيح فقط. وقد أثار أشخاص عديدون آخرون من ضمن أكثر من 900 سجين آخر أُعدموا قضايا الصحة العقلية، أما خلال المحاكمة أو عند الاستئناف. بيد أنه ليس ممكناً معرفة كم عدد الأشخاص الذين كانوا يعانون من مرض عقلي خطير، ممن ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم أو جرى إعدامهم. وربما لم يعرف محامو الدفاع أن موكليهم يعانون من مشاكل عقلية. ولم يخضع العديد من نزلاء السجون لفحص شامل لصحتهم العقلية بسبب عدم توفر الأموال اللازمة لإجراء هذا التقييم.

وعلى مر السنين منذ العام 1977، قدمت المحكمة العليا بعض أشكال الحماية الدستورية للأشخاص المصابين بأمراض عقلية والذين يواجهون عقوبة الإعدام، رغم أن أشكال الحماية هذه لم تتوافر إلا في الآونة الأخيرة أو أنها كانت إلى حد ما محدودة التأثير. وفي العام 1986، في قضية فورد ضد وينرايت، قضت المحكمة أن إعدام المختل عقلياً (المجنون) ينتهك الحظر الوارد في التعديل الثامن للدستور على "العقوبات القاسية وغير المعتادة". ولاحظت الأغلبية في قضية فوردأن أشكال الحظر الواردة في التعديل الثامن "لا تقتصر على تلك الممارسات التي أدانها القانون العادي في العام 1789"، بل تقر أيضاً "بالمعايير الناشئة للياقة التي تصبغ التقدم الذي حققه مجتمع يتسم بالنضوج". وتابعت تقول إنه : "إضافة إلى النظر في الأساليب البربرية التي منعها القانون عموماً في القرن الثامن عشر، لذا، تأخذ هذه المحكمة بعين الاعتبار الأدلة الموضوعية للقيم المعاصرة قبل أن تقرر ما إذا كانت عقوبة معينة تتناسب مع الكرامة الإنسانية الأساسية التي يحميها التعديل".

بيد أن الأغلبية في قضية فوردلم تُعرِّف الأهلية اللازمة للإعدام (رغم أن القاضي باول أشار إلى أن المحك يجب أن يكون ما إذا كانت السجين يعني إعدامه الوشيك وسببه) كما أن الأغلبية لم تقرر إجراءات محددة يجب اتباعها من جانب كل ولاية لتحديد ما إذا كان السجين مجنون قانونياً. وكانت النتيجة اختلاف المعايير باختلاف الولايات، ووجود شكوك قضائية والحد الأدنى من الحماية للسجناء المصابين بأمراض عقلية خطيرة. وفي الواقع، يشكل الحكم الصادر في قضية فوردفي أفضل الأحوال معياراً أدنى وفي أسوئها ورقة تين لتبرير أحد أكثر الجوانب بعداً عن اللياقة في هذه العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وعلى أية حال، لم يزعم القرار في قضية فوردقط بأنه يعفي أولئك الذين تبين أن مرضهم العقلي الخطير لا يستوفي التعريف القانوني الضيق للجنون. وبعد مضي عقدين، آن الأوان بالتأكيد لتفسير قضائي لحظر أوسع وحماية أكبر للمصابين بأمراض عقلية خطيرة في الإجراءات القضائية المتعلقة بعقوبة الإعدام.

وصرَّح القاضي باول في اتفاقه مع القرار الصادر في قضيةفورد أن السؤال الوحيد الذي أثاره "زعم ألفن فورد لم "يكن ما إذا كان إعدامه سيتم بل متى"، ولاحظ أنه "إذا شُفي مقدم الالتماس من مرضه، تصبح الولاية حرة في إعدامه". وسادت هذه الرسالة الصارخة الأجواء في العام 2003، عندما قضت محكمة الاستئناف الأمريكية الخاصة بالدورة الثامنة بأغلبية ضئيلة أن مسؤولي ولاية أركنسو يمكنهم أن يعطوا العقاقير قسراً للسجين تشارلز سينغلتون المريض عقلياً الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه، حتى وإن جعله ذلك يتمتع بالأهلية للإعدام. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2003، سمحت المحكمة العليا الأمريكية، عبر رفض قبول الاستئناف الذي قدمه سينغلتون ضد هذا القرار، بأن يظل نافذاً وسمحت لولاية أركنسو بتحديد موعد الإعدام. وأُعدم تشارلز سينغلتون في 6 يناير/كانون الثاني 2004.

وفي النهاية منع قرار تاريخي صدر في يونيو/حزيران 2002 إصدار عقوبة الإعدام على أشخاص متخلفين عقلياً. ففي قضية أتكينـز ضد فرجينيا، قضت المحكمة العليا بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة أن إعدام هؤلاء المذنبين يشكل عقوبة مفرطة، تنتهك الحظر الوارد في التعديل الثامن على "العقوبات القاسية وغير الاعتيادية". وساقت المحكمة الحجج القائلة إن التخلف العقلي يخفف من ذنب المرء ويجعل من الصعب تبرير عقوبة الإعدام في حالة هذه الفئة من المذنبين على أساس الردع والقصاص. ونقض الحكم الصادر في قضية إتكينـزقراراً صادراً في العام 1989 في قضية بنري ضد لينوف، من خلال ما تبين له أن "معيار اللياقة" في الولايات المتحدة الأمريكية قد تطور في السنوات التالية إلى نقطة ظهر فيها "إجماع وطني" ضد عمليات الإعدام هذه – انعكس بصورة أساسية في التشريع على مستوى الولاية الذي يحظر إعدام المتخلفين عقلياً. ومن منظور دولي لحقوق الإنسان، أقر هامش مشجع ملحق بالرأي الخاص بقضية أتكينـزأنه "ضمن المجتمع العالمي، هناك معارضة ساحقة لفرض عقوبة الإعدام عقاباً على الجرائم التي يرتكبها مذنبون متخلفون عقلياً."

وفي 1 مارس/آذار 2005، أبعدت المحكمة العليا الأمريكية فئة أخرى من المتهمين عن نطاق عقوبة الإعدام، وتحديداً الأطفال. ففي قضية روبر ضد سيمونز، جعلت أغلبية خمسة قضاة مقابل أربعة الولايات المتحدة تتقيد "بالثقل الساحق للرأي الدولي المناهض لفرض عقوبة الإعدام ضد الأحداث". "وأكدت المحكمة ضرورة الرجوع إلى المعايير الناشئة للياقة التي تصبغ التقدم الذي حققه مجتمع يتسم بالنضوج لتحديد ماهية العقوبات التي تتسم بعدم التناسب الشد

u1610?د لتصبح قاسية وغير معتادة". وفي معرض رأيها بأن عقوبة الإعدام ضد المذنبين الذين كانوا دون 18 عاماً عند ارتكاب الجريمة كانت مفرطة فعلاً، استشهدت الأغلبية في قضية روبربالقرار الصادر في قضية إتكينـز: "إن عقوبة الإعدام يجب أن تقتصر على أولئك المذنبين الذين يرتكبون فئة ضيقة من الجرائم الأكثر خطورة والذين يجعلهم ذنبهم الشديد الأكثر استحقاقاً للإعدام".

ولا يمكن للقرارين المتخذين في قضيتي أتكينـز وروبرإلا أن يتركا علامة استفهام حول فئة أخرى من المذنبين، لاسيما المرضى عقلياً. وإذا كانت الذنب المخفض المرتبط بصغر السن والتخلف العقلي يجعل عقوبة الإعدام عقاباً مفرطاً عند استخدامها ضد المذنبين المنتمين إلى تلك الفئات، فماذا عن الأشخاص الذين يعانون من مرض أو ضعف عقلي خطير غير التخلف، مثل التلف الشديد في الدماغ، عند ارتكاب الجريمة؟ ألا ينبغي أن يكونوا غير مؤهلين للإعدام أيضاً؟

وخلص القاضي ستيفنـز، الذي كتب يقول نيابة عن الأغلبية في المحكمة العليا في قضيةأتكينـزإلى أن :

"الأشخاص المتخلفين عقلياً ... لديهم قدرات متدنية على فهم المعلومات ومعالجتها والتخاطب ... واستخلاص الأخطاء والتعلم من التجارب والمشاركة في تعليل منطقي والتحكم في النـزوات وفهم ردود فعل الآخرين. لكن ليست هناك أية أدلة على أن احتمال مشاركتهم في سلوك إجرامي يفوق احتمال مشاركة الآخرين، لكن هناك أدلة وفيرة على أنهم غالباً ما يتصرفون وفق نزواتهم وليس بناء على خطة تنطوي على سبق الإصرار والترصد ... ولا تبرر نواحي قصورهم إعفاءهم من العقوبات الجنائية، لكنها تقلل من ذنبهم الشخصي".

في حين أن التخلف العقلي والمرض العقلي ليسا شيئاً واحداً، إلا أن الحكم الصادر في قضية أتكينـزيمكن أن ينطبق على الأخير. فمثلاً، إن المعتقدات الوهمية للشخص المريض عقلياً يمكن أن تدفعه لإجراء تعليل غير منطقي والانجرار وراء نزواته. وقد كتب رئيس سابق للجمعية الأمريكية لعلاج الأمراض النفسية يقول عقب القرار المتعلق بقضية إتكينـز:

"من منظور عضوي نفسي اجتماعي، فإن التخلف العقلي الأساسي واضطرابات المحور 1 الملموسة لديها خصائص سببية مشابهة. ويعاني المتخلف عقلياً من العديد من القيود ذاتها التي برأي القاضي ستيفنـز ’لا تبرر إعفاءً من عقوبات جنائية، لكنها تقلل من ذنبه الشخصي".3

ولا تؤدي إلا نسبة مئوية ضئيلة من جرائم القتل في الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعدام. فعقوبة الإعدام هي عقاب في الولايات المتحدة يُفترض أنه مخصص للجرائم والمذنبين الذين هم "أسوأ الأسوأ". وفي قرار صدر في العام 1980 مثلاً، نقضت المحكمة العليا الأمريكية عقوبة إعدام لأن جرائم المتهم لم تبين "وعياً أكثر ’شراً‘ بصورة جوهرية من أي شخص مذنب بارتكاب جريمة قتل". وقد تلقف القرار الصادر في قضيةأتكينـزهذا القول مشيراً إلى أنه : "إذا كان ذنب القاتل العادي غير كاف لتبرير العقوبة الأقصى المتوافرة أمام الولاية، فإن الذنب الأدنى للمذنب المتخلف عقلياً لا يستحق بالتأكيد ذلك الشكل من القصاص".

فهل يمكن لشخص يعاني من مرض عقلي خطير بخلاف التخلف العقلي عند ارتكاب الجريمة أن يقال عنه مطلقاً أن لديه "الذنب الأقصى" الذي تفترضه عقوبة الإعدام؟ وإذا كانت معايير اللياقة في المجتمع قد تطورت بحيث تمنع قتل المذنبين الأطفال بمباركة الدولة (الولاية) وأولئك المتخلفين عقلياً، فكيف يمكن لذلك المجتمع ذاته أن يظل يسمح بإعدام المصابين بمرض عقلي خطير؟

لقد سبق لبعض القضاة في الولايات المتحدة الأمريكية أن أدركوا هذا التعارض الجوهري. ففي يوليو/تموز 2003، مثلاً نوه القاضي روبرت هنري العضو في هيئة محكمة الاستئناف الأمريكية الدائرية العاشرة بالقرار الصادر في قضية أتكنـزوخلص إلى أن فرض عقوبة الإعدام ضد روبرت بريان، وهو سجين مريض عقلياً ينتظر إعدامه في أوكلاهوما "لا يسهم شيئاً" في تحقيق هدفي القصاص والردع. ورغم أن ثلاثة قضاة آخرين في المحكمة انضموا إلى القاضي هنري، فلم يكن ذلك كافياً لمنع إعدام روبرت بريان في يونيو/حزيران 2004. وبمنطق مشابه استُخدم في سبتمبر/أيلول 2002، عارض القاضي روبرت راكر في المحكمة العليا بإنديانا فرض عقوبة الإعدام على جوزيف كوركوران، وهو سجين في إنديانا يعاني من مرض عقلي، بما فيه الفصام. ولفت القاضي راكر الانتباه إلى القرار الصادر في قضيةإتكينـز:

"اسمحوا لي أن اعترض لأنني لا اعتقد أن عقوبة الإعدام مناسبة بحق شخص يعاني من مرض عقلي شديد. وفي الآونة الأخيرة قضت المحكمة العليا بأن عمليات إعدام المجرمين المتخلفين عقلياً هي ’عقوبات قاسية وغير اعتيادية‘ يُحظرها التعديل الثامن لدستور الولايات المتحدة.ولم ترد مقولة في هذه القضية بأن كوركوران متخلف عقلياً. بيد أن الأساس المنطقي الكامن وراء حظر إعدام المتخلفين عقلياً لا تقل قوتهبالنسبةلحظر إعدام المصابين بأمراض عقلية خطيرة، وهو تحديداً المعايير الناشئة للياقة".

وهناك بالطبع قضاة كثر في الولايات المتحدة الأمريكية لم يتوصلوا بعد إلى هذا الرأي. فمثلاً، في معرض تأكيد عقوبة الإعدام ضد جون إدوارد ويك وهو سجين مريض عقلياً في 3 سبتمبر/أيلول 2002، كتب جميع القضاة الخمسة في المحكمة العليا في ساوث كارولينا يقولون :

"بينما ينتهك إنزال عقوبة الإعدام بمتهم متخلف عقلياً التعديل الثامن للدستور، فإن إنزال مثل هذه العقوبة على شخص مريض عقلياً ليس غير متناسب". وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أيد قاضيان اتحاديان عقوبة الإعدام الصادرة على آرثر بيرد النـزيل الذي ينتظر إعدامه في إنديانا، حيث لاحظا بأنه بينما حظرت المحكمة العليا الأمريكية إعدام المذنبين الذين يعانون من تخلف عقلي في قضيةأتكينـز، "فإنها لم تستبعد بعد إعدام أشخاص يقتلون بدافع نزوة لا يمكنهم مقاومتها" نابعة من مر0? عقلي. وأقر القاضيان أنها "كقضية أولية، قد نعتقد أنه من غير المناسب إصدار حكم بالإعدام على رجل يبدو أنه مختل عقلياً مثل بيرد عند ارتكابه جرائمه. ولكن تقدير ذلك لا يعود إلينا." وخفض الحاكم ميتش دانييلز حكم الإعدام الصادر على آرثر بيرد في 29 أغسطس/آب 2005، قبل يومين فقط من الموعد المقرر لإعدامه. وبينما بنى قراره على عوامل أخرى تتعلق بالقضية، أشار أمر تخفيف الحكم الذي أصدره الحاكم دانييلز إلى النتائج التي توصلت إليها المحكمة ومفادها أن بيـرد كان يعاني من مرض عقلي في وقت ارتكابه الجريمة ولاحظ : "بأنه من الصعب إيجاد أسباب تدعوني لعدم الموافقة" على النتائج التي توصل إليها أحد قضاة المحكمة العليا في إنديانا وهي أن بيـرد "مختل عقلياً بالمعنى العادي للكلمة".

وبينما وافقت أغلبية أعضاء المحكمة العليا الأمريكية في قضيةأتكينـز ضد فرجينياعلى المعايير الدولية، إلا أن الأغلبية في قضية روبر ضد سيمونزأعطت موافقة أقوى : "لا يقلل من إخلاصنا للدستور أو الاعتزاز بأصوله"، كما قالوا "أن نقر بأن التأكيد الصريح لبعض الحقوق الجوهرية من جانب أمم وشعوب أخرى يشدد على محورية تلك الحقوق نفسها في تراثنا الخاص بالحرية". وكما في قضية المذنبين الأطفال، دعت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في قرارات متكررة أصدرتها في السنوات الأخيرة جميع الدول إلى الامتناع عن استخدام عقوبة الإعدام بحق الذين يعانون من اضطراب عقلي.

كذلك ينبغي على الولايات المتحدة الأمريكية أن تضع حداً لاستخدام عقوبة الإعدام ضد أي كان. فعقوبة الإعدام بحد ذاتها تنتهك المعايير الدولية الناشئة للياقة، حيث إن أغلبية واضحة ومتزايدة من الدول لا تعدم أحداً، ناهيك عن المتخلفين عقلياً. وفي العام 1998، كتب أحد قضاة المحكمة العليا في إلينوي يقول معترضاً في قضية سجين (مختل عقلياً) ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه :

"زملائي نحوا جانباً التحدي الدستوري الذي أبداه المتهم بملاحظة أن نظام القضاء الجنائي الأمريكي هو أحد أفضل الأنظمة في العالم. وهذا الإحساس له نكهة حلوة ومطمئنة، لكنه يتغاضى عن حقيقة مهمة. فالأنظمة القضائية ’الدونية‘ كما يفترض للأمم الأخرى آخذة بالتخلي عن عقوبة الإعدام بوتيرة غير مسبوقة".

وفي السنوات السبع التي انقضت على اعتراض القاضي هاريسون، ألغت أكثر من 20 دولة عقوبة الإعدام، الأمر الذي رفع عدد الدول التي تخلت عن هذه العقوبة في القانون أو الممارسة إلى 121 دولة. وفي السنوات السبع نفسها، أعدمت الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من 500 سجين، العشرات منهم يعانون من أمراض عقلية خطيرة.

وتعارض منظمة العفو الدولية جميع عمليات الإعدام بغض النظر عن طبيعة الجريمة، أو صفات المذنب، أو الطريقة التي تستخدمها الدولة لقتل السجين. وبينما يركز هذا التقرير على الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي والذين يواجهون عقوبة الإعدام، فإن حالاتهم توضح أيضاً العيوب الأوسع التي تشوب عقوبة عفّى عليها الزمن. وإن محاولة الدولة اختيار "أسوأ الأسوأ" بين الجرائم والمذنبين من أصل الآلاف من جرائم القتل التي ترُتكب كل عام تؤدي حتماً إلى تناقضات وأخطاء وعيوب لا مفر منها يُفاقم منها التمييز وسوء سلوك النيابة وقصور التمثيل القانوني.



وفي حالات المذنبين الذين يُزعم أنهم يعانون من التخلف العقلي أو المرض العقلي، سيُطلب في نهاية المطاف من بشر إخوان لهم إصدار قرارات ذاتية تتعلقبالحياة أو الموت وتحدد المتهمين أو نـزلاء السجون الذين يجب تصنيفهم ضمن هاتين الفئتين من عدمه. وفي القرار الصادر في قضية فورد والذي يُحظر إعدام الشخص المختل عقلياً، أقر أربعة من قضاة المحكمة العليا أنه رغم أن "المخاطر عالية"، فإن الأدلة على ما إذا كان السجين مختلاً عقلياً (مجنوناً) من الناحية القانونية "ستظل دائماً غير دقيقة". وأضاف قاضٍ خامس أنه "على عكس قضايا الواقع التاريخي، فإن مسألة السلامة العقلية لمقدم الالتماس تستدعي إصدار حكم ذاتي (غير موضوعي) بشكل أساسي." وفي قرار حديث صدر في إبريل/نيسان 2005، كررت محكمة الاستئناف الأمريكية للدورة الرابعة هذا الأمر عندما قالت إنه "بلا شك فإن تحديد ما إذا كان شخص يتمتع بالأهلية اللازمةلإعدامه ليس علماً دقيقاً." وبعبارة أخرى، ستقع دائماً أخطاء وتناقضات على الهامش. والتعسفية في تطبيق عقوبة الإعدام مقيتة وكذلك غير قانونية. وفي النهاية، هناك حل واحد فقط هو إلغاؤها.

ومعارضة عقوبة الإعدام لا تعني تبرير عواقب جرائم العنف أو التقليل من شأنها، سواء ارتكبها مذنبون يعانون من مرض عقلي أو أي شخص آخر. فلو كان الأمر كذلك، عندها ستكون أغلبية من الدول حالياً من المدافعين عن جرائم العنف، ومن الواضح أن هذا الإيحاء لا معنى له. وعوضاً عن ذلك، فإن وضع حد لعقوبة الإعدام هو الإقرار بأنها سياسة عامة مدمرة وملهية وتقسيمية لا تتماشى مع القيم التي يتمسك بها كثيرون. وهي ليست معرضة فقط لارتكاب خطأ لا رجوع عنه، بل إنها أيضاً مكلفة – للخزينة العامة، وكذلك على الصعيدين الاجتماعي والنفسي. ولم يثبت أن لديها تأثيراً رادعاً خاصاً. وهناك ميل لتطبيقها بصورة قائمة على التمييز على أساس العرق والطبقة. وتحرم من إمكانية المصالحة والتأهيل. وتروج لمواجهات تبسيطية لمشاكل إنسانية معقدة، عوضاً عن البحث عن تفسيرات يمكن أن تنير الطريق أمام الاستراتيجيات الإيجابية. وتطيل من معاناة عائلة ضحية القتل، وتزيد من معاناة أحباء السجين المدان. وتحول الموارد التي يمكن أن تُستخدم على نحو أفضل للعمل على مكافحة جرائم العنف ومساعدة الذين يتضررون منها. وهي من أعراض ثقافة العنف، وليست حلاً لها. وتشكل إهانة للكرامة الإنسانية. وينبغي إلغاؤها.

إن ممارسة الولايات المتحدة الأمريكية لهذا القتل الطقسي المتعمد في القرن الحادي والعشرين ضد مذنبين يعانون من مرض عقلي خطير يشكل اعتداء شديداً على معايير اللياقة التي يتمسك الناس على نطاق واسع.

tlch معلومات حول خلفية الموضوع ونطاق التقرير الرئيسي

الحقائق الصارخة هي أن العديد من نـزلاء السجون الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام بهم كانوا مصابين بأمراض عقلية خطيرة قبل أن يرتكبوا جرائمهم وأن كثيرين غيرهم أُصيبوا بمثل هذه الأمراض خلال الفترة المؤلمة الفاصلة بين إصدار الحكم وتنفيذه

قاض في المحكمة العليا الأمريكية، 24 يونيو/حزيران 1991

ولا يحاول تقرير منظمة العفو الدولية الذي تشكل هذه الوثيقة ملخصاً له الإجابة عن الأسئلة المعقدة المتعلقة بأي من المتهمين بالضبط ينبغي إعفاؤهم من عقوبة الإعدام على أساس إصابتهم بالمرض العقلي عند ارتكاب جريمتهم. وتلاحظ منظمة العفو الدولية أنه عند كتابة هذا التقرير، كان الخبراء الأمريكيون في الصحة العقلية والقانون يناقشون هذه المسألة بهدف التوصل إلى اتفاق مشترك بين الخبراء والدعاة القانونيين وخبراء ودعاة الصحة العقلية حول ما الذي يجب أن يعنيه بالضبط مصطلح "المرض العقلي" عند السعي لتوسيع الحماية التي منحها الحكم الصادر في قضية "أتكينـز"لتطال أشخاصاً يعانون من المرض العقلي. ومن الواضح أن المرض العقلي يمكن أن يتضمن مجموعة واسعة من الشروط، بعضها أكثر خطورة من الأخرى. وإضافة إلى ذلك، لا يكون المرض العقلي حاضراً بالضرورة في كافة الأوقات في الشخص الذي يعاني منه، سواء بسبب العلاج أو تراجع تأثيره. بينما يشكل التخلف العقلي من ناحية أخرى عجزاً دائماً يتعلق بالنمو.

ومع ذلك، ربما يكون مفيداً للقارئ أن يطلع على وصف موجز للأمراض العقلية التي يتكرر ذكرها أكثر من سواها في التقرير الرئيسي وفي الحالات التي وردت في الملحق. وتُقدم هذه المعلومات أن إيه أم آي وهي منظمة للدعوة على مستوى القاعدة في الولايات المتحدة الأمريكية (كانت تُعرف سابقاً بالتحالف الوطني للمصابين بأمراض عقلية). ويمكن الاطلاع على هذه المعلومات وسواها في الموقع الإلكتروني www.nami.org. كذلك يمكن الحصول على معلومات في الموقع الإلكتروني للمعهد الوطني للصحة العقلية في www.nimh.nih.gov.

  1. الفصام.

الفصام اضطراب مدمر في الدماغ يؤثر على حوالي 2,2 مليون راشد في الولايات المتحدة الأمريكية. ويُعيق الفصام قدرة الشخص على التفكير بوضوح والتمييز بين الواقع والخيال والتحكم بمشاعره واتخاذ قرارات والتواصل مع الآخرين. وتظهر عادة البوادر الأولى على انفصام الشخصية في سنوات المراهقة أو مطلع العشرينيات. ويعاني معظم المصابين بالفصام بصورة مزمنة أو على فترات طوال حياتهم، وغالباً ما تُلصق بهم وصمة بسبب افتقار الرأي العام إلى فهم المرض. فالشخص المصاب بالفصام ليس لديه "انشطار في الشخصية"، وجميع المصابين بالفصام تقريباً ليسوا خطرين أو عنيفين تجاه الآخرين عندما يتلقون العلاج. وقد حددت منظمة الصحة العالمية الفصام كأحد الأمراض العشرة الأكثر إضعافاً للإنسان وتتضمن عوارض الفصام الهلوسة – سماع أصوات أو رؤية أشياء غير موجودة – وأوهام مثل الاعتقاد بأن الناس يقرؤون أفكارهم أو يسيطرون عليها أو يتآمرون عليهم.

  1. الاضطراب ثنائي القطبية

.الاضطراب ثنائي القطبية أو مرض الاكتئاب الجنوني، هو اضطراب خطير في الدماغ يتسبب بتغييرات متطرفة في المزاج والطاقة والعمل. ويؤثر على 2.3 مليون شخص في الولايات المتحدة الأمريكية ويتصف بنوبات من الجنون والاكتئاب يمكن أن تمتد من أيام إلى أشهر. ويمكن أن ينتقل بالوراثة. والاضطراب ثنائي القطبية هو حالة مزمنة ويمكن أن تستمر طوال الحياة مع حدوث نوبات متكررة تبدأ عادة في سن المراهقة أو مطلع سن الرشد، وأحياناً يمكن أن يصيب الأطفال. ويحتاج إلى علاج طوال العمر والتحسن خلال النوبات غالباً ما يكون طفيفاً.

  1. الاكتئاب الرئيسي.

الاكتئاب الرئيسي مرض طبي خطير يؤثر على قرابة 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة الأمريكية في أي عام معين. ويمكن أن يعرقل بشكل ملموس أفكار المرء وسلوكه ومزاجه ونشاطه وصحته الجسدية. وإذا لم يعالج الاكتئاب يمكن أن يؤدي إلى الانتحار.

  1. الاضطراب الفصامي العاطفي. يتصف هذا المرض بمزيج من عوارض الفصام والاضطراب العاطفي (المزاجي). واليوم يتفق معظم المعالجين السريريين والباحثين على أنه أساساً شكل من أشكال الفصام. ولكي يشخص المرء على أنه مصاب بالاضطراب الفصامي العاطفي يجب أن تظهر عليه الأعراض الأساسية للفصام (مثل الأوهام أو الهلوسة أو الكلام أو السلوك غير المنظم) فضلاً عن عوارض طويلة لاكتئاب رئيسي أو نوبة جنون.

  2. الاضطرابات الانفصالية.

تسمى كذلك لأنها تتسم بانفصال الشخص أو انقطاعه عن الجوانب الأساسية لوعيه (مثل هوية المرء وتاريخه). وهناك أشكال عديدة، أشهرها الاضطراب الانفصالي عن الهوية (الذي كان يعرف سابقاً بالاضطراب المتعلق بتعدد الشخصيات) حيث يكون لدى الشخص هوية أو شخصية منفصلة واحدة أو أكثر تطفو إلى السطح بصورة متكررة. ويُعتقد أن جميع الاضطرابات الانفصالية نابعة من صدمة أليمة تعرض لها الشخص المصاب بها.

  1. الاضطراب الإجهادي الناجم عن صدمة مؤلمة.

اضطراب عصابي يمكن أن يحدث عقب مواجهة الشخص لحادث مؤلم سبب له شعوراً حاداً بالخوف أو العجز أو الرعب. ويمكن للأحداث المؤلمة أن تشمل الحرب والأذى في مرحلة الطفولة والاغتصاب والكوارث الطبيعية والحوادث والوقوع في الأسر. وتتضمن العوارض عيش التجربة من جديد (مثلاً كوابيس وعودة مشاهد من الحدث إلى الذاكرة وهلوسة)؛ والتجنب (مثلاً عدم تذكر الحادثة المؤلمة، محدودية مدى العواطف والشعور بالانفصال (العزلة) عن الآخرين والشعور بالعجز إزاء المستقبل)؛ والاهتياج المتزايد (مثلاً عدم القدرة على النوم والانزعاج وسورة الغضب والعجز عن التركيز والترقب والتوتر).

  1. تلف الدماغ. كذلك من القضايا ذات الصلة بهذا ال?قرير التلف الخطير في الدماغ الذي قد يوازي التخلف العقلي، لكنه لا يُعرَّف بأنه كذلك لأنه لا يحدث كعجز في النمو مدى الحياة، بل نتيجة لحادث أو غيره من الصدمات المؤلمة. ومن الأمثلة على ذلك حالة نيكولاس هاردي في فلوريدا. وفي فبراير/شباط 1993، أطلق هاردي البالغ من العمر 18 عاماً النار على رأسه بعدما أردى بالرصاص جيمس هانت، وهو شرطي أوقف هاردي وثلاثة شبان آخرين. وأدت محاولة الانتحار إلى دخول نيكولاس هاردي في غيبوبة طوال عدة أسابيع بدأ بعدما يستعيد ببطء قدرته على النطق والمشي. وعُقدت جلسة بشأن أهليته في أغسطس/آب 1993 لتحديد ما إذا كان يمكن أن يُقدَّم للمحاكمة. وتبين أنه لا يتمتع بالأهلية بسبب التلف الذي ألحقه بدماغه، وأُرسل إلى برنامج للمتهمين المتخلفين عقلياً في مستشفى بولاية فلوريدا. وهناك تلقى تدريباً في محاولة لإعادة أهليته. وفي فبراير/شباط 1995، تبين أنه يتمتع بالأهلية لتقديمه للمحاكمة، وفي 14 فبراير/شباط 1996، حُكم عليه بالإعدام. وفي يونيو/حزيران 1998، أعادت المحكمة العليا في فلوريدا تقييم العوامل المشددة في الجريمة وتبين لها أن الظروف التخفيفية تطغى عليها. ولاحظت المحكمة أن خبراء الأمراض العصبية الذين فحصوا هاردي خلصوا إلى أن التلف الذي أصيب به في الدماغ يعني أنه "لم يعد الشخص ذاته الذي قتل الرقيب هانت." فخففت حكم الإعدام إلى السجن المؤبد بدون إمكانية للعفو.

  2. المتلازمة العضوية للدماغ (التي تعرف أيضاً بالاضطراب العقلي العضوي، المتلازمة العضوية المزمنة للدماغ). المتلازمة العضوية للدماغ مصطلح عام يشير إلى اضطرابات مادية في الدماغ ناجمة عن مرض أو صدمة مؤلمة تسببت بتراجع الوظائف العقلية مثل المشاكل المرتبطة بالانتباه والتركيز والذاكرة والارتباك والعصاب والاكتئاب.4

وهناك حالياً حوالي 3400 شخص ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم في الولايات المتحدة الأمريكية. ولا يعرف عدد الذين يعانون منهم من أمراض عقلية أو مشاكل أخرى من النوع المدرج أعلاه. وأشارت تقديرات الجمعية الوطنية للصحة العقلية أن نسبة خمسة إلى 10 بالمائة من السجناء الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم بالولايات المتحدة مصابون بأمراض عقلية خطيرة. وهذا يتماشى مثلاً مع دراسة حديثة أجرت استقصاء حول 2005 أشخاص مدانين بارتكاب جرائم قتل في السويد خلال فترة 14 عاماً. ويعتقد الباحثون أنها أكبر دراسة حتى اليوم للاضطرابات العقلية لدى المذنبين بارتكاب القتل. وتبين أن واحداً من خمسة يعانون من مرض ذهاني. وتحديداً، تبين من التشخيص أن 8,9 بالمائة من الأشخاص مصابون بالفصام، و2,5 بالمائة مصابون باضطراب ثنائي القطبية و6,5 بالمائة باضطرابات ذهانية أخرى. وأشارت الدراسة إلى أن معدل جرائم القتل في السويد أدنى بثلاث مرات منه في الولايات المتحدة الأمريكية وأوحت بأنه "في الدول التي لديها قوانين للأسلحة أكثر ليبرالية، قد تختلف نسبة المذنبين بارتكاب القتل والمصابين بأمراض عقلية". وأشارت الدراسة إلى أن أبحاثاً سابقة أُجريت في المملكة المتحدة وفنلندا تبين في كل منها أن نسبة ستة بالمائة من المذنبين بارتكاب جرائم قتل يعانون من الفصام.

وعلى أية حال فإن الغرض الرئيسي من وراء تقرير منظمة العفو الدولية هو التوضيح بأن الأشخاص المصابين بأمراض عقلية خطيرة تظل تصدر بحقهم أحكام بالإعدام وتُنفذ فيهم هذه الأحكام في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنه من الواضح أن الضمانات الحالية غير كافية لمنع حدوث ذلك، وأن هناك تناقضاً شديداً في إعفاء الأشخاص المصابين بتخلف عقلي من عقوبة الإعدام، فيما يظل المصابون بأمراض عقلية خطيرة يتعرضون لها.

ومنظمة العفو الدولية منظمة مؤيدة لإلغاء العقوبة تقوم بحملات لوضع حد لعقوبة الإعدام في جميع الحالات في كل مكان. وأثناء متابعة هذا الهدف الذي قد يستغرق تحقيقه عقوداً عديدة في بعض الدول، تسعى أيضاً إلى تضييق نطاق عقوبة الإعدام بما يتماشى مع المعايير الدولية، وإلى الترويج لوقف تنفيذ عمليات الإعدام. لذا، فكما فعلت سابقاً في قضية المذنبين الأطفال والمتخلفين عقلياً، ستنضم منظمة العفو الدولية إلى الآخرين الذين يسعون إلى حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي من عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية. وتقر بأن بعض الأفراد أو المنظمات قد تدعم هذا الإعفاء من موقف لا يرقى إلى حد تأييد إلغاء العقوبة بل يعتبرها مقبولة ما دامت تُطبق بشكل ضيق وموثوق به. وفي الواقع، فإن البعض قد يرى حتى أنه من الأسهل الدفاع عن عقوبة الإعدام ضيقة النطاق في وجه المد المؤيد للإلغاء. ومن ناحيتها، تؤيد منظمة العفو الدولية تضييق نطاق عقوبة الإعدام ما دام يمثل تقدماً باتجاه الإلغاء. وهكذا، حتى عندما تؤيد هذه الإجراءات، ستواصل المنظمة السعي لإقناع جميع دعاة عقوبة الإعدام، سواء كانوا سياسيين أو أعضاء في النيابة أو أفراد الجمهور، بتغيير مواقفهم والتخلي عن دعمهم لأي عملية قتل قضائي على الإطلاق.

مراجعة الوقائع – أشكال الحماية الحالية غير كافية كما هو واضح

فعل شيئاً رهيباً، لكنه كان مريضاً. أين الرحمة؟ هل هذا أفضل ما يمكن لمجتمعنا أن يفعله؟

إيفون بانيتي، والدة سكوت بانيتي، نزيل ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه بتكساس، 2003

قد يزعم المسؤولون المؤيدون لعقوبة الإعدام، أكانوا أعضاء في النيابة أم مشرعين أم حكاماً أم قضاة، أن الضمانات الحالية في القانون الاتحادي وقانون الولايات المتحدة تحمي المصابين بأمراض عقلية خطيرة من الإعدام. فمثلاً، في أغسطس/آب 2000، زعم النائب العام في ذلك الحين بتكساس، وهي الولاية التي تستأثر بثلث جميع عمليات الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1977، أن نظام القضاء في تكساس "لا يقدم أقل من خمسة أشكال منفصلة للحماية الإجرائية للمتهمين بالقتل الذين يواجهون عقوبة الإعدام والذين قد يعانون من أي شكل من أشكال العجز العقلي". وقال إن "النظام ذا الطبقات الخمس من الضمانات الذي يكفل الإجراءات القانونية الواجبة لجميع المتهمين المصابين بأمراض عقلية" يتألف من أشكال الح

u1605?اية التالية :

  1. لا يجوز محاكمة أي شخص إلا إذا كان يتمتع بالأهلية العقلية لفهم التهم المنسوبة إليه ولمساعدة محاميه في المحاكمة؛

  2. لا يجوز إدانة أي شخص بارتكاب جريمة إلا إذا أثبتت الولاية للمحلفين بما لا يدع مجالاً لأي شك معقول أن المتهم تعمد ارتكاب الفعل الجنائي؛

  3. إذا أثبت المتهم بأنه عاجز عقلياً عن معرفة أن سلوكه كان خاطئاً، فهذا يشكل دفاعاً ضد مقاضاته على الجريمة؛

  4. في مرحلة توقيع العقوبة من قضية تنطوي على حكم بالإعدام، يجوز للمتهم أن يقدم إلى هيئة المحلفين أية وكافة الأدلة على مرضه العقلي لتخفيف حكم الإعدام عليه؛

  5. لا يمكن فعلياً إعدام النـزيل الذي ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه إلا إذا كان يتمتع بالأهلية العقلية، الأمر الذي يعني أنه يفهم بأنه سيتم إعدامه والأسباب الداعية لذلك.

هل تظل تأكيدات النائب العام تتسم بالمصداقية عندما تقابل بالوقائع على الأرض؟ ومن الأمثلة على ذلك قضية سكوت بانيتي الذي حكم عليه بالإعدام في تكساس في العام 1995 بسبب قتله والدي زوجته في العام 1992. ولديه تاريخ طويل من المرض العقلي، بما في ذلك الفصام. وقد عولج في المستشفى طوال أكثر من اثنتي عشرة مرة في مرافق عديدة قبل ارتكابه الجريمة التي زعم أنه ارتكبها تحت تأثير (سيطرة) هلوسة سمعية. كذلك زعم أن التدخل الإلهي أدى إلى عدم معاناة ضحيتيه، وأن الشياطين كانوا يضحكون عليه عندما غادر مسرح الجريمة.

وفي يوليو/تموز 1994، أُعلنت جلسة عُقدت لتقرير ما إذا يتمتع بالأهلية للمحاكمة بأنها دعوة فاسدة عندما لم يتمكن المحلفون من التوصل إلى حكم. وبعد شهرين عقدت جلسة أخرى. وشهد محاميه أنه خلال السنتين الماضيتين، لم يحصل أي اتصال مفيد بينه وبين سكوت بانيتي بسبب تفكيره القائم على الأوهام. وخلص طبيب نفساني أحضره الدفاع إلى أن بانيتي لا يتمتع بالأهلية لتقديمه للمحاكمة. ووافق طبيب نفساني أدلى بشهادته لمصلحة الادعاء على التشخيصات السابقة للفصام، وعلى أن تفكير سكوت بانيتي القائم على الأوهام يمكن أن يعرقل مخاطباته مع محاميه، وبخاصة في أوضاع تتسم بالضغط مثل قاعة المحكمة. بيد أنه خلص إلى القول إن المتهم يتمتع بالأهلية اللازمة لتقديمه للمحاكمة. ووافقت هيئة المحلفين على ذلك.

ثم تخلى سكوت بانيتي عن حقه في توكيل محام، وأُحيلت القضية إلى المحاكمة في سبتمبر/أيلول 1995، حيث دافع المتهم عن نفسه بنفسه. وقال إنه ليس مذنباً لأنه كان مجنوناً (عند ارتكاب جريمته)، وهذا ادعاء معروف جداً بأنه يصعب أن يتكلل بالنجاح، حتى بالنسبة لمحام متمرس. وارتدى سكوت بانيتي ملابس رعاة البقر خلال المرافعات وقدم عرضاً مليئاً بالاستطرادات غير المترابطة في دفاعه. وأعطى العديد من الأشخاص الذين حضروا المحاكمة كشهود نعوتاً مختلفة للمحاكمة مثل "المهزلة" و"النكتة" و"السيرك" و"الأضحوكة". وخلصوا في إفادات مشفوعة بالقسم أدلوا بها عقب إدانته، استناداً إلى معرفتهم السابقة ببانيتي ومشاهداتهم له خلال المرافعات بأنه لا يتمتع بالأهلية اللازمة لمحاكمته. فمثلاً، خلص طبيب عالج سكوت بانيتي سابقاً من الفصام في العام 1986 إلى أن بانيتي "يؤدي دور محام كمظهر لمرضه العقلي، وليس بناء على قرار منطقي بتمثيل نفسه". وفيما بعد صرح محام استدعاه سكوت بانيتي كشاهد قائلاً : "إن أجواء قاعة المحكمة كانت مثل السيرك. ويبدو أن القاضي ترك سكوت يطلق العنان لأسئلته غير المنطقية وتصرفاته الشاذة المضحكة في قاعة المحكمة".

وكتب محام آخر، عُين كمحامي احتياط لبانيتي، في إقرار مشفوع بالقسم يقول : "هذه لم تكن قضية ينبغي أن يصدر فيها حكم بالإعدام.فتاريخ حياة سكوت ومشاكله العقلية طويلة الأجل شكلت حججاً ممتازة كأدلة تخفيفية. ولم يقدم سكوت أية أدلة تخفيفية لأنه لم يستطع فهم الإجراءات". وتذكر أن "محاكمته كانت مهزلة قضائية فعلاً، واستهزاء" بالتمثيل الذاتي. وما كان يجب أبداً السماح لهذا الأمر أن يحدث." وقال المحامي إنه تحدث مع اثنين من المحلفين الذين "قالوا لي إن عقوبة الإعدام ربما لم تكن لتصدر فيما لو تم التعامل مع القضية بصورة مختلفة". وتحدث محام آخر مع محلفين اثنين آخرين. و"قالا إنه لو كان هناك محامون يمثلون سكوت لم تكن لتصدر عليه عقوبة الإعدام". وقال أحدهما إن المحلفين صوتوا لمصلحة الإعدام خوفاً من سلوكه غير المنطقي أثناء المحاكمة.

واستعاد شاهد آخر في المحاكمة، وهو مراسل صحفي ملم بإجراءات قاعة المحكمة ذكريات المحاكمة قائلاً: "كنت أراقب عندما استجوب سكوت بعض المحلفين. وكان الخوف يبدو على وجوههم". وقال أحد الأطباء الذين حضروا المحاكمة : برأيي، كان تأثير مرض سكوت العقلي على المحلفين واضحاً. وبدا واضحاً من مظهر المحلفين أن سكوت أثار حفيظتهم (عداءهم) باستطراداته المفككة وتصرفاته الشاذة. وكان سكوت غافلاً تماماً عن تأثير كلماته وأفعاله. ونظر أعضاء هيئة المحلفين شذراً إلى سكوت غير مصدقين استطراداته التي لا معنى لها".

وخلص طبيب نفسي أجرى تقييماً لسكوت بانيتي في العام 1997 إلى أنه يعاني من اضطراب فصامي عاطفي، وهو مزيج من الفصام والاضطراب ثنائي القطبية. وأضاف هذا الخبير أن قرار بانيتي بالتنازل عن محاميه تأثر بأوهام قائمة على الاضطهاد، وقد ضعفت كثيراً قدرته على تمثيل نفسه في المحكمة نتيجة الاضطرابات في عمليات أفكاره". وخلص الطبيب النفسي أيضاً إلى أن بانيتي لم يكن يتمتع بالأهلية اللازمة لمحاكمته.

بيد أن الولاية استمرت بنجاح في الدفاع عن عقوبة الإعدام عند الاستئناف. وفي العام 2002، كتبت محكمة الاستئناف الأمريكية للدورة الخامسة تقول : "خلال المحاكمة باشر بانيتي مرافعاته وهو يرتدي ملابس راعي البقر وظهر بمظهر المصاب بالهلوسة وأجرى حوارات استطرادية مفككة. بيد أنه صاغ استراتيجية للمحاكمة وحسَّن أداءه بمرور الوقت وتمكن من استجواب الشهود وإعادة استجوابهم بفعالية". وفي التقرير الموجز اللاحق الذي بعثت به النيابة العامة في تكساس إلى المحكمة الع04?يا الأمريكية في العام 2003، ساقت الحجج القائلة إن "العجز الواضح لبانيتي عن التشاور مع المحامي الذي عينته المحكمة جاء نتيجة اختياره الواعي بعدم التعاون ولم ينجم عن مرضه العقلي". وفي 1 ديسمبر/كانون الأول 2003، أعلنت المحكمة العليا أنها ترفض النظر في القضية.

وحددت الولاية موعداً لإعدام سكوت في 5 فبراير/شباط 2004. ورفض مجلس العفو والإفراج المبكر في تكساس الرأفة بـ 15 صوتاً مقابل صوت واحد. ثم عشية إعدامه، أصدر قاض اتحادي قراراً بوقف تنفيذ الحكم من أجل تحديد أهلية بانيتي اللازمة لإعدامه.

وعلى مستوى الولاية، خلص خبيران في الصحة العقلية عينتهما المحكمة إلى أن سكوت بانيتي كان يعرف بأنه سيُعدم وأنه يملك القدرة على فهم الأسباب. واعترض الدفاع على أساليبهما واستنتاجاتهما وسعى للحصول على أموال لإجراء تحقيقه الخاص به وطلب بأن تعقد محكمة الولاية جلسة حول الأدلة. لكن جهوده باءت بالفشل، وفي 26 مايو/أيار 2004 خلصت محكمة الولاية إلى أن سكوت بانيتي "أخفق أن يبين بأدلة مرجحة أنه لا يتمتع بالأهلية اللازمة لإعدامه". واستأنف محاموه الحكم أمام محكمة المقاطعة الاتحادية التي منحت موارد للدفاع وأمرت بعقد جلسة حول قضية الأهلية.

وعُقدت الجلسة يومي 7 و8 سبتمبر/أيلول 2004. وقدم الدفاع أربعة خبراء في الصحة العقلية. وقدمت الولاية الخبيرين اللذين عينتما محكمة الولاية في الإجراءات السابقة، وموظفين من الإصلاحية التي ينتظر فيها تنفيذ حكم الإعدام فيه (أدلوا بشهادات فحواها أن بانيتي يعرف كما يبدو أنه سيُعدم، لكنهم لا يعرفون ما إذا كان يفهم لماذا).

وشهد خبراء أحضرهم الدفاع، ومن ضمنهم أخصائي في علم النفسالجنائي عمل لدى المكتب الاتحادي للسجون طوال 20 عاماً، أن سكوت بانيتي يعاني إما من الفصام أو الاضطراب الفصامي العاطفي. وشهدوا بأن بانيتي يعرف بأنه ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه وأنه سيُعدم. لكنهم خلصوا أيضاً إلى أن بانيتي يعتقد بأن السبب الرسمي لإعدامه "كاذب" وأن السبب الحقيقي هو منعه من التبشيربالإنجيل. وقالوا إنه أبعد ما يكون عن صلته بالواقع، وأن الاعتقاد الوهمي لدى سكوت بانيتي والقائم على الشعور بالعظمة هو أن إعدامه جزء من مؤامرة تحاك ضده وتتعلق "بقوى الشر والجان والشياطين". وشهد الخبراء بأنهم لا يعتقدون أن سكوت بانيتي يتظاهر بالمرض، ولاحظوا كذلك، أن حالته تدهورت خلال فترة انتظار تنفيذ حكم الإعدام فيه لأنه توقف عن تناول دوائه بعدما هبط عليه "الوحي" في إبريل/نيسان 1995.

وبالنسبة للادعاء، شهد الخبيران اللذان عينتهما الولاية أن بانيتي رفض التعاون مع تقييمهما لأنهما لم يجيبا عن أسئلة حول ميولهما الدينية، رغم أنهما اعترفا بأنه أخبرهما أنه يعتقد بأنه سيُعدم لمنعه من الوعظ. وأقر الطبيب النفسي بأن سكوت بانيتي يعاني من "مشاكل نفسية خطيرة"، لكن مجرد أن بانيتي "منشغل بالدين وأنه ربما حتى يعتقد بصدق على مستوى ما بأنه سيُعدم لأنه يُعلِّم الإنجيل" لا "يجعله غير قادر على فهم السبب الذي دفع السلطات إلى إصدار أمر بإعدامه". وقال هو والخبير الآخر التابع للولاية إن بانيتي قادر على فهم سبب إعدامه، لكنهما أقرا بأنهما لا يعرفان ما إذا كان يفهم ذلك فعلاً.

وفي 29 سبتمبر/أيلول 2004، قضى القاضي الاتحادي بأنه نظراً لأن سكوت بانيتي "يعرف بأنه ارتكب جريمتي قتل ويعرف أنه سيُعدم ويعرف أن السبب الذي أعطته الولاية لإعدامه هو ارتكابه هاتين الجريمتين، فإنه يتمتع بالأهلية اللازمة لإعدامه". وقدم الدفاع استئنافاً، ومنحه القاضي الاتحادي الذي كان يرى بوضوح أن المعيار الخاص بالأهلية اللازمة للإعدام هو معيار أدنى وأن القانون حول القضية "ليس واضحاً بما فيه الكفاية"، منحه أذناً بتقديم استئناف أمام محكمة الاستئناف الأمريكية الخاصة بالدورة الخامسة. وفي مذكرة الافتتاح كتب محامو سكوت بانيتي يقولون :

"لدى السيد بانيتي اعتقاد كافكايسك بأن ولاية تكساس بالاشتراك مع القوى الشيطانية تريد إعدامه لمنعه من التبشير بكلمة الله. واعتقاده صادق. ولا يستند إلى الحقيقة. واعتقاده ناجم عن الأوهام التي يسببها المرض العقلي الشديد ... ورغم أنه يبدو بأنه يملك وعياً واقعياً بالسبب المعلن للولاية لإعدامه الوشيك، إلا أن طبيعة مرضه العقلي تجعله يسيء تصور الرابط المنطقي بين قتله لوالدي زوجته وبين عقوبة الإعدام الصادرة بحقه. وليس لديه فهم نطقي لسبب إعدامه".

وعند كتابة التقرير، كانت القضية لا تزال لدى محكمة الدورة الخامسة. وقد أثارت القضايا السابقة الشكوك في أن تكون النتيجة عادلة.

بانتظار التطور : قانون الولايات كمقياس ’للياقة‘

لقد حددنا بدقة بأن الدليل الموضوعي الأكثر وضوحاً وموثوقية للقيم المعاصرة هو التشريعات التي تسنها المجالس التشريعية في الدولة.

المحكمة العليا الأمريكية، قضية أتكينـز ضد فرجينيا، يونيو/حزيران 2002.

في كل من الحكمين الصادرين في قضيتي روبر ضد سيمونز وأتكينـز ضد فرجينيا، اللذين يمنعان على التوالي إعدام المذنبين الأطفال والأشخاص المتخلفين عقلياً، استخدمت المحكمة العليا الأمريكية كمقياس رئيسي لها "للمعايير الناشئة للياقة"، التشريعات على مستوى الولاية بشأن القضيتين. ولاحظ القاضي كندي الذي كتب القرار الخاص بقضية روبرأن الأعداد كانت نفسها بشأن كلا القضيتين – 30 ولاية حظرت إعدام كل فئة من المذنبين، بينها 12 ولاية ألغت العقوبة من أساسها. وبسبب طبيعة قضيتي الأحداث والتخلف العقلي – اللتين يتسم تعريفهما بالسهولة والوضوح نسبياً – كان من السهل على المحكمة العليا أن تعرف من هي الولايات التي حظرت عقوبة الإعدام في كل فئة. وليس من السهل إلى هذا الحد إجراء تقييم مشابه بشأن قضية المرض العقلي.

ورغم أن منظمة العفو الدولية تدرك أن المحكمة العليا الأمريكية تستخدم هذه الطريقة في العد لتقييم ما إذا كان هناك إجماع وطني – ففي الواقع جادلت المنظمة بأن الطريقة استلزمت حظر عقوبة الإعدام ضد الأحداث في أعقاب الحكم الصادر في قضية أتكينـز– فإن المنظمة تعتبرها طريقة مشكوكاً فيها للبت في قضية من قضايا حقوق الإنسان الأساسية. ويبين التاريخ أن الدول التي تخلت عن عقوبة الإعدام، أو عن أي جانب منها، إنما فعلت ذلك نتيجة قيادة تتحلى بالمبادئ عوضاً عن اتباع مقياس ما للرأي الشعبي. وبالتأكيد لا يجوز استخدم "الديمقراطية" لتبرير إجراء "يحط بشكل فريد من الكرامة الإنسانية".5وتزعم الولايات المتحدة أنها تأسست على كرامة الإنسان والتزمت بها. إذاً يجب تعزيز حقوق الإنسان الأساسية واحترامها الآن، وليس تنحيتها جانباً حتى يوم غير محدد في المستقبل.

ولا شك في أن أسلوب المحكمة العليا في قياس الإجماع الوطني بواسطة النشاط التشريعي للولايات بطيء إلى حد كبير – فالحكم الصادر في قضية روبرمثلاً جاء بعد 30 عاماًمن دخول العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حيز النفاذ، علماً أن العهد هو إحدى المعاهدات التي تحظر إعدام المذنبين الأطفال. وحدث انتظار لأكثر من عقد من الزمن بين اعتماد الأمم المتحدة قراراً يحث الدول الأعضاء على إلغاء عقوبة الإعدام "بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من تخلف عقلي" وبين القرار الخاص بقضيةإتكينـزالصادر في يونيو/حزيران 2002. وزعم الدولة بأنها قوة تقدمية من أجل حقوق الإنسان يُفرغ من أي معنى عندما تتخلف إلى هذا الحد عن الركب بالنسبة لهذه القضية الأساسية لحقوق الإنسان. وفي عالم يتزايد فيه إلغاء عقوبة الإعدام، تضعف جداً مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية عندما تنتقد انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الدول الأخرى، وذلك بلجوئها إلى القتل القضائي. وستصبح الفجوة على صعيد المصداقية أكثر اتساعاً عندما يكون المذنبون الذين يعانون من مرض عقلي خطير هم الذين تقتلهم الدولة.

وفي القرارين الصادرين في قضيتي روبر وأتكينـز، وبعد أن تبين للمحكمة العليا الأمريكية أن تشريعات الولايات تشير إلى قيام إجماع وطني ضد إعدام المذنبين الأطفال وأولئك الذين يعانون من تخلف عقلي، أجرت تحليلها المستقل الخاص بها ولم تجد سبباً للاختلاف مع تلك الولايات التي أصدرت تشريعات بهذا المعنى. وحول مسألة المصابين بمرض عقلي، تأمل منظمة العفو الدولية أن تقلب المحكمة العليا هذا الإجراء، بحيث "يؤثر تقديرها الخاص في النهاية على مسألة مقبولية عقوبة الإعدام بموجب التعديل الثامن".6وعليها أن تطبق تحليلها المستقل على قضية إعدام الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي خطير وأن تقر بأن مثل هذه الإعدامات لا تحقق شيئاً، مثلما أن إعدام القُصَّر والأشخاص المصابين بتخلف عقلي لا يمكن أن يفي بالأهداف المنشودة لعقوبة الإعدام. وبلغة المحكمة العليا، فإن عمليات الإعدام التي تفشل بشكل "كبير" في الإسهام بتحقيق هدفي القصاص والردع "لا تعدو كونها فرض للألم والمعاناة لا غرض ولا حاجة له.7ولا شك بأن إعدام الأشخاص المصابين بأمراض عقلية خطيرة يندرج ضمن هذه الفئة.

وبصرف النظر عما إذا تبين للمحكمة العليا أن قدراً ما من النشاط التشريعي يكشف النقاب عن وجود "إجماع وطني" ضد إعدام المصابين بأمراض عقلية، عليها بالتأكيد ألا تهين شعب الولايات المتحدة الأمريكية بالإيحاء بأنه عندما يطلع على المعلومات الكاملة، لا تتطور معايير اللياقة لديه إلى درجة معارضة هذه الإعدامات. وهذه المرة، ينبغي على المحكمة أن تأخذ زمام المبادرة وأن تعطي في أقرب فرصة إشارة واضحة إلى كل ولاية بأن إعدام الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي خطير لن يكون مقبولاً بعد الآن. ويجب أن تكون الرسالة واضحة. فإما أن يمنع مشرعو الولايات إعدام المذنبين الذين يعانون من مرض عقلي خطير أو أن تواجه النيابات العامة فيها نقض عقوبات الإعدام الصادرة ضد هؤلاء المذنبين في محاكمها.

وعلى أية حال، قد تتخلف تشريعات الولايات عن ما يعتبره الرأي المستنير حول القضايا المتعلقة بعقوبة الإعدام مقبولاً. وعقوبة الإعدام هي عقوبة مسيسة جداً. وبينما يؤيد السياسيون عقوبة الإعدام – في أغلب الأحيان بسبب ما يتصورن أنه جذاب كإجراء "متشدد ضد الجريمة" يكسبهم أصواتاً – إلا أنهم تقاعسوا عموماً عن تزويد الناخبين بأية أدلة يمكن قياسها على أن القتل القضائي، ناهيك عن قتل المذنبين المصابين بأمراض عقلية، يقدم حلاً بناءً لجرائم العنف. وينبغي على السياسي الذي يدعم عقوبة الإعدام أن يتأكد على الأقل من أن ناخبيه مطلعون بشكل كامل على القضية.

وفي مارس/آذار 2002، سئل الناطق باسم البيت الأبيض : "هل يعتقد الرئيس بوش أن عقوبة الإعدام مناسبة لأي شخص مدان مصاب بمرض عقلي؟" فرد الناطق قائلاً إن "الرئيس يعتقد أن تلك قرارات تتخذها هيئة المحلفين استناداً إلى القوانين النافذة في ولايتها". وعندما كان حاكماً لتكساس قال جورج دبليو بوش الشيء ذاته حول إعدام الأشخاص الذين يعانون من تخلف عقلي. وفي العام 1999، رد في معرض معارضته لمشروع قانون كان يمكن أن يحظر إعدام مثل هؤلاء المذنبين في ولايته، بالقول إنه "يعود لهيئة المحلفين اتخاذ تلك القرارات. وأنا أحبذ القانون كما هو الآن". وأدلى بتصريحه قبل وقت غير طويل من القرار الذي اتخذته المحكمة العليا الأمريكية في مارس/آذار 2001 بإعادة النظر في دستورية عمليات الإعدام هذه، حيث منعتها في النهاية في قضية أتكينـز ضد فرجينيافي يونيو/حزيران 2002. ويوحي رد بوش بأن سياسة عقوبة الإعدام يمكن أن تجعل الموقف المعلن للسياسي حول هذه العقوبة مؤشراً غير جدير بالثقة للمعايير المعاصرة للياقة.

وبالمثل، لا يجب بالضرورة اعتبار قرارات المحلفين بإصدار عقوبات بالإعدام ضد متهمين يعانون من مرض عقلي مؤشراً موثوقاً به على القيم الاجتماعية الأوسع. وبدايةً فإن المواطنين الذين لا يصدرون حكماً بالإعدام لأسباب أخلاقية أو سواها من الأسباب لا يمكنهم أن يكونوا أعضاءً في هيئة محلفين تنظر في جرم عقوبته الإعدام. لذا فإن الذين يشاركون في عضوية مثل هيئة المحلفين هذه يعت6?قون بطبيعة الحال آراءً تعبر عن الطرف العقابي من طيف العقوبات/التأهيل.وعلاوة على ذلك، قد يُحرم المحلفون في القضايا المتعلقة بعقوبة الإعدام من معرفة الصورة الكاملة لمرض المتهم أو قد يثير أعضاء النيابة التحيز الكامن فيهم.

ومن ناحية أخرى فإن المحلفين المستنيرين (المطلعين) قد يتعاطفون مع مسألة تخفيف الحكم لأسباب تتعلق بالصحة العقلية إذا قُدمت لهم بطريقة صحيحة تهدف إلى توضيح أفعال المتهم وليس تبريرها. وفي عدد من الحالات، تحدث المحلفون فيما بعد قائلين إنهم ما كانوا ليصوتوا لمصلحة إنزال عقوبة الإعدام لو عرفوا مدى الأمراض العقلية التي يعاني منها المتهم. أليست هذه آراءً متأخرة لكن مستنيرة – تم التوصل إليها بعيداً عن الجو المشوب بالتوتر في المحاكمة المتعلقة بعقوبة الإعدام والسعي الحثيث للنيابة لاستصدار حكم بالإعدام – وهذا مؤشر على كيفية تطور "معايير اللياقة" عندما يكون الناس أكثر إطلاعاً؟

ومن بين الأشخاص المستنيرين الآخرين أولئك الذين يدافعون عن الأشخاص المصابين بأمراض عقلية. فالمنظمة الأمريكية أن إيه أم آي مثلاً تتخذ موقفاً مفاده أن "عقوبة الإعدام ليست مناسبة قط لمتهم يعاني من الفصام أو غيره من الاضطرابات الخطيرة في الدماغ". وتعتقد أن "الأشخاص الذين يرتكبون جرائم بسبب حالات ذهنية أو سلوكية ناجمة عن اضطراب عقلي يحتاجون إلى العلاج وليس العقاب". وقد خلصت الجمعية الوطنية للصحة العقلية إلى أن "نظامنا القضائي الراهن لا يعالج بشكل كاف تعقيد الحالات المتعلقة بالمتهمين بارتكاب الجرائم المصابين بأمراض عقلية. لذا تدعو الجمعية المذكورة الولايات إلى وقف إصدار عقوبة الإعدام إلى حين ابتكار طرق أكثر عدلاً ودقة ومنهجية لتحديد الوضع العقلي للمتهم وأخذه بعين الاعتبار".

الانتقام الذي لا معنى له : فشل الأهداف المنشودة لعقوبة الإعدام

يُقلل المرض العقلي من لومه شخصياً على أفعاله، عوضاً عن أن يزيده. فإذا كان عنفه ناجماً عن مرضه، عندئذ تكون معاقبته على عنفه بمثابة معاقبته على مرضه.

طبيب نفساني، تقرير حول رجل مصاب بالفصام ينتظر تنفيذ حكم الإعدام له في فرجينيا، 1997

في يونيو/حزيران 2002 قضت المحكمة العليا الأمريكية في قضية إتكينـز ضد فرجينياأنه لم يعد من الجائز استخدم عقوبة الإعدام ضد المذنبين المصابين بتخلف عقلي. وخلصت إلى أن الأهداف العقابية للقصاص أو الردع لا تتعزز بمثل هذا الاستخدام لعقوبة الإعدام. وحول الردع كتب القضاة الستة في الأغلبية يقولون :

"تستند نظرية الردع في إصدار أحكام الإعدام إلى المفهوم القائل إن زيادة قسوة العقاب ستمنع المجرمين من ممارسة سلوك مميت. ومع ذلك فإن الأمراض المعرفية والسلوكية ذاتها التي تجعل هؤلاء المتهمين أقل ذنباً من الناحية الأخلاقية – مثلاً انخفاض القدرة على فهم المعلومات ومعالجتها والتعلم من التجربة وإجراء التعليل المنطقي أو السيطرة على النـزوات – تقلل أيضاً من احتمال تمكنهم من معالجة المعلومات المتعلقة بإمكانية إعدامهم عقاباً لهم ونتيجة لذلك، تقلل من احتمال سيطرتهم على سلوكهم استناداً على تلك المعلومات. كما أن إعفاء المتخلفين عقلياً من الإعدام لا يقلل من الأثر الرادع لعقوبة الإعدام بالنسبة للمذنبين الذين لا يعانون من تخلف عقلي. ومثل هؤلاء الأشخاص لا يحظون بالحماية من خلال الإعفاء وسيظلون يواجهون تهديد الإعدام. وهكذا، فإن إعدام المتخلفين عقلياً لن يعزز بشكل ملحوظ هدف الردع."

وإن النظرية القائلة إن عقوبة الإعدام لها أي تأثير رادع خاص فقدت مصداقيتها إلى حد كبير. ومع ذلك، ما برح بعض السياسيين يعزون مساندتهم للقتل القضائي إلى إيمانهم بنظرية الرادع (من دون أن يقدموا أية أدلة مؤيدة جديرة بالثقة). وتحثهم منظمة العفو الدولية على أن يسألوا أنفسهم على الأقل كيف عزز إعدام الأشخاص المائة الواردة أسماؤهم في الملحق المرفق بهذا التقرير هدف الردع. وبالتأكيد لا أحد يعتقد أن عقوبة الإعدام يمكن أن تردع الناس عن أن يصبحوا مختلين عقلياً. ولاحظ القرار الذي أصدرته المحكمة العليا في العام 1976 في قضية غريغ ضد جورجيا والذي سمح باستئناف عمليات الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية أنه أياً تكن الأدلة التي تحيط بمقولة الردع" إلا أننا رغم ذلك يمكننا أن نفترض باطمئنان بأن هناك قتلة مثل أولئك الذين ينجرون وراء عواطفهم لن يكون للتهديد بالإعدام تأثير رادع يذكر عليهم". وأشارت المحكمة إلى أن أي تأثير رادع لا ينطبق إلا على "جرائم القتل التي يتم التفكير فيها بتأنٍ، مثل جرائم القتل التي يرتكبوها قتلة مأجورون، حيث يمكن جداً أن تدخل إمكانية توقيع عقوبة الإعدام بهم في الحسابات الهادئة التي تسبق قرارهم بالمضي قدماً."

وفيما يتعلق بهدف القصاص الذي تنشده عقوبة الإعدام، مضت الأغلبية في قضية أتكينـز تقول : "فيما يتعلق بالقصاص – الحرص على أن ينال المذنب ما يستحقه – فإن شدة العقوبة المناسبة تتوقف على ذنب المذنب". وتفترض عقوبة الإعدام ذنباً مطلقاً للمدان بنسبة مائة في المائة. فإذا تناقص (تضاءل) الذنب، عندئذ يفشل هدف القصاص، لأن العقوبة تصبح غير متناسبة. وفي قضية روبر ضد سيمونزفي مارس/آذار 2005، تبين للمحكمة الشيء ذاته في حالة الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً عند ارتكاب الجريمة : "حالما يتم الإقرار بتناقص ذنب الأحداث، يتضح أن التبريرات العقابية لعقوبة الإعدام تنطبق عليهم بدرجة من القوة تقل عن تلك التي تنطبق على الراشدين". كذلك الأمر بالنسبة للمصابين بأمراض عقلية خطيرة.

الرأي الذاتي والعلم غير الدقيق في نظام قائم على الخصومات

من المعروف جيداً أن التحيز غالباً ما يكون قائماً ضد طبقات معينة في المجتمع ويؤثر على تقدير المحلفين، ولذا يعمل في بعض الحالات على حرمان الأشخاص المنتمين إلى تلك الطبقات من التمتع الكامل بتلك الحماية التي يتمتع بها الآخرون

المحكمة العل10?ا الأمريكية، 1880

وإضافة إلى الرأي الذاتي (غير الموضوعي) للناس العاديين والذي يؤدي دوراً في قاعة المحلفين، يمكن للرأي غير الموضوعي للنيابة العامة والقضاة، فضلاً عن الآراء المتنوعة للخبراء أن تحظى غالباً بالأهمية في الحالات المتعلقة بمتهمين يطلقون مزاعم المرض العقلي، إما في سَوق الحجج المتعلقة بالمسؤولية الجنائية الأدنى أو في السعي لتخفيف عقوبة الإعدام أو كسبب لعدم تنفيذ الإعدام. ومن الأسباب الداعية إلى إلغاء عقوبة الإعدام الاستحالة الملازمة حتى لأكثر أنظمة القضاء تطوراً في قضية الاختيار العادل والمتسق والخال من الأخطاء لأولئك الذين ’يستحقون‘ الموت.

وهناك الكثير من ما لا نعرفه عن الصحة العقلية – فهي ليست علماً دقيقاً، ومن المحتم أن يرتكب الشهود الخبراء والعاديون أخطاءً أو يجلبوا معهم تحيزاتهم إلى قاعة المحكمة. وفي الواقع، فإن الخوف والجهل اللذين يحيطان بمسألة المرض العقلي قد يجعلان نظام القضاء الجنائي القائم على التخاصم غير مناسب أبداً للبت في هذه القضايا، ليس أقله عندما يتعلق الأمر بقرارات الحياة والموت. وقد أظهر نظام القضاء الأمريكي المتعلق بقضايا الإعدام أنه معرض لسوء تصرف من جانب الادعاء وللتمثيل القانوني غير الكافي للمتهمين المعوزين، فضلاً عن وجود تحيز لدى المحلفين. وفي نظام كهذا، ما مدى تعرض فئة من المذنبين المصابين بمرض عقلي لدرجة أكبر بكثير من الانتهاك، بسبب وجود مستوى عام من الجهل والخوف حولهم؟

وعندما تشكل الصحة العقلية للمتهم أو السجين قضية في المحاكمة أو عند الاستئناف، غالباً ما يجد كل من الدفاع والادعاء خبيراً واحداً أو أكثر في الصحة العقلية مستعداً للإدلاء بشهادته. وفي الأغلبية العظمى من الحالات تتحول المحاكمة في جوهرها إلى "مباراة في أداء القسم" بين مجموعتين من الخبراء، بحيث ينتهي الأمر إلى إرباك المحلفين. والأسوأ من ذلك أنه في بعض الحالات، يكون أعضاء النيابة قد أشعلوا فتيل الموقف باستغلال تحيز المحلفين وخوفهم.

والإيحاء بأن المتهم أو السجين يصطنع مرضه العقلي أو يبالغ به هو موقف طالما اتخذته الدولة (الولاية)، بما في ذلك في ظروف يبدو فيها هذا الاتهام أبعد ما يكون عن الحقيقة. وقد كشف بعض أعضاء النيابة عن أنهم يعتبرون الدفاع المتعلق بالصحة العقلية ذريعة، وهذا موقف تُشاطرهم فيه نسبة مئوية معينة من الشعب وبالتالي من المحلفين.

وفي العام 2001، كتب القاضي بول فايفر من المحكمة العليا في أوهايو يقول : المرض العقلي مرض طبي. وكل عام نتعلم المزيد عنه والطريقة التي يتجلى فيها في عقل المصاب. وفي هذا الوقت لا نعرف ولا يمكننا أن نعرف ما الذي يجري في ذهن شخص مصاب بمرض عقلي ... واعتقد أن إعدام شخص مدان يعاني من مرض عقلي شديد يشكل عقوبة قاسية وغير عادية".

ولا يمكن للإعدام أن يعطي جواباً على جريمة يتعذر تفسيرها كما يبدو أو الدور الذي ربما ساعد فيه المرض العقلي للمذنب على ارتكابها. وعوضاً عن ذلك، إنه رد يسعى إلى إخفاء العوارض عوضاً عن فهم المرض.

المصابون بأمراض عقلية:كذلك ’معرضون بشكل خاص لخطر الإعدام بطريق الخطأ‘؟

"من منظور عضوي نفسي اجتماعي، فإن التخلف العقلي الأساسي واضطرابات المحور 1الملموسة لديها خصائص سببية مشابهة. ويعاني المتخلف عقلياً من العديد من القيود ذاتها التي برأي القاضي ستيفنـز ’لا تبرر إعفاءً من عقوبات جنائية، لكنها تقلل من ذنبه الشخصي".

رئيس سابق للجمعية الأمريكية لعلاج الأمراض النفسية، سبتمبر/أيلول 2002

ولاحظت أغلبية قضاة المحكمة العليا الأمريكية في قضية أتكينـز ضد فرجينياأن جزءاً من سبب حظر إعدام المذنبين المصابين بتخلف عقلي كان "أنهم بالإجمال يواجهون بشكل خاص خطر الإعدام عن طريق الخطأ". وبهذا لم تعنِ المحكمة فقط أن تعرض هؤلاء الأفراد بشكل خاص للانتهاكات يعرضهم بشكل خاص للإدانة الخاطئة، بل أيضاً لإصدار حكم بالإعدام عليهم في الوقت الذي قد يصدر حكم بالسجن المؤبد على شخص غير مصاب بمرض عقلي (في حالة مشابهة). وذكر الحكم الصادر في قضية أتكينـز:

"إن خطر فرض عقوبة الإعدام رغم وجود عوامل قد تستدعي إنـزال عقوبة أقل قسوة، لا يتعزز فقط بإمكانية الإدلاء باعترافات زائفة، بل أيضاً بالقدرة الأقل لدى المتهمين المتخلفين عقلياً على تقديم عرض مقنع لتخفيف الحكم أمام أدلة الادعاء التي تتضمن عاملاً مشدداً واحداً أو أكثر. وقد يكون المتهمون المتخلفون عقلياً أقل قدرة على تقديم مساعدة حقيقية لمحاميهم وهم عادة شهود رديئون، وقد يعطي تصرفهم انطباعاً لا مبرر له بأنهم غير نادمين على ارتكاب جرائمهم ... (وعلاوة على ذلك فإن الاعتماد على التخلف العقلي كعامل مخفف قد يكون سيفاً ذا حدين يمكن أن يعزز احتمال أن يجد المحلفون العامل المشدد للخطورة المستقبلية".8

وكما في حالة الأشخاص المتخلفين عقلياً، فإن معظم الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي لن يرتكبوا أبداً جريمة عنف. ومع ذلك فإن المتهم المصاب بمرض عقلي الذي ارتكب جرماً يعاقب عليه بالإعدام قد يكون معرضاً بشدة بصورة جائرة لخطر إصدار عقوبة الإعدام عليه قياساً بالمتهمين الذين ليس لديهم مرض أو أن مرضهم أقل سوءاً، أو في بعض الحالات لخطر الإدانة الخاطئة :

  1. حتى إذا تبين أنه يتمتع بالأهلية اللازمة لمحاكمته، فإن قدرة المتهم على مساعدة محاميه أو على فهم الإجراءات ربما لا تزال ضعيفة؛

  2. كجزء من مرضه، قد يرفض المتهم الذي يعاني من مرض عقلي مثل الاكتئاب الشديد أو الاضطراب الارتيابي السماح بتقديم الأسباب المخففة أو حتى أنه قد يعترف بذنبه ويطالب بعقوبة الإعدام.

  3. بسبب الوصمة التي تُلصق بالمرض العقلي، ليس أقلها إذا ارتبطت بتاريخ عائلي لهذا المرض أو بأذى لحق في مرحلة الطفولة، قد يسعى المتهم إلى التقليل من شأن مرضه أو بكل بساطة لا ينقله بشكل جيد إلى محامي الدفاع.

  4. إذا كان المرض العقلي للمتهم ما زال يتجلى في أعراض عند المحاكمة، فقد يتصرف بشكل غير منطقي أو يبدو بأنه كذلك بنظر المحلفين، الأمر الذي يزيد المخاوف من خطره في المستقبل، وهذا عامل مشدد جداً في أذهان المحلفين في قضايا الإعدام.

  5. قد يُبدي المتهم المريض عقلياً، وبخاصة إذا كان يتناول عقاقير في وقت المحاكمة، مشاعر باردة ويُنظر إليه على أنه غير نادم، وهذا مرة أخرى عامل مشدد جداً في أذهان المحلفين في قضايا الإعدام؛

  6. قد يكون من الصعب جداً على محامي دفاع يفتقر إلى الموارد أو تعوزه الخبرة الكافية تمثيل متهم مصاب بمرض عقلي؛

  7. قد يكون المتهم المريض عقلياً ضعيفاً أمام أعضاء النيابة أو الشرطة المجردين من الضمير؛

  8. قد يميل المحلفون الذين يجهلون المرض العقلي أو يخشونه أو يشكون في قدرة الولاية على توفير علاج مناسب للمصاب بمرض عقلي إلى تأييد عقوبة الإعدام، بسبب خوفهم من ميل المتهم إلى العنف في المستقبل.

  9. إذا ارتكب المتهم جريمة نتيجة المرض العقلي، فقد يبدو أنه لا يملك دوافع. وبالتالي، ربما يعطي الجرم انطباعاً بالوحشية التي لا معنى لها، مما يعزز أكثر مخاوف المحلفين حول خطره في المستقبل.

وبالتالي هناك خطر بأن يكون التعسف ناجماً عن حقيقة أن الأشخاص المصابين بتخلف عقلي قد تم إعفاؤهم من الإعدام بينما لم يتم إعفاء أولئك الذين يعانون من مرض عقلي خطير عند ارتكاب الجريمة.

وإضافة إلى ذلك فإن الاختيارات التي يُقدِم عليها المتهمون والسجناء في قضايا الإعدام والمصابون بمرض عقلي يمكن تُدخل مزيداً من التعسف في الإجراءات المتعلقة بعقوبة الإعدام. وبسبب المرض العقلي، قد يعترف المتهم بالذنب ويطالب بإنزال عقوبة الإعدام به و/أو يرفض تقديم استئناف ضد حكم الإعدام الصادر بحقه يتجاوز الاستئناف الإلزامي المباشر. وحتى إذا تبين أنه يتمتع بالأهلية اللازمة للقيام بذلك، يحتمل أن يزيد هذا الأمر من الطبيعة التعسفية لعقوبة الإعدام. ويمكن لهؤلاء السجناء أن يكسبوا عند تقديم الاستئناف كما حدث في بنسلفانيا في قضية جوي ميلر. إذ تخلى عن استئنافه وباتت تفصله 48 ساعة عن الإعدام قبل أن يغير رأيه ويسمح بتقديم استئناف أمام المحكمة الاتحادية. وبعد ستة أشهر من الحكم الصادر في قضية أتكينـز ضد فرجينيا، خُفِّض حكم الإعدام الصادر على جوي ميلر إلى السجن المؤبد بسبب تخلفه العقلي.

وقد تبين أن نسبة الخطأ في قضايا عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة مرتفعة جداً. وفي معرض اعتراضهما على رفض زملائهما بوقف إعدام سجين من أركنسو تنازل عن تقديم استئناف، حذر قاضيان في المحكمة العليا الأمريكية في العام 1990 من أن هذه الإحصاءات "توضح أنه في غياب شكل من أشكال المراجعة الاستئنافية، سيتم تنفيذ الإعدام بطريق الخطأ في نسبة مئوية عالية بشكل غير مقبول من المتهمين بارتكاب جرائم جنائية – ’بطريق الخطأ‘ لأنهم كانوا أبرياء من ارتكاب الجريمة، لا يستحقون العقوبة الأقسى قياساً بمذنبين لهم وضع مشابه، أو تحرمهم الولاية من أشكال الحماية الإجرائية الضرورية". وقضية جوي ميلر الذي كان يمكن أن يُقتل لو لم يسمح بتقديم استئنافه توضح هذه النقطة.

كذلك يشير تقرير منظمة العفو الدولية إلى أنه لا يجوز لأية مناقشة لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة أن تتجاهل تأثير العرق على نظام القضاء المختص بعقوبة الإعدام. فمثلاً يسأل : إذا كان لون المتهم أسود بمواجهة هيئة محلفين جميع أعضائها أو تقريباً جميعهم من البيض و/أو متهماً بقتل ضحية أبيض يمكن أن يشكلا عاملين مشددين واقعيين لمصلحة إصدار حكم بالإعدام، فكم يتعزز هذان العاملان أكثر إذا كان المتهم يعاني أيضاً من مرض عقلي؟ وأية مخاوف أو تحيزات نختزنها في الوعي أو اللاوعي حول "الآخر" يحتمل أن تتضاعف. وقد تصبح أكثر وضوحاً إذا كان التمثيل القانوني للمتهم بشأن مسألة الصحة العقلية غير كافٍ، أو إذا كانت تكتيكات الادعاء مفرطة في الحماسة.

الأهلية اللازمة للإعدام – إخفاق الحكم الصادر في قضية فورد على مدى 20 عاماً

في قضية فورد، واستناداً إلى مبادئ القانون العادي القائمة منذ زمن طويل، قضت المحكمة العليا أن التعديل الثامن يحظر إعدام المجانين. ورغم أن المحكمة التي بتت في قضية فورد حددت بعض العناصر الضرورية لإثبات تعريف الحد الأدنى الدستوري للجنون، فإن تطبيق الحكم الصادر في قضية فورد يشكل تحدياً لأن المحكمة لم تُعرِّف الجنون أو تفرض إجراءات ينبغي على المحاكم اتباعها لتحديد ما إذا كان المتهم مجنوناً.

محكمة الاستئناف الأمريكية للدورة الرابعة، 28 إبريل/نيسان 2005.

لقد مر قرابة عقدين من الزمن منذ أن قضت المحكمة العليا الأمريكية في قضية فورد ضد وينرايتأن إعدام سجين مجنون ينتهك الحظر الذي يفرضه التعديل الثامن على "العقوبات القاسية وغير العادية". وفعلياً أكد هذا القرار فقط ما كان قائماً أصلاً في بعض الولايات. وفي الواقع، قبل 36 سنة، كتب أحد قضاة المحكمة العليا يقول : "إن قتل رجل أصبح مجنوناً أثناء انتظار تنفيذ حكم الإعدام فيه يسيء إلى تراثنا التاريخيوهذا أمر لا يمكن إنكاره... فلا توجد ولاية واحدة في الاتحاد تؤيد المفهوم القائل إنه يمكن قانونياً إعدام رجل مجنون صدر عليه حكم بالإعدام". وكرر رأي الأغلبية في قضية فوردفي العام 1986 القول إنه "اليوم لا توجد ولاية في الاتحاد تجيز إعدام مجنون" مضيفاً بأنه : "طوال عقود لم تفكر أية ولاية قضائية إعدام مجنون، ومع ذلك لم تقرر هذه المحكمة قط ما إذا كان الدستور يمنع هذه الممارسة. واليوم نحافظ على إيماننا بتراثنا القانوني العام في القول إنه يمنعها".

كانت الأسئلة الملحة بالنسبة للمحكمة العليا في ذلك الحين هي : ما تعريف الجنون، وما الإجراءات التي يجب على الولاية استخدامها لتحديد ما إذا كان السجين يستوفي هذا التعريف؟ وقد أخفق الرأي الصادر في قضي? فوردفي الإجابة عن هذا السؤال. وبينما شارك خمسة قضاة – أكثرية محدودة – في إصدار قرار بأن إعدام شخص مجنون ينتهك التعديل الثامن للدستور، إلا أن هذه الأغلبية انهارت بالنسبة لبقية القرار. ففي رأي منفصل، قدم القاضي باول "معنى الجنون في هذا الإطار" والذي تركته المحكمة مفتوحاً :

"إذا كان المتهم يدرك الصلة القائمة بين جريمته وعقوبته، يكون قد تم تحقيق الهدف القصاصي للقانون الجنائي. وفقط إذا كان المتهم يدرك بأن منيته تقترب يمكنه أن يهيئ نفسه لوفاته. وتبعاً لذلك، أرى أن التعديل الثامن لا يمنع إلا إعدام أولئك الذين لا يدركون العقاب الذي يوشك أن يحل بهم ولماذا سيحل بهم".

ومن الواضح أن هذا معيار أدنى. فحتى إذا كان يبدو أن السجين المدان قادر على إقامة نوع من الصلة بين جريمته وعقابه، فإذا كانت هذه الصلة تقوم في عالم داخلي مبني كلياً على الأوهام وناتجة عن مرض عقلي شديد، فهل يمكن حقاً القول إن لديه فهماً لما يحدث له ولماذا؟ وعلى أية حال، لم يمنع الحكم الصادر في قضية فوردإعدام العديد من السجناء الذين حامت شكوك قوية حول صحتهم العقلية.

كذلك، لا يقتضي التعريف من الولايات المتحدة تحديد ما إذا كان السجين يملك القدرة على مساعدة محاميه. وفي موافقته على القرار الصادر في قضية فوردأشار القاضي باول إلى أنه "من غير المحتمل بالفعل أن يلقى متهم حتفه اليوم مع العلم بوجود خطأ في المحاكمة لم يُكتشف ويمكن أن يجعله حراً طليقاً". وقد أثبتت السنوات اللاحقة أن ثقة القاضي باول لم تكن في محلها، نظراً لمعدل الأخطاء المتعلقة بقضايا عقوبة الإعدام. فمثلاً في العام 1998 كانت فترة 48 ساعة تفصل أنتوني بورتر عن موعد إعدامه بسبب جريمة لم يرتكبها. وأوقف إعدامه استناداً إلى زعم بأن بورتر يعاني من تخلف عقلي ولا يتمتع بالأهلية اللازمة للإعدام. وقبل أن تُعقد الجلسة التي ستنظر في قضية الأهلية، أجرى بعض طلبة الصحافة تحقيقاً في القضية واكتشفوا أدلة تثبت براءة بورتر من ارتكاب الجريمة التي أمضى بسببها حوالي 17 عاماً بانتظار تنفيذ حكم الإعدام فيه.

وحول قضية الإجراءات التي ستستخدم لتحديد الصحة العقلية، تركت المحكمة التي بتت في قضية فورد للولايات كل على حدة "مهمة إعداد طرق مناسبة لإنفاذ القيد الدستوري على تنفيذها للأحكام". وتبين لأربعة من القضاة أن إجراءات فلوريدا (القضية المتعلقة بألفن فورد الذي كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه بولاية فلوريدا) شابتها عيوب لأنها لم "تُشرك السجين في عملية البحث عن الحقيقة"، وحرمته من "أية فرصة للطعن في آراء الأطباء النفسيين الذين عينتهم الولاية أو التشكيك فيها". وتبين للقضاة الأربعة أن "العيب الأكثر لفتاً للنظر" كان حقيقة أن تحديد الصحة العقلية أُسند "كلياً للسلطة التنفيذية". ولم يوافق القاضي باول على أن هناك حاجة لإجراء قضائي، مشيراً إلى أن "الإجراء المقبول دستورياً قد يكون أقل رسمية بكثير من المحاكمة"، وأنه يكفي "قيام موظف أو مجلس حيادي" بمراجعة الأدلة المقدمة من كلا الجانبين. واعتقد قاضيان آخران أن العيب الوحيد في إجراءات فلوريدا هو أنه لم تتح فرصة للسجين للاستماع إليه، بينما أبدى القاضيان المتبقيان اعتراضاً كاملاً، حيث كتبا يقولان إن "الإجراءات التنفيذية بالكامل يمكن أن تستوفي الإجراءات القانونية اللازمة" في هذه القضية.

وأدى هذا الإخفاق في توضيح الإجراءات إلى اتباع مختلف الولايات لمقاربات مختلفة. وفي إبريل/نيسان 2005، أصدرت محكمة الاستئناف الأمريكية للدورة الرابعة قراراً أوضح بأنه بعد عقدين من الزمن، ما زال الحكم الصادر في قضية فورديسبب مشاكل. وكان القرار يتعلق ببيرسي والتون الذي كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه في فرجينيا بسبب ثلاث جرائم قتل ارتُكبت في العام 1996، عندما كان في الثامنة عشرة من عمره. ووافقت محكمة الدائرة الرابعة على أن الحكم الصادر في قضية فورداقتضى فعلاً معرفة أن السجين قادر على التهيؤ لموته، وأن الحكم الصادر في العام 1986 وموافقة القاضي باول عليه اقتضيا إجراء تحقيق أوسع من ذلك الذي باشر فيه قاضي محكمة المقاطعة في قضية بيرسي والتون :

"الشخص الذي لا يستطيع الإقرار، إلا وسط سيل من الردود غير المترابطة، بالحقائق العارية بأنه سيُعدم وأن جريمته هي السبب في ذلك، لا يستوفي معيار الأهلية المطلوبة إما برأي المحكمة التي أصدرت الحكم في قضية فورد أو في موافقة القاضي باول عليه".

وقد اعترض أحد القضاة في هيئة المحكمة الدورية الرابعة، متهماً القاضيين الآخرين "بخلق اختبار دستوري جديد لتحديد الأهلية اللازمة للإعدام". وقال القاضي شد إن "المحور الجديد لا يشكل ببساطة جزءاً من الحكم الصادر في فورد وأشار إلى أن الأغلبية قد "جمعت بطريقة خرقاء أقوالاً متفرقة" من الحكم لتطلع علينا بمعيار يفيد إن السجين يجب أن يكون قادراً على التهيؤ لوفاته. وأشار القاضي شد، الذي ردد صدى كلام أعضاء نيابة وقضاة وسياسيين آخرين حذروا من أن المعايير التقدمية ستسمح للسجناء بادعاء الجنون لتجنب الإعدام، إلى أن هذا "المحور الجديد يمنع فعلياً إنزال عقوبة الإعدام بأي سجين مدان يطلق زعم الجنون".

ومن الواضح أنه آن الأوان للمحكمة العليا الأمريكية لأن تلقي نظرة جديدة على حكمها الصادر في قضية فورد ضد وينرايت. ويجب أن توضح الحماية وتوسعها. وبدايةً، يجب أن يتضمن المعيار قدرة المتهم على مساعدة محاميه. وهناك أخطاء عديدة جداً لم يُكشف النقاب عنها في قضايا الإعدام، حتى أن البعض تبين له بعد رفض طلب الرأفة، أن قدرة السجين على مساعدة محاميه يجب أن تشكل شرطاً لتوافر الأهلية. وعلاوة على ذلك، يجب أن يتبين بأن السجين قادر على القيام بأكثر من مجرد إقامة صلة ما غامضة بين الجريمة والعقاب الذي أنزل به. وينبغي أن يكون لدى السجين المدان فهم حقيقي ومنطقيللصلة وليس مجرد معرفة الحقائق أو إدراكها.

وقضت المحكمة العليا الأمريكية أن معيار الأهلية في ال�578?خلي عن الحق في تقديم استئناف في قضية إعدام هو ما إذا كان السجين يملك "القدرة على تقدير وضعه والإقدام على اختيار منطقي(التشديد مضاف). كذلك تبين للمحكمة أن معيار الأهلية اللازمة للاعتراف بالذنب، والتنازل عن الحق في توكيل محام والخضوع للمحاكمة، هو نفسه ويتضمن أيضاً عنصر المنطق. إذ ينبغي أن يتمتع المتهم "بقدرة حالية كافية على التشاور مع محاميه مع درجة معقولة من الفهم المنطقي" و"بفهم منطقيفضلاً عن فهم واقعي للإجراءات المتخذة ضده" (التشديد مضاف). وقالت المحكمة إن السعي لضمان هذه الأهلية يشكل "هدفاً متواضعاً". فلماذا يجب أن يُهمل حتى هذا الهدف المتواضع في الجهود التي تبذلها الولاية لإدخال السجين المصاب بمرض عقلي خطير إلى غرفة الإعدام؟

ولعله في النهاية ستُقر المحكمة العليا الأمريكية بأنه ببساطة من غير الممكن أن نعرف بما لا يدع مجالاً للشك المعقول أي من السجناء يتمتع بالأهلية اللازمة لإعدامه، ومن لا يتمتع بها. وكما ذكرت محكمة الدورة الرابعة في القرار الذي أصدرته في قضية بيرسي والتون في إبريل/نيسان العام 2005، فإنه "ما من شك في أن تحديد ما إذا كان الشخص يتمتع بالأهلية للإعدام ليس علماً دقيقاً". وبعبارة أخرى، ستقع دائماً أخطاءوتناقضات على الهامش. وفي نهاية المطاف، هناك حل واحد فقط هو إلغاء العقوبة.

الخلاصة : أسوأ الأسوأ أم فشل القيادة؟

بُنيت أمتنا على وعد بالحياة والحرية لجميع المواطنين. وإذ استرشد آباؤنا المؤسسون باحترام عميق لكرامة الإنسان،عملوا على ضمان هذه الحقوق للأجيال المقبلة، واليوم نواصل السعي للوفاء بالوعد الذي قطعوه في قوانيننا ومجتمعنا ... وإننا نعيد تأكيد قيمة الحياة الإنسانية ... ومن خلال السياسات الأخلاقية وحنو الأمريكيين، سنواصل بناء ثقافة تحترم الحياة.

الرئيس جورج دبليو بوش، 14 يناير/كانون الثاني 2003

عندما أعادت المحكمة العليا الأمريكية العملبعقوبة الإعدام في قضية غريغ ضد جورجيافي العام 1976، خلصت إلى أن "المعايير المعاصرة للياقة" في الولايات المتحدة الأمريكية لم تتطور إلى النقطة التي تصبح فيها عقوبة الإعدام بحد ذاتها غير دستورية. وتوصلت إلى هذه الخلاصة بعد أن نوهت بأنه في السنوات الأربع التي انقضت منذ أن شطبت فيها المحكمة عقوبة الإعدام في قضية فورمان ضد جورجيابسبب الطريقة التعسفية التي كانت تطبق فيها، سنت 35 ولاية على الأقل قوانين جديدة خاصة بعقوبة الإعدام، وهكذا أثبتت بأن الرأي العام لم ينقلب ضد القتل القضائي. بيد أن المحكمة قالت أيضاً أن "التصورات العامة لمعايير اللياقة"، كما يقيسها هذا النشاط التشريعي "ليست حاسمة". والعقوبة، كما قالت "يجب أن تتناسب أيضاً مع كرامة الإنسان وهو المفهوم الأساسي الذي يكمن وراء التعديل الثامن. وهذا يعني على الأقل أن العقوبة يجب ألا تكون مفرطة".9

وفي قضية روبر ضد سيمونزفي العام 2005 وأتكينـز ضد فرجينياقبلها بثلاث سنوات، أبعدت المحكمة العليا الأمريكية أخيراً الأطفال والأشخاص المصابين بتخلف عقلي عن متناول عقوبة الإعدام، مكررة بأن "عقوبة الإعدام يجب أن تقتصر على أولئك المذنبين الذين يرتكبون فئة ضيقة من الجرائم الأكثر خطورة والذين يجعلهم ذنبهم الشديد الأكثر استحقاقاً للإعدام". وبعبارات دولية أتت القرارات متأخرة بدرجة لا تُصدق. وبعبارات وطنية، فإن حقيقة أن المذنبين المصابين بأمراض عقلية خطيرة يظلون معرضين لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية تظل بارزة بشكل صارخ أكثر من أي وقت مضى. وما من شك في أن عقوبات الإعدام في هذه الحالات مفرطة ومتعارضة مع كرامة الإنسان، سواء كانت الكرامة المقصودة هي كرامة المذنب أو المجتمع ككل.

حُكم على نوريس تيلر بالإعدام بعد فترة وجيزة من صدور القرار المتعلق بقضية غريغ. والآن وقد أصبح في الحادية والستين من عمره، ما برح ينتظر تنفيذ حكم الإعدام فيه في نورث كارولينا منذ أكثر من ربع قرن. وقالت محاميته الحالية إن تيلر هو أحد أكثر الأشخاص المرضى عقلياً الذين التقت بهم في حياتها.

وقد ترعرع نوريس تيلر وسط الفقر في فرجينيا. وتعرض للأذى الجنسي والجسدي والعاطفي على أيدي أقربائه وسواهم من الراشدين. وكان يبول في سريره حتى سن البلوغ، وفي كل مرة يفعل فيها ذلك كان يتعرض للضرب ويُرسل إلى المدرسة في ملابس قذرة، حيث يتعرض حينها للإذلال. وذكر أن صداعه الذي لازمه طوال حياته بدأ عندما كانت والدته تلقي به من الدرج وهو في سن السابعة.وفي السنوات الخمس الأولى التي أمضاها في المدرسة، غاب لمدة تسعة أسابيع وثمانية أسابيع وستة أسابيع و11 أسبوعاً وستة أسابيع على التوالي. وفي سن الخامسة عشرة اصطدم بالقانون، وفي السنة التالية اتهم بخلع باب منـزل والدخول إليه، وأُرسل إلى مركز اعتقال خاص بالأحداث. وكطفل بدأ نوريس تيلر يشعر بالهلوسة، بما في ذلك رؤية رجل يخرج من الخزانة حاملاً فأساً ومحاولاً قتله، ويسمع أصواتاً في رأسه منذ سن الخامسة أو السادسة أمرته بأن يؤذي الناس.

وفي العام 1978، عندما بلغ سن 34 عاماً، اتُهم نوريس تيلر بقتل كاثي كينغ. وكانت ضيفة في النزل الذي كان يعمل فيه تيلر حارس أمن. وواجهها بشأن تسجيلها كشخص واحد وليس كفريق يضم شخصين. وأطلق النار عليها بعدما نعته "بالزنجي" وبصقت عليه. وحُكم على تيلر بالسجن مدى الحياة، لكنه تمكن من الهرب. وفيما بعد أطلق النار على ميلدريد مورتشيسون، وهي امرأة حامل كان يحاول سرقة سيارتها، فأرداها قتيلة. وخلال المحاكمة، قاطع المرافعات بصورة متكررة بالصراخ والصياح، وأمضى جزءاً كبيراً منها إما مطروداً خارج قاعة المحكمة أو رافضاً الحضور. ويعتقد محاموه، الذين رفض التعاون معهم، أنه لم يكن يتمتع بالأهلية للخضوع للمحاكمة. بيد أنه رفض أيضاً التعاون مع طبيب أُمر بتقييم حالته.

وعلى مر السنين، أشار تشخيص حالة نوريس تيلر إلى أنه يعاني من ال

u1601?صام المصحوب بالارتياب (بعقدة الاضطهاد)، فضلاً عن الاضطراب الإجهادي الذي يعقب الصدمة مع نوبات انفصال عن الواقع. ويبدو أنه يعتقد أن الشيطان يتلبسه وأنه سيعود إلى الحياة إذا أُعدم وأن ميلدريد مورتشيسون كانت تقمصاً لزوجته السابقة (التي اكتشف أنها ماتت بالسرطان بعد هروبه من السجن وقبل قتل مورتشيسون). فما الغرض الذي يؤديه إعدام نوريسن تيلر للمجتمع الأوسع؟ ألا يصل إلى مستوى انتقام لا طائل تحته؟

وهل يمكن لشخص مصاب بمرض عقلي خطير غير التخلف العقلي في وقت ارتكاب الجريمة أن يقال عنه إن "الذنب الشديد" الذي تفترضه عقوبة الإعدام ينطبق عليه؟ فإذا كانت معايير اللياقة لدى المجتمع قد تطورت لدرجة تمنع فيها قتل المذنبين الأطفال وأولئك المتخلفين عقلياً بمباركة الدولة، فكيف يمكن للمجتمع ذاته أن يجيز إعدام الأشخاص المصابين بمرض عقلي خطير؟ وفي حين أن التعريف الدقيق لمن يمكن أن يُستبعد بموجب القانون الذي يحظر إعدام الأشخاص المصابين بمرض عقلي يتجاوز نطاق هذا التقرير، إلا أنه أظهر أن الضمانات المتوافرة حالياً ليست كافية، وأن المذنبين المصابين بأمراض عقلية خطيرة "معرضون بشكل خاص للإعدام الخطأ"، وأن هناك حاجة للقيادة التي تتحلى بالمبادئ لتصحيح هذا الوضع.

وفي العام 1972 في قضية فورمان ضد جورجيا، كتب القاضي مارشال يقول : "إن الفقراء وأبناء الأقليات هم الأقل قدرة على التعبير عن شكاويهم ضد عقوبة الإعدام. فعجزهم يتركهم فريسة لعقوبة يستطيع الشخص الثري والأفضل تمثيلاً، رغم أنه ليس أقل ذنباً، أن يفلت منها." والآن وقد أُبعد الأطفال والأشخاص المتخلفون عقلياً عن متناول عقوبة الإعدام، يظل المتهمون المصابون بمرض عقلي الأهداف الأكثر عرضة للانتهاك في نظام قضائي مختص بعقوبة الإعدام يشهد في أحيان كثيرة جداً سوء سلوك من جانب النيابة وتمثيلاً قانونياً للمتهمين الفقراء في قضايا الإعدام دون المستوى المطلوب عموماً.

لقد أوصت منظمة العفو الدولية منذ وقت طويل بإلغاء عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي عقوبة لا يجوز أبداً أن تكون جزءاً من مواجهة المجتمع للجريمة، ليس أقله عندما تزعم الدولة أنها قوة تقدمية من أجل حقوق الإنسان ونصيراً للكرامة الإنسانية. بيد أن الآخرين هم الذين يملكون سلطة وضع حد لعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية، ومما يدعو للأسف أن المشرعين والقضاة والسياسيين أبدوا ميلاً قليلاً لتوجيه بلادهم بعيداً عن القتل بمباركة الدولة.

لكن كخطوة أولى دنيا، ربما يمكن إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بأن تتخلص من أحد أكثر الجوانب المعيبة في هذه العقوبة غير اللائقة – إعدام الأشخاص الذين يعانون من مرض عقلي خطير. ومن خلال التقرير الذي تشكل هذه الوثيقة ملخصاً له، ستنضم منظمة العفو الدولية إلى الحملة الهادفة إلى توفير مثل هذا الإعفاء للمصابين بمرض عقلي، حتى مع مواصلة المنظمة سعيها لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بوضع حد لاستخدامها لعقوبة الإعدام أصلاً.

الملحق – قائمة توضيحية بأسماء 100 سجين أُعدموا

فيما يلي قائمة بأسماء 100 شخص أُعدموا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن استأنفت عمليات القتل القضائي في العام 1977. وتمثل هذه القائمة حوالي 10 بالمائة من الذين نُفِّذ فيهم حكم الإعدام في البلاد خلال هذه الفترة، وهي لأغراض توضيحية فقط. ولا يُزعم بأنها شاملة – كذلك أثارت قضايا آخرين أُعدموا أسئلة جدية تتعلق بصحتهم العقلية. وبينما كان بعض الأشخاص المدرجة أسماؤهم أدناه يعاني من تخلف عقلي مزعوم فضلاً عن مرض عقلي أو تلف في الدماغ، فإن القائمة لا تتضمن أسماء أولئك الذين اندرجت أمراضهم العقلية المزعومة بصورة صريحة وحصرية ضمن نطاق "التخلف العقلي" (للاطلاع على قائمة بأسماء 40 شخصاً أُعدموا بين العامين 1984 و2001 رغم مزاعم التخلف العقلي، انظر الصفحتين 100 و101 من التقرير المعنون الولايات المتحدة الأمريكية : عقوبة الإعدام بحق المذنبين الأطفال : غير لائقة وغير قانونية دولياً، سبتمبر/أيلول 2002، http://web.amnesty.org/library/Index/ENGAMR511432002). وأخيراً، رغم أن بعض الحالات المدرجة أدناه تثير سؤالاً حول خلفية أصحابها التي تنطوي على تعرضهم للانتهاكات، إلا أن القائمة بعيدة جداً عن الشمولية في هذه القضية. ولا تهدف إلى توضيح حالات الأشخاص الكثر جداً الذين أُعدموا في الولايات المتحدة الأمريكية والذين ينتمون إلى خلفيات تنطوي أحياناً على انتهاكات مروعة جداً في مرحلة الطفولة، وعلى الحرمان والفقر والعنصرية والتهميش الاجتماعي، لكن الذين لم تعقب خلفياتهم بالضرورة تشخيصات لاحقة لمشاكل الصحة العقلية التي أُصيبوا بها لاحقاً. ويشير الرمز إلى السجين الذي تخلى عن تقديم استئنافه و"رضي" بإعدامه.

1984

آرثر غود فلوريدا. لدى آرثر غود تاريخ موثق في المرض العقلي منذ سن الثالثة. وقد هرب من مستشفى للأمراض العقلية في العام 1976 وقتل صبياً عمره 10 سنوات. ومثَّل نفسه في المحاكمة التي أُجريت له في العام 1977 ولاحظت خلالها المحكمة الدائرية الحادية عشرة أنه "قدم أدلة تؤكد إدانته، وشهد بتفاصيل مثيرة على ذنبه، وساق الحجج للمحلفين دعماً لإدانته والحكم عليه بالإعدام". واعترفت المحكمة الدائرية الحادية عشرة بأن لديها "شكوكاً جدية حول أهلية غود"، لكنها أيدت إدانته. وقضى حاكم فلوريدا وثلاثة أطباء نفسيين عينتهم الولاية بأنه يتمتع بالأهلية اللازمة لإعدامه، وهي إجراءات كانت اعتُبرت غير دستورية بعد مرور سنتين في قضية فورد ضد وينرايت.

1985

موريس مايسون فرجينيا.كان لدى موريس مايسون تاريخ طويل في المرض العقلي وأمضى وقتاً في ثلاث مؤسسات للأمراض العقلية تابعة للولاية حيث أشار تشخيص حالته إلى أنه يعاني من الفصام المصحوب بعقدة الاضطهاد. وفي الأسبوع الذي سبق جريمة القتل التي أُدين بارتكابها، طلب مرتين مساعدة من الموظف المسؤول عن مراقبة سلوكه بشأن إساءة استخدامه للخمر والمخدرات والتي فقد السيطرة عليها – وعشية الجريمة، يبدو أنه طلب وضعه في "دار وسيطة" (بين المستشفى والحياة الخارجية)؛ بيد أنه لم تتوافر مرافق لذلك في فرجينيا. وتبين لثلاثة أطباء نفسيين بصورة مستقلة عن بعضهم البعض أن موريس يعاني من الفصام المصحوب بعقدة الاضطهاد قبل فترة ثماني سنوات من محاكمته في العام 1978.

تشارلز رامبو تكساس. قبيل قتله مايكل فيوريلو خلال عملية سطو في العام 1975، هرب تشارلز رامبو من مستشفى للأمراض العقلية حيث كان يعالج من مرض الاكتئاب الجنوني. ورامبو الذي كان في السابعة عشرة من عمره في وقت ارتكاب الجريمة، تخلى عن تقديم استئناف. وجاء في رأي معارض عبر عنه قاضيان في المحكمة العليا الأمريكية أن : "رامبو يطلب إعدامه لأنه يعرف بأنه مريض عقلياً وفقد أي أمل بالحصول على علاج. ولولا مرضه وتشاؤمه من الحصول على علاج، لكان استمر ربما في الطعن بحكم الإعدام؛ لكن إزاء رؤيته للحياة بدون علاج من مرض عقلي شديد، يقرر رامبو أن يموت ... رجل يائس يسعى إلى استخدام جهاز الإعدام في الولاية كأداة للانتحار."

1986

ديفيد فانتشس فلوريدا.حكم على ديفيد فانتشس، وهو من قدامى المحاربين في فيتنام وحائز على وسام، بالإعدام في العام 1975 بسبب قتله شخصين خلال عملية سطو على حانة في العام 1974. وقد شارك في بعض من أكثر المعارك ضراوة في حرب فيتنام. وأشار التشخيص الأول الذي أجراه خبير بارز في المرض إلى أنه يعاني من اضطراب إجهادي عقب الصدمة. ولم يُعرف المدى الكامل لحالته إلى حين إجراء مزيد من التحريات في الأشهر التي سبقت إعدامه. ووصفت عائلته كيف عاد من فيتنام شخصاً مختلفاً ومدمناً على الهيروين. وكان لا يستطيع تحمل الضجيج وتقض مضاجعه ذكريات الأحداث الماضية التي كانت تعود إليه بصورة متكررة،ويعاني من قلة النوم والكوابيس المتكررة. ولم يستقصِ المحامي الذي يدافع عنه خلفية موكله بهدف تخفيف العقوبة.

1987

بيلي ميتشل جورجيا.تبين أن بيلي ميتشل يعاني من الاضطراب الإجهادي الذي يعقب الصدمة بعد أن تعرض للاغتصاب المثلي بصورة متكررة بينما كان يقضي عقوبة بالسجن على سرقة منـزلية زُعم أنه ارتكبها عندما كان في سن 16 عاماً خلال نوبة اكتئاب أصابته بسبب طلاق والديه. وبعد أن كان معروفاً عنه سابقاً بأنه طالب يتمتع بذكاء حاد وقدرة رياضية استثنائية، أُصيب ميتشل بعدها باكتئاب شديد. واعترف بذنبه في جريمة قتل عامل في دكان بقالة عمره 14 عاماً خلال محاولة سطو جرت في العام 1974. وفي مرحلة إصدار الحكم، لم يستدعٍ محاميه أية شهود ولم يقدم أية أدلة لتخفيف الحكم.

1988

روبرت ستريتمان تكساس. أُصيب روبرت ستريتمان بجرح بالغ في رأسه عندما كان طفلاً، وعانى بعدها من سلسلة من المشاكل العقلية بينها الأوهام والهلوسة المتواصلتين. وبدأ يتناول عقاقير عندما كان في الثامنة من عمره وترك المدرسة في سن 14 عاماً. وحُكم عليه بالإعدام بسبب قتله امرأة خلال عملية سرقة لمنـزلها. وكان عمره 22 عاماً في حينه. ولم يقضِ اثنان من شركائه الثلاثة في السرقة أية عقوبة بالسجن قط مقابل تعاونهما مع النيابة.

وين فلد لويزيانا.كان وين فلد من قدامى المحاربين في فيتنام وشهد معارك ضارية "كجرذ أنفاق" (شخص مختص في العثور على أنفاق العدو).