Document - Sudan: Empty promises ? Human rights violations in government - controlled areas
رقم الوثيقة : AFR 54/036/2003 منظمة العفو الدولية يوليو/تموز 2003
السودان : وعود جوفاء؟
انتهاكات حقوق الإنسان وظاهرة الإفلات من العقاب
في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة
قائمة المحتويات
1. المقدمة 1
2. خلفية : انتهاكات حقوق الإنسان في النـزاع المسلح وعملية السلام 3
3. المعايير الدولية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني 5
4. عمل منظمة العفو الدولية 6
5. الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي 8
1.5 قضايا المعتقلين 11
2.5 الاعتقال لدى المخابرات العسكرية 14
6. التعذيب 15
1.6 عمليات ضرب الطلاب 16
2.6 عمليات الضرب في دارفور 18
3.6 التعذيب على يد المخابرات العسكرية 19
7. المحاكمات الجائرة 20
1.7 المحاكمات السياسية 20
2.7 إجراءات المحاكمات الخاطئة التي تتبعها عمليات الجلد وبتر الأطراف 21
3.7 عقوبة الإعدام 23
4.7 المحاكم الخاصة 24
1.4.7 رزيقات88 25
2.4.7 قضية سينغيتا 26
3.4.7 المحاكمات الجائرة الأخرى أمام المحاكم الخاصة 26
8. القيود المفروضة على حرية الصحافة 27
9. اعتقال المدافعين عن حقوق الإنسان ومضايقتهم 32
10. المضايقات والقيود المفروضة على حق التجمع والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين 34
1.10 الاستدعاءات المتكررة من قبيل المضايقة أو العقاب 34
2.10 حق التجمع 35
3.10 الاستخدام المفرط للقوة 35
11. انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضد النساء والناشطات 38
12. أزمة حقوق الإنسان في دارفور 39
13. الخلاصة 43
14. التوصيات 44
توصيات منظمة العفو الدولية لوضع حد لممارسة الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي 44
توصيات لوضع حد للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة 44
توصيات لوضع حد للمحاكمات الجائرة 45
توصيات لإلغاء عقوبة الإعدام 45
توصيات تتعلق بحرية التعبير 46
توصيات حول المدافعين عن حقوق الإنسان 46
توصيات حول المضايقة وحق التجمع والاستخدام المفرط للقوة 46
توصيات بشأن حقوق المرأة 47
توصيات تتعلق بدارفور 47
السودان :وعود جوفاء؟
انتهاكات حقوق الإنسان وظاهرة الإفلات من العقاب
في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة
1. المقدمة
إن بروتوكول ماتشاكوس الذي وُقِّع في 20 يوليو/تموز 2002 من جانب الحكومة السودانية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان، ويشار بكلمة "الحركة" إلى الجناح السياسي للجماعة المعارضة المسلحة الرئيسية في جنوب البلاد، وبكلمة "الجيش" إلى قواتها العسكرية) والذي بشَّر بالتوقيع على اتفاقية سلام في المستقبل، أعطى بارقة أمل جديدة للشعب السوداني. واليوم تتواصل مفاوضات السلام تحت رعاية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد، وهي تجمع إقليمي لحكومات شرق أفريقيا) والوسطاء الدوليين – وبخاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج – لوضع حد للحرب الأهلية التي دارت رحاها في جنوب السودان وما زالت طوال جزء كبير من الخمسة والأربعين عاماً التي مضت على نيل السودان استقلاله. وخلال الأعوام العشرين الماضية، قتل نحو مليوني شخص وهُجر 4,5 مليون نسمة بفعل النـزاع والمجاعات التي تسبب بها. وكان الأغلبية العظمى من الضحايا من المدنيين وأبناء الجنوب.
وقد وافق بروتوكول ماتشاكوس على مبدأ إجراء انتخابات حول حق تقرير المصير في الجنوب بعد فترة مؤقتة مدته75? ست سنوات تبدأ اعتباراً من التوقيع على أية اتفاقية نهائية. وتركز محادثات السلام الجارية الآن بين الحكومة السودانية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان على ثلاث نواحٍ عامة للنقاش: اقتسام السلطة واقتسام الثروة والمناطق الحدودية في أبيي وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق التي شهدت قتالاً أيضاً.
ويتناول هذا التقرير أساساً انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الأمن الحكومية وإدارة القضاء في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السودانية. وفي الوقت الراهن لا تحظى قضايا العدالة وحقوق الإنسان بمعالجة كافية في المباحثات التي تجري في مفاوضات السلام، ولا يشارك المجتمع المدني في كل من الشمال والجنوب في هذه المحادثات. لكن القتال الذي يدور منذ قرابة الـ 45 عاماً في السودان كان ولا يزال يتعلق بقضايا العدل والتمييز: فالشعب السوداني يتطلع بشغف إلى الحصول على حقوقه المدنية والسياسية التي يركز عليها هذا التقرير، ليس هذا وحسب، بل أيضاً للحصول على حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما فيها حقوقه في السكن الكافي والعمل والصحة والتعليم. ويؤثر التمييز الممارس في السودان على أبناء الجنوب وغيرهم ممن يقطنون في المناطق الحدودية، لكنه يطال أيضاً أناس يعيشون في الشمال والغرب والشرق. ويؤثر التمييز أكثر ما يؤثر على الفقراء والمهجرين داخلياً، وأغلبيتهم من النساء – أي أكثر من نصف السكان البالغين للسودان.
وتلوح نذر حرب أخرى في دارفور بغرب السودان، حيث شُكِّلت جماعة معارضة مسلحة تدعى جيش التحرير السوداني في فبراير/شباط 2003. وتزعم هذه الجماعة أنها حملت السلاح بسبب التخلف والتهميش والتقاعس المتصور للحكومة عن حماية الناس من انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة. وردت الحكومة على الوضع المتدهور في دارفور بانتهاك حقوق الإنسان، وفي نهاية مارس/آذار 2003 قررت استخدام القوة العسكرية لتسوية الأزمة. وتخشى منظمة العفو الدولية من أنه ما لم تتم معالجة القضايا المتعلقة بالعدالة والتمييز في جميع مناطق السودان بصورة شاملة في محادثات السلام، ستظل بذور النـزاع موجودة في البلاد. ولن يتحقق السلام الدائم في السودان إلا إذا تم تكريس حقوق الإنسان للجميع في القانون، ليس هذا وحسب بل تم احترامها على صعيد الممارسة.
وتظل القيادة العسكرية للسودان بيد اللواء عمر حسن البشير، الذي انتزع السلطة في انقلاب عسكري وقع في يونيو/حزيران 1989 من حكومة كانت على ما يبدو تتجه نحو إجراء محادثات سلام مع الجنوب. وفي شمال السودان حصلت تغييرات إيجابية منذ مطلع التسعينيات، عندما كانت "جميع قطاعات المجتمع السوداني فعلياً في كافة أنحاء البلاد تعاني من الانتهاكات المتواصلة والصارخة لحقوق الإنسان" و"عندما أُجبرت المعارضة السياسية على اللجوء إلى العمل السري"1، كما ورد في أحد تقارير منظمة العفو الدولية. ويبدو أن عدد المعتقلين السياسيين قد تناقص، رغم أنهم يشملون الآن أنصار المؤتمر الوطني الشعبي الذي يتزعمه حسن الترابي، الذي كان يعتبر في السابق القوة العقائدية التي تقف خلف حكم البشير. ويبدو أن التعذيب بات أقل منهجية. ويُسمح لبعض منظمات حقوق الإنسان التي توثق انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة السودانية بالعمل. ومُنحت الصحف فسحة من الحرية في تعليقاتها منذ رفع الرقابة في ديسمبر/كانون الأول 2001 وعاد العديد من الخصوم السياسيين السابقين الذين أُجبروا على طلب اللجوء في الخارج، إما بصورة دائمة أو للقيام بزيارات.
وإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة السودانية بالتفاتات عديدة لتعزيز حقوق الإنسان. فهناك بعثة فنية للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العاصمة الخرطوم. وهناك لجنة لاجتثاث ممارسة خطف النساء والأطفال، ومركز استشاري لحقوق الإنسان، ولجنة لحقوق الإنسان في البرلمان، وقسمان لحقوق الإنسان في وزارتي العدل والخارجية. وصدرت تصريحات عن أعضاء الحكومة حول جعل القوانين السودانية تتماشى مع القوانين الدولية وشارك بعض أفراد قوات الأمن القومي في التدريبات الخاصة بحقوق الإنسان.
ومع ذلك، فرغم حدوث تقدم مهم في تعزيز حقوق الإنسان في شمال السودان، والتوصل إلى اتفاقيات برعاية دولية حول قضية حماية المدنيين في معظم أنحاء الجنوب، ما زال يصح القول إن : "كافة أنواع انتهاكات حقوق الإنسان التي تقلق منظمة العفو الدولية قد ارتُكبت من جانب المؤسسة السياسية والعسكرية التي تتصرف وكأنها لا تخضع للمساءلة"2وربما تراجع حجم وخطورة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الشمال، لكن ليس استمرار وقوعها واستفادة مرتكبيها من ظاهرة الإفلات من العقاب.
ويسمح قانون قوات الأمن القومي الأمن باعتقال عشرات السودانيين لأسباب سياسية مدة تصل إلى تسعة أشهر من دون تهمة أو محاكمة ومن دون الحق في الاتصال بالعالم الخارجي. وبموجب القانون نفسه، تتمتع قوات الأمن بالحصانة من العقاب على أفعالها، بما فيها التعذيب أو سوء المعاملة، التي تقوم بها بصفتها المهنية. ويحكم على مئات السودانيين كل عام بعقوبات قاسية أو لا إنسانية أو مهينة – تتضمن الجلد وبتر الأطراف وعقوبة الإعدام- في محاكمات غالباً ما تجري بإجراءات مقتضبة وتكون بالغة الجور. ويتم تقييد حرية تعبير الصحفيين عن آرائهم والتضييق عليها بالمراقبة ووقف الصحيفة عن الصدور وغيرها من العقوبات، وقد تتعرض الاجتماعات العامة للمداهمة والحظر. وغالباً ما يتم التعامل مع المظاهرات بالاستخدام المفرط للقوة الذي يؤدي إلى مقتل أشخاص.
وعدم خضوع قوات الأمن للمساءلة مكرس في القانون السوداني الذي يجيز الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي ويمنح أفراد هذه القوات الحصانة من العقاب على أفعالهم. كما يمكن للقانون السوداني أن يجيز استخدام الاعترافات، التي قد تنتـزع تحت الإكراه، في المحاكمات.
2. خلفية : انتهاكات حقوق الإنسان في النـزاع المسلح وعملية السلام
منذ نيل السودان استقلاله في العام 1957، لم تتمتع البلاد إلا بـ 11 سنة من السلام؛ وانتهت حرب سابقة في الجنوب والمناطق الحدودية بين الشمال والجنوب بتوقيع اتفاقية أديس أبابا في العام 1973 التي منحت الجنوب حكماً ذاتياً إقليمياً. واندلعت الحرب مرة أخرى في العام 1983. وجرت عدة مبادرات باتجاه عملية السلام لكنها منيت بالفشل : في العام 1989، في عهد رئيس الوزراء الصادق المهدي، قبل وقوع الانقلاب الذي قاده اللواء عمر حسن البشير؛ وفي العام 1997 عندما جرى التوقيع على إعلان مبادئ، لكن لم يتم فعل شيء لتنفيذه. وبدا أن المحادثات التي جرت تحت رعاية مختلف الوسطاء – نيجيريا وليبيا ومصر ومنظمة إيغاد - لم تؤد إلى أية نتيجة.
وارتكب كلا طرفي النـزاع في جنوب السودان انتهاكات لحقوق الإنسان ومخالفات للقانون الإنساني الدولي بقتل المدنيين وإصابتهم بجروح وتعذيبهم وخطفهم، ومن ضمنهم النساء والأطفال، وتجنيد الأطفال في القوات المسلحة ومهاجمة القرى وتدمير الممتلكات والمحاصيل، وإجبار ملايين الأشخاص على التحول إلى مهجرين داخلياً أو لاجئين. وقد وثقت منظمة العفو الدولية الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان والميليشيات المتحالفة معها – عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء وقتل المدنيين والاغتصاب والخطف والنهب والتهجير القسري. وهي ليست موضوع هذا التقرير. بيد أنه مهما كانت خطورة انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ارتكبها الجيش الشعبي لتحرير السودان والجماعات المسلحة المتحالفة معه، لا يمكن لها أبداً أن تشكل عذراً أو تُستخدم كمبرر للانتهاكات التي ترتكبها الحكومة للمعاهدات الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان التي التزمت باحترامها.
ونتجت انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي سببت هذا القدر الكبير من الآلام عن انعدام مساءلة قوات الأمن. فقد عمد الجيش الحكومي وقوات الدفاع الشعبي، وهي قوات حكومية شبه عسكرية، والميليشيات الشمالية والجنوبية المدعومة من الحكومة السودانية، إلى قتل المدنيين واغتصاب النساء واختطافهن وخطف الأطفال وتجنيدهم وتدمير المنازل والممتلكات. ومن خلال التقاعس عن إجراء تحقيقات أو تقديم الأشخاص المتهمين بارتكاب هذه الانتهاكات إلى العدالة، أظهرت الحكومة أن هذه الأفعال تحظى بالقبول وحتى التشجيع.
وفي العام 2001، زادت الولايات المتحدة مشاركتها في عملية السلام في السودان بتعيين السناتور السابق جون دانفورث، كمبعوث خاص للولايات المتحدة معني بالسلام في السودان. واقترح أربعة اختبارات لالتزام الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان بالسلام، وافق عليها الطرفان. ونتيجة لذلك، تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار في جبال النوبة بمراقبة دولية في يناير/كانون الثاني 2002، وجرى تجديده منذ ذلك الحين كل ستة أشهر. وفي مارس/آذار 2002، وقعت الحكومة والجيش الشعبي لتحرير السودان على تعهد، يخضع لمراقبة فريق دولي، بعدم مهاجمة المدنيين والأهداف المدنية. وشُكِّلت لجنة دولية من الخبراء للتحقيق في الرق في السودان وأصدرت تقريراً يتضمن توصيات في مايو/أيار 2002. وإضافة إلى ذلك، وافق الطرفان على السماح للمنظمات الإنسانية بتنفيذ برامج طبية في "المناطق التي تنعم بالهدوء".
وفي يونيو/حزيران 2002، بدأت محادثات سلام أكثر جدية تحت رعاية إيغاد، بقيادة كينيا ووسطاء دوليين في ماتشاكوس بكينيا، وفي 20 يوليو/تموز، تم التوقيع على بروتوكول ماتشاكوس. بيد أن عملية السلام توقفت عندما استولى الجيش الشعبي لتحرير السودان على بلدة توريت الواقعة في المنطقة الاستوائية في 1 سبتمبر/أيلول، وحظرت الحكومة الرحلات الجوية للإغاثة الإنسانية إلى المنطقة الاستوائية. واستؤنفت عملية السلام بعد استعادة الحكومة لتوريت في أكتوبر/تشرين الأول. وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول وقع الطرفان على "مذكرة تفاهم تتعلق بوقف العمليات الحربية"، أي وقف إطلاق النار. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، وللمرة الأولى منذ 20 عاماً، وكما ذكرت إحدى المجموعات التي تراقب الحرب، فقد مر شهر من دون ورود أنباء حول مقتل مدني على يد أي من الجانبين.
لكن في يناير/كانون الثاني 2003، انهار وقف إطلاق النار بسبب تجدد الأنشطة العسكرية في المنطقة النفطية في النيل الأعلى (أو منطقة الوحدة) الواقعة جنوب بنتيو. وشن الهجمات كل من الجيش السوداني والميليشيات الجنوبية المتحالفة معه ضد البلدات والقرى، وبخاصة تلك الواقعة على طريق تشقه الحكومة السودانية بين بنتيو وأدوك. وسبق هذه الهجمات تجنيد قسري للشبان في الخرطوم أواخر العام 2002 وللرجال والأطفال في بنتيو. وأشار فريق حماية المدنيين والمراقبة المكلف بمراقبة اتفاقية عدم مهاجمة المدنيين، إلى تهجير السكان عقب هذه الهجمات، فضلاً عن التجنيد القسري للرجال والأطفال واختطاف النساء لأغراض العمل وغيرها من الأغراض على يد الحكومة والقوات المتحالفة معها.
وفي 4 فبراير/شباط 2003، أُنشئ بموجب ملحق لاتفاقية وقف إطلاق النار فريق التحقق والمراقبة، المؤلف من مراقبين دوليين وممثلين للحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان. وكُلف بمهمة التحقيق في انتهاكات وقف إطلاق النار وتحركات القوات التابعة للطرفين ومراقبة عودة المدنيين الذين هُجروا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2002. وكان هدفه إقامة وجود دائم في مواقع مختلفة بجنوب السودان بحلول يونيو/حزيران. وفي مارس/آذار 2003، لم يتمكن فريق حماية المدنيين والمراقبة من إجراء المزيد من التحقيقات الشاملة، بسبب عدم تعاون الحكومة معه بشأن القضايا الأمنية كما ورد. وفي يونيو/حزيران أجرى تحقيقاً في مقتل نحو 30 مدنياً وتدمير ممتلكات مدنية على يد ميليشيا متحالفة مع الحكومة في شرق النيل الأعلى وأبلغ عن وقوع ذلك، وأكد أن قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان أقدمت في سبتمبر/أيلول 2002 على خطف 48 مدنياً ونهبت ممتلكاتهم في شمال أبيي.
3. المعايير الدولية لحقوق الإنس75?ن والقانون الإنساني
السودان دولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ وقد تم التصديق على كلا هاتين المعاهدتين في العام 1986. كذلك صادق السودان على أو انضم إلى : الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين (1974) والعهد الدولي الخاص بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1977)؛ واتفاقية حقوق الطفل (1990) والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1986). والسودان طرف متعاقد سامٍ في اتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس/آب 1949 والتي انضم إليها في العام 1957. لذا فهو ملزم بتطبيق نصوص هذه المعاهدات.
وإضافة إلى ذلك، وقع السودان على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (1986)؛ ورغم أنه لم يصادق بعد على المعاهدة، لكنه ملزم بموجب القانون الدولي بعدم اتخاذ أي إجراء يمكن أن يحبط هدفها وغرضها.
ويعلن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، أسوة بالعديد من المعاهدات المذكورة أعلاه، الحق في احترام الحياة والكرامة الشخصية، وحظر الرق والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ويكرس الحقوق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات والتجمع. فالمادة 6 من الميثاق تنص على أنه "لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله بصورة تعسفية". والمادة 7 تقول إنه "يحق لكل شخص "أن ينظر في قضيته". وهذا يشمل افتراض البراءة و"حق الدفاع، بما في ذلك الحق في أن يدافع عنه محامٍ يختاره بنفسه".
وتحدد هذه المعاهدات مع الصكوك الدولية الأخرى التي أعدتها الأمم المتحدة أو الاتحاد الأفريقي معايير السلوك التي تلتزم جميع الدول الأطراف بالتمسك بها. وهي تكفل من جملة حقوق الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحظر العبودية والحق في الاعتراف بشخص الإنسان أمام القانون، ولا يجوز الانتقاص من هذه المعايير حتى في "حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً" (المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية).
ولا يسمح الميثاق الأفريقي للدول الأطراف بالانتقاص من الواجبات المترتبة عليها بموجب المعاهدة، حتى خلال النـزاعات المسلحة (اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان والحريات ضد تشاد، اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، التعليق رقم 74/92).
وينظم القانون الإنساني الدولي، الذي تجسده أساساً اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان الملحقان بها للعام 1977، أوضاع النـزاعات المسلحة. ولا يحل محل القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي ينطبق في زمني السلام والحرب، رغم أنه يجيز وقف العمل ببعض الحقوق في حالات الطوارئ العامة. ومع ذلك، يُعتبر قانون حقوق الإنسان بأنه يؤدي دوراً تكميلياً مهماً للقانون الإنساني الدولي، لأنه يقدم حماية إضافية لحقوق الأفراد. وتتضمن اتفاقيات جنيف الأربع بعض الضمانات الدنيا لمعاملة السكان المدنيين، وتنطبق على جميع أطراف النـزاع المسلح الداخلي. وتُحظر نصوصها شن هجمات على غير المقاتلين (بمن فيهم الجنود الذين ألقوا سلاحهم وأولئك الذين أصبحوا عاجزين عن مواصلة القتال جراء المرض أو الإصابة أو الاعتقال)؛ والتعذيب والمعاملة القاسية؛ واحتجاز الرهائن وإصدار أحكام وتنفيذ الإعدامات إلا من قبل محاكم مؤسسة حسب الأصول وتمنح جميع الضمانات القضائية التي تعترف دول بها العالم بوصفها لا غنى عنها. وجرت تكملة المادة الثالثة المشتركة بالبروتوكولين الإضافيين الملحقين باتفاقيات جنيف والمتعلقين بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية وغير الدولية. ولم يصادق السودان على هذين البروتوكولين، لكن العديد من نصوصهما تتمتع بصفة القوانين العرفية، حيث جرى إعدادهما من خلال الممارسات والقرارات المبنية على الآراء القانونية والتفسيرات الأكثر مرونة للإطار القانوني الراهن؛ وبالتالي يظلان ملزمين لجميع الدول. فعلى سبيل المثال تتضمن مواد البروتوكول الإضافي الثاني حظراً على تحويل المدنيين إلى هدف للهجوم (المادة 13)؛ وحظر تدمير الأدوات اللازمة لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة واستخدام التجويع (المادة 14)؛ والتهجير القسري للمدنيين (إلا إذا كان أمن المدنيين المعنيين أو الأسباب العسكرية الضرورية تستدعي ذلك) (المادة 17).
4. عمل منظمة العفو الدولية
حتى العام 1989 قام مندوبو منظمة العفو الدولية بعدد من الزيارات إلى السودان لإجراء أبحاث وإثارة بواعث قلق المنظمة مع الحكومة. وبعد زيارة قام بها الأمين العام في ذلك الحين لعقد لقاءات مع أعضاء الحكومة السودانية وإثارة بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان معهم، لم يُسمح لمنظمة العفو الدولية بزيارة السودان طوال 13 عاماً. وخلال هذه الفترة واصلت المنظمة إصدار تقارير حول السودان بينها السودان : دموع اليتامى : لا مستقبل بدون حقوق الإنسان (رقم الوثيقة : AFR 54/02/95، يناير/كانون الثاني 1995)، والسودان : الثمن الإنساني للنفط (رقم الوثيقة : AFR 54/01/00، مايو/أيار 2000). كذلك واصلت منظمة العفو الدولية إثارة بواعث القلق مع أعضاء الحكومة السودانية وجهاً لوجه وعبر الرسائل والمناشدات العامة. كما زارت منظمة العفو الدولية المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان والواقعة في جنوب السودان حيث أجرى المندوبون تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان في إطار النـزاع المسلح والتي ارتكبتها قوات الحكومة السودانية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان والميليشيات المتحالفة مع الطرفين. وقد أثارت منظمة العفو الدولية بصورة متكررة بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان مع قادة الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان ومع قادة الميليشيات المستقلة أو المتحالفة معه.
وفي يناير/كانون الثاني 2003، سُمح لمندوبي منظمة العفو الدولية بالقيام ببعثة �576?حثية إلى السودان وعقدوا لقاءات مع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ونشطاء حقوق الإنسان وأعضاء الأحزاب السياسية والطلبة وسواهم من ممثلي المجتمع المدني. وعقدوا اجتماعات مع العديد من أعضاء الحكومة، بينهم وزير العدل ووزير الإعلام. كما زاروا الفاشر في دارفور حيث التقوا بوالي شمال دارفور وأعضاء السلطة القضائية وقائد الشرطة. وأثاروا بواعث قلق حول إدارة القضاء، والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والقيود المفروضة على الحقوق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات والتجمع خلال هذه الاجتماعات، فضلاً عن العديد من الحالات التي وردت في هذا التقرير. وصرح كلا الوزيرين أنهما لا يتمتعان بالسيطرة على أفعال قوات الأمن القومي. ورغم الطلبات المتكررة التي قدمها مندوبو المنظمة لعقد اجتماع مع أفراد الأمن القومي، لم يتح لهم عقد مثل هذا الاجتماع.
كما أثارت المنظمة القضايا المتعلقة بأنباء التجنيد القسري للرجال والأطفال في القوات المسلحة الحكومية في الخرطوم وبنتيو والأوضاع الإنسانية الصعبة للأشخاص المهجرين داخلياً في العاصمة ودعت إلى إدراج شروط عودة المهجرين في محادثات السلام.
وفي بداية يونيو/حزيران، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها مجدداً في مذكرة بعثت بها إلى الحكومة السودانية وطلبت فيها تنفيذ توصياتها.
وتصدر المنظمة الآن هذا التقرير لتسليط الضوء على استمرار وقوع انتهاكات حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة رغم التعهدات والوعود التي قطعتها السلطات. وتحث منظمة العفو الدولية الحكومة السودانية على تنفيذ جميع التوصيات الواردة فيه. كما تدعو المنظمة الوسطاء في عملية السلام إلى جعل الحقوق الإنسانية لجميع السودانيين عنصراً محورياً في مستقبل السودان.
5. الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي
إن قوات الأمن، التي تعرف الآن باسم الأمن القومي منفصلة عن الجيش وقوات الشرطة. ويبدو أن صلاحياتها تطال أي شيء يُعتبر تهديداً للحكومة السودانية، ويضم الأمن القومي الأمن الداخلي والأمن الخارجي أو الأمن العسكري) الذي يعرف أيضاً بالمخابرات. ولا يرتدي أفراد الأمن زياً رسمياً عادة. ويشغل العديد من ضباط الأمن مراكز في الهيئات الحكومية.3
تبين ممارسة الاعتقال السياسي من جانب قوات الأمن وجود نمط من الانتهاكات لكل معيار تقريباً من معايير حقوق الإنسان التي تنظم عمليات التوقيف والاعتقال. وتحدد المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومن ضمنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن (مجموعة المبادئ) والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع في 9 ديسمبر/كانون الأول 1988، الضمانات التالية من جملة ضمانات أخرى، لجميع الأشخاص الموقوفين أو المعتقلين :
-
الحق في عدم التعرض للتوقيف التعسفي
-
الحق في الإحاطة بأسباب التوقيف
-
الحق في الاستعانة بمحامين ومقابلة العائلة والأطباء وموظف قضائي وإذا كان المعتقل مواطناً أجنبياً، رؤية موظف قنصلي أو منظمة دولية مختصة.
-
حق المعتقلين في إبلاغ عائلاتهم بتوقيفهم ومكان اعتقالهم.
-
الحق في المثول دون إبطاء أمام قاضٍ أو موظف قضائي آخر.
-
الحق في الطعن بقانونية الاعتقال.
-
الحق في المعاملة الإنسانية.
ويضم المعتقلون السياسيون لدى قوات الأمن سجناء الرأي الذين ألقي القبض عليهم لمجرد تعبيرهم السلمي عن آرائهم وغيرهم ممن اعتقلوا بصورة تعسفية، أحياناً لأسباب سياسية. وغالباً ما لا يتم إبلاغ المعتقلين بأية تهم منسوبة إليهم وليس أمامهم إلا أن يخمنوا أسباب توقيفهم من الأسئلة التي توجه إليهم خلال استجوابهم. ويمنع المحامون بصورة شبه تامة من رؤية المعتقل طوال فترة الاعتقال لدى قوات الأمن القومي. وعموماً لا تحاط العائلة علماً بالاعتقال، إلا إذا شهدته بنفسها أو أُبلغت به، وقد لا تعرف بمكان وجود قريبها إلا من أحد الزوار أو أحد المعتقلين الذين أُطلق سراحهم؛ وحتى عندما تجد مكانه، فقد لا يسمح لها برؤيته لعدة أشهر. وفي حين أنه بموجب قانون قوات الأمن القومي، لا يحق للمعتقل المثول أمام قاضٍ، وفيما عدا دارفور التي توجد فيها محاكم خاصة، لا يُقدَّم المعتقلون السياسيون عادة إلى المحاكمة. ولا تتكلل الطعون أمام المحاكم في شرعية الاعتقال بالنجاح أبداً. والمعتقلون الذين ربما تعرضوا للضرب أو أُسيئت معاملتهم على نحو آخر فور اعتقالهم، يحتجزون أحياناً في الحبس الانفرادي طوال أيام، ويحتجز آخرون في غرف مكتظة حيث لا يسمح لهم بصورة شبه مطلقة بالحصول على الكتب أو الصحف أو مواد الكتابة.
والاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي يعني عملياً أنه لا حد (باستثناء قوات الأمن كما يفترض) يعلم أبداً بأسماء المعتقلين لأسباب سياسية أو عددهم. وقد زارت العائلات مراكز الشرطة والاعتقال التابعة لمختلف قوات الأمن، من دون أن تعرف أين يوجد أقرباؤها. وأحياناً ينكر كل مركز اعتقال أنه يحتجز قريبها، الذي يُعلن عندها أنه "اختفى" إلى أن تتصل أجهزة الأمن بالعائلة في نهاية الأمر، ولا يسمح للمعتقل باتصال هاتفي أو يذكر أحد المعتقلين الذي أُفرج عنه اسم الشخص المعتقل. ولا تستطيع منظمات وحقوق الإنسان والأحزاب السياسية السودانية أكثر من محاولة إعداد قوائم غير مكتملة بأسماء السجناء السياسيين بناء على أقوال العائلات والأسماء التي يتذكرها المعتقلون الذين أُطلق سراحهم.
ويعلن الدستور السوداني الصادر في العام 1999 تحرر الفرد من التوقيف التعسفي :
"الإنسان حر. ولا يجوز توقيفه أو اعتقاله أو حبسه، إلا بموجب قانون يقتضي ذكر 5?لتهمة ومدة الاعتقال وتسهيل الإفراج واحترام الكرامة في المعاملة". (المادة 30)
كما يتضمن قانون الإجراءات الجنائية للعام 1991 ضمانات ضد الاعتقال التعسفي. وبحسب القانون المذكور، فإنه باستثناء ظروف محددة (مثلاً عند ضبطه بالجرم المشهود)، يجب إلقاء القبض على المعتقل بموجب مذكرة اعتقال يوقعها أحد أعضاء النيابة أو القاضي وتورد أسباب التوقيف، وينبغي أن يقرأ المعتقل المذكرة (قانون الإجراءات الجنائية، المادتان 69 و72). وإذا تم إلقاء القبض على أي شخص بدون مذكرة (مثلاً، عند ضبطه بالجرم المشهود) ينبغي إبلاغ وكيل النيابة أو القاضي بتوقيفه خلال 24 ساعة، والذي لا يمكن تجديده إلا من جانب قاضٍ، لمدة ثلاثة أيام في البداية، ثم أسبوعياً لمدة أسبوعين (قانون الإجراءات الجنائية، المادتان 77 و79). وفي هذه المرحلة يجب توجيه تهمة إليه أو إطلاق سراحه؛ وحتى إذا وُجهت إليه تهمة، فيجب أن يواصل قاض أعلى تجديد مدة اعتقاله كل أسبوعين (قانون الإجراءات الجنائية، المادة 79). ويجب على النيابة العامة "أن تقوم بجولة يومية على جميع غرف الاعتقال، وأن تراجع سجلات التوقيف، وأن تتأكد من تنفيذ جميع الإجراءات بشكل صحيح وأن يُعامل الموقوفون وفقاً للقانون" (قانون الإجراءات الجنائية، المادة 81). وينبغي معاملة المتهم بكرامة؛ وله الحق في مقابلة محامٍ، وإبلاغ عائلته والاجتماع بها عادة، ولا يجوز نقله من دون تصريح، ويمكن أن يتلقى الطعام والملابس والكتب (قانون الإجراءات الجنائية، المادة 83).
لكن حرية الإنسان المحددة في الدستور، والضمانات الواردة في قانون الإجراءات الجنائية، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الحكومة السودانية يلغيها قانون قوات الأمن القومي الذي يجيز لهذه القوات اعتقال أي شخص بمعزل عن العالم الخارجي من دون تهمة ومن دون المثول أمام أي وكيل نيابة أو قاض مدة تصل إلى تسعة أشهر.
وقد زادت المادة 31 من قانون الأمن القومي للعام 1999 المعدلة في يوليو/تموز 2001، من طول مدة الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي من دون تهمة أو محاكمة من مدة قصوى تبلغ 63 يوماً إلى مدة قصوى قدرها تسعة أشهر. وتجيز المادة 31(أ) المعدلة لقوات الأمن القومي توقيف المعتقل وإبقاءه رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي لمدة ثلاثة أيام في البداية قابلة للتجديد لمدة 30 يوماً. وإذا اشتُبه بوجود ما يوحي بأن المتهم ارتكب جرائم ضد الدولة، فيمكن تجديدها لمدة شهر آخر من جانب مدير الأمن القومي ولمدة شهرين آخرين إذا وافق مجلس الأمن القومي على ذلك. وتجيز المادة 31(ب) لمدير الأمن القومي "في ظروف تؤدي إلى حالة "في ظروف تؤدي إلى حالة ذعر في المجتمع وتهدد سلام وأمن الموطنين، وتحديداً السطو المسلح أو الخلاف الديني أو العرقي"اعتقال الشخص لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة من جانب مدير الأمن القومي ومرة أخرى بموافقة مجلس الأمن القومي.
وتنص المادة 32 من القانون على وجوب إبلاغ المعتقل بأسباب اعتقاله ويجب أن يتمتع بالحق في إبلاغ عائلته
والاتصال بها "إذا كان ذلك لا يمس بسير الاستجواب"ولا يجوز إيذاؤه "جسدياً أو معنوياً". كما تنص
على وجوب قيام وكيل نيابة بمعاينة أماكن الاعتقال (المادة 32(5)). لكن يتم تجاهل هذه الضمانات
بثبات رغم كونها محدودة. وتجيز المادة 33(ب) من قانون الأمن القومي لأفراد الأمن القومي
التمتع بالحصانة شبه التامة من العقاب على أية أفعال يرتكبونها: "لا يجوز اتخاذ إجراءات مدنية أو
جنائية بسبب أي فعل يرتبط بالعمل الرسمي للعضو إلا بموافقة المدير."
وقد استُخدمت المادة 31 من قانون قوات الأمن القومي للاعتقال التعسفي للعديدين، من ضمنهم الطلبة أو حتى الأطفال، لأسباب لا يمكن تفسيرها بأنها "جرائم ضد الدولة". وعبارة "الظروف التي تؤدي إلى حالة ذعر في المجتمع وتهدد سلام وأمن المواطنين"، الواردة في المادة 31(ب) تتسم بالغموض الشديد لدرجة أنها يمكن أن تغطي العديد من الأنشطة السلمية. وينقسم المعتقلون المحتجزون حالياً في الجناح الخاص في سجن كوبر إلى عدة فئات، ليست جميعها سياسية : أعضاء أو مناصرون في جماعات أو أحزاب سياسية معارضة، مثل المؤتمر الشعبي؛ والطلبة المحتجزون لأنه يعتقد كما يبدو بأنهم قادة الحركات الطلابية؛ وبعض المتهمين باختلاس مبالغ كبيرة من المال أو التورط في المخدرات؛ والمدافعون عن حقوق الإنسان وسواهم ممن احتُجزوا لمجرد التعبير عن آرائهم المسالمة؛ والمحتجزون كما يبدو ليس بسبب أي شيء فعلوه هم شخصياً، وإنما ليحلوا محل أفراد في عائلتهم؛ وأشخاص تظل أسباب اعتقالهم غامضة. ويعتقد محامو بعض هؤلاء المعتقلين بتهمة ارتكاب جرائم اقتصادية والمحتجزين من دون تهمة أو محاكمة في القسم الخاص بسجن كوبر، بأنهم ربما اعتُقلوا لابتزاز المال منهم أو من أقربائهم.
ودرجت العادة على اقتياد المعتقلين من جانب الشعبة الداخلية في قوات الأمن في العاصمة السودانية - المدن الثلاث الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان – إلى مقر قوات الأمن القومي الواقع بالقرب من مقابر فاروق في منطقة العمارات بالخرطوم للاستجواب. ثم يُنقلون إلى جناح أمني خاص في سجن كوبر منفصل عن الأجزاء الأخرى للسجن. ويدار مباشرة من جانب أجهزة الأمن القومي وليس إدارة السجن، ولا ترد أسماء المعتقلين فيه على لائحة سجن كوبر. وربما يضم سجن كوبر معظم المعتقلين من جانب أمن منطقة الخرطوم، رغم أن أعضاء حركات المعارضة يُعتقلون خارج العاصمة الخرطوم ويُحتجزون عادة، لفترات قصيرة، في سجون المناطق مثل واد مدني أو بورتسودان. ولا تتم عادة إساءة معاملة المعتقلين، لكنهم يحتجزون في مرات عديدة في أوضاع تتسم بالاكتظاظ والمهانة، من دون مراتب أو كتب أو صحف أو مواد للكتابة. والاتصال بالعالم الخارجي قصير، هذا إذا سُمح به أصلاً (عادة 15-20 دقيقة) ويصغي حراس الأمن إلى المحادثة. ويقرر حراس الأمن القومي في الشعبة الس10?اسية ما إذا كانوا سيسمحون بزيارة المعتقل من عدمها؛ وأحياناً تستطيع العائلات التي لديها معارف في الأماكن الصحيحة الحصول على تصريح. كما اعتقل قادة جماعات حقوق الإنسان في سجن كوبر في السابق.
وبما أن أياً من المعتقلين لم توجه إليه تهم أو يمثل أمام قاض، ناهيك عن تقديمه للمحاكمة، بشأن أي جرم مزعوم، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر جميع الذين احتجزوا من جانب قوات الأمن القومي بموجب المادة 31 من قانون قوات الأمن القومي بأنهم اعتُقلوا بصورة تعسفية.
1.5حالات المعتقلين
أحد الأطفال الذي يبدو أنه يظل معتقلاً بصورة تعسفية بمعزل عن العالم الخارجي هو أحمد مكاوي،وهو ينحدر من الدينكا من بابنوسة وعمره 16 عاماً. وبحسب ما ورد قُبض عليه في بابنوسة في أغسطس/آب 2002 وأُحضر في 1 سبتمبر/أيلول إلى روبكونا ثم إلى سجن كوبر. ولا يُعرف لماذا أُلقي القبض عليه، لكن ربما ليحل محل والده، الذي يقال إنه من أنصار المؤتمر الشعبي. ولم يؤكد اعتقاله إلا بعد أربعة أشهر بسبب الإفراج عن الطلبة الذين شاركوه الزنزانة. وكما قال أحدهم "كان يُحضِّر لشهادة المدرسة عندما قُبض عليه، لكنه كان في الحقيقة طفلاً – وكان يحب أن يلعب ألعاباً مثل الحجارة الخمسة (السيجا) في الزنزانة …" وينتهك الاعتقال التعسفي لأحمد مكاوي الضمانات الأساسية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما فيها مبدأ عدم جواز معاقبة أحد على جرم لم يقترفه شخصياً. وعلاوة على ذلك تنص المادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها السودان على "ألا يحرم أي طفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية" وتقضي بمعاملة الأطفال على نحو يأخذ بعين الاعتبار سنهم وكذلك حقهم – أسوة بجميع المعتقلين – في زيارة العائلة والمحامين لهم.
ومن الأشخاص الآخرين الذين يبدو أنه تم القبض عليهم ليحلوا محل أفراد العائلة المطلوبين من قوات الأمن القومي، ثلاثة أشقاء هم الشافعي الطيب يوسف، 27 عاماً، وهو مدرس، وهشام، 23 عاماً، وهو في السنة الرابعة رياضيات، وخضر، 20 عاماً، وهو طالب هندسة في جامعة السودان. وأُلقي القبض على الأشقاء عند حوالي الساعة الثانية من صباح 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 على أيدي أفراد قوات الأمن الذين فتشوا منـزل عائلتهم في الكلاكلة، إحدى ضواحي الخرطوم، بحثاً عن شقيقهم لينين الطيب يوسف، وهو ناشط في الجبهة الديمقراطية (عبارة عن تحالف بين الشيوعيين وسواهم من نشطاء الديمقراطية). واقتيدوا إلى مقر قوات الأمن في الخرطوم، حيث تعرضوا للضرب والصفع والركل من الساعة 2 صباحاً وحتى الساعة 4 صباحاً، ثم نُقلوا إلى مركز آخر لقوات الأمن يقع بالقرب من مقر القيادة العامة للجيش. ونُقلوا عند قرابة الساعة التاسعة مساء إلى الشعبة السياسية في سجن كوبر. وفي 16 ديسمبر/كانون الأول أُطلق سراح خضر الطيب يوسف من دون تهمة وفي 15 يناير/كانون الثاني 2003 أُفرج عن هاشم الطيب يوسف. وأُخلي سبيل الشافعي الطيب يوسف في 5 مايو/أيار 2003، أيضاً من دون تهمة، بعد مضي 11 يوماً على إلقاء القبض على لينين الطيب يوسففي 24 إبريل/نيسان 2003. كذلك أُلقي القبض على طالب آخر يدعى الشعراني محمد وهو من ضاحية الكلاكلة في الخرطوم في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 لإقناع شقيقه الشافعي محمد، وهو طالب في السنة الثالثة طب في جامعة الخرطوم، بتسليم نفسه.
وقُبض على صلاح محمد إبراهيم الذي ينتمي إلى قبيلة الرزيقات العرقية في دارفور في 9 يوليو/تموز 2002 في الخرطوم. واحتُجز بمعزل عن العالمي الخارجي ولم يتصل للمرة الأولى بالعالم الخارجي إلا بعد مضي ستة أشهر في 4 يناير/كانون الثاني 2003، عندما سُمح له بلقاء أحد أقربائه – الذي زار السجن مرات عديدة قبل ذلك طالباً السماح له بالزيارة - لمدة 15 دقيقة تقريباً بحضور حراس الأمن. وربما يكون لاعتقاله صلة بسفره إلى مناطق في بحر الغزال خاضعة لسيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان. وفي مايو/أيار 2003، أي بعد مضي أكثر من تسعة أشهر على اعتقاله، يظل رهن الاعتقال من دون تهمة أو محاكمة.
وأُطلق سراح العديد من الطلبة الآخرين، الذين أُلقي القبض عليهم عقب مظاهرات في جامعة الخرطوم في أكتوبر/تشرين الأول 2002، بعد أن أمضوا ثلاثة أشهر في الاعتقال من دون تهمة أو محاكمة. ولم يُسمح لهم بمقابلة المحامين وعائلاتهم وسواهم خلال اعتقالهم.
ويعني عدم السماح بالاتصال بالعالم الخارجي، أو حتى إبلاغ العائلات باعتقال الشخص، أن بعض العائلات تُبلِّغ عن "اختفاء" المعتقل أو تخشى من أن يكون تعرض للقتل. وقد اختفى نزار محمد حمزة، وهو طالب في كلية التربية بجامعة الخرطوم في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 بعدما هاجمت شرطة مكافحة الشغب الجامعة. وليس لدى عائلته أية فكرة عن مكان وجوده، واعتبره عدد من منظمات حقوق الإنسان "مختفياً" إلى حين الإفراج عن ابن عمه فيصل في ديسمبر/كانون الأول الذي ذكر أنه شاهده في سجن كوبر. وقد أُفرج عنه في نهاية المطاف من دون تهمة في يناير/كانون الثاني 2003.
وعقب حدوث المزيد من الاحتجاجات الطلابية في مارس/آذار 2003 في جامعة بخت الرضا في الدعيم بجنوب الخرطوم وجامعة النيلين في الخرطوم، قبضت قوات الأمن أيضاً على الطلاب التالية أسماؤهم وما زالوا رهن الاعتقال كما ورد : حسن علي ومحمد صديق ومحمد المصطفى هاشم وعمر الأمينمن جامعة بخت الرضا؛ وبورسول مايو ومحمد الوسيلة عباس وآدم قرشي بنك وعباس التيجانيمن جامعة النيلين.
قُبض على يوسف محمد صالح ليبيس، وهو مهندس يبلغ من العمر 39 عاماً ومن أنصار المؤتمر الشعبي، في بداية فبراير/شباط 2002، واقتيد إلى مكاتب جهاز الأمن القومي في الخرطوم. ورغم الطلبات المتكررة التي قدمتها عائلته إلى مكاتب الأمن القومي، لم تُزوَّد بأية معلومات حول مكان وجوده وبدأت تعتقد أنه مات. وانتظرت حتى بداية إبريل/نيسان عندما أبلغها سجين آخر أُطلق سراحه عن مكان وجوده. وقد استُجوب طوال 12 يوماً وحُرم من النوم كما ورد، ثم أُبقي في الحبس الانفرادي عدة أسابيع قبل نقله إلى سجن كوبر. ويُسمح لزوجته الآن بزيارته. وسُمح لوالدته البالغة من العمر 70 عاماً برؤيته مرتين أو ثلاث مرات بعد اعتقاله بمعزل عن العالم الخارجي طوال ثلاثة أشهر، لكن بعد ذلك مُنعت من زيارته لأنها لم تكن تتكلم إلا اللغة الزغاوية،وليس العربية، التي لم يكن الحراس التابعون لقوات الأمن الذين كانوا يستمعون إلى الحديث خلال الزيارة يتكلمونها.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، مع انتهاء فترة التسعة أشهر التي يجوز الاعتقال خلالها بموجب المادة 31 من قانون قوات الأمن القومي، أُطلق سراح يوسف محمد صالح ليبيس، لكن بعد خمسة أيام أُعيد إلقاء القبض عليه بموجب المادة نفسها من قانون قوات الأمن القومي ويظل رهن الاعتقال.
وبعد مضي أكثر من عامين على توقيفه، يظل الدكتور حسن الترابي، الرئيس السابق للبرلمان السوداني وكبير منظري حكومة "الإنقاذ" بين العامين 1989 و1999 عندما انشق عن الحكومة، يظل قيد الإقامة الجبرية من دون محاكمة بعد مضي وقت طويل على إصدار أعلى محكمة سودانية أمراً بالإفراج عنه. وكان قد أُلقي القبض عليه مع ثلاثة من كبار أنصاره في 21 فبراير/شباط 2001، بعد مضي يومين على توقيعه مذكرة تفاهم مع الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان. ونصت مذكرة التفاهم على أن يعمل الطرفان معاً على التوصل إلى حل سلمي للأزمة السودانية. ووُجهت إلى حسن الترابي تهم مختلفة بموجب قانون العقوبات، يرتبط معظمها بالاتفاق مع الجيش الشعبي لتحرير السودان : التآمر الإجرامي (قانون العقوبات، المادة 24)؛ وإضعاف النظام الدستوري (قانون العقوبات، المادة 50)؛ وشن حرب على الدولة (قانون العقوبات، المادة 51). والدعوة إلى معارضة السلطات العامة بالقوة (قانون العقوبات، المادة 63). ويعاقب على الجرائم المنصوص عليها في المادتين 50 و51 بالإعدام. وقدم محاموه استئنافاً، بينما كان لا يزال قيد الاعتقال. وطيلة الأشهر الستة الأولى من اعتقاله، ورد أنه سُمح له بمقابلة محاميه مرتين فقط لفترات قصيرة؛ ومنذ ذلك الحين، لم يُسمح له بمقابلة إلا أفراد عائلته. واحتُجز في البداية في الشعبة الأمنية الخاصة في سجن كوبر، لكنه نُقل إلى الإقامة الجبرية في منـزل حكومي في مايو/أيار 2001. واستمعت المحكمة الدستورية إلى استئنافه الأولي بموجب المادة 31(1) من قانون قوات الأمن القومي وإلى طلبه بإطلاق سراحه بكفالة. وفي هذه الأثناء، أُطلق سراح أشخاص آخرين ينتمون إلى حزبه، كان قد أُلقي القبض عليهم عند إلقاء القبض عليه، من دون تقديمهم للمحاكمة. وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2001، أمرت المحكمة الدستورية بالإفراج عنه. لكن أُعيد اعتقاله مرة أخرى بموجب المادة 31 حتى قبل أن يغادر حبسه لدى جهاز الأمن القومي. وقدم محاموه استئنافاً ضد حبسه قائلين إنه بما أن حسن الترابي كان معتقلاً أصلاً، لذا لم يرتكب الجرائم ضد الدولة المنصوص عليها في المادة 31(1)(هـ) ولا يمكن اعتقاله لفترة أخرى استناداً إلى التهم القديمة. وفي يوليو/تموز 2002 بعد أن أمضى تسعة أشهر رهن الاعتقال، أُحيلت القضية مرة أخرى إلى المحكمة الدستورية التي قضت بوجوب إطلاق سراحه. وعند ذلك، أصدر رئيس الجمهورية مرسوماً طارئاً بموجب المادة 15 من قانون حالة الطوارئ الصادر في العام 1998 يأمر بمواصلة اعتقال حسن الترابي لمدة عام قابلة للتجديد.
2.5الاعتقال لدى المخابرات العسكرية
أسماء بعض المعتقلين المحتجزين في الشعبة السياسية في سجن كوبر معروفة لأن العديد منهم موقوفون بسبب انتسابهم إلى تنظيمات أو أحزاب سياسية معارضة أو جماعات طلابية معروفة. وإضافة إلى ذلك، يُقدِّم الذين يُفرج عنهم معلومات حول أشخاص آخرين شاهدوهم في الاعتقال. لكن من شبه المستحيل على منظمات حقوق الإنسان معرفة أسماء المحتجزين لفترات طويلة في مراكز الأمن العسكري وفي مراكز اعتقال أخرى يديرها الجيش أو الأمن القومي في البلاد. ويُقبض على الأشخاص ويحتجزون رهن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي من دون إبلاغ عائلاتهم بمكان اعتقالهم. ويفترض أنهم محتجزون بسبب الاشتباه باتصالهم بالجيش الشعبي لتحرير السودان، لكن أسباب توقيفهم تظل طي الكتمان شأنها شأن مكان اعتقالهم. وفي أغلب الأحيان لا يعرف إلا أفراد عائلتهم المباشرون أنهم اعتُقلوا وقد لا يعلمون بوجود منظمات حقوق الإنسان أو لا يكونون على استعداد للاتصال بها.
وألقت المخابرات العسكرية القبض على تسعة أشخاص، ثمانية من الدينكا وشخص آخر، في أويل في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2002، ما لبثوا أن نُقلوا إلى الخرطوم في طائرة عسكرية واحتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي في مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم بحري حتى 12 ديسمبر/كانون الأول، عندما أُطلق سراحهم من دون تهمة بعد أن أمضوا 53 يوماً رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي. وكان الدينكا الثمانية، ومن ضمنهم غارانغ وك أثني، الذي ورد أنه مستشار حاكم شمال بحر الغزال، من كبار موظفي الخدمة المدنية؛ ولا يعرف سبب إلقاء القبض عليهم واعتقالهم بمعزل عن العالم الخارجي. وقيل إن الشخص التاسع، وهو أحمد لابووتاجر شمالي احتج في مطار أويل على اعتقالهم، فألقي القبض عليه معهم.
وفي يناير/كانون الثاني 2003 قُدِّمت إلى منظمة العفو الدولية لائحة بأسماء تسعة معتقلين قيل إنهم محتجزون لدى المخابرات العسكرية. فأرسلت المنظمة هذه القائمة إلى وزير العدل السوداني مع نسخ إلى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ولجنة حقوق الإنسان التابعة للمجلس الوطني طالبة توجيه تهم إليهم بارتكاب جرم جنائي أو إطلاق سراحهم فوراً. ولم تتلق المنظمة أي رد. وضمت أسماء أولئك الذين قيل إنهم اعتقلوا؛ جيمس كون كوك،وهو من قبيلة الدينكا في غوغريال، ألقي القبض عليه في غوغريال؛ وكووت ماجوك أجينغ،وهو من قبيلة الدينكا في أويل، ألقي القبض عليه في شرق السودان، وماجوك أكوت لوال،من قبيلة الدينكا في أويل، ألقي القبض عليه في شرق السودان؛ وجيمس مدال، من قبيلة الدينكا في أويل، ألقي القبض عليه في شرق السودان؛ ومايور مابورمن الدينكا في رمبيك، ألقي القبض عليه في شرق السودان؛ وجيمس جييل،من الدينكا في رمبيك، ألقي القبض عليه في شرق السودان؛ وفرتاك يحيى فرتاك،من فرتيت ألقي القبض عليه في بانتيو. ولم تتلق المنظمة أي رد على رسالتها. ولا تُعرف تواريخ توقيفهم.
وهناك مجموعة أخيرة من المعتقلين السياسيين لا يتوافر حتى قدر أقل من المعلومات عنهم. وهؤلاء يشتبه في أنهم من أنصار ومقاتلي الجيش الشعبي لتحرير السودان أو الميليشيات المتحالفة معه في الجنوب. وبعد الحرب التي دامت 20 عاماً، لا يُعرف بأن هناك معسكرات أو سجون يُحتجز فيها أولئك الذين يقعون في الأسر أثناء القتال. ولا يُعرف بأن أية هيئة أو منظمة، وطنية أو دولية (مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر) قابلت أعضاء في قوات المعارضة المسلحة تحتجزهم الحكومة السودانية. وقد لاحظ المقرر الخاص (للأمم المتحدة) المعني بأوضاع حقوق الإنسان في السودان غياب أي أسرى من أنصار الجيش الشعبي لتحرير السودان، كذلك وردت ملاحظات حول الموضوع في تقارير سابقة عديدة لمنظمة العفو الدولية. وقد يكون بعض المعتقلين الذين أسروا في سياق الحرب محتجزين لدى الأمن العسكري. وربما يكون بعض الذين وقعوا في الأسر قد احتُجزوا لفترة قصيرة ثم أُفرج عنهم، أو أُقنعوا بالانضمام إلى الميليشيات الموالية للحكومة. لكن لا يوجد بعد أية أدلة توحي بأن الوصف الذي أعطته منظمة العفو الدولية للوضع في العام 1995 قد تغير:
"ثمة شبه غياب للمعلومات الواضحة حول مصير المقاتلين الذين أُسروا في مناطق النـزاع. بيد أن الحرب اشتهرت بعدم وجود أسرى حرب رهن الاعتقال. ويبدو أن ذلك يعود إلى أن الحكومة تعمد بصورة منتظمة إلى إعدام المقاتلين الأسرى إذا تعذر استخدامهم لأغراض استخبارية. ويبدو أن جنود الجيش الشعبي لتحرير السودان الذين يسلمون أنفسهم طواعية للقوات الحكومية هم أقل عرضة لخطر الإعدام".4
6. التعذيب أثناء الاعتقال
يهيئ الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي، من دون أي معاينة خارجية، الظروف المثالية التي يمكن أن يُمارس فيها التعذيب. وفي السودان الذي كانت فيه ممارسة التعذيب ضد المعتقلين السياسيين في السنوات التي أعقبت العام 1989 مباشرة، منهجية، يبدو أن التعذيب قد تراجع اعتباراً من العام 1997. وفي العام 2003، بدأت أنباء التعذيب تتزايد، وربما يعود ذلك جزئياً إلى تصاعد النـزاع في دارفور. ويجري التعذيب بشكل خاص في مراكز الاعتقال الخاضعة لسيطرة الأمن القومي أو العسكري، حيث يظل المعتقلون معزولين عن العالم الخارجي. أما أنباء التعذيب الممارس على يد الشرطة فهي أقل تواتراً، ليس فقط بسبب المعاينة الأفضل لمراكز الشرطة من جانب المحامين والمنظمات غير الحكومية، بل أيضاً لأن ضرب الفقراء والمهجرين لا يُبلَّغ عنه عموماً.
ووفقاً للأقوال المتسقة التي أدلى بها الضحايا، فإن تعذيب المعتقلين السياسيين على أيدي أفراد الأمن القومي يتخذ عموماً شكل الضرب بالخراطيم أو القضبان، بما في ذلك الضرب على باطن القدمين (الفلقة) أو الركل أو القفز على المعتقل. وزعم بعض المعتقلين أنهم حُرموا من النوم طوال عدة أيام. وقد وصف عدد منهم إجبارهم على الوقوف وأيديهم مرفوعة أو على القيام بتمرين رياضي (يُطلق عليه أحياناً "أرنب نط" قفزة الأرنب). وذكر بعض المعتقلين لدى الأمن العسكري أنهم تعرضوا للإحراق بأعقاب السجائر وللصعق بالصدمات الكهربائية. والتعذيب ليس منهجياً، لكن بالتأكيد يتفشى التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على نطاق واسع. ولم يذكر الأعضاء الأكبر سناً في حزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه حسن الترابي والذين ألقي القبض عليهم في العام 2001-2002 أنهم تعرضوا للتعذيب، في حين أن الطلبة (بمن فيهم أعضاء في المؤتمر الشعبي واليساريون)، وسواهم من الشبان، وفي الآونة الأخيرة، أولئك الذين قُبض عليهم بشأن المشاكل التي وقعت في دارفور، يذكرون بصورة متكررة أنهم تعرضوا للتعذيب.
1.6 ضرب الطلبة
يبدو أن الطلاب الذين يعتقلهم الأمن القومي هم المشتبه في أنهم يتزعمون الحركات الطلابية أو ينتسبون إلى عضوية الجماعات المعارضة أو يشاركون في المظاهرات. ويوحي الضرب المبرح الذي يتعرض له الطلبة بأن التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ربما تُستخدم كعقاب وتحذير للنشطاء السياسيين الشبان بوجوب عدم متابعة الاحتجاج.
وتعرض بعض طلبة جامعة الخرطوم الذين قُبض عليهم في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2002، معظمهم بشأن المظاهرات التي جرت في حرم الجامعة، تعرضوا للضرب في مقر الأمن القومي في الخرطوم قرب مقابر فاروق قبل نقلهم إلى الشعبة السياسية في سجن كوبر. ورغم أن المعتقلين في سجن كوبر يعانون من أوضاع رديئة ويعزلون عن العالم الخارجي، إلا أنهم لا يتعرضون للضرب في السجن (مع أنه قد يُعاد نقلهم إلى الأمن القومي للمزيد من التعذيب).
وقد لقي ياسر محمد الحسن عثمان، مسؤول التسجيل المساعد في كلية الطب بجامعة الخرطوم الذي ألقت قوات الأمن القبض عليه عقب مظاهرات الطلبة التي جرت في الخرطوم التي جرت يومي 22 و24 أكتوبر/تشرين الأول 2002، لقي معاملة قاسية جداً. وكان قد أُلقي القبض عليه سابقاً بوصفه ناشطاً طلابياً قبل نحو ست سنوات. وذكر أن ممارسي التعذيب ضده قالوا له ضمناً أنه استُهدف بسبب نضاله وإيداعه السجن في الماضي، ولتخويفه وكرسالة موجهة إليه لإبلاغه بأنه معروف وأن عليه التزام الصمت في المستقبل. وقد اقتيد إلى مقر جهاز الأمن العام واعتدي عليه بالضرب بواسطة أنبوب ماء حديدي. ووقف أفراد الأمن على مثانته حتى تبول وكذلك على صدره. وفقد وعيه ونُقل إلى وحدة العناية المكثفة في مستشفى الشعب التعليمي في الخرطوم في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2002 وأُطلق سراحه من دون تهمة. وقُبض عليه لاحقاً في 22 مارس/آذار 2003 وأُفرج عنه من دون تهمة في 27 مارس/آذار.
وذكر عدد من الطلبة الذين أُلقي القبض عليهم بعد مظاهرات جامعة الخرطوم التي جرت في أكتوبر/تشرين الأول 2002 أنهم تعرضوا للضرب من دون تمييز طوال عدة ساعات فور إلقاء القبض عليهم. ويقول العديد من الذين تعرضوا للضرب إنهم يعتقدون أنهم أُبقوا رهن الاعتقال طوال أسابيع بعد تعذيبهم لمجرد إتاحة الوقت لكي تزول علامات الضرب. قُبض على محاسب أنور محاسب،وهو طالب سنة رابعة من عطبرة يدرس الجغرافيا والتربية ويؤيد المؤتمر الشعبي، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 في داخلية الطلبة بالجامعة. واقتاده أفراد الأمن القومي مع 24 طالباً آخر إلى مقر الأمن القومي في الخرطوم. وذكر أن رجال الأمن استخدموا قميصه لعصب عينيه، ثم أمروه بالوقوف ويداه مرفوعتان. وضربوا جميع الطلاب بالسياط والخراطيم. ولم يُجر استجواب تفصيلي لهم بشأن أحداث الجامعة. وأطلقوا سراح تسعة منهم وأبقوا على الطلاب الستة عشر الباقين. وعند حوالي الساعة 9,15 مساء أخذوهم واحداً تلو الأخر وشدوا وثاقهم في وضع يسبب التواءً للجسد وألماً بعصيين على الأرض، حيث تُركوا قرابة الساعة على الأرض وساعة أخرى وقوفاً. ومع اقتراب منتصف الليل نُقلوا إلى الشعبة السياسية في سجن كوبر. ولم يشارك بعض أولئك المعتقلين في أية أنشطة سياسية. وبينما احتُجز محاسب أنور محاسب (مع 15 معتقلاً آخر في غرفة عرضها 5 أمتار وطولها 8 أمتار، ويوجد فيها حُصر صلاة بلاستيكية ومرتبة واحدة كي يناموا عليها جميعاً) جيء بطلاب آخرين كانوا مخضبين بالدماء جراء الضرب. وأُطلق سراح محاسب أنور محاسب في 14 يناير/كانون الثاني 2003 من دون تهمة.
قُبض على عمر فاروق،البالغ من العمر 22 عاماً، وهو طالب سنة أولى طب في جامعة الخرطوم، ومن أنصار حركة الجبهة الديمقراطية، في 4 ديسمبر/كانون الأول 2002 في منـزله على أيدي ثمانية أشخاص يرتدون ملابس مدنية ويحملون رشاشات. وبحسب الشهادة التي أدلى بها لمنظمة العفو الدولية : "كبلوا يديّ خلف ظهري وألق"كبلوا يديّ خلف ظهري وألقوا بي على أرض السيارة. وداس أحد الرجال بقدمه على عنقي وركلني الرجل الآخر. واقتادوني إلى مبنى للأمن قريب من مقابر فاروق. وبدأ أحد الرجال يضربني بخرطوم قبل أن يطرح علي أية أسئلة. وضربني أحدهم على وجهي. ورفعني أحدهم ثم ألقى بي على الأرض. وكان أحدهم يركلني على ساقيّ، والآخر يضربني على عنقي ويديّ بشدة، مستخدماً عصا خشبية. ثم أخذوني إلى غرفة فيها ست كراسٍ وطاولة. وعصبوا عيني بقميصي ووضعوني على كرسي وضربوني على باطن قدميّ. وصرخت بصوت عال لكنهم أجبروني على البقاء مكاني. وكنت لا أزال مكبلاً برباط بلاستيكي وقيدوا يدي وقدميّ معاً وضربوني عليهما. وسألوني ‘أتشعر بالألم؟’ فقلت ‘نعم! دعوني وشأني!’ ثم هزوني وجلبوا ماءً بارداً. وغطَّسوا قدميّ المتورمين عنوة في الماء البارد وأجبروني على الجلوس ووجهي إلى الحائط مدة ثلاث ساعات."وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي نقلوه إلى زنزانة فردية؛ وفيما بعد أحضروا طلبة آخرين إلى زنزانته ونقلوهم جميعاً إلى الشعبة السياسية في سجن كوبر. وكان ما زال مرتدياً ملابسه الداخلية واستعار ثياباً إلى أن سُمح لعائلته بإحضار ملابس له. وكانت عائلته تأتي إلى السجن كل يوم؛ لكن لم يُسمح لها قط بزيارته. وبعد مضي أسبوعين أعادته قوات الأمن القومي مع طلاب آخرين إلى مقر قوات الأمن القومي لاستجوابه حول هوية الذين نظموا المظاهرات في جامعة الخرطوم؛ وصبوا عليه الماء البارد واحتجزوه في غرفة باردة بها مروحة وهزئوا به أو شتموه. ثم أُعيد إلى سجن كوبر. وخلال الفترة التي قضاها في السجن، قال إنه أُصيب بالملاريا وارتفاع ضغط الدم، وشأنه شأن معظم المعتقلين الآخرين، أُصيب بالتهاب في الرئتين. وجاء طبيب وأعطاه كلوروكوين لعلاج الملاريا. وأفرج عنه في 9 يناير/كانون الثاني من دون تهمة بعد التوقيع على ضمان يتعهد فيه بعدم المشاركة في نشاط سياسي. وعند إطلاق سراحه أُجري له فحص طبي؛ ويصف التقرير آثار الجروح التي تبين أنها تتماشى مع روايته للتعذيب.
ذكر أحمد عصام الدين، أحد طلبة جامعة بحر الغزال في الخرطوم الذي أُلقي القبض عليه في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2002 بأن يديه كبلتا خلف ظهره، وتعرض للضرب مع الطلبة الآخرين، ثم احتُجز لمدة ستة أيام في الحبس الانفرادي. وقال إنه يعتقد أنه اختير دون غيره لضربه واستجوابه لأنه كان الطالب الوحيد ضمن مجموعة الطلبة المحتجين الذي ينتمي إلى الشمال. وقال له أفراد الأمن عدة مرات : "أنت من الشمال، عليك التعاون معنا". ولم يسمح له برؤية طبيب رغم أنه كان يعاني من مشكلة في السمع نتيجة تعرضه للضرب. واقتيد فيما بعد إلى الشعبة السياسية في سجن كوبر، حيث نُقل منها بعد يومين إلى مستشفى تديره قوات الأمن. وعلى عكس الطلبة الآخرين المعتقلين، مثلت مجموعة طلبة بحر الغزال أمام وكيل النيابة ووُجهت إليها تهم بارتكاب جرائم ضد الدولة؛ وفي محاكمتهم، تمت تبرئة ساحتهم والإفراج عنهم.
2.6 عمليات الضرب في دارفور
وصف معتقلون آخرون عمليات الضرب التي تعرضوا لها على أيدي مختلف فروع قوات الأمن، بمن فيها الشرطة. وذكر حوالي 35 شخصاً من أصل الأعضاء الـ 96 في قبيلة الرزيقات العرقية الذين ألقت الشرطة القبض عليهم بشأن عمليات القتل التي ارتُكبت خلال هجوم شُن على جماعة المعلية العرقية أنهم تعرضوا للضرب بالخراطيم والعصي في كل من مركز الشرطة في نيالا في دارفور، في غرب السودان، وكذلك في 21-23 يونيو/حزيران 2002 في مدرسة نيالا الثانوية. وبحسب ما ورد اختيرت المدرسة الثانوية لضرب المعتقلين لأن الطلبة كانوا في إجازة في ذلك الحين ولأنها تقع في مكان منعزل نسبياً.
وفي 3 مايو/أيار، ألقي القبض على يوسف البشير موسى، البالغ من العمر 35 عاماً، وهو مراسل جريدة الصحافة في نيالا. الواقعة في جنوب دارفور، على يد قوات الأمن القومي لأنه كتب كما يبدو تقريراً حول تدمير طائرات ومروحيات سلاح الجو السوداني في مطار الفاشر على يد جيش تحرير السودان (
u1575?لذي شُكِّل في فبراير/شباط 2003 من جانب أفراد في جماعات مستقرة (ليست من البدو الرحل)، احتجاجاً على عدم حماية مجتمعاتهم والتخلف الذي تعاني منه دارفور : انظر الجزء الخاص بدارفور). واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي طوال ثلاثة أيام في مقر قوات الأمن القومي في نيالا، وبحسب ما ورد تعرض للضرب بالعصي على ذراعيه وساقيه وجسمه. وفي اليوم الرابع سُمح له بمقابلة محام وفحصه طبيب يصف في تقريره علامات الضرب البادية على مؤخرته وصدره. واعتُقل في سجن نيالا العام من دون تهمة بموجب المادة 26 من قانون الطوارئ للعام 1998. وأُفرج عنه في 24 مايو/أيار 2003. ولم تتمكن عائلته من زيارته خلال فترة اعتقاله التي دامت عشرين يوماً. وقدم محاموه شكوى إلى النيابة العامة في الخرطوم.
3.6 التعذيب على يد المخابرات العسكرية
ذكر المعتقلون الذين احتجزتهم المخابرات العسكرية – والذين اتُهموا جميعاً بأن لهم صلات بحكومات أجنبية – أنهم أُجبروا على خلع ملابسهم باستثناء الداخلية منها وتعرضوا للضرب بعد صب الماء البارد عليهم؛ كما يذكرون أن السجائر أُطفئت على أجسادهم. وقال أحد المعتقلين 5الذي قُبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 2001 وأُخلي سبيله بعد تعرضه للتعذيب طوال أكثر من أسبوعين : "حتى أن الضابط الثالث …ضحك أثناء تعذيبي واستخدم جسدي كمنفضة سجائر لسجائره المشتعلة على الدوام. وفقدت وعيي مرتين. وكنت أصحو مرة تلو الأخرى على آلام الحروق التي أُصبت بها. وبدأت أسعل بصورة هيستيرية. وفي تلك اللحظة خلت أنني سأموت"وقال معتقل سابق آخر من كردفان، إنه اعتُقل في يوليو/تموز 2002 على يد المخابرات العسكرية، واقتيد إلى مقر قيادة الجيش : "بعد برهة جاء الرجل وبصحبته أربعة أشخاص آخرين. وكبلوا يديَّ من جديد ووضعوا وجهي على السرير وأبقوني هناك. ثم بدؤوا بإحراق ظهري بالسجائر. وحاولوا إجباري على تزويدهم بمعلومات حول من عمل أيضاً مع المخابرات الألمانية والبريطانية …وعذبوني بإحراق السجائر على ظهري إلى أن فقدت وعيي عدة مرات. وكنت أحياناً أصحو على الإحراق المتواصل لظهري بالسجائر. وأحرقوني عدة مرات في المكان ذاته …وكل يوم كان يتكرر هذا الإجراء".وأطلق سراحه بعد بضعة أيام من تعرضه للتعذيب في الاعتقال.
ترد المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن جميع الأشخاص لهم الحق في :
-
أن تكون قضيته محل لنظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية، لا يجوز منع الجمهور من الحضور إلا في بعض الحالات لدواعي الآداب العامة أو النظام العام أو الأمن القومي؛
-
الاستفادة من افتراض البراءة؛
-
أن يتم إعلامه سريعاً وبالتفصيل وفي لغة يفهمها، بطبيعة التهمة الموجهة إليه وأسبابها؛
-
أن يعطى من الوقت ومن التسهيلات ما يكفيه لإعداد دفاعه وللاتصال بمحام يختاره بنفسه؛
-
أن يحاكم دون تأخير لا مبرر له؛
-
أن يحاكم حضورياً؛
-
أن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل محاميه. وأن يحصل على الموافقة على استدعاء شهود النفي بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام؛
-
ألا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب؛
-
لا يجوز استخدام الأدلة المنـتزعة نتيجة التعذيب في المحكمة إلا كدليل ضد مرتكبي التعذيب.
وغالباً ما يواجه المعتقلون الذين يُقدَّمون للمحاكمة في السودان محاكمات تقصر كثيراً عن الوفاء بهذه المعايير الخاصة بالمحاكمات العادلة. وعقب محاكمات بإجراءات موجزة وجائرة تصدر على البعض أحكام تتضمن عقوبة أو معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة، تُحظرها المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
1.7 المحاكمات السياسية
على مدى السنوات الثلاث الماضية جرى عدد قليل من المحاكمات السياسية.6وفي 6 ديسمبر/كانون الثاني 2000، قبل أيام من تعديل قانون قوات الأمن القومي، أُلقي القبض على ثمانية أعضاء في التحالف الديمقراطي الوطني، وهو تحالف يضم الأحزاب المعارضة الشمالية والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان، بينما كانوا مجتمعين بدبلوماسي أمريكي واتُهموا "بالتآمر ضد الدولة" في مارس/آذار 2001. وأُطلق سراحهم في أكتوبر/تشرين الأول 2001 بعدما أعلن الرئيس عن سحب التهم الموجهة إليهم. ويمكن تمديد فترة هذه الاعتقالات –كما حصل في حالة حسن الترابي ويوسف محمد صالح ليبيس –عن طريق إطلاق سراح المعتقل لمدة بضع دقائق أو أيام ومن ثم إعادة القبض عليه. وبالتالي يمكن فعلياً احتجاز المعتقلين السياسيين الموقوفين لدى قوات الأمن إلى أجل غير مسمى من دون تهمة وقد لا تعتبر المحاكمة ضرورية. وفي البداية وُجهت تهم إلى الدكتور حسن الترابي وقادة المؤتمر الشعبي الذين قُبض عليهم معه بموجب قانون العقوبات، لكنهم لم يُقدموا إلى المحاكمة قط؛ واستناداً إلى مرسوم رئاسي طارئ جرى تمديد اعتقال حسن الترابي الذي كان قد مُدد في البداية عن طريق إعادة توقيفه فوراً.
ورغم أن أعضاء الجماعات المعارضة السياسية لا يُقدَّمون للمحاكمة عادة، فإنهم هُددوا بمحاكمتهم بموجب مواد قانون العقوبات التي تُحظِّر التجمعات غير المصرح بها أو العضوية في التنظيمات غير المسجلة. وقد هُدد أعضاء الأخوان الجمهوريين باتهامهم بالردة بموجب المادة 126 من قانون العقوبات التي تنص على عقوبة الإعدام. لكن المحاكمات هي الاستثناء في كثير من الحالات. وبين أغسطس/آب وديسمبر/كانون الأول 2002 ألقي القبض على مئات الطلبة، لكن لم توجه تهم بارتكاب جرائم إلى إلا حفنة منهم قُدموا إلى المحاكمة.7
2.7 إجراءات خاطئة للمحاكمة تعقبها عمليات الجلد وبتر الأطراف
ي�578?ضمن قانون العقوبات السوداني للعام 1991 عقوبات مثل الجلد على مجموعة متنوعة من الجرائم، بينها جرائم مثل التعامل بالخمور أو معاقرتها وبتر الأطراف عقاباً على سرقة أكثر من 4,25 غرام من الذهب من مكان محرز.8وتُحظِّر المعايير الدولية لحقوق الإنسان هذه العقوبات.
وإضافة إلى ذلك غالباً ما تصدر هذه العقوبات بعد محاكمات بإجراءات مقتضبة وجائرة. وخلال هذه المحاكمات، غالباً ما يُدان المتهم بناء على أدلة الشرطة وحدها، التي يكملها أحياناً اعتراف انتُزع منه تحت وطأة التعذيب أو غيره من أشكال الإكراه.
ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن المحاكمات الجائرة تشكل جزءاً لا يتجزأ من نظام القضاء السوداني بموجب المادة 10(1) من قانون الإثبات للعام 1993 التي تنص على أن :
لا تُرفض البينة فقط لأنه تم الحصول عليها من خلال إجراء غير سليم، إذا كانت المحكمة مقتنعة بأنها بينة مستقلة ومقبولة."
ويبدو أن هذه المادة تطلق العنان لأفراد قوات الأمن لتعذيب المعتقلين من أجل الحصول على اعترافات.
ومما يثير قلقاً شديداً أن الإجراءات في المحاكمات التي تجيز فرض عقوبة الإعدام وبتر الأطراف والجلد، غالباً ما تكون مقتضبة وتشوبها شوائب خطيرة. وكما قالت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في شأن المحاكمات السودانية التي تطبق الحدود والقصاص :
"القضية الأخرى هي تطبيق قانون الشريعة. لا جدال في أن الشريعة ترتكز على تفسير الدين الإسلامي. وعندما تطبق المحاكم السودانية الشريعة، عليها أن تفعل ذلك وفقاً للالتزامات الأخرى التي تعهدت بها دولة السودان. ويجب أن تتقيد دائماً بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة."9
وفيما يتعلق بالجرائم التي تُطبق فيها الحدود (تلك الجرائم التي تنطوي وفق الشريعة الإسلامية، على عقوبات جسدية إلزامية : وهي تشمل السرقة والردة والمعاشرة الجنسية غير الشرعية ومعاقرة الخمر)، يقتضي كل من قانون الإثبات للعام 1993 والمراسيم المتعلقة بالمحاكم الخاصة من المحاكم اتباع قواعد البينة المنصوص عليها في أحكام الشريعة. لكن المعيار العالي للبينة بموجب أحكام الشريعة (الذي يقتضي عادة على سبيل المثال أربعة شهود لإثبات وقوع الزنا10) غير مطلوب عموماً في المحكمة.
وبموجب قانون العقوبات يُعاقب على عدد من الجرائم بالجلد : وهي تشمل معاقرة الخمرة إذا كان مسلماً (المادة 78(1) من قانون العقوبات)؛ تنطبق على المسلمين وغير المسلمين الذين يشربون الخمر في مكان عام أو يتسببون بإزعاج (المادة 78(2) من قانون العقوبات) : السلوك الممارس في مكان عام والذي "يتعارض مع الآداب العامة" (المادة 152 من قانون العقوبات)؛ و"ارتداء زي غير محتشم أو إباحي بطريقة بعيدة عن الاحتشام أو مغايرة للآداب العامة" (المادة 152 من قانون العقوبات)؛ يُسمح بالجلد – لكنه نادراً ما يُنفَّذ الآن – في حال الإخلال بقانون النظام العام في الخرطوم للعام 1998، الذي تتضمن قائمة الجرائم الطويلة الواردة فيه إقامة حفلات بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً والتسول. وفي محاكم النظام العام، نادراً ما يكون للمتهمين – عادة الفقراء ومن ضمنهم العديد من الأشخاص الذين يعيشون في مخيمات المهجرين وأعداد كبيرة من النساء – محامون هذا إذا عُيِّن لهم محامون أصلاً، وقد لا تستغرق المحاكمات إلا بضع دقائق. ويُجمَع المتهمون في مجموعات تضم كل منها حوالي 10 أشخاص بحسب الجرم الذي يُنسب إليهم. فإذا كان الجرم شرب الخمر، أو صنعه أو بيعه، يقسمون إلى مسيحيين ومسلمين؛ ويُحكم على المسلمين بـ 40 جلدة وعلى المسيحيين بـ 39 جلدة. وتتم الإدانة بصورة شبه ثابتة بناء على كلمة بسيطة يتفوه بها الشرطي ونادراً ما يتم ذلك في حضور محامي الدفاع. ويحكم على آخرين بـ 40 جلدة على جرائم مثل المتاجرة من دون ترخيص أو الإخلال بقانون اللباس، مجدداً بناء على كلمة بسيطة من الشرطة. وهناك افتراض بالذنب وليس البراءة، وتنعدم تماماً أية أدلة تؤيد أقوال الشرطة. وتابع أحد نشطاء حقوق الإنسان الذي جلس لمدة يومين في محكمة النظام العام في الخرطوم الكبرى حوالي 100 محاكمة؛ لم تُبرأ خلالها إلا ساحة شخصين (رجل وامرأة شابان أُلقي القبض عليهما معاً، لكن حتى الشرطة التي حضر أفرادها كشهود لم تستطع أن تقدم أي تفسير مقبول لسبب القبض عليهما بعد أن أمضيا الليل في زنزانتين). ويقال على نطاق واسع إن شخصاً ينتمي إلى عائلة ثرية ويملك جهاز هاتف نقالاً ولديه اتصالات ومعارف، يستطيع توكيل محامٍ وتُبرأ ساحته؛ أما الفقير فيدان بثبات.
فعلى سبيل المثال، أبلغ شخص مسيحي من الجنوب يقطن في ضاحية الحاج يوسف بالخرطوم بحري، حيث يعيش العديد من اللاجئين الفارين من الحرب في جنوب السودان، أبلغ مندوبي منظمة العفو الدولية أنه كان في منـزله عندما اقتحمته الشرطة واتهمته بمعاقرة الخمرة. وأنكر ذلك (في الحقيقة، فإنه وفقاً للمادة 78(2) من قانون العقوبات، فإن معاقرة غير المسلم للخمرة – تمييزاً لها عن التعامل فيها، لا يُعاقب عليها إلا إذا جرت في مكان عام أو "سببت إزعاجاً للآخرين"). ولم يُجر له فحص دم أو اختبار تنفس ولم يؤخذ إلى أي طبيب. وأمضى يومين في الاعتقال ثم نُقل إلى المحكمة حيث أنكر التهمة. ولم يكن لديه محام. وشهد ضده أحد رجال الشرطة، وأدين وحكم عليه بـ 40 جلده ونُفِّذت العقوبة فوراً. وعندما أثار مندوبو منظمة العفو الدولية هذه القضية في وزارة الداخلية، أصر قائد الشرطة على أن الاختبارات الطبية أُجريت كالمعتاد. لكن أولئك الذين يحكم عليهم وأولئك الذين يمثلون أمام المحكمة يقولون إن هناك انعداماً ثابتاً للأدلة الطبية التي تثبت تناول الخمر عندما يتعلق الأمر بالفقراء.
وتُنفَّذ عقوبات الجلد على الفور أمام الجمهور؛ ولا يتم أي استئناف إلا بعد الجلد. ولا يستطيع إلا الميسورون الطعن في الأدلة ويصرون على توكيل محام وتتاح لهم الفرصة لتبرئة ساحتهم؛ ويقبل الفقراء الجلد كعاقبة طبيعية لاعتقالهم. وإ5?كانية التبرئة بعيدة للغاية لدرجة أنه حتى أولئك الذين يقولون إنهم أبرياء من أية تهمة يفضلون القبول بجلدهم 40 جلدة عوضاً عن طلب توكيل محام لهم وربما قضاء شهر في الاعتقال بانتظار المحاكمة.
3.7 عقوبة الإعدام
بموجب قانون العقوبات، تفرض عقوبة الإعدام على الخيانة والقتل ومجموعة متنوعة من الجرائم التي لا تشمل القتل. وتشمل الجرائم التي يُعاقَب عليها بالإعدام أفعالاً يمكن أن تُعرِّض استقلال الدولة أو وحدتها للخطر (المادة 50 من قانون العقوبات)؛ وشن حرب على الدولة (قد تشمل هجمات على المباني العامة أو أسلاك الكهرباء؛ المادة 51 من قانون العقوبات)؛ الردة (الرجوع عن الإسلام؛ تُرفع العقوبة إذا تاب المذنب، المادة 126 من قانون العقوبات).
وأدلت لجنة حقوق الإنسان، وهي لجنة دولية من الخبراء شُكِّلت لمراقبة تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بعدد من التعليقات ذات الصلة بالأهمية الأساسية للمحاكمات العادلة في قضايا عقوبة الإعدام. ويشير التعليق العام 6، الفقرة 7، حول حق الحياة إلى أن :
"اللجنة ترى بأن عبارة ‘الجرائم الأكثر خطورة’ يجب أن تُقرأ بصورة ضيقة لتعني أن عقوبة الإعدام يجب أن تكون تدبيراً استثنائياً جداً. كما يُستنتج من العبارات الصريحة في المادة 6 بأنه لا يمكن فرضها إلا وفقاً للقانون المعمول به في وقت ارتكاب الجرم وليس على نحو يتعارض مع العهد. وينبغي مراعاة الضمانات الإجرائية الواردة فيه، بما فيها الحق في جلسة عادلة أمام محكمة مستقلة، وافتراض البراءة والحد الأدنى من الضمانات للدفاع، والحق في إعادة النظر أمام محكمة أعلى. وتنطبق هذه الحقوق إضافة إلى الحق المحدد في طلب الصفح أو تخفيف العقوبة."
4.7 المحاكم الخاصة
إضافة إلى المحاكم الجنائية ومحاكم الأمن العام، شُكِّلت المحاكم الخاصة في شمال دارفور وغربها وجنوبها بموجب مراسيم صدرت في كل ولاية في العام 2001 عقب إعلان حالة الطوارئ في المنطقة. والمراسيم متشابهة بشكل عام. ويترأس هذه المحاكم الخاصة قاضٍ مدني وقاضيان عسكريان؛ ولا يحتاج القضاة العسكريون إلى أية مؤهلات قانونية. وينص مرسوم إنشاء محكمة خاصة في الفاشر (المرسوم رقم 21 للعام 2001 الصادر عن حاكم الولاية) في المادة الخامسة منه على أن :
"ج) دليل بصمات الأصابع كاف ولا حاجة لمزيد من الأدلة المؤيدة.
د) تقبل المحكمة باعتراف المتهم وتعتبره دليلاً إذا كانت مقتنعة بهذا الاعتراف.
هـ) إذا سحب المتهم اعترافه، تأخذ المحكمة الاعتراف بعين الاعتبار كدليل ضد المتهم. ولا يحق للمتهم سحب اعترافه."
وتغطي هذه الولاية القضائية للمحاكم الخاصة في دارفور مجموعة واسعة من الجرائم، بينها السطو المسلح والحرابة، والحيازة غير المرخص بها للأسلحة النارية، والجرائم المنصوص عليها في المواد 50-57 من قانون العقوبات (الجرائم المرتكبة ضد الدولة)؛ والجرائم المتعلقة بالنظام العام؛ و"أي شيء آخر يعتبره الوالي أو رئيس السلطة القضائية جرماً" (المادة 4). وبموجب المادة 5(ز) من القانون المتعلق بولاية شمال دارفور : "لا يحق للمحامين المثول أمام المحاكم لتمثيل المتهمين. ويمكن لصديق المتهم أن يمثل بدل ذلك لمساعدته أمام المحكمة" ولدى المحاكم الخاصة في جنوب دارفور نصاً مشابهاً. ويمكن تقديم استئناف ضد عقوبات السجن التي تزيد على خمس سنوات في غضون سبعة أيام إلى محكمة استئناف دارفور التي يكون حكمها مبرماً إلا في الحالات التي تتعلق ببتر الأطراف أو عقوبة الإعدام، التي يمكن استئنافها أمام المحكمة العليا في الخرطوم والمحكمة الدستورية التي نقضت أحياناً الأحكام لكونها جائرة.
وتشوب المحاكمات التي تجري أمام المحاكم الخاصة في دارفور شوائب شديدة : وجود أفراد قوات الأمن كقضاة لا يمكن أن يمثل سلطة قضائية مستقلة؛ وإجراء المحاكمات بإجراءات مقتضبة وإصدار عقوبات الإعدام بعد محاكمات لا تدوم أكثر من ساعة؛ وليس لدى المعتقلين إلا حقوق محدودة جداً وغير كافية للدفاع : المحامون الذين يحضرون فقط بصفة "أصدقاء" لا يلتقون بالمتهمين إلا فترة وجيزة، أحياناً قبيل بدء المحاكمة فقط ومن دون منحهم وقتاً كافياً لدراسة ملف القضية؛ وغالباً ما يتم التبليغ عن التعذيب ويتم القبول بالاعترافات التي تُنتزع تحت وطأة التعذيب. وغالباً ما يسود افتراض الذنب وليس افتراض البراءة. ولم تسمع منظمة العفو الدولية عن أية محاكمة جرت أمام المحاكم الخاصة وأدت إلى تبرئة ساحة المتهمين.
وغالباً ما يستغل المحامون في المحاكم الخاصة إمكانية المثول "كصديق للمتهم" للترافع نيابة عن المتهم، لكن هذا الوضع لا يمنحهم الحقوق ذاتها الممنوحة لمحامي الدفاع لدى مرافعته في المحاكم العادية. ولا يتمتعون بالحق ذاته في الاطلاع على ملف القضية أو تقديم مرافعة نهائية (رغم أن المحكمة الخاصة تمنحهم هذه الحقوق أحياناً). ولا يُسمح عادة للمحامي بوصفه "صديقاً" استجواب شهود الإثبات أو النفي.
1.4.7 رزيقات 88
في إبريل/نيسان 2002، ألقي القبض على 136 من أبناء قبيلة الرزيقات العرقية في جنوب دارفور بتهم الحرابة ضد أعضاء جماعة المعلية وهي جماعة عرقية أخرى في المنطقة. وفي 21 و22 يونيو/حزيران، ذكر 35 من المعتقلين أنهم اقتيدوا إلى مركز شرطة نيالا وانهال عليهم رجال الشرطة بالضرب بالعصي وأعقاب البنادق والخراطيم. وذكر بعضهم كما ورد أن أصابعهم وسواعدهم قد كسرت. وأعطى المعتقلون أسماء أولئك الذين اعتدوا عليهم بالضرب. وقُدِّم ما مجموعه 96 من المعتقلين إلى المحاكمة بموجب المادة 168 (الحرابة) من قانون العقوبات أمام محكمة خاصة في نيالا في يوليو/تموز 2002. ودافع فريق من المحامين عن المتهمين بصفتهم "أصدقاءهم". والتقى نحو سبعة من هؤلاء المحامين للمرة الأولى بـ 45 من المتهمين في السجن لمدة ساعتين ونصف الساعة قبل يوم واحد فقط من موعد المحاكمة. وعندها فقط سمع المحامون مزاعم الت
u1593?ذيب. ولم يلتقوا بباقي المعتقلين إلا في قاعة المحكمة قبل المحاكمة. وفي المحكمة قدم المحامون طلباً "لإجراء فحص طبي للمعتقلين الذين زعموا تعرضهم للتعذيب. ورفض القاضي هذا الطلب، قائلاً كما ورد : "هذه محكمة خاصة وستتبع إجراءات خاصة".
وفي 2 يوليو/تموز 2002، اليوم الثاني من المحاكمة في المحكمة الخاصة، وبعد أن عرض وكيل النيابة القضية، أُحضر شهود الإثبات أمام المحكمة. وقدم محامو الدفاع طلباً لاستجواب هؤلاء، قوبل بالرفض من جانب المحكمة. وانسحب محامو الدفاع احتجاجاً على ذلك وعلى تقاعس المحكمة عن إصدار أمر بإجراء فحص طبي في مزاعم التعذيب. واستمرت القضية من دونهم. وكان هناك حوالي 85 شاهد إثبات و65 شاهد نفي. ودامت المحاكمة مدة 10 أيام، وجرى استجواب كل متهم لمدة 15 دقيقة تقريباً. وفي غياب محام الدفاع، حُكم على 88 متهماً، بينهم متهمان قيل إنهما كانا قاصرين في حينه، بالإعدام وبُرئت ساحة ثمانية متهمين. وقدم المحامون استئنافاً أمام محكمة الاستئناف في الفاشر، التي اعتمدت العقوبات. عندئذ قُدِّم استئناف أمام المحكمة العليا في الخرطوم؛ ولم يبت فيه بعد.
2.4.7 قضية سينغيتا
في محاكمة حديثة أخرى لأفراد من قبائل من البدو الرحل متهمين بمهاجمة 35 قروياً من سينغيتا في دارفور وقتلهم في 31 ديسمبر/كانون الأول 2002، قُدِّم 38 من أبناء مختلف الجماعات العرقية إلى المحاكمة في 17 مارس/آذار. وكان قد قُبض عليهم في يناير/كانون الثاني واحتُجزوا لمدة شهرين على الأقل رهن الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي في نيالا. ولم يُسمح إلا لثلاثة محامين، لم يروا موكليهم إلا قبل خمسة أيام من مجيئهم إلى المحكمة، بالدفاع عنهم، ولم يُسمح لهم بطرح أكثر من أربعة أسئلة على أي شاهد (بينما كان بمقدور وكيل النيابة طرح أي عدد من الأسئلة يريده). وحُكم على المتهمين الستة والعشرين بالإعدام في 26 إبريل/نيسان وكان بينهم صبي عمره 15 عاماً. وزعم المحامون وشهود العيان أن الجناة الحقيقيين ينتمون إلى جماعة عرقية أخرى وأن المعتقلين قُبض عليهم بصورة تعسفية. وكانت الأدلة التي قدمها شهود الإثبات متناقضة، وبحسب ما ورد غيَّر بعضهم أقواله أكثر من مرة. ولم يُبت بعد في الاستئناف الذي قدموه.
3.4.7 المحاكمات الجائرة الأخرى أمام المحاكم الخاصة
قُبض على آدم عبد الله إسحاق، 31 عاماً، وهو مزارع، في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2002 وحُوكم في 21 ديسمبر/كانون الأول أمام محكمة خاصة في مليط بشمال دارفور بتهمة القتل. وأنكر التهمة، قائلاً إنه كان في قرية أخرى في حينه. وذكر أربعة عشر شاهداً في المحكمة أنهم رأوه في مكان آخر. لكن في المحاكمة التي دامت ساعة واحدة فقط، والتي لم يمثله فيها محام رسمي، أُدين وحُكم عليه بالإعدام. ولم يبت بعد في الاستئناف الذي قدمه.
ويمنح الشرط القاضي بأن تبت المحكمة العليا في الخرطوم بقضايا بتر الأطراف وعقوبة الإعدام بعض الضمانات للمعتقلين. وخلال الاستئناف يتم احترام حق المعتقل في توكيل محام. أدين إسماعيل قرجةفي 10 إبريل/نيسان 2002 أمام محكمة خاصة في بلدة كاس بتهمة الحرابة. وأنكر ارتكاب الجريمة ولم يكن لديه محام. وقد أُدين وحُكم عليه بالقطع من خلاف (قطع اليد اليمنى والقدم اليسرى). وعندما أُحيلت القضية على الاستئناف مثله محامٍ طعن في حكم المحكمة الخاصة على أساس عدم كفاية الأدلة وتمت تبرئة ساحته وإخلاء سبيله.
وقد أعربت لجنة حقوق الإنسان عن معارضتها لاستخدام المحاكم الخاصة :
"تلاحظ اللجنة وجود محاكم عسكرية أو خاصة تحاكم المدنيين في دول عديدة. وقد يؤدي ذلك إلى مشاكل خطيرة على صعيد إدارة القضاء بعدالة وحياد واستقلالية. وغالباً ما يكون سبب إنشاء مثل هذه المحاكم السماح بتطبيق إجراءات استثنائية لا تتقيد بالمعايير الاعتيادية للعدالة. وفي حين أن العهد لا يمنع إنشاء هذه الفئات من المحاكم، إلا أن الشروط التي يضعها تشير بوضوح إلى أن محاكمة المدنيين أمام هذه المحاكم يجب أن يكون حالة استثنائية جداً وأن تجري في ظروف توفر حقيقةً الضمانات الكاملة المنصوص عليها في المادة 14." (التعليق العام 13، الفقرة 4).
8. القيود المفروضة على حرية الصحافة
بموجب المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية :
"1. لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
وبحسب لجنة حقوق الإنسان (التعليق العام 10) لا يسمح الحق باعتناق آراء دون مضايقة بأي استثناء أو قيد. وكما صرحت اللجنة "ثمة حاجة لاتخاذ تدابير فعالة لمنع الرقابة على وسائل الإعلام التي تعيق حق كل شخص في حرية التعبير بطريقة لا ينص عليها العهد."
ولا يقر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بإمكانية تقييد الحق في حرية التعبير إلا في ظروف استثنائية، مشيراً إلى أنه :
"3. تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة."
وصرحت اللجنة في تعليقها العام بأن الحق في حرية التعبير يستتبع واجبات ومسؤوليات خاصة، وبعض القيود التي قد تتعلق إما بمصالح الأشخاص الآخرين أو بمصالح المجتمع ككل. لكن أية قيود يمكن فرضها يجب أن ينص عليها القانون وأن تكون مبررة باعتبارها ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام. ويجب أن تتماشى هذه القيود مع المعايير المعترف بها دولياً، وأن تُفسر بشكل صارم من أجل تعزيز الحق وحمايته وليس إضعافه أو تعريضه للخطر.
وقد أعرب وزير الإعلام والاتصالات الزهاوي إبراهيم مالك عن تأييده لحرية الصحافة خلال اجتماع مع وفد عن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين عقده في 31 أغسطس/آب 2002. بيد أن وسائل الإعلام المطبوعة في الخرطوم ما برحت تعاني من قيود جدية تحد من حريتها في التعبير. والذين يتجاوزون "الخطوط الحمر" التي ترسمها قوات الأمن قد تتعرض صحفهم للمصادرة أو الغرامات ويتعرضون هم أحياناً للتوقيف والاعتقال قصير الأجل.
كذلك من المهم للغاية أن يتمكن الصحفيون ووسائل الإعلام وجميع السودانيين من إجراء مناقشات حرة حول مسائل مهمة تتعلق بمستقبل السودان، بما فيها مسائل حقوق الإنسان والمجالات التي يحددها المتفاوضون على السلام ويناقشونها، مثل حدود الجنوب، ومستقبل المناطق الحدودية ومسألة "تقرير المصير". وحرية التعبير هي حق إنساني بحد ذاتها، وغالباً ما تكون دفاعاً عن حقوق الإنسان الأخرى. ويستحيل تحقيق السلام القائم على العدل إذا مُنعت وسائل الإعلام والأفراد من إثارة قضايا الظلم.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2001، رفعت الحكومة الرقابة عن جميع الصحف. وأُنشئ مجلس وطني للصحافة في العام 1993، بمرسوم رئاسي بوصفه الهيئة الرسمية المشرفة على وسائل الإعلام المطبوعة. وفي الوقت الراهن، وكما نُظِّم بموجب قانون الصحافة للعام 1999، فهو هيئة خاضعة للإشراف المباشر للرئيس ولديها أمين عام يختاره الرئيس. ولدى المجلس 21 عضواً : تسعة منهم تنتخبهم نقابة الصحفيين السودانيين مباشرة، وخمسة ترشحهم الجمعية الوطنية وسبعة يرشحهم الرئيس. ومن بين مهام المجلس الوطني للصحافة واجب النظر في أية مخالفة لنصوص قانون الصحافة ومدونة قواعد آداب المهمة الخاصة بالصحفيين. وفي حالات تكرار المخالفة يمكن للمجلس الوطني للصحافة إحالة القضية إلى المحكمة، كذلك يمكن للصحفيين تقديم استئناف إلى المحكمة ضد القرار الصادر عن المجلس الوطني للصحافة. كما يتحمل الصحفيون وسواهم تبعات بموجب مواد قانون العقوبات؛ فمثلاً، يُعاقب على جرم "نشر أنباء كاذبة" بموجب المادة 66 من قانون العقوبات السوداني بالسجن مدة تصل إلى ستة أشهر أو بدفع غرامة ليست محددة القيمة؛ وقد فسرت السلطات السودانية تلك المادة واستخدمتها على أنها تشمل أي انتقاد للحكومة.
بعض نصوص قانون الصحافة الصادر العام 1999 تتسم بالغموض في باب "واجبات الصحفيين"وتشكل وسيلة لإضفاء الشرعية على القيود المفروضة على حرية التعبير في السودان. فمثلاً، تنص المادة 25 على أن الصحفيين : "لا يجوز لهم أن ينشروا أية معلومات سرية تتعلق بأمن الدولة أو القوات النظامية" (25ب) وأنه "لا يجوز لهم نشر أية مسألة يمكن أن تُخل بالآداب العامة" (25و). كذلك تتضمن مدونة قواعد آداب المهنة التي أُجبرت الصحف على توقيعها في ديسمبر/كانون الأول 2001 فقرات غامضة يسهل الزعم أنه تم الإخلال بها. وتتضمن هذه الشروط مطالبة الصحفيين باحترام "الإنجازات الوطنية" وتفادي قضايا معينة، تشتمل على "إهانة القوات المسلحة أو المجاهدين والشهداء" أو "نشر اتهامات أخلاقية ضد البلاد".
ويعقد المجلس الوطني للصحافة جلسة للصحفيين الذين يُستدعون للمثول أمامه. ويستطيع اتخاذ عدد من الخطوات ضد الصحف التي تُعتبر بأنها انتهكت قانون الصحافة أو مدونة آداب المهنة، بما في ذلك توبيخهم ونصحهم وتحذيرهم. وبحسب الإحصائيات المتوافرة لدى المجلس الوطني للصحافة عن فترة خمسة أشهر تمتد بين 18 مارس/آذار و25 أغسطس/آب 2002، فإنه من أصل 68 شكوى وُجهت ضد إحدى الصحف، أدت 13 منها أو نسبة 19.1% إلى وقف الصحيفة عن الصدور لمدة يوم واحد أو أكثر. وينطوي وقف الصحيفة عن الصدور على الخسارة التامة للعائدات خلال فترة الإيقاف.
-
في 24 أغسطس/آب 2002، أوقف المجلس الوطني للصحافة صحيفة الأيام لمدة يوم واحد بعدما نشرت مقالاً حول تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية قيل أنه كان صريحاً أكثر من اللازم.
-
في 4 سبتمبر/أيلول 2002، صادر المجلس الوطني للصحافة النسخ اليومية من صحيفة الحرية وkhartoum Monitor، لأن كلا الصحيفتين نشرتا على ما يبدو مقالات تنتقد قرار الحكومة بالانسحاب من محادثات السلام في ماشاكوس. واستدعي مدير تحرير الحرية الحاج ورَّاق ولبنى أحمد حسين، وهي صحفية تعمل في الجريدة، في اليوم التالي للمثول أمام مسؤولي الأمن الذين استجوبوهما حول المقال. وأُطلق سراحهما من دون تهمة أو محاكمة.
-
في 5 سبتمبر/أيلول، صادر المجلس الوطني للصحافة كامل الأعداد التي طبعتها المطبعة من جريدة الصحافة بعد أن ورد أنها نشرت مقالاً ينتقد انسحاب الحكومة من مفاوضات السلام في ماشاكوس.
وقد زارت منظمة العفو الدولية المجلس الوطني للصحافة وأثارت الانتقادات الموجهة لعمليات وقف الصحف عن الصدور. وفي نسبة قليلة من الحالات، استطاع المجلس الوطني أن يبين أنه كانت هناك أسباب للقول إن المقال أساء إلى القراء؛ وفي معظم الحالات، بما فيها تلك الواردة أعلاه، بدا أن قراره ينتهك أحكام المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لكن رغم أن المجلس الوطني للصحافة ليس هيئة مستقلة بالكامل، إلا أنها هيئة يتمتع فيها الصحفيون بالتمثيل، وفي دراسة الحالات، يجيز للمحررين والصحفيين حق المثول والدفاع عن أنفسهم. لكن الأكثر تحطيماً بمراحل لحرية الصحافة هي أفعال قوات الأمن القومي التي لا يمكن الطعن بها والتي تتسم بالسرية في أغلب الأحيان. وقد اتخذت قوات الأمن القومي إجراءات ضد الصحف بموجب قانون حالة الطوارئ. وضايقت قوات الأمن السودانية الصحفيين والمحررين واعتقلتهم لفترات قصيرة. وصادرت الصحف التي انتقدت أفعال الحكومة أو مارست حقها في حرية التعبير تعليقاً على الأحداث المتعلقة بالسودان وفرضت عليها غرامات وأوقفتها عن الصدور. وتغطي قائمة المواضيع التي أدت إلى اتخاذ إجراءات حكومية قاسية عدداً واسعاً من أوجه السياسة السودانية : النـزاع في الجنوب أو في المناطق الحدودية أو في سواها وانتقاد أفعال الحكومة المتعلقة بمحادثات السلام وبروتوكول ماشاكوس؛ وانتهاكات حقوق الإنسان داخل السودان ومن ضمنها اعتقال منتقدي الحكومة؛ ومظاهرات الاحتجاج؛ وانتقاد سياسات الحكومة؛ والمقالات المتعلقة بتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية في السودان. كذلك، عوقبت الصحف لنشرها أنباء وتعليقات حول الأحداث الراهنة، مثل أعمال الشغب التي قام بها الطلبة في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2002 وقمعها أو النـزاع الناشئ الآن في دارفور. ويشكل تعليق الصحيفة عن الصدور عقوبة خطيرة، لأنها تعني خسارة الصحيفة لدخل يوم، ولمبيعاتها وإعلاناتها. ويقول المحررون إن اتخاذ إجراء بوقف صحيفة عن الصدور أو مصادرة عددها غالباً ما يُتخذ بعد الانتهاء من طبع الصحيفة مباشرة، لكي يُلحق كما يبدو الحد الأقصى من الخسائر بالصحيفة التي تضطر عندئذ إلى دفع ثمن الورق والأجور.
وتعني هذه العقوبات أن الرقابة السابقة للنشر والتي رُفعت عن الصحف السودانية بين ديسمبر/كانون الأول 2001 ويوليو/تموز 2002 قد استُبدلت بها رقابة ذاتية. وثمة ضغط متواصل على المحررين والصحفيين الذين تم استجوابهم أو تغريمهم أو مصادرة صحفهم بسبب مقالات نشرتها ولم تتجاوز حدود الانتقاد أو التعليق المعقول. وقد طلب ضباط الأمن القومي من مديري الصحف ملء استمارة لا تتضمن عنوانهم وعدد أطفالهم وحسب، بل أيضاً انتماءهم السياسي، واسم ثلاثة أصدقاء حميمين وخريطة تبين العنوان الصحيح للمنـزل. وأُبلغ المحررون بوجوب التنبه "للخطوط الحمر" التي يمكن أن تؤدي إلى المتاعب. ودأب العديد من المحررين والصحفيين على القول لمنظمة العفو الدولية إن أفراد الأمن القومي قد يتصلون هاتفياً بالصحيفة لتحذيرها من نشر أية مقالات حول حادثة أو قضية معينة، وإضافة إلى ذلك، قد يُبلَّغون بوجوب نشر مقالات حول قضية معينة. وتزيد الطبيعة التعسفية الواضحة للقرارات من قلق المحررين، الذين أبلغ العديد منهم منظمة العفو الدولية، أنهم بمواجهة الخسائر الفادحة، يفكرون في التوقف عن خوض معركة النشر المضنية.
-
في مارس/آذار 2002، غُرِّم رئيس تحرير صحيفة الحرية سعد الدين إبراهيم ورسَّام الكاريكاتير صلاح سالم مبلغ ثمانية ملايين دينار سوداني (30923,85 دولاراً أمريكياً) لأنهما انتقدا مصلحة الضرائب التابعة للحكومة.
-
في يوليو/تموز 2002، غُرِّم ألفرد تعبان، رئيس تحرير صحيفة Khartoum Monitor مبلغ 500000 دينار سوداني (1932,74 دولاراً أمريكياً) بسبب مقال كتبه حول انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضد السودانيين الجنوبيين في مدينة كاسالا الواقعة في شرق البلاد.
-
في 3 سبتمبر/أيلول 2002، اعتقلت قوات الأمن عثمان ميرغني، وهو كاتب عمود في صحيفة الرأي العام، عقب مقابلة أعطاها لشبكة الجزيرة التلفزيونية في 1 سبتمبر/أيلول. وخلال البرنامج، انتقد عثمان ميرغني الحكومة السودانية لأنها انسحبت من مفاوضات السلام. وبحسب ما ورد اتصلت السلطات في اليوم التالي بعثمان ميرغني وأمرته بالحضور إلى مكاتب الأمن العام في مساء ذلك اليوم. واعتُقل لاستجوابه لمدة يومين ثم أطلق سراحه من دون تهمة أو محاكمة.
-
في 4 سبتمبر/أيلول 2002، استدعى مسؤولو الأمن رئيس تحرير صحيفة Khartoum Monitor ألبينو أوكيني ومدير التحرير ألفرد تعبان، وبحسب ما ورد استُجوبا حول مقال أشار إلى مطالبة سكان بلدة تقع عند الحدود بين شمال السودان وجنوبه بالمشاركة في استفتاء مقترح في جنوب السودان بموجب برتوكول ماشاكوس. وأخلي سبيل كل من رئيس التحرير والصحفي من دون تهمة أو محاكمة.
-
في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، صادرت قوات الأمن القومي أعداد صحيفتي الحرية والوطن، لأن الصحيفتين نشرتا على ما يبدو أنباء المصادمات التي وقعت بين طلبة جامعة الخرطوم وشرطة مكافحة الشغب بين 22 و24 أكتوبر/تشرين الأول. واستدعى مسؤولو الأمن في الخرطوم رئيس تحرير الوطن سيد أحمد خليفة ورئيس تحرير الحرية سعد الدين إبراهيم. واحتُجز سيد أحمد خليفة لمدة يومين قبل إ