Document - Sudan: Arms continuing to fuel serious human rights violations in Darfur
السـودان: استمرار تدفق السلاح يفاقم انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة في دارفور
مقـدمة
لا تزال عمليات نقل الأسلحة والذخائر والمعدات المتصلة بها إلى دارفور في غربي السودان مستمرة لأغراض العمليات العسكرية، التي ترتكب فيها انتهاكات وإساءات خطيرة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي على يد الحكومة السودانية ومليشيات الجنجويد (1) المدعومة من الحكومة، وعلى يد جماعات المعارضة المسلحة.
ويصف هذا التقرير عملية التسليح الجارية وآثارها على أهالي دارفور وإقليم شرقي تشاد المجاور، الذين تم ترحيل العديد منهم بالقوة. كما يورد تفاصيل الانتهاكات للحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على الأسلحة في دارفور في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007. وبين جملة أمور، يظهر التقرير كيف أن حكومة السودان تنتهك الحظر المفروض من جانب الأمم المتحدة على الأسلحة، وتقوم بتمويه بعض عملياتها العسكرية اللوجستية في دارفور، كما يبين كيف أن الأسلحة التي زودت بها كل من الصين وروسيا – الدولتين دائمتي العضوية في مجلس الأمن الدولي - السودان قد استخدمت في خروقات للحظر الإلزامي الذي فرضه مجلس الأمن على توريد الأسلحة إلى الإقليم.
إن منظمة العفو الدولية تهيب بالمجتمع الدولي بصورة حثيثة على أن يفرض سلطته بتبني خطوات فورية لتعزيز تطبيق حظر الأمم المتحدة المفروض على توريد الأسلحة، ووقف تدفق الأسلحة إلى دارفور، كجزء من حزمة تدابير فورية للمساعدة على حماية المدنيين واحترام حقوقهم الإنسانية، وفق ما يقتضيه القانون الدولي.
إن الدول التي تزود السودان بالأسلحة والذخائر وغيرها من المعدات العسكرية تعرف، أو ينبغي على الأقل أن تعرف، أن هذه الأسلحة كثيراً ما تستخدم لارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدول لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي في دارفور، والآن في شرقي تشاد. وتتيح حقيقة أن قرار مجلس الأمن الدولي قد ترك صياغة الحظر المفروض على نقل الأسلحة إلى دارفور غامضة بعض الشيء، والافتقار على نحو خاص إلى آلية قوية للمراقبة والتحقق والإبلاغ العلني تابعة للأمم المتحدة، تتيح لبعض الدول والأشخاص انتهاكه دونما خشية من عقاب.
فعلى الرغم من تأكيدات الحكومة السودانية بخلاف ذلك، فإن الهجمات المسلحة على المدنيين من جانب القوات المسلحة السودانية وحلفائها في مليشيا الجنجويدمستمرة في دارفور، وقد اتسعت رقعة النـزاع في دارفور الآن لتتخطى حدود السودان. فالمدنيون في شرقي تشاد يتعرضون الآن للهجوم على أيدي مليشيات الجنجويدالسودانية وحلفائها التشاديين المحليين، الذين يمارسون السلب والقتل دونما عقاب (2). وقد قام مسؤولو الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بالإبلاغ عن العديد من عمليات القصف الجوي والهجمات العشوائية على القرى، وعن حوادث تهجير قسري وعمليات إعدام دون محاكمة وحالات "اختفاء" ونهب مسلح وتدمير للممتلكات (3). وتشير توصيفات هذه الهجمات للأمم المتحدة إلى أن التكتيكات المستخدمة مشابهة كثيراً لتلك التي كانت تستخدم في أوقات ذروة الحرب في دارفور في أواخر 2003وفي 2004، والتي اتسمت: 1) بالتنسيق في العمليات بين القوات المسلحة السودانية والمليشيا المدعومة من الحكومة، 2) بعدم احترام مبدأي التمييز والتناسب، 3) بالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي (4). وما زال الاغتصاب والعنف الجنسي وغيرهما من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي يرتكب في دارفور من قبل مليشياتالجنجويد، وكذلك من قبل القوات المسلحة السودانية وجماعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك ضد الأطفال (5).
إن حكومة السودان تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين في دارفور، ومع ذلك فهي لا تزال تحوِّل وجهة الطائرات العسكرية الهجومية وسواها من الطائرات المستوردة، والمعدات ذات "الأستخدام المزدوج" والمصنَّعة محلياً، وكذلك الأسلحة النارية والذخائر، التي يورد التقرير تفاصيلها، لاستهداف المدنيين مباشرة، وشن هجمات عشوائية تترتب عليها إصابات في صفوف المدنيين، وتسليح مليشيات الجنجويدوتوفير الدعم لها. ومن المفترض أن المليشيات قد تم حلها، ومع ذلك فهي تتحمل، جنباً إلى جنب مع قوات الحكومة السودانية، المسؤولية الكبرى عن الانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في دارفور.
ويستمر كذلك تلقي جماعات المعارضة المسلحة العاملة في دارفور الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة وال?مدادات اللوجستية، وتسيء استخدامها بعد ذلك لارتكاب انتهاكات وخروقات خطيرة لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي. وفضلاً عن ذلك، فإن انتشار الأسلحة الصغيرة مع الغياب العام للقضاء ولحكم القانون قد مكّن هذه القوات من القيام بقطع الطرق والسطو المسلح على نطاق واسع.
إن توريد السلاح على نحو غير مسؤول إلى السودان وجيرانه عامل كبير الأهمية في كارثة حقوق الإنسان الجماعية في دارفور، وفي انتشارها إلى شرقي تشاد. فقد لقي ما يربو على 200,000شخص حتفهم خلال سنوات النـزاع الأربع في دارفور، بالسودان، بينما هُجِّر ما يزيد على 2.5مليون شخص من ديارهم. ولم يشهد شهر مارس/آذار 2007أي انخفاض في مستوى انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضد الأشخاص النازحين داخلياً، والإساءة إليهم، بما في ذلك في مستوى العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي. وانضم 40,000نازح داخلي جديد نتيجة لاستمرار العنف إلى سابقيهم، بينما استمرت عمليات قطع الطرق على وتيرة عالية في هذا الشهر (6). وتتواصل الهجمات على العاملين في المساعدات وعلى القوافل الإنسانية، وبخاصة في مدن رئيسية مثل الفاشر. فما بين يونيو/حزيران 2006ويناير/كانون الثاني 2007، قُتل 12 من العاملين في المعونات، أي ما يزيد على مجموع من قتلوا خلال السنتين السابقتين مجتمعتين. وبسبب الحالة الأمنية، تفقد العديد من هيئات المساعدات قدرتها على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية إلى تجمعات النازحين بينما ظلت فرص الوصول إلى خدمات المعونة الإنسانية ضئيلة، كما إنها تراجعت في بعض الأماكن. وتؤدي سهولة الحصول على السلاح إلى تشديد النـزاع وإطالة أمده، مع ما يعنيه ذلك من آثار كارثية على السكان المدنيين ورفاههم على المدى الطويل.
وتضمنت الأبحاث التي استند إليها هذا التقرير تحليل البيانات عن طريق مختصين مستقلين وتلقي روايات شهود عيان تفصيلية من دارفور قُدِّمت إلى منظمة العفو الدولية في سياق تقصّياتها. ورفَد ذلك ما جُمع من بيانات من مصادر مفتوحة وقواعد بيانات ومصادر معلومات سرية (7). ولدى وصول الصياغة الأولية لهذا التقرير مرحلة متقدمة في أواخر أبريل/نيسان، سُرِّب إلى نيويورك تايمز(8)تقرير مرحلي سريع للأمم المتحدة أعدته لجنة خبراء تابعة للمنظمة الدولية. ونشرت الصحيفة بعض المعطيات الرئيسية لتقرير الأمم المتحدة المرحلي، ونفت حكومة السودان بشدة على نحو خاص ما ورد في ما نشرته الصحيفة من تهم عزتها إلى التقرير السري بأن حكومة السودان تقوم بطلعات جوية هجومية وتنقل معدات عسكرية إلى دارفور، خارقة بذلك الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على نقل الأسلحة إلى دارفور، كما قالت إن إن الحكومة قد استخدمت طائرات مطلية بالأبيض، لكي تشبه طائرات الأمم المتحدة، في عمليات القصف وفي عمليات المسح الجوي للقرى في دارفور. وعند تلك النقطة، قررت منظمة العفو الدولية إكمال عملها الذي بدأته بشأن هذا التقرير حتى نهايته كما خططت له، آخذه في الحسبان حقيقة أن ما توصلت إليه من معطيات رئيسية لهذا التقرير حتى تاريخه بشأن عمليات إدخال الأسلحة إلى دارفور ونقلها إلى السودان قد صيغت في شكلها الأولى، وأن الفجوة الجزئية في تفاصيل المعطيات والتوضيحات فيما بينها وبين التقرير المرحلي للأمم المتحدة، مثل تلك المتعلقة بنقل طائرات وأسلحة بعينها إلى دارفور، لا تكفي لعرقلة نشر منظمة العفو
الدولية معطياتها. وفي واقع الحال، فإن منظمة العفو الدولية تعتقد أن هذا التقرير سيفتح الأبواب، بتسليطه المزيد منالضوء على المشكلة على الصعيد العام، أمام تحركات دولية جديدة لحث المجتمع الدولي على أن يساعد على منع الانتهاكات للحظر المفروض على توريد الأسلحة إلى دارفور من جانب الأمم المتحدة ويعزز الحقوق الإنسانية لأهالي الإقليم.
ولما أوردناه من أسباب في هذا التقرير، فإن منظمة العفو الدولية تدعو مجلس الأمن الدولي من جديد إلى تشديد الحظر المفروض من جانب الأمم المتحدة على إدخال السلاح إلى دارفور عن طريق إنشاء آليات للمراقبة والتحقق أكثر صرامة، وضمان التقيد والحد من تدفق الأسلحة والمعدات المصاحبة لها إلى من يرتكبون انتهاكات وخروقات جسيمة لقانون حقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي في دارفور.
موقف منظمة العفو الدولية بشأن تجارة الأسلحة والأمن (9)
لا تتخذ منظمة العفو الدولية موقفاً بشأن تجارة الأسلحة بصفتها هذه، ولكنها تناهض نقل المعدات أو التقانة أو الأفراد أو التدريب العسكرية أو الأمنية أو الشرطية – وكذلك الدعم اللوجستي أو المالي لعمليات نقل من هذا القبيل – إذا كان يمكن الافتراض على نحو معقول بأنها تسهم في انتهاكات خطيرة للمعايير الدولية لحقوق الإنسان أو للقانون الإنساني الدولي. وتشمل مثل هذه الانتهاكات القتل التعسفي والعشوائي، وعمليات "الإخفاء" أو التعذيب. ولمنع وقوع مثل هذه الانتهاكات، تنظِّم منظمة العفو الدولية الحملات من أجل إقرار قوانين فعالة والاتفاق على آليات لتحريم أي عمليات نقل للأسلحة أو الخدمات أو المعدات ما لم يكن بالإمكان، وبصورة معقولة، تبيان أن مثل هذه العمليات لن تسهم في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وتناضل منظمة العفو الدولية أيضاً من أجل أن تنُشِئ مؤسسات نقل الأسلحة والخدمات والمعدات أنظمة صارمة للمساءلة والتدريب للحيلولة دون وقوع مثل هذه الانتهاكات.
خلـفية
فُرض حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى الجماعات غير الحكومية في دارفور من جانب مجلس الأمن بموجب القرار 1556(يوليو/تموز 2004). وأضعف الاستثناء الأولي للحكومة السودانية وقواتها المسلحة من الجهات المقصودة بالحظر الذي فرضته الأمم المتحدة، إلى جانب غياب آلية الرقابة المناسبة لضمان التقيد بالقرار، فُرص نجاح هذا 75?لحظر إلى حد بعيد.ونظراً للحالة الإنسانية وحالة حقوق الإنسان السيئة التي كانت تزداد سوءاً في دارفور، تحدَّت بعض الحكومات، وكذلك بعض المنظمات غير الحكومية حالة الضعف هذه. فنشرت منظمة العفو الدولية تقريراً شاملاً في نوفمبر/تشرين الثاني 2004أوردت فيه تفاصيل الأنواع المختلفة من الأسلحة التقليدية وعمليات النقل "ذات الاستخدام المزدوج" إلى السودان ونشر واستخدام المعدات والأسلحة في دارفور، بما في ذلك من جانب القوات المسلحة السودانية، لارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان(10). وفي نهاية المطاف، وسَّع مجلس الأمننطاق الحظر ليشمل جميع أطراف النـزاع، وأخضع أي عملية نقل حكومية للمعدات والمؤن العسكرية إلى دارفور للموافقة المسبقة، بناء على الطلب، من جانب لجنة العقوبات على السودان التابعة لمجلس الأمن الدولي (11).
ومع أن قرار مارس/آذار 2005لمجلس الأمن وسَّع نطاق حدود الحظر المفروض على توريد الأسلحة من جانب الأمم المتحدة ليشمل "جميع أطراف النـزاع"، وبذا أصبح يشمل القوات المسلحة الحكومية والمنظمات غير الحكومية المسلحة، إلا أن أحكام الحظر قد تم تجاهلها إلى حد كبير من قبل حكومة السودان وجماعات المعارضة المسلحة، وكذلك من جانب عدة حكومات هي الأكثر أهمية من حيث كونها مصدر عمليات نقل الأسلحة إلى السودان. وقد أتت لجان الخبراء التابعة للأمم المتحدة التي أُنشئت بمقتضى قرار مجلس الأمن 1591(2005) على ذكر نمط متشابه من عمليات تدفق الأسلحة إلى دارفور في تقاريرها، كما تحدثت عن انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان وللقانون الإنساني الدولي استخدمت فيها هذه الأسلحة (12). وفي أكتوبر/تشرين الأول 2006، تحدث تقرير للجنة خبراء الأمم المتحدة عن أن "الانتهاكات الصارخة للحظر على الأسلحة من جانب جميع الأطراف مستمرة دون انقطاع. وما زالت الأسلحة، ولا سيما ذخائر الأسلحة الصغيرة والمعدات العسكرية، تدخل إلى ولايات دارفور من عدد من البلدان ومن الأقاليم الأخرى للسودان"(13).
واستمر تلقي مجلس الأمن الدولي، من خلال لجنته للعقوبات على السودان، تقارير من لجنة خبراء الأمم المتحدة بوقوع خروقات للحظر على الأسلحة وباستخدام مثل هذه الأسلحة في ارتكاب انتهاكات وإساءات لحقوق الإنسان، ولكنه لم يتحرك في اتجاه تطبيق توصيات لجنة الأمم المتحدة بتعزيز الحظر على الأسلحة، بما في ذلك دعوة وجِّهت إليه لتطبيق حظر الأمم المتحدة على الأسلحة على كافة أرجاء السودان باستثناءات محددة، كما إن لجنة العقوبات الخاصة بالسودان عمدت على الدوام إلى التصرف على نحو يكشف النقاب عن أسماء المتورطين في عملية التسليح ويفضحهم (14). وعلى ما يبدو، فإن نية مجلس الأمن في أن يحجب الأسلحة عن مليشيا الجنجويد، من خلال تبني القرار 1556(2004)، قد حرى الالتفاف عليها عبر حقيقة أن العديد من المليشيات كانت قد أصبحت رسمياً بالفعل جزءاً من الأجهزة الأمنية للحكومة، أو قد أُدمجت في هذه الأجهزة، وعلى وجه الخصوص في "قوة الدفاع الشعبي" وفي :حرس مخابرات الحدود" و"شرطة الاحتياط المركزية" و"الشرطة الشعبية" و"شرطة البادية"، عند اعتماد القرار المذكور.
عمليات النقل اللامسؤولة للإسلحة إلى السودان
عندما فرض مجلس الأمن الدولي حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى الجماعات غير الحكومية في دارفور في يوليو/تموز 2004، جرى نقاش مستفيض حول أسباب استثناء حكومة السودان من الحظر، نظراً لما كان معروفاً من تزويد القوات المسلحة السودانية مليشيات الجنجويدبالأسلحة ودعمها النشط لها، وبذا جرى تصحيح هذا الخلل في مارس/آذار 2005عندما جرى توسيع نطاق الحظر المفروض من جانب الأمم المتحدة ليشمل جميع الأطراف المتورطة في النـزاع في دارفور. بيد أنه، وبحسب آخر البيانات الإحصائية الرسمية (15)، قد تم نقل معدات عسكرية وتجهيزات متصلة بها استوردها السودان من عدة بلدان في العام 2005. إلا أن البيانات الرسمية الواردة من السودان ومن البلدان المصدرة ربما تعكس تقديرات أدنى بكثير من الواقع فيما يتعلق بإجمالي كميات الأسلحة التي تم نقلها، ومع ذلك فهي تشير إلى مدى اتساع نطاق التجارة الدولية لتسليح السودان، البلد الذي يعج بالأسلحة من قبل، كما تشير إلى الطبيعة اللامسؤولة لهذا التسليح.
وجرى نقل القسط الأكبر من هذه الأسلحة من الصين وروسيا، العضوين الدائمين في مجلس الأمن. ولا بد أن حكومتي هذين البلدين كانتا على علم، أو ينبغي أن تكونا على علم، من خلال التقارير المنشورة أو غير المنشورة للجنة خبراء الأمم المتحدة المرفوعة إلى لجنة الأمم المتحدة للعقوبات على السودان، وكذلك من خلال التقرير المفصَّل لمنظمة العفو الدولية المنشور في نوفمبر/تشرين الثاني 2004(16)، بأن عدة أنواع من هذه المعدات العسكرية، بما فيها الطائرات، قد تم نشرها من جانب القوات المسلحة السودانية والمليشيات لأغراض القيام بهجمات مباشرة على المدنيين وبهجمات عشوائية في دارفور، وكذلك لتقديم الدعم اللوجستي لمثل هذه الهجمات.
فقد استورد السودان ما قيمته 24مليون دولار أمريكي من الأسلحة والذخائر من جمهورية الصين الشعبية، وكذلك ما يقارب 57مليون دولار أمريكي من قطع غيار الطائرات وتجهيزاتها، ومليوني دولار أمريكي من قطع غيار المروحيات والطائرات، وفق البيانات الواردة من السودان للعام 2005، وهي آخر أرقام تجارية متوافرة. وأثناء اجتماع في بكين، أبلغ وزير دفاع الصين، وفق ما ذُكر، رئيس هيئة الأركان المشتركة السوداني أن العلاقات العسكرية بين الجانبين ما انفكت "تتطور بسلاسة"، وقال: "[نحن] راغبون في مزيد من تطوير التعاون العسكري بين بلدينا في جميع المجالات" (17). وسلَّمت الشركة الصينية "أفيتشاينا إنداستري أند تكنولوجي" إلى سلاح الجو السوداني في الآونة الأخيرة ست طائرات تدريب/هجومية عسكرية من طراز "K-8"، بينما ستتبعها ست طائرات أخرى قريباً، طبقاً لإحدى المجلات العسكرية (18). وأعلنت "شركة بيجينغ أفييشين ساينس أند تكنولوجي"، وهي فرع لمؤسسة "تشاينا أفييشين إندستري كوربوريشين I(AVIC I)، على موقعها الإلكتروني، أنها قد قامت بتطوير وإنتاج أنظمة محاكاة للتدريب على طائراتها النفاثة من طراز K-8Sلصالح السودان (19). وسُلِّمت أنظمة المحاكمة هذه إلى سلاح الجو السوداني في 2005(20). وتستخدم طائرات K-8Sكطائرة تدريب أساسي نفاثة للطيارين المقاتلين على نطاق واسع. وتخرَّج بعض طياري الطائرات المقاتلة في سلاح الجو السوداني لاحقاً ليقودوا طائرات NAMC Q-5"فانتان"بعد مرورهم بفترة تدريب أساسي على طائراتK-8S. وتُعرف النسخة المعدة للتصدير من طائرة Q-5باسم A-5"فانتان" (21). وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أن سلاح الجو السوداني قد قام بنقل هذه القاذفات النفاثة إلى دارفور (أنظر الصورة والتفاصيل فيما يلي) دون تفويض من لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة، ويحتمل إلى حد بعيد أن تستخدم هذه الطائرات التي تم الحصول عليها مؤخراً على النحو الذي استخدمت فيه الطائرات السابقة، وأن يكتسب الطيارون الخبرة للطيران بالطائرات التي قدمتها الصين من أجل القيام بهجمات عشوائية في دارفور، منتهكين بذلك الحظر المفروض على الأسلحة من جانب الأمم المتحدة والقانون الإنساني الدولي، وبما يثير أسئلة خطيرة حول أنظمة المساءلة والتدريب المقدمة إلى سلاح الجو السوداني لضمان احترامه لذلك القانون العالمي.
وفي 2005، صدَّرت روسيا الاتحادية إلى السودان ما قيمته 21مليون دولار أمريكي من الطائرات والمعدات المصاحبة لها، بما في ذلك قطع غيار لها، وما قيمته 13.7مليون دولار أمريكي من المروحيات، مضيفة ذلك إلى شحناتها الجوهرية من الأسلحة في السنوات السابقة (22). إن استخدام الأنواع المختلفة من المروحيات العسكرية، ولا سيما المروحيات الهجومية من طراز Mi-24الروسية التي حصل عليها سلاح الجو السوداني، لشن هجمات في دارفور يتعرض فيها المدنيون للقصف العشوائي يثير بواعث قلق خاصة لدى منظمة العفو الدولية، كما نوضح فيما يلي.
ووقعت بيلاروس والسودان بروتوكولاً للتعاون العسكري في 15يونيو/حزيران 2006، وقد ارتبط الجانبان بتعاون عسكري وثيق لعدة سنوات، ولا سيما بشأن تزويد السودان بناقلات الجنود المصفحة من النوع نفسه الذي شوهد في دارفور في مارس/آذار 2007(23). وفي 26مايو/أيار 2004، ذكرت حكومة بيلاروس أنها صدَّرت في العام 2003إلى السودان تسع عربات عسكرية من طراز BMP 2، و39عربة عسكرية من طراز BRDM 2، و32 مدفعاً من عيار 122 مم، بما فيها مدافع هاوتزر، وجميعها من أصل روسي (24). وكما هو مبين فيما يلي، فإن لدى منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أن ناقلات الجنود المصفحة التي زودت بيلاروس السودان بها يجري استخدامها حالياً في دارفور من جانب القوات المسلحة السودانية، ويمكن أن تستخدم، مثلها مثل العربات العسكرية الأخرى، لتسهيل انتهاكات قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني في دارفور.
وصدرت إيران إلى السودان في 2005كميات أخرى من الأسلحة والذخائر بقيمة 650,000دولار أمريكي، متبعة في ذلك نمطاً من تصدير المعدات العسكرية درجت عليه في السنوات السابقة؛ وفي العام نفسه، استورد السودان طائرات من دول مختلفة أخرى (25). ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2006(26)، ناقشت الكويت مع الحكومة في الخرطوم، وفق ما ذُكر، سبل التعاون العسكري، حيث قام أحد تجار الأسلحة الصغيرة الكويتيين بفتح وكالة لبيع الأسلحة في الخرطوم. وبحسب المعلومات الوارد من السودان، فإن مصر والإمارات العربية المتحدة قد كانتا مصدراً لكميات صغيرة من الأسلحة وصلت السودان في 2005(27). ولم يعرف ما إذا كانت صادرات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من الطائرات إلى السودان قد تضمنت طائرات عسكرية أو صالحة "للاستخدام المزدوج".
وبينما لا تملك منظمة العفو الدولية تقارير موثوقة بأن جميع هذه الصادرات إلى السودان من المعدات العسكرية وما يتصل بها، أو ما يتصل بأنشطة التعاون العسكري مع حكومة السودان، قد أسهمت في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي في دارفور، إلا أن المخاطر كبيرة في الوقت الراهن من أنيسهمبعضعمليات النقل هذه في ذلك. ولذا، فإن منظمة العفو الدولية تدعو إلى وقف جميع عمليات نقل المعدات العسكرية والأمنية إلى السودان إلا باستثناءات خاصة تجيزها الأمم المتحدة، كما سنوضح فيما يلي.
إن عمليات النقل الدولية للأسلجة هذه تجد تعزيزاً لها فيما ينتجه السودان محلياً من أسلحة. ويعتمد هذا إلى حد ما على مدخلات أجنبية من القطع والمواد والخبرات الخاصة. وتُشغِّل المؤسسة الصناعية العسكرية السودانية ثلاثة مصانع عسكرية بالقرب من الخرطوم، حيث تقوم هذه بإنتاج الذخيرة وأسلحة المشاة الخفيفة والعربات العسكرية ونسخة سودانية من دبابة تي – 455، شوهدت في دارفور، للقوات المسلحة السودانية (28).
وتلف عمليات شراء الأسلحة على الجانب الآخر من النـزاع في دارفور سرية أكبر، ولكن وردت عدة تقارير تفيد بأن جماعات المعارضة المسلحة تتلقى الدعم المالي والسياسي وغير ذلك من أشكال الدعم من بلدان مجاورة مثل ليبا وتشاد وإريتريا (29). فقد زعمت لجنة خبراء الأمم المتحدة التي تتقصى مدى التقيد بالحظر المفروض على الأسلحة في دارفور أن حكومة إريتريا قد قدمت الأسلحة والدعم اللوجستي والتدريب العسكري والدعم السياسي إلى "حركة العدالة والمساواة" وإلى "جيش تحرير السودان" ومختلف فصائل الجماعات المسلحة هذه، التي واصلت انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان في دارفور. وشاهد مراقبو الاتحاد الأفريقي قافلتين من الشاحنات التي تنقل شحنات عبر الحدود الليبيبة- السودانية في يوليو/تموز وأغسطس/آب من العام الماضي (30). ولم يتضح على نحو جلي ما إذا كان استمرار تدفق شحنات الأسلحة والمواد المصاحبة إلى جماعات المعارضة المسلحة في دارفور من تشاد والجماهيرية العربية الليبية تتم بناء على سياسة رسمية لحكومتي البلدين، أم إنها عمليات يقوم بها رسميون في الحكومتين على نحو مستقل.
وسمحت السلطات السودانية من جانبها لجماعات المعارضة المسلحة التشادية، التي ترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أيضاً، بالعمل من دارفور، وقد حصلت هذه الجماعات على أسلحة صغيرة وأسلحة خفيفة نُقلت إلى دارفور، بما في ذلك أسلحة وصلت حديثاً من الصين (31). وعلى سبيل المثل، أوردت منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2006تقريراً عن استخدام أسلحة مصنوعة في الصين من قبل أعضاء في "الجبهة المتحدة للتغيير الديمقراطي في نشاد"، التي كانت في ذلك الوقت تنشط كجماعة معارضة مسلحة من دارفور. وقد انضمت الجبهة المتحدة منذ ذلك الوقت إلى حكومة تشاد. وجرى في 28 فبراير/شباط 2006التقاط صور لأعضاء في مجموعة المعارضة المسلحة تلك وهم يحملون قواعد إطلاق قذائف أوتوماتيكية من طرازQLZ87عيار 35مم خارج مدينة الجنينة في دارفور الغربي، بالسودان، قريباً من الحدود مع تشاد (32).
ومن غير الوارد أن حكومات الأقطار الوارد اسمها في هذا التقرير لم تكن على علم بتقارير الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي ترتكبها قوات الأمن السودانية، ولكنها رغم ذلك واصلت السماح لمعداتها العسكرية بأن تذهب إلى السودان من بلدانها. إن واجب الدول في أن لا تشارك في الأفعال المسيئة دولياً التي تقوم بها دولة أخرى أمر مثبت في المادة 16من المواد الخاصة بمسؤولية الدول عن الأفعال المسيئة دولياً الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي، والتي أوصت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2001(33)، وتعكس بدورها القانون الدولي العرفي الملزم لجميع الدول، وتنص على ما يلي:
"تكون الدولة التي تعاون أو تساعد دولة أخرى على ارتكاب فعل مسيء دولياً مسؤولة دولياً عن هذا الفعل في حالة:
(أ) قيام الدولة بذلك مع علمها بظروف الفعل المسيء دولياً؛ و
(ب) كون الفعل مسيئاً دولياً إذا ما قامت به تلك الدولة".
استمرار التدفق السري للأسلحة إلى دارفور
على الرغم من صعوبة اقتراب المراقبين المستقلين من الأحداث في دارفور، إلا أنه من الواضح نتيجة ما يتوافر من معلومات من مصادر ذات مصداقية أن استمرار تدفق الأسلحة والذخائر والتجهيزات المتصلة بها إلى دارفور الشمالي والجنوبي والغربي، وغياب المساءلة وحكم القانون لدى استخدام مثل هذه المعدات، تشكل عوامل تسهم بصورة كبيرة في الانتهاكات والخروقات الخطيرة لحقوق الإنسان. كما تقف هذه العوامل وراء الانتهاكات المتكررة للحظر المفروض من جانب الأمم المتحدة على الأسلحة (34) وللأحكام التي تقيِّد نقل الأسلحة في اتفاقات وقف إطلاق النار (35) التي تنطبق على إقليم دارفور السوداني.
وأحد الجوانب المهمة هو أن حكومة السودان تمتنع بصورة روتينية عن طلب موافقة لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي لنقل الأسلحة والذخائر وغيرها من التجهيزات العسكرية إلى دارفور، وكما هو موضح فيما يلي، فإن عمليات النقل غير المصرح بها هذه تعتبرخرقاً لقرار مجلس الأمن 1591، ومع ذلك فهي مستمرة بلا انقطاع (36).
نشر المروحيات الهجومة في دارفور مؤخراً
تشير روايات شهود العيان المفصَّلة المقدَّمة إلى منظمة العفو الدولية إلى وجود مستمر للمروحيات الهجومية من طراز Mi – 24(37)في الجنينية والفاشر ونيالا ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007. ففي نيالا، جرى استبدال مروحية هجومية من طراز Mi – 24بأخرى في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007– وحملت هاتان المروحيتان الهجوميتان رقمي التسجيل 925و926. (أنظر الجدول 1فيما يلي).
وفي وقت سابق في يناير/كانون الثاني 2006، أوردت لجنة خبراء الأمم المتحدة الخاصة بالسودان أنباء عن إعادة نشر سلاح الجو السوداني ست مروحيات هجومية من طرار Mi – 24في دارفور، في خرق للفقرة 7من القرار 1591(2005) (38). ومرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول 2006، أعربت لجنة الخبراء عن بواعث قلقها بشأن استمرار الوجود غير المصرح به لمروحيات Mi – 24الهجومية في العواصم الثلاث لإقليم دارفور، الجنينة ونيالا والفاشر (39).
الجدول 1. نشر مروحيات Mi – 24الهجومية في دارفور
|
المكانالتاريخالنوعالعددرقم التسجيل |
|
|
|
|
|
الفاشر |
يناير/كانون الثاني 2007 |
MI-24P |
2 |
غير معروف |
|
|
|
|
|
|
|
الجنينية |
يناير/كانون الثاني 2007 |
MI-24P |
3 |
927، 931، 935 |
|
|
|
|
|
|
|
الجنينة |
منتصف مارس/آذار 2007 |
MI-24P |
3 |
927، 931، 935 |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
يناير/كانون الثاني 2007 |
MI-24P |
3 |
926، 928، 929 |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
أوائل مارس/آذار 2007 |
MI-24P |
3 |
925، 928، 929 |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
منتصف مارس/آذار 2007 |
MI-24P |
1 |
928 |
|
|
|
|
|
|
ومما يثير بواعث القلق الدولية أن سلاح الجو السوداني قد استخدم هذا النوع من المروحيات الهجومية لعدة سنوات في عمليات قامالجنجويد أثناءها بهجمات عشوائية على القرى في دارفور (40). وعلى سبيل المثل، في 15نوفمبر/ تشرين الثاني، هاجم جنود تابعون للقوات المسلحة السودانية ومليشيات مسلحة، تدعمهم مروحيات هجومية، عدة قرى في منطقة بيرميزه، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ثلاثة مدنيين وحرق عشرات البيوت وتدمير أربع قاعات للإغاثة تابعة لإحدى المنظمات غير الحكومية الدولية (41). ونظراً لنمط الهجمات العشوائية الذي ساد على مدار السنوات الأربع الماضية، وحقيقة أن حكومة السودان ما زالت ترفض الاعتراف بسلطة لجنة الأمم المتحدة للعقوبات على نقل مثل هذه الأسلحة إلى دارفور، فإن ثمة خطراً بوقوع هجمات عشوائية جديدة في المنطقة (42).
ووصف برايان ستايدل، وهو مراقب عسكري تابع للاتحاد الأفريقي في دارفور (43)نوع الأسلحة المستخدمة في هجمات هذه المروحيات ما بين سبتمبر/أيلول 2004وفبراير/شباط 2005، مورداً رواية شاهد العيان التالية أمام اللجنة الفرعية لمجلس نواب الولايات المتحدة الخاصة بأفريقيا، بقوله:
"الأدلة على الدعم الحكومي: مروحية هجومية كانت تطير فوق قرية لابادو بعد إطلاقها النيران بقليل. وهذه القرية، وكما ذكرت سابقاً وأظهرت الصورة، لم تعد موجودة. وهم ينكرون أنهم يستخدمون هذه. وها هي صورة مكبرة لواحدة منها. وبالإمكان رؤية العلم السوداني على الذيل. كما يمكن رؤية آثار الصواريخ التي أطلقت من المروحية على هذه القرى وشظايا الصواريخ التي أطلقت من المروحية. وهذه مقذوفات صغيرة "فلاشيت"، مقذوفات من صاروخ. وكل مروحية تحمل نحو أربع حجيرات صواريخ، وكل حجيرة صواريخ تضم 20 صاروخاً؛ وفي كل صاروخ نحو 500من هذه المقذوفات الصغيرة، وهي عبارة عن مسمار صغير. وتنطلق وكأنها طلقة بندقية، وهي لا تستخدم لأهداف عسكرية. ولا تستخدم ضد الشاحنات أو المباني. وإنما تستخدم ضد الأشخاص لقتل الأشخاص أو تقطيع أطرافهم، ويستخدمون هذه بصورة شبه حصرية" (44).
نشر مقاتلات الهجمات الأرضية النفاثة في دارفور
شن سلاح الجو السوداني كذلك نمطاً من عمليات القصف الجوي العشوائي للقري في دارفور وشرقي تشاد مستخدماً المقاتلات الهجومية النفاثة وطائرات الأنطونوف. وفي فبراير/شباط 2007، أطلق الأمين العام للأمم المتحدة النداء التالي من أجل وقف هذه الممارسة: "إن حكومة السودان قد كثفت من قصفها الجوي لمواقع قوات الفصائل غير الموقِّعة، بما فيها أهداف مدنية، ضمن جهودها لإخراج المقاتلين التابعين لهذه القوات ... وأشعر بالأسى بسبب الحالة الإنسانية والأمنية المتدهورة على الأرض. وينبغي على جميع الأطراف إيقاف هجماتها العنيفة على المدنيين. وعلى وجه الخصوص، يساورني شعور بالفزع بسبب عمليات القصف الجوي التي تقوم بها القوات الحكومية، التي وسّعت نطاق هجماتها لتشمل مناطق جديدة منذ 16يناير/كانون الثاني، ما أدى إلى مزيد من
الإصابات والمعاناة فيصفوف المدنيين" (45).
وما بين يناير/كانون الثاني 2007ومارس/آذار 2007، شوهدت مقاتلتان نفاثثان من طراز A-5"فانتان" الصيني وهما توقَفان في مطار نيالا (أنظر الجدول 2فيما يلي). وهذه الطائرات مصممة على نحو خاص للاستخدام في الهجمات الأرضية. وفي أوائل مارس/آذار، شوهدت قنبلة كبيرة وبعض صناديق الذخيرة الخضراء إلى جانب الطائرتين (46). وفي مارس/آذار 2007، شوهدت طائرة نفاثة ثالثة من طراز A-5"فانتان" (مسجلة تحت الرقم 410) في مطار نيالا. كما شوهدت طائرة أنطونوف عسكرية كذلك في أماكن مختلفة من دارفور ما بين يناير/ كانون الثاني ومارس/آذار 2007(أنظر ما يلي).
الجدول 2: قاذفات فانتان النفاثة في نيالا
المكان التاريخ النوع العدد رقم التسجيل
|
نيالا |
يناير/كانون الثاني 2007 |
Q5 Fantan |
2 |
402، 403 |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
أوائل مارس/آذار 2007 |
Q5 Fantan |
3 |
402، 403، 410 |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
منتصف مارس/آذار 2007 |
Q5 Fantan |
2 |
غير معروف |
|
|
|
|
|
|
|
نيالا |
أواخر مارس/آذار 2007 |
Q5 Fantan |
3 |
402، 403، 410 |
|
|
|
|
|
|
وأوردت "بعثة الأمم المتحدة في السودان" في تقرير لها أن شهر يناير/كانون الثاني 2007 "شهد هجمات برية من قبل قوات حكومة السودان والمليشيا المسلحة، وكذلك عمليات قصف جوي من جانب سلاح الجو السوداني لمواقع يشتبه بأنها لفصائل المتمردين" (47). واستمرت عمليات تهجير القرويين في اتجاه مخيمات النازحين داخلياً بلا انقطاع خلال شهر يناير/كانون الثاني نتيجة لهجمات القوات المسلحة السودانية والمليشيا المرتبطة بها، وكذلك بسبب هجمات مقاتلي فصيل مينّي ميناوي من جيش تحرير السودان – وبخاصة في شمال دارفور، حيث وردت تقارير عن عمليات قصف للعديد من المواقع قام بها سلاح الجو السوداني – وهجمات وعمليات ترهيب قامت بها مليشيات الجنجويد(48).واضطرت الهجمات على القرى في ولاية دارفور الغربية في يناير/كانون الثاني 2007نحو 5,000من أهالي الولاية على الفرار من ديارهم بحثاً عن ملاذ آمن في معسكرين يقعان في محيط الجنينة، وفق ما أوردته المنظمة غير الحكومية السويسرية "ميدأير – سويتزارلاند" (49).
وفي 22 مارس/آذار 2007، قصفت طائرة وصفها شهود عيان بأنها طائرة أنطونوف سودانية مناطق في شمال وجنوب بلدة بهاي التشادية الواقعة إلى الشمال الشرقي. وتضمنت عمليات القصف الجوي منطقة تحيط ببحيرة كارياري، على مسافة عدة كيلومترات من مخيم آوري كاسّوني للاجئين. ويضم المخيم نحو 27,000لاجئ سوداني. وبينما لم يصب أي من اللاجئين بجروح، فقد أصيب عدة مدنيين تشاديين وعاملان في المعونة الإنسانية ينتميان إلى منظمة غير حكومية دولية جراء القصف. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي وقعت فيها عمليات قصف جوي قريباً من آوري كاسّوني، الذي لا يبعد سوى 5 كيلومترات عن الحدود السودانية. ووردت أنباء عن هجمات جوية على مدار يومين في أوائل يناير/كانون الثاني 2007وفي أكتوبر/تشرين الأول 2006. وقد عمل مكتب المفوض السامي للاجئين على الحصول على موافقة من اللاجئين ومن السلطات التشادية لنقل المخيم لمسافة أبعد عن الحدود (50).
وهوجمت قرية ديم بشاره في جنوب دارفور في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2006من قبل قوات برية تابعة لمليشيا عربية مدعومة بعمليات قصف جوي من قبل طائرة أنطونوف. وأكد محققو الاتحاد الأفريقي أنه، إضافة إلى مقتل بعض المقاتلين، فقد أصيب 16 مدنياً بجروح في هذه الهجمات. وفي 5و6 ديسمبر/كانون الأول، قصفت طائرات حكومية بلدة شقبوبة بدعم بري من مليشيا مسلحة، ما أدى إلى مقتل خمسة مدنيين (51).
السلطات السودانية تموِّه الطائرات العسكرية في دارفور
في تقاريرها السابقة، أعربت لجنة خبراء الأمم المتحدة عن بواعث قلق بشأن استخدام الطائرات المطلية بالأبيض من جانب حكومة السودان (52). وصرحت حكومة السودان بأنها "لا تملك أي طائرات ثابتة الأجنحة مطلية بالأبيض، وبأن جميع طائراتها تحمل شعارات أو علامات ... بيد أن الحكومة اعترفت باستخدام مروحيات بيضاء فعلاً لنقل مسؤولين وقادة قبليين كانوا يحضرون اجتماعات للمصالحة، ولكن ليس لأغراض عسكرية" (53). وذكرت لجنة خبراء الأمم المتحدة أن لديها أدلة وثائقية على وجود مثل هذه الطائرات، وإحدى هذه الطائرات من طراز أنطونوف– 26 وتحمل الرقم العسكري 7705(علامة إضافية: -26563)، بينما تحمل طائرة أنطونوف – 26أخرى رقم التسجيل ST-ZZZ(54). وخلُصت اللجنة في تقريرها لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2006 إلى أن حكومة السودان "تملك طائرات مطلية بالأبيض، ولكنها أدلت بمعلومات كاذبة ومضللة للأمم المتح�583?ة" (55)، وهي "تواصل استخدام طائرات بيضاء ثابتة الأجنحة ولا تحمل علامات في طلعات استطلاعية وطلعات عسكرية عدائية أو هجومية تدخل أثناءها الأجواء المحظورة" (56).
وتلقت منظمة العفو الدولية في الآونة الأخيرة تقارير من شهود عيان بأن طائرة الأنطونوف - 26المطلية بالأبيض وتحمل رقم تسجيل سلاح الجو السوداني 7705ما زالت تعمل في دارفور. وقد شوهدت في عدة مواقع في دارفور، بما في ذلك في مطاري الجنينة ونيالا ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007. وفي أوائل مارس/آذار 2007، شوهدت طائرة الأنطونوف – 26هذه (المسجلة تحت الرقم 7705)، حيث كانت واقفة في الفاشر قريباً من مجموعة مختلفة من القنابل. كما شوهدت الطائرة التي تحمل رقم التسجيل ST-ZZZفي أماكن مختلفة ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007.
وعلى ما يبدو، هناك ثلاث طائرات تحمل رقم التسجيل هذا. فشوهدت طائرة من طراز أنطونوف – 26 بيضاء بالكامل وتحمل رقم التسجيل "ST-ZZZ" ومختصر SAF"" على أنفها (سلاح الجو السوداني) في الفاشر (أنظر الصورة فيما يلي)، وفي نيالا ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007. وإلى جانب هذه، هناك طائرة أنطونوف – 26أخرى بجسم أبيض وذيل أزرق تستخدم أيضاً رقم التسجيل "ST-ZZZ" وشوهدت في ساحة مطار الخرطوم في يناير/كانون الثاني ومنتصف مارس/آذار 2007. وأخيراً، هبطت هبوطاً اضطرارياً في مطار الفاشر إثر طلعات قصف غير مؤكدة في أغسطس/آب 2006طائرة أنطونوف – 26تحمل رقم التسجيل ST-ZZZ"" (57).وكان
أحد محركيها قد دُمر. وقد أوقفت هذه الطائرة في مدرج مطار الفاشر منذ هبوطها الاضطراري (58).
وبالإضافة إلى ذلك، فإن لدى منظمة العفو الدولية تقارير ذات مصداقية بأن مروحيات نقل مطلية بالأبيض من طراز Mi – 171تابعة لسلاح الجو السوداني، ولا تحمل أي شعارات أو علامات، قد شوهدت في مطار نيالا ما بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2007(مستخدمة رقم التسجيل 533)، والفاشر في مارس 2007(مستخدمة رقم التسجيل 528). ولدى سلاح الجو السوداني طائرات نقل مشابهة في أماكن أخرى لا تحمل أي شعارات أو علامات (59). وأوردت الأمم المتحدة مؤخراً في تقاريرها أيضاً أنباء عن استخدام سلاح الجو السوداني مروحيات مطلية بالأبيض في جنوب السودان، في خرق لقرار صادر عن لجنة وقف إطلاق النار العسكرية المشتركة (60).
إن استخدام طائرات ومروحيات بيضاء اللون بالكامل من جانب حكومة السودان في دارفور يشكل، من الوهلة الأولى، انتهاكاً للأعراف المطبقة في القانون الإنساني الدولي. فالطائرات والمروحيات البيضاء تستخدم في العادة لأنشطة الأمم المتحدة وبعثة الأمم المتحدة في السودان وغيرهما من الوكالات الإنسانية، بما في ذلك وعلى وجه الخصوص لنقل وتسليم المعونات الإنسانية. وكما ورد في تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة لشهر أكتوبر/تشرين الأول 2006، فإن استخدام الطائرات البيضاء "يشكل تهديداً جسيماً للهيئات الإنسانية وللأمم المتحدة وبعثة الأمم المتحدة في السودان العاملة في إقليم دارفور. ويمكن أن يؤدي هذا إلى الخطأ في تحديد هوية هذه الطائرات واحتمال الاشتباك مع هذه الطائرات من جانب قوات التمرد" (61). ومن واجب السودان بمقتضى القانون الإنساني الدولي اتخاذ جميع التدابير الاحترازية لتجنب الخسائر في أرواح المدنيين وإلحاق الضرر بالأهداف المدنية.
توريد الأسلحة الصغيرة والذخائر إلى دارفور واستخدامها من جانب الحكومة السودانية
في مطار الجنينة، لاحظ شهود عيان خمس رحلات جوية قامت بها طائرات أنطونوف تشغِّلها شركات سودانية محلية قامت خلالها بتفريغ شحنات من الأسلحة الصغيرة والذخائر. وكانت وجهة شحنة واحدة على الأقل من شحنات الأسلحة هذه، حسبما ذُكر، المعارضة المسلحة التشادية. وتصب مثل هذه الشحنات الحديثة من الأسلحة الصغيرة والذخائر إلى دارفور الزيت على نار الهجمات على المدنيين والانتهاكات الجسيمة والخروقات لحقوق الإنسان، بما في ذلك على أيدي مليشيات الجنجويدالمدعومة من الحكومة السودانية، التي زودتها الحكومة بالبنادق الهجومية.
وخلال أوائل 2007، تعرض عاملون في المساعدات الإنسانية لهجمات مسلحة من جانب القوات الحكومية والمليشيا. ففي 7فبراير/شباط 2007، تعرضت للهجوم ثلاث شاحنات تجارية كانت تنقل مواد تموينية في ثلاث مناسبات منفصلة وهي في طريقها إلى كبكبيّة والفاشر في شمال دارفور. وبينما لم تتعرض أي من مواد الإغاثة للسرقة، اعتدى المهاجمون في كل مرة من المرات الثلاث جنسياً على النساء وهاجموا المسافرين الذكور بدنياً. وفي 11فبراير/شباط، دخل ثلاثة رجال مسلحين بالقوة ليلاً عيادة إحدى المنظمات غير الحكومية في مونيه، غرب دارفور، وجمعوا كافة المرضى وهددوا حياتهم. وفي 17فبراير/شباط، دخل بعض الرجال المسلحين الذين يعتقد أنهم من رجال المليشيا مخيم كريندينع 2بالقرب من الجنينة وأحرقوا واحداً من الملاجئ. وعندما غادر بعض النازحين داخلياً أكواخهم وبدأوا بالاحتجاج، تلقى أحدهم عياراً نارياً في رأسه وفارق الحياة على الفور (62).
وفي 9ديسمبر/كانون الأول 2006، هاجم رجال مسلحون على ظهور الخيل قافلة من العربات التجارية كانت تحمل أشخاصاً ومواد طبية وتموينية بالقرب من رونجو رونجو في منطقة سيربا بغربي دارفور. وأصيبت إحدى الشاحنات بقذيفة صاروخية، كما فُتحت النار على الأشخاص الذي كانوا فيها من قبل الخيّالة. وقتل واحد وثلاثون مدنياً، بينهم خمسة معلمين، في الهجوم (63). وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني، هاجمت قوات مسلحة تابعة لحكومة السودان ومليشيات مسلحة وحرقت قسطاً كبيراً من قرية بولي في غرب السودان، حيث التجأ ما يربو على 10,000من الأشخاص النازحين داخلياً، وقام المهاجمون بسلب عدة قرى ما بين روواتا وبلبل في غربي دارفور. وقتل في هذه الهجمات عشرات المدنيين بينما شُرِّد الآلاف من ديارهم (64).
شحنات الأسلحة المستخدمة في هجمات شرقي تشاد من قبل جماعات تعمل من دارفور
تشكل مليشياتالجنجويد، التي أدت إلى خراب مناطق شاسعة من غربي السودان في السنوات الأخيرة، العمود الفقري للجماعات المسلحة التي تقتل المدنيين المنتمين إلى الجماعات الإثنية المستهدفة، من قبيل الداجو والمساليت في شرقي تشاد، وتسومهم سوء العذاب وتشرِّدهم. والهدف من الهجمات، على ما يبدو، هو تطهير مناطق شاسعة من مجتمعاتها التي يُعرِّفها الجنجويد على أنها بصورة أساسية "أفريقية" وليست "عربية"، وبغرض إبعادها أكثر فأكثر عن الحدود مع السودان (65).
وقد اجتاز نمط التهجير والمجازر والانتهاكات السائد في دارفور المناطق الحدودية السودانية، وثمة وضع مستمر محفوف بالمخاطر يعيشه ما يربو على مليوني شخص لجأوا إلى مخيمات على طول الحدود ويعتمدون على المعونات. فعلى طول الحدود الشرقية لتشاد مع السودان، دأب الجنجويد على القيام بعمليات اختراق للحدود لتطهير الأراضي من أفراد جماعات من قبيل الداجو والموبه والمساليت والكاجاكسا وغيرها، ما أدى إلى التهجير القسري لنحو 120,000 شخص (66). ومع أن هذه الهجمات عبر الحدود قد وقعت على الأقل منذ 2003، إلا أنها اتخذت شكلاً أوسع نطاقاً وأكثر خطورة وإيذاء بكثير من ذي قبل في أواخر 2005 مع تدهور العلاقات بين حكومتي السودان وتشاد، وازداد نطاقها اتساعاً من جديد في أواخر 2006 وأوائل 2007. وقد تقاعست حكومة تشاد عن الوقوف في وجه مثل هذه الأعمال العدائية للجنجويد فوق أراضيها وعن حماية السكان المدنيين من هجمات الجنجويد. واعترف المسؤولون بهذا لمنظمة العفو الدولية. فبسحبها قواتها والامتناع عن دفعها إلى المناطق الحدودية مع السودان لتعزيز مواقعها ضد هجمات المتمردين التشاديين، تركت الحكومة السكان المدنيين بلا حماية ضد هجمات الجنجويد وقوات التمرد التشادية. ويؤدي الفراغ الأمني الذي تم خلقه إلى زيادة عسكرة المجتمعات المحلية، التي راحت تتسلح وتشكل مليشياتها الدفاعية الخاصة بها. ولم تقم الحكومة السودانية بأي عمل، سواء لوقف الهجمات أو للسيطرة على الجنجويد وتجريدهم من السلاح. فالقوات السودانية لا تقوم من الناحية الفعلية بتسيير دوريات على حدود البلاد أو ببذل أي جهود لاعتراض أو ملاحقة تحركات الجنجويد، الذين يرتدون بزات عسكرية شبيهة بالزي الرسمي للجيش السوداني وتبيَّن أنهم يحملون بطاقات هوية تُظهر أنهم أعضاء في القوات السودانية شبه النظامية. وكثيراً ما تتزامن عمليات الإغارة التي يقومون بها مع الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة التشادية المتمركزة في السودان ضد حكومة تشاد، حيث ينتهز الجنجويد فرصة غياب القوات الحكومية التشادية لمهاجمة المدنيين العُزَّل في المناطق الحدودية.
ولدى منظمة العفو الدولية أسباب للاعتقاد بأن بعض بنادق كلاشنيكوف الهجومية التي يحملها الجنجويدأسلحة جديدة. ففي منتصف 2006، وجد فريق لمنظمة العفو الدولية كان يزور جميزة في شرقي تشاد، قرب الحدود مع السودان، أن البلدة كانت مهجورة ولا أثر للحياة فيها. وكان من البادي للعيان أن من غادروها فروا على وجه
السرعة ولم يحملوا معهم إلا ما خف حمله وغلا ثمنه. وبيَّن شهود عيان من قرى أخرى لمنظمة العفو الدولية كيف أن مليشيا الجنجويدقد نصبت كميناً في أبريل/نيسان 2006. وأروا المنظمة ثمانية أماكن دفنت فيها جثث الضحايا، وبينها جثث أطفال رُضّع، بينما كانت رائحة جثثين متعفنتين، على الأقل، تزكم الأنوف عندما استخرجتا من القبر الجماعي. وكان بالإمكان رؤية جمجمة في الجزء الخارجي من القبور وكذلك قدم لشخص آخر خارج حفرة جماعية دفن فيها سبعة أشخاص، بينما بدا سروال أحد الأشخاص على حاله. وحول هذه الحفر، كان يمكن مشاهدة صندلاً لأحد الأشخاص الذين دفنوا، وهو أب لثلاثة أطفال يبلغ من العمر 45عاماً. وعلّق أحد القرويين المحليين على ذلك قائلاً: "الجثث لم تتعفن بعد. فقد دفناهم على عمق خمسين سنتيمتراً. والأمطار الغزيرة والكلاب هي السبب في أنه كان بالإمكان استخراج الجثتين. وبين الأشخاص الذين دفنتُهم، تمكنت من التعرف على أبناء عمي وعلى صهري".
وكانت العبوات الفارغة للعيارات النارية لا تزال بادية للعيان في موقع المجزرة، لتظهر كيف أن هؤلاء الأشخاص قد قتلوا في هذا المكان، بينما تبعثرت على الأرض بعض السهام والرماح والتمائم. ويظهر تحليل تم بناء على طلب من منظمة العفو الدولية أن هذه العبوات قد أطلقت من بندقية كلاشنيكوف هجومية، بما في ذلك واحدة في حالة جيدة جداً وجديدة على الرغم من أن العبوات كانت قديمة بصورة عامة ومن مصادر مختلطة، إذ تعود في صناعتها إلى الصين أو إلى ألمانيا الشرقية السابقة أو أوروبا الشرقية، ما يرجِّح أنه قد تم إعادة تدويرها من خلال الترسانات المكدسة لبعض الحكومات الأخرى.
العربات العسكرية وشبه العسكرية المستخدمة لتسهيل الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان
ارتُكبت في السودان انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان اقترفها الجيش السوداني ومسؤولون في جهاز الشرطة التابع لحكومة السودان، مستخدمين في ذلك مركبات ذات دفع رباعي تحمل مدافع رشاشة من عيار 12.7مم. وتستخدم جماعات المعارضة السودانية والتشادية المسلحة مثل هذه المركبات أيضاً في اقتراف انتهاكاتها لحقوق الإنسان.
d وأوردت منظمة العفو الدولية في تقرير سابق لها أنه "جاء في العديد من الشهادات التي جمعها موفدو منظمة العفو الدولية أن عربات الجيش كانت ترافق مليشيات الجنجويد أثناء قيامها بهجماتها البرية على القرى في دارفور؛ وكثيراً ما وصل الجنجويد أيضاً في مركبات "لاند كروزر". وتُستخدم المركبات الحكومية، حسبما ذُكر، لنقل الجنود والأسلحة الثقيلة، وكذلك لتوفير الدعم النشط عندما تكون محملة بالأسلحة. وتتمركز هذه في العادة على أطراف القرى لمنع من يحاولون الفرار من هجمات الجنجويد، ولكن جرى وصفها أحياناً بأنها أول من يبدأ بالهجوم" (67).
ففي 11أبريل/نيسان 2007، هاجمت مجموعة من المسلحين، زُعم أنها تتبع مليشيا الجنجويد، سوق أبوجوغ، على بعد 20كيلومتراً إلى الغرب من صريف بني حسين، وسبع قرى أخرى في دارفور الشمالي – صندله، وأُم راكينا،وورده، وهيجر عبيد، وميليبيده، وبيتاتيل. واستخدم المهاجمون، وفق ما ذُكر، 30 مركبة مجهزة بالمدافع الرشاشة الثقيلة والمدفعية. ووفق ما ورد، قُتل نتيجة الهجوم 40 مدنياً وجرح 25آخرون. وفر القرويون، حسبما ذُكر، إلى المنطقة الشرقية من صريف بني حسين (68). وفي 25 ديسمبر/كانون الثاني 2006، أورد مراقبو وقف إطلاق النار التابعون للاتحاد الأفريقي أن مليشيا مسلحة تستخدم نحو 30مركبة قد هاجمت ونهبت قرية كينين، على مسافة 8 كيلومترات إلى الشمال الشرقي من كُتُم، حيث قامت بسرقة المواشي، وأشعلت النيران في الأشجار المحيطة بالقرية، حسبما ورد، بينما تعرضت النساء، حسبما ذُكر، للمضايقة الجنسية (69).
وفي 7أبريل/نيسان 2007، أورد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، وبحسب مصاردر محلية، أن قرية ديريبات وثماني قرى أخرى على طول الطريق من كُتُر إلى ديريبات تعرضت في الفترة من منتصف إلى أواخر ديسمبر/كانون الأول 2006لهجمات جوية وبرية من جانب قوات الحكومات والمليشيا المتحالفة معها. وكان المهاجمون يتنقلون مستخدمين نحو 20مركبة، كما استخدموا الجمال والخيول (70). وزعمت امرأتان تبلغان من العمر 25عاماً في شهادة تقدمتا بها بأنهما قد اغتُصبتا. وكانت إحدى الضحيتين في بيتها مع زوجها عندما دخلت مجموعة من الجنود. وكان المهاجمون يرتدون بزات عسكرية خضراء وقدموا في مركبة "لاند كروزر". وأطلق الجنود النار على زوجها وراحوا يركلونها ويضربونها. ثم قامت مجموعة من 10رجال باغتصابها. وكانت في الشهر الثالث من حملها وأدت عمليات الاغتصاب إلى إجهاضها (71).
وتُستخدم مثل هذه المركبات أيضاً من قبل جماعات المعارضة المسلحة. وعلى سبيل المثل، هوجمت في 28 يناير/ كانون الثاني 2007شاحنة تجارية من قبل سبعة أشخاص مسلحين كانوا على متن شاحنة صغيرة من طراز "لاند كروزر" على طريق الديان – نيالا، وعلى بعد تسعة كيلومترات من ياسين. وكانت الشاحنة تحمل مؤناً من العبيد إلى نيالا. وسرق الرجال المسلحون، الذين اشتبه بأنهم جنود تابعون لفصيل "الإرادة الحرة" من "جيش تحرير السودان"، برميلين من السولار (400 لتر) وهربوا بهما (72). وتستخدم المركبات ذات الدفع الرباعي أيضاً لعمليات النقل العسكرية في دارفور – حيث رأى مراقبو الاتحاد الأوروبي قافلتين من الشاحنات تنقلان مواد تموينية عبر الحدود الليبية – السودانية في يوليو/تموز وأغسطس/آب من الام المنصرم.
ويندرج العديد من المركبات رباعية الدفع المستخدمة في دارفور من قبل القوات المسلحة والمليشيا والجماعات المسلحة ضمن الفئة التجارية المعروفة باسم معدات "الاستخدام المزدوج"، نظراً لإمكان استخدامها هناك إما في المهمات العسكرية والأمنية، أو للأغراض المدنية. وفضلاً عن ذلك، فإن العديد من هذه المركبات التي تم الحصول عليها أو استيرادها كمركبات مدنية تم تحويلها، على ما يبدو، من جانب القوات المسلحة السودانية والمليشيا والمعارضة المسلحة إلى عربات عسكرية أو شبه عسكرية تحمل مدافع رشاشة على ظهرها. ويطرح هذا مشكلة خاصة في مجال الرقابة من جانب الحكومات، كما اعترفت لجنة خبراء الأمم المتحدة، التي حذرت مراراً وتكراراً من سوء استخدام المركبات والطائرات ذات الاستخدام المزدوج (73)في تقاريرها (74)، وأوصت بخصوص عمليات نقل مثل هذه المعدات إلى دارفور بـ"أن تخضع للتقييد، وأن يتم نقلها تحت شرط نيل موافقة اللجنة"(75). وعلاوة على ذلك، فقد اعترف التجمع الرئيسي المتعدد الجنسيات للدول المصدرة للأسلحة في العالم، "اتفاق فاسّينار"، في الآونة الأخيرة، بأن من الممكن للسلطات المصدرة تقييد أو حظر تصدير المعدات "مزدوجة الاستخدام" حيث يكون هناك خطر بأن تستخدم مثل هذه السلع لأغراض عسكرية في ظروف تخالف أحكام القانون الدولي (76).
وأحد الأمثلة على ما تم لمعالجة هذه المشكلة هو حالة مركبات "لاند روفر ديفندر" التي يقودها مسؤولون في جهاز شرطة حكومة السودان وتستخدمها أيضاً هيئات إنسانية. إذ يبدو أن السلطات السودانية تستخدم مثل هذه العربات أحياناً لأغراض عسكرية بتزويدها بمدافع رشاشة (في العادة من عيار 12.7مم)، وهو أمر يحوِّلها إلى آلات قتل ذات قدرة عالية على المناورة.
وقد ارتُكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على أيدي موظفين رسميين في جهاز شرطة حكومة السودان استخدموا في ارتكابها مركبات رباعية الدفع تحمل على ظهرها مدافع رشاشة من طراز 12.7مم. ففي أكتوبر/ تشرين الأول 2006، زعم تقرير للجنة الأمم المتحدة أن "تقارير غير مؤكدة قد وردت عن استخدام مثل هذه المركبات (لاندروفر مطلية بالأبيض) في دا?فور من قبل حكومة السودان وآخرين ينتمون إلى الجنجويد/ مليشيات مدعومة من قبلها" (77). وأصدرت لجنة الاتحاد الأفريقي لوقف إطلاق النار تقريراً في سبتمبر/أيلول 2005(78)بشأن حادثة من هذا القبيل في بلدة طويله، حيث قال شاهد عيان يدعى عبد الله محمد عبد الله ما يلي:
"كنت في دكان الحلاقة الذي أملكه أحلق لبعض الزبائن. ودكاني قريب من الجامع ... ذهبت إلى الجامع للصلاة. وبعد الصلاة ... ذهبت إلى السوق. وبينما كنت في السوق، رأيت أفراداً من شرطة حكومة السودان قادمين مع ... رجال شرطة في عربتين ... وراحوا يطلقون النار في اتجاه الجامع ... وكان على ظهر إحدى عربات شرطة حكومة السودان مدفع رشاش من عيار 12.7مم وراح يطلق النار في اتجاه
الجامع".
وكان رأي اللجنة أن"إطلاق النار على مدنيين غير مسلحين والتدمير الحاقد للممتلكات في طويله على أيدي شرطة حكومة السودان أمران مُدانان بشدة ويشكلان خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار".
وفي 26 يوليو/تموز 2006، زار فريق تابع للأمم المتحدة بورت سودان و"شاهد شحنة كبيرة من مركبات اللاندروفر المستوردة". وعلى ما يبدو، فإن "عدة مئات" من مركبات اللاندروفر من فئة "ديفندر" استوردت إلى السودان خلال 2005و2006، وبينما انتهى بعضها إلى استخدامات إنسانية، ذهبت "أغلبيتها الساحقة" إلى وزارة داخلية الحكومة السودانية (79).
والآن غدت كل من "لاند روفر" في المملكة المتحدة والشركة الأم في الولايات المتحدة الأمريكية، "فورد موتورز" على علم بهذه الحقائق، وقد اتخذتا في الآونة الأخيرة خطوات لوقف صادراتهما إلى السودان. وفي 16أغسطس/آب 2006، قال جيمس سيز غوين، نائب رئيس "فورد موتور كومباني" ومراقبها العام، في رسالة إلى لجنة السندات المالية والتبادل للولايات المتحدة ما يلي:
"تتم عمليات بيع لاند روفر إلى موزعها المرخص له في المملكة المتحدة، وبعد ذلك يتولى الموزع المرخص له مراقبة المركبات المصدرة إلى الأسواق المختلفة، بما فيها السودان ... وقد استفسرنا من موزع لاند روفر حول الوجهة النهائية للمركبات ... وأُبلغنا بأن الموزع يبيع المركبات ... إلى بائع مفرق في السودان يقوم فعلاً بتزويد دوائر حكومية مختلفة في السودان بها. وقد أُبلغنا ... أن القسط الأكبر ... قد ذهب إلى وزارة الداخلية" (80).
وفي وقت لاحق، أكدت لاند روفر في المملكة المتحدة في 20مارس/آذار 2007أنها قد أخذت علماً بهذه الصادرات إلى السودان، واتخذت كذلك خطوات لضمان عدم إرسال أي مركبات جديدة من هذا النوع إلى السودان، وفي واقع الحال، استرجعت من الموزع كمية من هذه المركبات كان من المزمع إرسالها إلى السودان (81).
وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق من إمكان أن يحجب المزودون هذه الأنواع من المركبات رباعية الدفع، التي تعتبر ضرورية من جانب المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان والدعم السلمي الدولية لعملياتها المدنية، عن المنظمات العاملة في السودان، حتى لو كان هذا جزءاً من محاولة للحيلولة دون استحواذ أطراف النـزاع في دارفور على المركبات رباعية الدفع، نظراً لتحويل هذه الأطراف مثل هذه المركبات لاستخدامات عسكرية وشبه عسكرية في دارفور.
وتتضمن العربات العسكرية الثقيلة المستخدمة في دارفور ناقلات الجنود المصفحة المصممة أصلاً لأغراض عسكرية وأمنية، حيث تصفح بدرع وتزود بتسهيلات لاستخدام المدافع الرشاشة والبنادق الهجومية. وقد دأبت حكومة السودان على الاستيراد النشط لهذه المركبات. وجرى الحديث عن تحريك عشرات "الشاحنات الحاملة للمدافع" التابعة للحكومة وآلاف الجنود في اتجاه الشمال من عاصمة المنطقة، الفاشر، في سبتمبر/أيلول 2006. وفي مارس/آذار 2007، شوهدت ست ناقلات للجنود تابعة لحكومة السودان في نيالا (82). وثمة خطر حقيقي بأن تقوم الحكومة بنشر مثل هذه الناقلات في دارفور، وتستخدمها لارتكاب انتهاكات وإساءات جسيمة لحقوق الإنسان.
حظر الأمم المتحدة الحالي على الأسلحة
في 30يوليو/تموز 2004، دعا مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 1556"جميع الدول إلى اتخاذ التدابير اللازمة لمنع أن يتم عن طريق مواطنيها، أو من أراضيها، أو بواسطة سفن أو طائرات تحمل علمها، بيع الأسلحة أو ما يتصل بها من تجهيزات من جميع الأنواع، بما فيها الأسلحة والذخائر، والعربات والمعدات العسكرية، والمعدات شبه العسكرية، وقطع الغيار، إلى جميع الكيانات غير الحكومية والأفراد، بمن فيها الجنجويد، العاملة أو العاملين في ولايات شمال دارفور وجنوب دارفور وغرب دارفور، سواء أكانت أراضيها هي مصدر هذه الأسلحة والمعدات أم لا" [التشديد مضاف].
وشمل حظر الأمم المتحدة على الأسلحة هذا الجنجويدوغيرها من المليشيات، وكذلك جماعات المعارضة المسلحة، ولكن من الواضح أنه تجاهل حقيقة أن حكومة السودان وقواتها قد دأبت على تزويد الجنجويد ومليشيات أخرى بالأسلحة والدعم اللوجستي، بينما شجَّعت على انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان أو غضت النظر عن هذه الانتهاكات من جانب هذه المليشيات، ناهيك عن نشر قوات شاركت في هجمات متعمدة وعشوائية ضد المدنيين دونما خشية من عقاب. وحقيقة الأمر، جرى دمج العديد من أفراد مليشيا الجنجويدفي القوات الحكومية شبه النظامية أو في قوات للشرطة من قبيل قوات الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية أو شرطة الحدود.
وفي 29مارس/آذار 2005، تبنى مجلس الأمن القرار 1591، الذي أدان فيه "lch الانتهاكات المستمرة لاتفاق نجامينا لوقف إطلاق النار الذي عقد في 8أبريل/نيسان 2004، ولبروتوكولات أبوجا المبرمة في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، بما فيها الضربات الجوية من جانب حكومة السودان في ديسمبر/كانون الأول 2004ويناير/كانون الثاني 2005، وهجمات المتمردين على قرى دارفور في يناير/كانون الثاني 2005، وعدم تجريد حكومة السودان رجال مليشيا الجنجويد من أسلحتهم والقبض على قادتهم وعلى شركائهم ممن ارتكبوا انتهاكات لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي واعتداءات أخرى، وتقديمهم إلى المحاكمة" (84). وتضمن القرار، الذي اتخذ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تشكيل لجنة (85) تابعة لمجلس الأمن لمراقبة تطبيق الحظر المفروض على الأسلحة. وقرر مجلس الأمن أن يشمل الحظر على الأسلحة "<