Document - Chad: The Habré Legacy
للتداول العام
منظمة العفو الدولية
تشاد
تَرِكَة حُسَيْن حَبْرِي
أكتوبر/تشرين الأول 2001 مُلخَّص وثيقةرقم:20/004/2001 AFR
توزيع:SC/CC/CO
صرَّح عبد الله واد، رئيس السنغال، في 27 سبتمبر/أيلول 2001، أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة سويسرية يومية، أنه على استعداد للسماح لحسين حبري بمغادرة بلاده إلى دولة "قادرة على إجراء محاكمةعادلة". ويُعَدُّ هذا التصريح الفصل الأخير في مسلسل كفاح ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أثناء ولاية حسين حبري من أجل توصُّلهم إلى العدالة.
لقد انتهجت الحكومةالتشاديةأثناء تولِّي حسين حبري زمام الأمور (1982 ـ 1991) سياسة مُتعمَّدة، قُوَامها ممارسة الإرهاب للحيلولة دون ظهور كافة أشكال المعارضة. فكان المعارضون والمُشتَبه فيهم وأُسَرهم يتعرضون لانتهاكات خطيرة لحقوقهم. كما كان المدنيون يخضعون لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء، كانت تجري انتقاماً من أفعال جماعات المعارضة المسلحة، ووَفْق معايير عِرْقِيَّة وجُغرافِيَّة مَحْضة. هذا، وألقت إدارة التوثيق والأمن القبض على آلاف ممن اشتُبِه في عدم مساندتهم الحكومة واحتجزتهم سراً. كذلك، تُوفِّي آلاف في مقارِّ الإدارة سالفة الذِّكْر، سواء بتعذيبهم حتى الموت، أو للظروف اللاإنسانية المحيطة باحتجازهم، أو لنقص الطعام والرعاية الطبية. كما خضع المقاتلون والمدنيون غير المسلحين المأسورون لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء. وقُتل بعضهم بالرَّصاص، وأُحرق البعض الآخر وهم أحياء، أو قُتلوا باستخدام السُّم، أو خضعوا لتعذيب أفضى إلى وفاتهم، أو قُتلوا عن طريق حرمانهم من الطعام. ومن اللافت للنظر، أن المجتمع الدولي لاذ بالصمت إزاء جميع الأفعال السابقة بمن في ذلك الحكومات الغربية التي كانت تساند حكومة حبري. والأخطر من ذلك، أن بعض تلك الحكومات، ومن ضمنها الولايات المتحدة وفرنسا، قامت بتمويل قوات الأمن وتزويدها بالسلاح وتدريب أفرادها، كما مارست تعاوناً نشطاً مع الاستخبارات التشادية.
وتُبْرز "تركة حبري" أبعاد انتهاك حقوق الإنسان التي وقعت أثناء تَولِّي حبري الحكم، بتجميع المعلومات التي نشرتها منظمة العفو الدولية في ذلك الوقت. ويجسد هذا التقرير، شأنه في ذلك شأن الوثائق التي نشرتها منظمة العفو الدولية أثناء الثمانينيات، مجرد عرض مُقْتضَب للانتهاكات المُرْتكَبة في الفترة سالفة الذِّكْر. وتوضح هذه الوثيقة، رغم اقتضابها، خطورة طبيعة الانتهاكات المرتكبة في عهد حسين حبري وانتشارها، وكذلك تواطؤ الحكومات الأجنبية في ارتكابها. وعلاوة على ذلك، تُبْرز الوثيقة استمرار الانتهاكات أثناء ولاية خَلَفه الرئيس إدريس ديبي.
هذا، وتأمل منظمة العفو الدولية، أن يؤدي نشر وثيقة "تركة حبري" إلى تدعيم الحملة الرامية إلى وضع حَدٍّ لإفلات مرتكبي الجرائم المرتكبة فيتشادعَبْر العقدين الأخيرين من العقوبة.
لقد بعث مجيء عام 2000 الأمل في أن يخضع حسين حبري للمحاكمة لانتهاكات حقوق الإنسان التي جرت أثناء رئاسته. ففي 3 فبراير/شباط 2000، اتَّهم أحدُ القضاة السنغاليين في داكار عاصمة السنغال حسينَ حبري رئيستشادالأسبق "بمعاونة المَدْعوّ "س" ومساعدته علماً وقصداً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وعلى اتِّباع التعذيب والوحشية". وقد صدرت لائحة الاتهام على إثر الشكوى المقدمة ضد حبري في يناير/كانون الثاني 2000، من ضحايا الفظائع التي ارتُكبَت بشأنهم أثناء رئاسته. وقد ساندت اللجنة الدولية لمحاكمة حسين حبري (اللجنة) تحرُّك الضحايا. واللجنة المذكورة مكونة من ائتلاف لمنظمات حقوق الإنسان. بدأ على الفور جدل قانوني بشأن جواز قبول الشكوى. بَيْد أن محكمة النقض السنغالية قضت في 20 مارس/آذار 2000، بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بمحاكمة حسين حبري.
وقد حكمت محكمة النقض بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بمحاكمة رَعِيَّة أجنبية ارتكبت جرائم تعذيب أو ساعدت على ارتكابها أو حرضت على ذلك في بلد أجنبي. وذلك، لأنه رغم تصديق السنغال على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أوالعقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهِينَة في عام 1986، فإنها لم تعتمد الأحكام اللازمة لتطبيقها.
ورغم هذا القرار المُخيِّب للآمال، استمرت الحملة الموجهة ضد إفلات المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة أثناء ولاية حسين حبري. فقُدِّمت شكوى ضد الرئيس الأسبق بالفعل في بلجيكا، حيث اتُّهِم بارتكاب التعذيب وغيره من الجرائم المضادة للإنسانية. كما قُدِّ�605?ت في تشاد شكاوى ضد معاوني الرئيس الأسبق لارتكابهم التعذيب بدورهم. هذا، وترحب منظمة العفو الدولية بكافة المبادرات الرامية إلى تقديم مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة، شريطةَ ضمان خضوعهم لمحاكمة عادلة وعدم تعرُّضهم لسوء المعاملة أو الحكم عليهم بالإعدام. كما ترحب المنظمة بشكل خاص بالموقف الذي اتَّبعه مؤخَّراً الرئيس السنغالي عبد الله واد، الذي أعلن أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة يومية سويسرية في 27 سبتمبر/أيلول 2001، أنه مستعد للسماح لحسين حبري بمغادرة السنغال إلى بلد "قادر على إجراء محاكمة عادلة".
وتناشد منظمةُ العفو الدولية السلطاتِ السنغاليةَ اتِّخاذ كافة الخطوات اللازمة لمنع حبري من مغادرة الأراضي السنغالية إلا بموجب أمر تسليم، على ألا يؤدي تسليمه إلى خضوعه لمحاكمة جائرة أو الحكم عليه بالإعدام أو أي نوع من أنواع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية والمُهِينَة في البلد الذي سوف يُحَاكم فيه.
وتناشد المنظمة، أيضاً، السلطاتالتشاديةوالمجتمع الدولي احترام التزاماتهما القانونية والأخلاقية، وذلك بتقديم المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان المذكورة في هذه الوثيقة للعدالة دون اللجوء إلى عقوبة الإعدام.
يلخِّص هذا التقرير وثيقة مكونة من (45) صفحة، وعنوانه:تشادو"تركة حسين حبري"، الذي أصدرته منظمة العفو الدولية في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2001. وبوسع من يريد الاطِّلاع على المزيد من التفاصيل أو التحرك بشأن هذه القضية، الرجوع إلى الوثيقة الأصلية. هذا، ويتوافر عدد كبير من المواد بشأن هذا الموضوع وغيره على موقع الإنترنت: http://www.amnesty.org، كما بوسع القارئ الحصول على بيانات منظمة العفو الدولية الصحفية عن طريق البريد الإلكتروني:web.amnesty.org/web/news.nsf/thisweek? openviewhttp://www.
المحتويات
1. مقدمة .......................................................................................1
2. البحث عن العدالة ..........................................................................2
أ. توصيات لجنة تقصِّي الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الرئيس الأسبق حسين حبري وشركاؤه
والضالعون معه ....................................................................................5
ب. منظمة العفو الدولية ودولة تشاد ...................................................................8
3. انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة أثناء ولاية حكومة حسين حبري .......................... 10
أ. إدارة التوثيق والأمن ............................................................................ 12
ب. عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء التى نفذتها القوات الحكومية .................................... 14
• مقاتلو جماعات المعارضة المسلحة، وأسرى الحرب الذين أُسروا وقُتلوا بالرصاص .......... 16
• إعدام المعارضين الفعليين والمشتبه فيهم خارج نطاق القضاء .............................. 17
• قتل المدنيين أثناء العمليات الانتقامية ....................................................19
• لاجئون قُتلوا خارج البلاد، أو قُتلوا بالرصاص بعد إعادتهم إلى أوطانهم قسراً في
أغلبالأحيان ......................................................................... 22
ج. جرائم ارتكبت أثناء الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي .............................................. 24
• عمليات "الاختفاء" القسري ............................................................ 25
• التعذيب .............................................................................. 27
د) وفيات حدثت أثناء الاحتجاز .................................................................... 31
هـ) اضطهاد الجماعات العرقية ....................................................................... 33
4. إفلات حبري من العقوبة يعني إفلات ديبي من العقوبة ....................................... 33
5. مسئولية المجتمع الدولي .................................................................... 39
6. النتيجة ................................................................................... 42
7. توصيات ................................................................................. 43
موجهة إلى السلطات السنغالية ......................................................................... 43
موجهة إلى السلطات التشادية ......................................................................... 44
موجهة إلى المجتمع الدولي .............................................................................. 45
التذييل الأول أربعون عاماً من القلاقل.
التذييل الثاني قائمة بتقارير منظمة العفو الدولية بشأن تشاد.
خريطة تشاد
1) ليبيا، 2) النيجر، 3) نيجيريا، 4) الكاميرون، 5) جمهورية أفريقيا الوسطى، 6) السودان،
7) بوركو ـ إينيدي ـ تيبيستي، 8) آووزو، 9) فايا ـ لارجو، 10) كانم 11) ماو
12) موسورو، 13) باثا، 14) آتي، 15) بيلتين، 16) أبيشيه، 17) أووادايْ،
18) سالامات، 19) الجنينة، 20) مونغو، 21) غيرا، 22) شاري باغيرمي، 23) ندجامينا، 24) بول، 25) بحيرة تشاد، 26) بونغو، 27) مايو كيبي، 28) تاندجيليي، 29) لوغوني الغربية، 30) لوغوني الشرقية، 31) دوبا، 32)شاريالأوسط، 33) سارحْ،
34) كوسيري، 35) مايدوغوري، 36 ) موندو.
تشاد
تركة حسين حبري
1. مقدمة
قضت محكمة النقض في السنغال في 20 مارس/آذار 2001، بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بمحاكمة حسين حبري رئيستشادالأسبق، الذي اتُّهم قبل عام في داكار بالضلوع في أعمال تعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ووضع قرار محكمة النقض حداً للإجراءات التي شرع في اتخاذها الضحايا في السنغال بدعم من المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين اتَّهموا حبري بممارسة التعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
هذا، وقد دفعت محكمة النقض بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بمحاكمة الرعايا الأجانب الذين يرتكبون جرائم التعذيب أو يساعدون على ارتكابها أو يحرضون على ارتكابها في بلد أجنبي. وذلك لأنه رغم تصديق السنغال على اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية واللاإنسانية والمُهِينَة (اتفاقية مناهضة التعذيب) في عام 1986، فإنها لم تعتمد ضَمَّ أحكام تنفيذها لتشريعها الوطني. وتُعْرب منظمة العفو الدولية عن أسفها الشديد لقرار محكمة النقض، كما ترى أن نظام العدالة السنغالي قد فوَّت فرصة تاريخية لخلق سابقة، بالحكم بأن التصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب يُعدُّ كافياً في حَدِّ ذاته لتكريس الاختصاص. وجدير بالذِّكْر، أن منظمة العفو الدولية تطالب منذ عام 1992(1)بتقديم حسين حبري للعدالة في السنغال.
ومع ذلك، لا تزال الحملة المُوجَّهة ضد إفلات المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة المُرْتكَبة أثناء حكم حسين حبري مستمرة. وقُدِّمت بالفعل شكاوى ضد رئيستشادالأسبق في بلجيكا، حيث اتُّهم بارتكاب التعذيب وجرائم أخرى ضد الإنسانية. كما قُدِّمت شكاوى فيتشادضد معاوني الرئيس الأسبق حبري لممارستهم التعذيب. وترحب منظمة العفو الدولية بكافة المبادرات الرامية إلى تقديم منتهكي حقوق الإنسان إلى العدالة، شريطةَ خضوعهم لمحاكمة عادلة وعدم تعرُّضهم لسوء المعاملة أو عقوبة الإعدام. كما ترحب المنظمة على وجه الخصوص بالموقف الذي اتَّبعه الرئيس السنغالي عبد الله واد مؤخَّراً، حيث أعلن أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة يومية سويسرية في 27 سبتمبر/أيلول 2001، أنه مستعد للسماح لحسين حبري بمغادرة السنغال إلى بلد "يستطيع إجراء محاكمة عادلة".
وتأمل منظمة العفو أن تؤدي وثيقة "تركة حبري"، التي تُبْرز أبعاد انتهاكات حقوق الإنسان المُرْتكَبة أثناء ولاية حكومة حبري (1982 ـ 1992)، والمستندة إلى معلومات نشرتها المنظمة في حينه، إلى تدعيم الحملة الرامية إلى وضع حَدٍّ لإفلات مرتكبي الجرائم فيتشادمن العقوبة. وتوضح هذه الوثيقة طبيعة الانتهاكات المرتكبة أثناء ولاية حسين حبري وانتشارها؛ الأمر الذي يؤكد استمرار الانتهاكات أثناء حكم خَلَفه، الرئيس إدريس ديبي. وتبرز "تركة حبري"، أيضاً، ضلوع بلدان أجنبية في الانتهاكات المرتكبة أثناء حكم حسين حبري، وما ترتب عليها من إفلات مدمر من العقوبة ظل سائداً فيتشادلمدة طويلة، ولا يزال يطل بوجهه الكئيب حتى اليوم.(2)
2. البحث عن العدالة
وجَّه قاضٍ سنغالي في داكار عاصمة السنغال(3)في 27 سبتمبر/أيلول 2000، إلى حسين حبري رئيستشادالأسبق، تهمة "معاونة المدعو "س" ومساعدته علماً وقصداً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وممارسة التعذيب والوحشية". وصدرت لائحة الاتهام بعد شكاوى وجَّهها ضده في 25 يناير/كانون الثاني 2000، بعض ضحايا الفظائع المرتكبة في عهده. هذا، وقد دعَّمت اللجنة الدولية لمحاكمة حسين حبري (اللجنة) التحرُّك المذكور. وهي لجنة مُشَكَّلة من ائتلاف من منظمات لحقوق الإنسان(4). وجدير بالذِّكْر، أن كبير قضاة التحقيق قابل حسين حبري في داكار في أول الأمر، ووضعه قيد الإقامة الجبرية في منزله. وعندئذٍ، احتدم جَدَل قانوني على الفور بشأن قبول الشكوى على ضوء دفع محامي الدفاع بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بالنظر في الجرائم التي يرتكبها مواطن أجنبي في بلد أجنبي. وذلك لأنه رغم تصديق السنغال على اتفاقية مناهضة التعذيب، فإنها لم تعتمد أحكامها التنفيذية اللازمة. كما دفع محامو الدفاع بأن التعذيب يخضع لقانون التقادم المُسقط لمدة عشر سنوات وفق القانون الجنائي السنغالي. أما اللجنة، فهي تصرُّ من جانبها على أن حسين حبري ارتكب أفعال تعذيب وجرائم ضد الإنسانية بين عام 1982 وعام 1992، وأن الولاية الدولية على هذه الجرائم متوافرة في السنغال بموجب تصديقها على اتفاقية عام 1984.
ومما يجدر ذكره في هذا الشأن، أن دانييل بيكوتو، الصحفي التشادي الذي يعيش في السنغال، تلقَّى في أوائل عام 2000، تهديدات بالقتل من أشخاص يَزْعُمون أنهم من أنصار حسين حبري. وذلك لاشتراكه في إعداد الشكوى القانونية المُوجَّهة ضد هذا الأخير. وفي يناير/كانون الثاني 2000، توجه هؤلاء الأشخاص إلى مكاتب "وال فادجيري"، الصحيفة اليومية السنغالية، وطلبوا مقابلة دانييل بيكوتو دون أن يتحقق لهم ذلك. وبعد بضعة أيام، هدد اثنان من أنصار حسين حبري بقتل دانييل بيكوتو أثناء اجتماع انعقد في جامعة داكار لضحاياتشادالذين تقدموا بشكوى. ومن الجَليِّ أن الرجلين كانا قد حضرا لتخريب الاجتماع. هذا، وقد تقدم دانييل بيكوتو بشكوى إلى الدَّرَك على الفور، ثم قرر مغادرة السنغال نظراً لما تمثله التهديدات من خطر على سلامته.
وفي يوليو/تموز 2000، حكمت محكمة الاستئناف بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بالنظر في الأفعال التي يرتكبها مواطن أجنبي لا يخضع لولايتها. وعندئذٍ تقدم الضحايا بطعن بالنقض، حيث أكَّدوا أنه بموجب مبدأ الشمول العالمي المُتَضمَّن في اتفاقية مناهضة التعذيب، ينبغي على السنغال تقديم حسين حبري للمحاكمة، إذ تُلزم المادة السابعة من اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة الطرف بتقديم من يوجد على ترابها ويُشتَبه في ممارسته التعذيب إلى المحاكمة أو تسليمه، بغضِّ النظر عن جنسيته أو البلد الذي ارتُكبت فيه الجرائم. وعلاوة على ذلك، تنصُّ المادة 27 من اتفاقية فيينا لعام 1969 بشأن قانون المعاهدات، على أنه لا يجوز للدولة الطرف التذرُّع بقصور قانونها الداخلي للتقاعس عن تنفيذ الاتفاقيات الدولية(5).
ويجسد قرار محكمة النقض الصادر في 20 مارس/آذار 2001، تقيُّدها الحَرْفيّ بتفسير القانون السنغالي واتفاقية مناهضة التعذيب، إذ كان بوسعها من الناحية القانونية، خلق سابقة، لو أنها اعْتَبَرَت مجرد التصديق على اتفاقية مناهضة التعذيب، التي توفر ولاية دولية على جريمة التعذيب، واقعاً يكفي لإرساء قواعد ولايتها القانونية في هذا الشأن. لذلك، يوحي القرار السابق الصادر من أعلى محاكم السنغال بالعزوف عن تقديم حسين حبري للمحاكمة. وبالإضافة إلى ما سبق، استفاد الرئيس الأسبق من مساندة السلطات السنغالية منذ هروبه منتشادفي عام 1990، كما أصبح أحد محاميه مستشاراً للرئيس السنغالي، عبد الله واد، بعد انتخابه في شهر مارس/آذار 2000. وقد أعربت اللجنة، شأنها شأن المراقبين الآخرين، عن قلقها من أن تكون العوامل السابقة قد أثرت على مُجْرَيات الأمور في داكار، وأن تكون تلك المجريات قد تعرضت لتدخل جهات سياسية.
وتتوافر مُؤشِّرات عديدة على أن حسين حبري كان يحظى بمساندة أعلى السلطات السنغالية بعد الإطاحة به. ففي عام 1990، منحه الرئيس ضيوف حق اللجوء إلى السنغال "استناداً لاعتبارات إنسانية". ورغم إعراب منظمة العفو الدولية منذ عام 1992 عن قلقها علناً من "عدم اتخاذ السلطات السنغالية أي إجراء لتقديم الرئيس الأسبق للعدالة(6)"، لم تُقْدم السلطات آنفة الذِّكْر على اتِّخاذ أية خُطْوة بشأن هذا الموضوع. وعلاوة على ذلك، منح الرئيس واد، حسين حبري علناً مهلة مدتها شهر لمغادرة السنغال في أبريل/نيسان 2001، أي بعد مرور شهر واحد على قرار محكمة النقض بعدم اختصاص المحاكم السنغالية بمحاكمة حسين حبري. وقد أثار هذا القرار مخاوف العديد من منظمات حقوق الإنسان، للفرصة التي يتيحها لرئيستشادالأسبق للعثور على مأوًى آمن والتهرُّب من المطالبة بتسليمه. وفي 20 أبريل/نيسان 2001، ناشدت لجنة الأمم المتحدة المَعْنيَّة بمسألة التعذيب السلطاتِ السنغاليةَ "عدم طرد حسين حبري من البلاد، واتخاذ كافة الخطوات اللازمة للحيلولة دون مغادرته أرض السنغال إلا انصياعاً لأمر بتسليمه(7)".
وأعلنت اللجنة أنها ستواصل حملتها من أجل تحقيق العدالة، بعد إعلان قرار محكمة النقض. هذا، ولا تقتصر الحملة على الرئيس الأسبق حسين حبري، بل تستهدف أيضاً تقديم البعض من مرؤوسيه للعدالة. وجدير بالذكر، أن سبع عشرة شكوى قد قُدِّمت في ندجامينا في أكتوبر/تشرين الأول 2000، بدعم من اللجنة ضد أفراد من إدارة التوثيق والأمن التابعة للرئيس مباشرة، لارتكابهم "جرائم تعذيب وقتل وعمليات "اختفاء" قَسْرِي". هذا، وقد ظهرت شكاوى أخرى فيتشادأثناء تحرير هذه الوثيقة: أربعون منها فردية واثنتان جماعيتان، باسم رابطة ضحايا الجرائم والقَمْع السياسيين في تشاد. بَيْد أن قاضي التحقيق أعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، عدم اختصاصه، لعدم تشكيل المحكمة الخاصة المَعْنيَّة بمحاكمة حسين حبري ومعاونيه، التي نص عليها القانون في عام 1993. غير أن الضحايا استأنفوا القرار، فقرر المجلس الدستوري أن قاضي التحقيق مختصٌّ بنظر القضية، فأُعيدت إليه، وبدأ التحقيق في الاتهامات ابتداء من شهر مايو/أيار.
ولا تقتصر الإجراءات القانونية المُتَّخذة ضد حسين حبري على السنغال وتشاد، بل إن شكوى قُدمت ضده في بلجيكا في نوفمبر/تشرين الثاني 2000، بشأن "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وممارسة التعذيب، وإتيان أفعال تتسم بالوحشية، والاعتقال التعسُّفي، والقتل، والاعتداء على حرية الفرد وعلى حرمة البيوت، والاختطاف، وعمليات "الاختفاء" القَسْريّ، والاحتجاز لأسباب كاذبة". ومنذ ذلك الوقت، اتُّخذت عشرة إجراءات قانونية أخرى في بلجيكا. هذا، وينص قانون صادر في 16 يونيو/حزيران 1993، على الولاية القضائية الشاملة للمحاكم البلجيكية على "الجرائم الدولية" و"انتهاكات قوانين الحرب"؛ وأُضيفت إليها الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية في عام 1999.
وعندما التقى الرئيس واد بوفد منظمة العفو الدولية في يونيو/حزيران 2001، طالبت المنظمة الحكومة بعدم اتخاذ تدابير من شأنها تشجيع رئيستشادالأسبق على مغادرة السنغال، لما قد يَنْجُم عن ذلك من سعيه للجوء إلى بلد آخر. وقد صرح الرئيس واد أنه كتب إلى مؤسسات دولية بشأن اضطلاعها بمسئولياتها عن قضية حبري، ولكنه لم يتلقَّ رداً. وقد أوضح الرئيس واد موقفه علناً في مقابلة مع الجريدة السويسرية اليومية "لو تان"، حيث نشرته في 27 سبتمبر/أيلول 2001. وعند سؤاله عن مصير رئيستشادالأسبق، صرح الرئيس السنغالي قائلاً: "كنت مستعداً لإرسال حسين حبري لأي مكان، بما في ذلك وطنه.ولكن كوفي عنان تدخَّل في الموضوع وطلب مني استبقاء حسين حبري في بلادي إلى حين تقديمه للعدالة في بلد آخر. ووافقته على طلبه ولكنني لا أريد لهذا الوضع أن يستمر، لأن السنغال لا تملك الولاية القضائية أو الإمكانات لمحاكمة حبري. كما أنتشادلا تريد محاكمته. وإذا كان هناك بلد يستطيع توفير محاكمة عادلة ـ ذُكر اسم بلجيكا بهذا الصدد ـ ويريد تسلُّمه، فإنني لا أجد صعوبة في تنفيذ ذلك. ولكن على البلد المَعْنيّ الإسراع في ذلك لأنني لا أنوي استبقاء حسين حبري في السنغال".
هذا، وترحب منظمة العفو الدولية بالتصريح السابق، الذي يبرز التزام السنغال بتأسيس نظام عدالة دولية. وجدير بالذِّكْر، أن السنغال قد أثبتت هذا الالتزام من قبل، حيث كانت أول دولة تصدِّق على مُدوَّنة روما بشأن تشكيل محكمة جنائية دولية دائمة. ولا شك، أن السلطات السنغالية بإبداء استعدادها لتسليم حسين حبري لبلد يستطيع تقديمه للعدالة من خلال محاكمة عادلة ويرغب في ذلك في الوقت نفسه، تسهم قبل أي شيء آخر في ظهور نظام قضائي عالمي يحاسب المسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان على أفعالهم. وإذا قُدم الرئيس التشادي الأسبق للعدالة، فإن ذلك يُعدُّ بمثابة رسالة فاعلة موجهة للقارة الأفريقية برُمَّتها وللعالم بأَسْره، مفادها أن المجتمع الدولي مصمم على محاربة الإفلات من العقوبة. إن ذلك هو الثمن الذي ينبغي دفعه حتى تنال حقوق الإنسان احتراماً أفضل.
أ) توصيات لجنة تقصِّي الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الرئيس الأسبق حسين حبري وشركاؤه والضالعون معه
تُعدُّ المحاولات التي جرت منذ يناير/كانون الثاني من عام 2000، لملاحقة حسين حبري قضائياً، الحلقة الأخيرة من مسلسل الجهود المبذولة من أجل تحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات التي ارتُكبَت أثناء تولِّيه الحكم. وجدير ب�575?لذكر، أن لجنة تقصٍّ تشكلت بعد تولِّي إدريس ديبي السلطة بفترة قصيرة. وكان اختصاصها التحقيق في مصادرة الممتلكات، والاحتجاز دون سند من القانون، والقتل، وعمليات "الاختفاء"، والتعذيب، والأفعال الوحشية، وسوء المعاملة، وإلحاق الإصابات مع سَبْق الإصرار، وغيرها من انتهاكات لحقوق الإنسان، فضلاً عن الاتِّجار بالمخدرات واختلاس المال العام، التي وقعت جميعها أثناء وجود الرئيس حبري في السلطة.
كانت اللجنة، التي شُكِّلت بموجب مرسوم صادر في عام 1990، تتكون في البداية من اثني عشر عضواً موزعين على النحو التالي: قاضيان، أربعة رجال شرطة، إداريان، موظفا أرشيف، وسكرتاريان. وواجهت اللجنة عدداً من المشكلات في البداية، إذ كان عليها انتزاع حدٍّ أدنى من الميزانية، كما لم يكن لها مقر فاضطرت إلى الاستقرار في مكاتب إدارة التوثيق والأمن؛ الأمر الذي كان يَحُول بلا شك دون حضور الضحايا والإدلاء بأقوالهم. وعلاوة على ذلك، اتُّهم أعضاء سابقون في إدارة التوثيق والأمن بترويع الشهود بعد أن أعادهم مركز بحوث وتنسيق المعلومات الجديد إلى وظائفهم. وبعد مُضيّ ستة أشهر، طلب رئيس لجنة التقصِّي استبدال عدد من أعضاء اللجنة، الذين كانوا يخشون ـ على ما يبدو ـ الاضطلاع بأعمالهم بصورة فعلية. لذلك، لم يبدأ عمل اللجنة بالفعل إلا بعد استبدال هؤلاء الأعضاء. وعلى الرغم من هذه المصاعب وغيرها (مثل التعطيلات من جانب أعضاء في الحكومة السابقة "أُعيد اعتبارهم" واحتفظوا بأماكن ذات تأثير في الحكومة، وصعوبة الوصول لبعض المناطق بسبب عمليات محاربة التمرُّد، وخوف الجمهور من الإدلاء بالشَّهَادة، والتهديدات الموجهة للمحققين)، تمكنت اللجنة من مقابلة ما يربو على 1700 شخص، بمن في ذلك 662 مُحتجَزاً سابقاً، و786 منأقرباءالضحايا الذين تُوفُّوا أثناء الاحتجاز أو أُعدموا خارج نطاق القضاء، و236 من أسرى الحرب، و30 من أفراد إدارة التوثيق والأمن السابقين، واثنا عشر من كبار موظفي حكومة حبري السابقين. كما عاينت اللجنة قبل نشر تقريرها عدة مقابر جماعية، وأماكن عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، ومراكز احتجاز. كذلك، تمكَّنت اللجنة من تحديد هُوِيَّة أفرع قوات الأمن المتورطة في تلك الانتهاكات بمن في ذلك، إدارة التوثيق والأمن، وقوة أمن الرئاسة، واستخبارات الرئاسة، والاستخبارات العامة.
وأوردت اللجنة في تقريرها المنشور في مايو/أيار 1992، أيْ بعد 17 شهراً من العمل، ما يلي: "تشعر اللجنة أنه من واجبها لفت نظر القارئ إلى أن هذا التحقيق يشمل قسطاً ضئيلاً من الأفعال التي ارتكبتها دكتاتورية حبري، إذ إن الوقت الممنوح للجنة والإمكانات التي وُضعت تحت تصرفها وعدم توافر الضحايا، لم تمكِّنها من إجراء تحقيق شامل". هذا، وقد أعدت اللجنة قائمة تشمل 3806 أشخاص، من ضمنهم 26 من الرعايا الأجانب، الذين تُوفُّوا أثناء الاحتجاز أو أُعدموا خارج نطاق القضاء في الفترة الواقعة بين عام 1982 وعام 1990. كما كان تقديرها أن إجمالي الوفيات قد يبلغ 40 ألف وفاة، كما أحصت 54 ألف سجين (حياً وميتاً) خلال الفترة نفسها. وتَعْتبِر اللجنة أن الجهد الذي قامت بها لم يكشف عن أكثر من 10% من الانتهاكات والجرائم التي ارتُكبَت أثناء تولِّي حسين حبري الحكم.
ويُعَدُّ تقرير اللجنة اتِّهاماً صارخاً لحكومة حبري، التي ثَبُتَت إدانتها، من وجهة نظر المحققين، بارتكاب "مذابح على نطاق واسع، وأعمال وحشية رهيبة" معظمها ضد مدنيين عُزْل. وقد لاحظت اللجنة، أيضاً، أن أفراد إدارة التوثيق والأمن السابقين المُدانين بانتهاك حقوق الإنسان قد أفلتوا من كافة صور العقوبة، وأن عدداً منهم قد أُعيد إلحاقه بالجيش والدَّرَك ومركز بحوث وتنسيق المعلومات، الذي خلف إدارة التوثيق والأمن.
وأصدرت اللجنة عدداً من التوصيات الرامية لحماية حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون. فطالبت بعزل أفراد إدارة التوثيق والأمن السابقين من مناصبهم في مركز بحوث وتنسيق المعلومات على الفور. كما أوصت بوضع كافة أفراد إدارة التوثيق والأمن الذين خرقوا القانون قَيْد الاحتجاز الوقائي إلى حين تقديمهم للمحاكمة، وطالبت أيضاً بتشكيل لجنة حقوق إنسان وطنية.
ولم يَجْرِ تنفيذ معظم التوصيات السابقة حتى تاريخه، باستثناء تشكيل لجنة حقوق إنسان وطنية. وأثناء زيارة منظمة العفو الدولية لتشاد في أبريل/نيسان 1996، أثارت المنظمة مع السلطات تقاعس الحكومة عن التحرُّك استناداً إلى ما جاء في تقرير لجنة التحرِّي، كما سألت المنظمة عما إذا كانت هناك نية لإجراء تحقيق في الانتهاكات التي ارتُكبَت منذ وصول الجنرال ديبي إلى السلطة. وقد رد أحد الوزراء، الذين قابلتهم المنظمة، قائلاً إن تقرير لجنة التقصِّي مثار اختلاف واسع النطاق في داخل الحكومة، وإن تطبيق أية عقوبات قد يعني تقديم دولةتشادبرمَّتها للمحاكمة.
ب) منظمة العفو الدولية ودولة تشاد
إن هذا التقرير من أحدث التحركات التي قامت بها منظمة العفو الدولية لصالح حقوق الإنسان وضد الإفلات من العقوبة في تشاد. لقد عكفت المنظمة على القيام بحملاتها بشأن انتهاكات حقوق الإنسان فيتشادعلى مدى ثلاثين عاماً، كما اضطلعت بمساندة ضحايا تلك الانتهاكات.
وتعود أول حملة للمنظمة من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي المُحتجَزين فيتشادإلى السبعينيات، عندما كان الرئيس نغارتا تومبالبايْ يتولى السلطة. وفي عام 1975، بعد الانقلاب العسكري الذي قام به الجنرال فيليكس مالوم، توجه ممثل عن المنظمة إلىتشادلأول مرة لمقابلة أعضاء الحكومة. وفي عام 1976 وعام 1981، شجبت منظمة العفو الدولية بشدة عمليات الإعدام التي كانت تُنفَّذ بعد محاكمات شكلية ومُتعجِّلة.
وتحركت المنظمة في عام 1983 وعام 1984 ضد موجات من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وعمليات "اختفاء" نفذها جيش الرئيس حبري في جنوب تشاد. وطالبت بتوضيح مصير جميع من أُلقي القبض عليهم في المدن الصغيرة وال02?رى الكائنة بالمنطقة، والذين انقطعت أخبارهم منذ ذلك الوقت. كما أدانت المذابح التي وقعت في سبتمبر/أيلول 1984، عندما قُتل مئات من الذين يعيشون في الجنوب.
وفي عام 1985، ذهب ممثلون عن منظمة العفو الدولية إلىتشادبناء على دعوة من الرئيس حبري. وأنكرت السلطات تنفيذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، كما ادَّعت، على سبيل المثال، أن المدنيين الستة الذين أُلقي القبض عليهم في مدينة أبيشيهْ بشرق البلاد في يوليو/تموز 1983 وانقطعت أخبارهم منذ ذلك الوقت، مازالوا في قيد الحياة في واقع الأمر، كما أنهم محتجزون في شمال البلاد فيما زُعم. وكان هؤلاء المدنيون هم:عبد الكريم أناديف(حاكم ولاية أرادا الفرعية)، وآدوم أنون(معلم ونائب حاكم ولاية أبيشيهْ الأسبق)، وعبد الله داهيهْ(معلم ونائب حاكم)، وآدم عيسي(معلم)، وعبد الكريم مالك(موظف حكومي)، وأبو صالح. ومع ذلك، امتنعت السلطات عن الكشف عن مكان احتجازهم لمنظمة العفو الدولية. لذلك، لم تتمكَّن المنظمة من التعرُّف على مكان احتجازهم وما إذا كانوا لا يزالون في قيد الحياة بالفعل. وقد أخبر موظفون حكوميون سابقون منظمة العفو الدولية، أن المعلومات الخاصة بالرجال الستة لُفِّقَت من أجل تضليل المنظمة، وأنه يُرجَّح أنهم أُعدموا بعد القبض عليهم بفترة قصيرة(8).
وعلى مدى السنوات التالية، كانت منظمة العفو الدولية تتحرك إزاء كل موجة اعتقال تستهدف جماعات عِرْقيَّة برُمَّتها في كل مرة (ففي عام 1987، استُهدف الهادجيرايْ، الذين يعيشون في ولاية غيرا في وسط تشاد، ثم استُهدف الزاغاوا في الشمال الشرقي قرب الحدود السودانية في عام 1989)، كما تحركت المنظمة بشأن عمليات القتل و"اختفاء" السجناء، ولاسيما في مراكز الاحتجاز في ندجامينا. وجدير بالذِّكْر، أن السلطات أنكرت وجود هذه المراكز.
عندما تولَّى إدريس ديبي السلطة في ديسمبر/كانون الأول 1990، كان عدد كبير من رؤساء الإدارة الجديدة يعرفون تحرُّكات منظمة العفو الدولية بالفعل، إما لاتصالهم بالمنظمة أثناء نفيهم، أو للمناشدات التي وجَّهتها المنظمة بشأنهم أو بشأن أقربائهم أثناء وجودهم في السجن. وقد عثرت لجنة التقصِّي على ما يربو على 50 ألف رسالة وبطاقة بريدية من أعضاء منظمة العفو الدولية من 25 بلداً على وجه التقريب. وقد أعربت اللجنة عن شكرها علناً للمنظمة على تحركها، حيث قالت:"لقد أعادت منظمة العفو الدولية الأمل إلى آلاف السجناء وأُسَرهم بفضل روح تضامنها الإنسانية الوثَّابة".
وفي يناير/كانون الثاني 1991، كتب إدريس ديبي، الرئيس الجديد، إلى منظمة العفو الدولية، حيث بيَّن لها أن حركة الإنقاذ الوطنية تهدف إلى منحتشادنظاماً ديمقراطياً يضمن حرية الفرد وحقوقه، وأن شعار حكومته هو "لن يتكرر ما حدث مرة أخرى". ولكن سرعان ما تبين أن كلامه وعود جوفاء.
وفي مارس/آذار 1991، توجه ممثلون عن المنظمة إلى ندجامينا لتقييم الوضع في البلاد، ولتبيُّن حاجات السجناء السياسيين السابقين، ولا سيما ضحايا التعذيب، ولمناقشة التدابير الرامية إلى منع ارتكاب المزيد من الانتهاكات. وتلتها زيارة أخرى في سبتمبر/أيلول 1992، بعد ظهور مُؤشِّرات تفيد بتدهور شديد في الوضع مرة أخرى. وقابل ممثلو المنظمة كبار الموظفين، بمن في ذلك رئيس الدولة ومُدَراء أجهزة الأمن لمناقشة شواغل المنظمة. وتمكن المندوبون لأول مرة من التحدُّث مع صحفيين ومدافعين عديدين عن حقوق الإنسان.
وفي عام 1993، حشدت منظمة العفو الدولية أفرعها وأعضاءها على مستوى العالم للقيام بحملة ضد الانتهاكات التي تجري فيتشاد.وثَّقت المنظمة انتهاكات حقوق الإنسان المُرْتكَبة منذ تولِّي حكومة الرئيس ديبي السلطةَ في تقرير عنوانه: "تشاد: لن يتكرر ما حدث من قبل؟ استمرار القتل في التسعينيات"، نُشر في أبريل/نيسان 1993، كما علقت على تركة حقوق الإنسان الثقيلة التي خَلَّفتها الحكومات السابقة. ورغم وعود إدريس ديبي والتفاؤل الذي أحاط بالترحيب بسقوط حسين حبري، ظل وضع حقوق الإنسان بالغ الخطورة، كما ازداد تدهوره في عام 1995. وعاد ممثلو منظمة العفو الدولية إلى زيارةتشادمرة أخرى في عام 1994 وعام 1996، حيث بحثوا الانتهاكات التي ارتكبتها القوات المسلحة الحكومية على وجه الخصوص، وتلك التي ارتكبتها جماعات المقاومة المسلحة في مناطق الصراع. ولاحظت المنظمة أن نهج الإفلات المنظَّم من العقوبة، من العوامل الرئيسية التي تسهم في استمرار انتهاك حقوق الإنسان. كذلك، أدانت المنظمة الدور السلبي الذي تلعبه بعض البلدان الأخرى، بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة، بشأن تعزيز القَمْع العشوائي الذي تمارسه القوات الحكومية.
وفي مايو/أيار 1998، حضر مراقب من منظمة العفو الدولية عدة مراحل من إجراءات المحاكمة المُتَّخذة ضد خَصْم سياسي اعتبرته المنظمة سجيناً للرأي، واتُّهم بالتشهير، وكذلك ضد صحفييْن اتُّهما بالضلوع في التشهير.
واصلت المنظمة منذ زيارتها الأخيرة، تقصِّي انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات الحكومية وجماعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، والتعذيب الذي يشمل الاغتصاب، وتهديد المدافعين عن حقوق الإنسان. كما استمرت في بحث شواغلها مع السلطات.
3. انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة أثناء ولاية حكومة حسين حبري
تصدت جماعات معارضة مسلحة لسلطة حسين حبري، الذي وصل إلى السلطة عن طريق القوة طوال سنوات حكمه الثماني. ومع ذلك، لا يُعدُّ سياق الصدامات العنيفة مبرراً لانتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة والمستمرة والمنتشرة، التي ارتكبتها القوات المسلحةالتشاديةعلى وجه الخصوص، وأفراد إدارة التوثيق والأمن أثناء العمليات العسكرية وبعدها.
لقد طبقت حكومةتشادسياسة إرهاب مُتعمَّ
u1583?ة للحيلولة دون ظهور معارضة من أي نوع، إذ خضع المعارضون الفعليون والمُشتَبه فيهم وأُسَرهم على حَدٍّ سواء لانتهاكات خطيرة لحقوقهم. كما كان السكان المدنيون ضحايا عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، التي كانت تُرتكَب انتقاماً من عمليات جماعات المعارضة المسلحة، استناداً إلى معايير عرْقيَّة وجغرافية مَحْضَة. فقد أُلقي القبض على آلاف المشتبه في عدم مساندتهم الحكومة كما احتُجزوا سراً على يد إدارة التوثيق والأمن، التي تُوفِّي الآلاف في مقارِّها بقتلهم عن طريق التعذيب، أو لظروف احتجازهم اللاإنسانية، أو لنقص الطعام والرعاية الطبية. كما أُعدم المقاتلون الذين وقعوا في الأَسْر والمدنيون العُزل خارج نطاق القضاء. فقُتل بعضهم بالرصاص، وحُرق آخرون وهم أحياء أو قُتلوا بواسطة السُّم، وعُذِّب آخرون إلى أن قضوا نحبهم أو قُتلوا عن طريق التجويع. لقد لزم المجتمع الدولي ـ بمن في ذلك الحكومات الغربية المُؤيِّدة لحكومة حبري ـ الصمت بصفة رئيسية. والأخطر من ذلك، أن بعض الحكومات، بمن في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا، تولت تمويل قوات الأمن، وتزويدها بالأسلحة، وتدريب جنودها، وممارسة تعاون نشط مع أجهزة استخبارات تشاد.
إن هذا التقرير، شأنه شأن الوثائق التي نشرتها منظمة العفو الدولية أثناء الثمانينيات، يوفر لمحة مقتضبة للانتهاكات المرتكبة خلال تلك الفترة(9).
وكان مما حال دون جمع المعلومات والتحقُّق من صحتها ورصد الحالات، استراتيجية التعتيم المُتعمَّدة، التي أحاط بها حسين حبري ممارسات رجاله وما يتعلق بمصير سجنائهم بالتالي. وإذا لم يَجْرِ تحقيق مستقل في المستقبل، فإن مصير آلاف الأشخاص سيظل مجهولاً، كما لن يُقدَّم أيٌّ من المسئولين عن الانتهاكات للعدالة في أي يوم من الأيام. وعلاوة على ذلك، فإن مُنَاخ الرعب يَحُول دون قيام جماعات حقوق الإنسان، كما أنه يجعل إرسال المعلومات إلى الخارج صعباً وخطراً على حَدٍّ سواء. ومنظمة العفو الدولية تحيِّي شجاعة وتصميم هؤلاء الأشخاص، سواء أكانوا ضحايا أمأقرباءأم شهوداً أو غيرهم، لأنهم رغم كل شيء، أَدْلَوا بأقوالهم بشأن انتهاكات حقوق الإنسان سواء في حينه أو في الوقت الحاضر.
ومما لا ريب فيه، أن القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية تحظر الانتهاكات الموصوفة في هذا التقرير. ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة، أنتشادلم تنضم إلى معظم المعاهدات الدولية لحماية حقوق الإنسان باستثناء اتفاقية جنيف لعام 1949، التي صدَّقت عليها في 1970، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (الميثاق الأفريقي) الذي صدقت عليه في عام 1986(10)، رغم أن معظم أحكام تلك الصكوك الدولية تشكل معايير معترفاً بها دولياً.
إن احتجاز الأشخاص بمَعْزِل عن العالم الخارجي، وفي مراكز احتجاز غير رسمية محظور وفق المعايير المعترف بها دولياً والواردة في صكوك مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وقواعد المنع الفاعل لعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام التعسُّفيّ وبدون محاكمة والتحقيق فيها، والإعلان الخاص بحماية جميع الأشخاص من عمليات "الاختفاء" القَسْريّ. ويوفر الميثاق الأفريقي الحماية للحقوق الأساسية، مثل الحق في الحياة، الحق في عدم الخضوع للاعتقال التعسفي أو الاحتجاز بدون سند من القانون، والحق في تحقيق قضائي عادل خلال مدة زمنية معقولة، وحق حرية التعبير. ولا تزال هذه الحقوق تتعرض للازدراء بصفة منظمة حتى بعد التصديق على الميثاق.
أ) إدارة التوثيق والأمن
"لا بد من الاعتراف بأن الرئيس [حسين حبري] شخصياً قد عَدَّل على نحو مُطَّرد مهمةإدارةالتوثيقوالأمنالأصلية. كانت الإدارة في البداية مسئولة عن الأمن في داخل البلاد وخارجها، وعن إحباط تحركات ليبيا ضدتشادعلى وجه الخصوص. ولكن الرئيس قام شخصياً بصورة تدريجية بتغيير توجُّه الإدارة وتحويلها إلى أداة للإرهاب". (صالح يونس، مدير إدارة التوثيق والأمن الأسبق).
وقبل وصف أبعاد الانتهاكات المرتكبة في ظل حكومة حبري، قد يكون من المناسب استرجاع بنْيَة إدارة التوثيق والأمن والعلاقات الوثيقة التي كانت تربط بينها كأداة قَمْع رئيسية في ذلك الوقت، وبين الرئيس شخصياً.
تخطيط الهيكل التنظيمي لإدارة التوثيق والأمن
كانت إدارة التوثيق والأمن جهازاً يريده الرئيس حبري وقام بتشكيله لتدعيم سلطته. وشُكِّلت الإدارة في أكتوبر/تشرين الأول 1982، بعد أربعة أشهر من استيلاء حسين حبري على السلطة. وتنصُّ المادة الأولى من مرسوم تشكيل الإدارة، أن الهيئة الجديدة "تتبع مكتب رئيس الجمهورية مباشرة لما لأنشطتها من صفة سرية". وقد أبرزت لجنة التقصِّي هذه العلاقة بصورة لا لبس فيها عندما استشهدت في تقريرها بكلام دجيميه توغو، وزير الداخلية الأسبق وأحد أفراد حاشية حسين حبري، الذي قال إن: "…جميع ما يتعلق بالإدارة من اختصاص الرئيس، كما لم يكن من حق أي شخص في ذلك الوقت بغضِّ النظر عن رتبته أو مركزه التدخل في شئون تلك الإدارة". فعلى سبيل المثال، كان الرئيس يرسل لأفراد الإدارة الأوامر، كما كانوا يقدمون له التقارير عن أنشطتهم يوماً بيوم. وكانت إدارة التوثيق والأمن موجودة في كل مكان على المستوى القومي، كما كانت متغلغلةً في حياة كافة المواطنين على جميع المستويات. فكان لها وجود في جميع ولايات البلاد وولاياتها الفرعية، كما كان لها نشاط على الصعيد الدولي، ولا سيما في البلدان المجاورة، وخصوصاً من خلال عملاء يُعيَّنون في وظائف ملحقين ثقافيين في سفارات تشاد.
إن ازدياد شُعب إدارة التوثيق والأمن خلال ست سنوات من ثلاث إلى 23، أبلغ دليل على تصاعد أنشطتها أثناء حكم حسين حبري. وفي نهاية عهده، كانت الإدارة تستخدم ما يزيد على ألف شخص في 23 إدارة، بما في ذلك شُعبة التحريات المسئولة عن جمع المعلومات من ندجامينا؛ وشعبة م�603?افحة التجسس المسئولة عن مراقبة كافة السفارات المُعتمَدة في ندجامينا؛ وشعبة مهام مكافحة الإرهاب المَعْنيَّة بملاحقة المعارضين التشاديين في الخارج وتصفيتهم، ولاسيما في نيجيريا، والكاميرون، وجمهورية أفريقيا الوسطى(11)؛ وقيادة الفرقة الخاصة للتدخل السريع المسئولة عن إلقاء القبض على الأشخاص ـ اتُّهِمَت في وقت لاحق بممارسة التعذيب مع عدد كبير من الحالات وبالقيام بعمليات إعدام خارج نطاق القضاء ـ وشعبة السجون المسئولة عنالإشراف على شرطة السجون، التي يُزعم أنها كانت تختار السجناء لإعدامهم(12).
كانت إدارة التوثيق والأمن هي الهيئة الرئيسية المعنية باحتجاز السجناء السياسيين واستجوابهم وتحديد مصائرهم، التي كان يُبتُّ فيها من قِبَل أعلى مستويات الدولة دون اتِّباع إجراءات قانونية من أي نوع. كان رئيس الدولة أو مدير إدارة التوثيق والأمن (أحد أقرباء حسين حبري) يتَّخذ القرارات مباشرةً حتى عام 1989. وكان معظم السجناء السياسيين يحتجزون في ندجامينا في مراكز احتجاز سرية تخضع لإشراف الإدارة. بل إن سجناء عديدين كانوا يُحتجَزون في قصر الرئاسة، بينما كان آخرون يُنقلون إليه لإعدامهم خارج نطاق القضاء. وكان الرئيس يشرف شخصياً على مصير المحتجزين ويتحقق بنفسه من كميات الطعام المصروفة للسجناء السياسيين المحتجزين في إدارة التوثيق والأمن (في الصورة التالية مذكرة مكتوبة بخط يد الرئيس حبري ومُذيَّلة بإمضائه).
وفي عام 1991، سافر وفد من منظمة العفو الدولية إلى ندجامينا وزار معسكرات احتجاز إدارة التوثيق والأمن، بما في ذلك "حمَّام السباحة" (سجن تحت الأرض كان أصلاً حمَّام سباحة). وقال السجناء السابقون الذين قابلهم الوفد، إن حسين حبري كان يشارك في استجوابهم ويشرف على عمل إدارة التوثيق والأمن بصفة يومية. فعلى سبيل المثال، يُزْعَم أن الإدارة كانت تضع قوائم للأشخاص المطلوب القبض عليهم استناداً إلى معلومات مرشدي الشرطة. وورد، أيضاً، أن حسين حبري كان يختار بنفسه من سيقبض عليهم ويُجِيز القبض عليهم استناداً إلى القوائم المذكورة.
ب) عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء التي نفذتها القوات الحكومية
بدأت سلسلة من عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء في أشخاص اشتُبه في انتمائهم للمعارضة فيتشادفَوْر تولِّي الرئيس حبري السلطة في عام 1982. وقد أثارت منظمة العفو الدولية هذه الحالات وأخرى غيرها مع الرئيس حبري في مناسبات عديدة عندما كان في السلطة، ولكنها لم تتلقَّ منه رداً.
فالحكومة لم تعترف في يوم من الأيام بوقوع عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، كما لم يُقدَّم أيٌّ من أفراد قوات الأمن للعدالة بسبب هذه الجرائم على حَدِّ علم منظمة العفو الدولية.
ويندرج ضحايا الإعدام ضمن الفئات التالية:
• مقاتلو جماعة المعارضة المسلحة وأسرى الحرب الذين أُسروا وأُعدموا بالرصاص.
• معارضون فعليون أو مُفترَضون جرى إعدامهم خارج نطاق القضاء.
مذكرة مُوقَّعة من حسين حبري تجيز شراء الطعام للسجناء السياسيين المُحتجَزين في إدارة التوثيق والأمن.
• سكان مدنيون قُتلوا أثناء عمليات انتقامية.
• لاجئون تشاديون قُتلوا خارج البلاد أو قُتلوا بالرصاص إثر عودتهم أو بعد إعادتهم قَسْراً إلى أوطانهم في معظم الأحيان.
• مقاتلو جماعات المعارضة المسلحة، وأسرى الحرب الذين أُسروا وقُتلوا رمياً بالرصاص
أُسر بين عام 1982 وعام 1984، مئات الأشخاص، الذين قُتلوا بالرصاص في وقت لاحق على يد القوات الحكومية خلال عمليات مكافحة التمرد الموجهة ضد المعارضة المسلحة في جنوب البلاد. وهذه الأفعال تتعارض مع المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع، ونصها كما يلي: "الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرةً في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آخر، يُعاملَون في جميع الأحوال معاملة إنسانية دون أي تمييز ضار…".
وفي عام 1983، أُعدم مئات المقاتلين والأعضاء المدنيين المنتمين لحكومة الوحدة الوطنية المؤقَّتة (الائتلاف الذي يرأسه غوكوني ويديي) خارج نطاق القضاء. كما أُلقى القبض على ألف مقاتل وعضو مدني ينتمي لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في شهر يوليو/تموز 1983، عندما أعادت القوات الحكومية الاستيلاء على مدينة فايا لارجو التي كانت قوات حكومة الوحدة الوطنية قد احتلتها. وأفاد عدد كبير من الشهود، أن 220 ممن قُبض عليهم أُعدموا دون محاكمة في فايا لارجو أو أثناء نقلهم إلى ندجامينا بين 20 يوليو/تموز و8 أغسطس/آب 1983، وأن مجموعة قُوَامها 30 ضابطاً من قوات حكومة الوحدة الوطنية أُعدموا خارج نطاق القضاء في 11 أغسطس/آب 1983. وكذلك أفادوا، أنه بعد بضعة أيام وعلى إثر إعادة احتلال قوات حكومة الوحدة الوطنية لفايا لارجو، انتقمت قوات الأمن لهذا الحدث بإعدام 150 أسيراً كانوا محتجزين في سجن ندجامينا المركزي خارج نطاق القضاء، وزُعم أنها اختارتهم بطريقة عشوائية وقتلتهم في مكان يبعد حوالي 20 كيلومتراً عن ندجامينا.
وتكررت الأحداث نفسها في عام 1986، إذ أَسَرت القوات الحكومية في الثاني من يونيو/حزيران في فايا لارجو حوالي 100 من مقاتلي حكومة الوحدة الوطنية المُؤقَّتة، فضلاً عن جنود ليبيين كانوا يقاتلون معهم. وقد أُعدم عدد كبير من هؤلاء الأسرى خارج نطاق القضاء في ندجامينا بعد شهرين، إثر استجوابهم على يد أفراد من إدارة التوثيق والأمن. وكان من ضمنهم جوليان دجيتانيم، أحد مقاتلي حكومة الوحدة الوطنية، الذي أُلقي القبض عليه في فايا لارجو في أبريل/نيسان، ثم نُقل إلى ندجامينا ثم اُقتيد إلى قيادة إدارة التوثيق والأمن في 26 يوليو/تموز. وجاء في رواية شاهد عِيَان، أن المذكور أُعدم خارج نطاق القضاء في ليلة 28 يوليو/تموز 1986، بعد مُضيّ عدة ساعات على استجوابه على يد الرئيس حبري شخصياً في قصر الرئاسة.
إعدام المعارضين الفعليين والمُشتبَه فيهم خارج نطاق القضاء
اختُطف بعض أعضاء الجماعات السياسية المسلحة وهم في خارج البلاد أو أثناء محاولتهم اجتياز الحدود، وذلك قبل قتلهم فيتشاد. واختطف أفراد من إدارة التوثيق والأمن آبا نغاماني، رئيس الأركان الأسبق لجماعة سياسية مسلحة تُدْعَى المجلس الديمقراطي الثوري، في كوسيري بالكاميرون في فبراير/شباط 1986، واحتجزوه سراً في قيادة الإدارة في ندجامينا. وقد أفاد محتجز سابق أن آبا نغاماني اُقتيد من زنزانته أثناء ليلة 22 أبريل/نيسان 1986، ولم يُشاهَد بعد ذلك قَطّ.
كان كاي جاكوبموظفاً بالجمارك وعضواً في جماعة سياسية مسلحة، أُلقي القبض عليه في ديسمبر/كانون الأول 1985 على حدود الكاميرون، واحتجزته إدارة التوثيق والأمن سراً في قيادتها في ندجامينا. هذا، وقد أُعدم المذكور خارج نطاق القضاء في منتصف عام 1986 في قصر الرئاسة، ودُفن في مقبرة جماعية في هامرال ـ غوز.
أُعدم عدد كبير من ضباط وجنود جيشتشادالنظامي من المنتمين لمجموعة الهادجيرايْ العِرْقيَّة خارج نطاق القضاء، بعد نشوب تَمرُّد بقيادة ضابط من الهادجيرايْ يُدْعَى غودي دونان في 26 ديسمبر/كانون الأول 1986 في حاميةسارحفي شاري الأوسط، حسبما ورد. وورد، أيضاً، أن بعض الجنود الذين شاركوا في التمرد قُتلوا بعد القبض عليهم ونقلهم إلى مُخيَّم الشهداء في ندجامينا.
وفي ليلة 28 مايو/أيار 1987، داهمت قوات الأمن الحكومية في ندجامينا منزل ضابط يُدْعَى مالدوم بادا، يُشتبَه في أنه زعيم حركة مسلحة تُسمَّى حركة الإنقاذ الوطني فيتشاد. وتمكَّن مالدوم بادا وستة من أنصاره من الهروب وغادروا العاصمة. بَيْد أن أحد أنصاره، ويُدعى دجيغوت غا، حاكم ولاية بيتكين المساعد، أُصيب بجرح خطير ووقع في الأَسْر. وقد أفادت بعض المصادر، أنه قُتل في اليوم التالي في مقر إدارة التوثيق والأمن.
لقد قُتل خصوم آخرون للنظام في القصر الرئاسي بعد القبض عليهم. فعلى سبيل المثال، أُلقي القبض على الرقيب دانييل خوفي كوندول فيتشادفي عام 1986، إثر مشاركته المزعومة في عملية عسكرية ضد الحكومة. وكان الرقيب على ما يبدو عضواً في جماعة سياسية مسلحة ويعيش في الكاميرون. وقد تلقَّت منظمة العفو الدولية شهادات عديدة تفيد بأن دانييل خو اُقتيد إلى قصر الرئاسة في ندجامينا، حيث أُعدم خارج نطاق القضاء.
لقد روى سجناء سابقون عديدون من الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية، كيف اصطُحب مئات المحتجزين خارج زنازينهم وكُبِّلوا بالأغلال ثم قُتلوا. وقد ورد أن جثثهم أُلقيت في نهر شاري. كما ورد أن سجناء آخرين تُوفُّوا نتيجة الأمراض ودُفنوا في مقابر سرية. اتُّهم كُلٌّ من ريمون إدوار، وباتريس دجانسي، ودييدونيه أدوم محمد، بأنهم جميعاً من "الكودو"(13)، وقد ورد أن إدارة التوثيق والأمن قتلتهم في عام 1986. ويُزْعَم أن إحدى السجينات، وتُدعَى أنطوانيتقد قُتلت في عام 1986 على وجه التقريب، للاشتباه في أنها تحتفظ بسجلّ لعدد الوفيات التي تحدث في "المقر"، وهو مِيسْ صغار الضباط السابق الكائن بجوار الشركةالتشاديةللطاقة الكهربائية المعروفة، أيضاً، باسم "المقر". قال سجين سابق قابلته منظمة العفو الدولية إنه دفن سجينين، معلم وسائق، أُصيبا بالاختناق في زنزانتهما في منطقة سابانغالي في ندجامينا. وتفيد أقوال عدة شهود تلقَّتها منظمة العفو الدولية، بين عام 1983 وعام 1987، أن مئات السجناء اُختيروا ـ فيما ورد ـ من قوائم أُعدَّت سلفاً، ثم اُقتيدوا خارج السجن المركزي ليلاً في جماعات مكونة من عشرة إلى خمسة عشرة شخصاً. وفي ديسمبر/كانون الأول 1987، طلب مُقرِّر الأمم المتحدة الخاص المَعْنيّ بعمليات الإعدام بدون محاكمة والإعدام التعسُّفي من حكومةتشادالأمر إجراء تحقيق في مزاعم إعدام عدة أشخاص دون محاكمة في السنوات الأخيرة، وملاحقة المسئولين عن ارتكابه قضائياً، ولكن طلبه ذهب أدراج الرياح(14).
وكان ضمن الأفعال الأخيرة التي قام بها الحرس الجمهوري، أن أُعدم خارج نطاق القضاء ما يزيد على 300 محتجز سياسي تشادي وأسير حرب ليبي كانوا محتجزين سراً في القصر الجمهوري، وذلك قبل رحيل حسين حبري من البلاد مباشرةً. وأُلقيت جثث بعضهم في نهر شاري. هذا، وقد عُثر على الكثير من المحتجزين والأسرى الآخرين في القصر الجمهوري بعد سقوط حكومة حسين حبري.
قَتْل المدنيين أثناء العمليات الانتقامية
شن حسين حبري بعد استيلائه على السلطة هجوماً كبيراً لسحق كافة أشكال المعارضة في الجنوب. وارتكبت قوات الشمال المسلحة والمقاتلون الآخرون الذين يدينون بالولاء لحسين حبري انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان ضد سكان الجنوب، بمن في ذلك شخصيات مدنية كبيرة كان يُشتبَه في تعاونها مع إدارة العقيد عبد القادر كاموغيه (رئيس أركان القوات المسلحةالتشاديةالأسبق، ونائب رئيس حكومة الاتحاد الوطني المؤقَّتة قبل صعود حسين حبري للسلطة). وورد أن حوالي 100 شخص من المنطقة قُتلوا بين يونيو/حزيران وديسمبر/كانون الأول 1982، ولا سيما في المناطق التي خضعت لتوِّها لسيطرة الحكومة، التي يبدو أنها اتَّبعت سياسة الأرض المحروقة، وتخلَّصت من معظم الشخصيات المدنية المهمة لقَمْع جميع من تسوِّل لهم أنفسهم الالتفاف حول المعارضة في الولايات الجنوبية.
كان ضمن من قُتلوا بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 1982: كارهيوم نينغايو، حاكم ولاية موندو في لوغوني الغربية، الذي قتلته قوات حسين حبري برصاصة أمام زوجته وأولاده في سبتمبر/أيلول 1982. وكان كارهيوم نينغايو قد فرّ من القتال الدائر في مو
u1606?دو. ولكنه بعد عودته للبحث عن أسرته، أعدمه أفراد من القوات المسلحة خارج نطاق القضاء أمام منزله. كذلك، قتل الجنود جوزيف نغاكوتو، طبيب العقيد كاموغيه الأسبق، في موندو. كما قُتل مبيدا رواسيم، مساعد حاكم بيبيدجيا، لاتهامه بالتعاون مع إدارة العقيد كاموغيه. وأعدم أفراد قوات الشمال المسلحة رايمون ماثا، المهندس بإدارة المياه والغابات وشقيق زوجة العقيد كاموغيه، خارج نطاق القضاء بعد مُضيّ ثلاثة أيام على وصول هذه القوات لمدينة سارح في شاري الأوسط، أثناء ليلة 29/30 أغسطس/آب، لعلاقة أُسَريَّة تربطه بالعقيد كاموغيه على ما يبدو.
كذلك، أُعدم خارج نطاق القضاء المقدم كولادومنغار نغولومبايْ ألافي، رئيس الأركان الأسبق للجيش الوطني الموحد، ونائبه جيريمي دجيدمادومبي،على يد أفراد قوات الشمال المسلحة بعد القبض عليهما بفترة وجيزة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1982. وكان المقدم ألافي نفسه قد اتُّهم بالاعتداء على سكان باردايْ المحليين في الشمال عندما كان نائب حاكم تلك الولاية.
وفي أواخر أغسطس/آب من عام 1984، استأنف عدد من الجماعات السياسية المسلحة القتال في الجنوب. كما شن معارضون متمركزون في دوبا وفي سارح بولايتَيْ لوغوني الغربية وشاري الأوسط هجوماً جديداً على المنشآت الحكومية والأهداف الاقتصادية والعسكرية الموجودة في المنطقة. وقد واكبت رد فعل الحكومة انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، كما خضع مئات المدنيين العُزْل، بمن في ذلك بعض المشتبه في مساندتهم المعارضين المسلحين أو في التعاطف معهم، والمقاتلين العاجزين عن مواصلة القتال، لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء.
ولم تعترف الحكومة في أي وقت من الأوقات بتنفيذ عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء الموصوفة أعلاه. وإن كانت قد اعترفت بأن "أخطاء مؤسفة" قد ارتُكبت في الجنوب دون تحديد المزيد من التفصيلات. ولم يُقدَّم أي فرد من قوات الأمن إلى العدالة بسبب هذه الجرائم على حَدِّ علم منظمة العفو الدولية.
كانت القوات المسلحة وأفراد الحرس الجمهوري برئاسة القائد إدريس ديبي، رئيس تشادالحالي ورئيس أركان الجيش في ذلك الوقت، قد انتشرت في الجنوب في بداية سبتمبر/أيلول 1984(15)، وكانت المسئولة عن جزء كبير من الإفراط في القتل، حسبما ورد. كما جاء، أن محمد فاضل، مدير الأمن العام الأسبق، كان يشرف على العمليات العسكرية التي جرت فيسارحعاصمة ولايةشاريالأوسطضد أعداء الحكومة، إذ كان يرأس فريقاً من أفراد إدارة التوثيق والأمن، التي كانت تمثل القوة الشُّرطيَّة الرئيسية. ونظراً للأنباء السالفة الذِّكْر، ليس من المستبعد أن يكون كبار أفراد قوات الأمن على علم بمدى المذابح التي ارتكبتها القوات الحكومية في سبتمبر/أيلول 1984، بل إن تلك المذابح ارتُكبَت بأمر منهم في واقع الأمر.
وفي 27 سبتمبر/أيلول 1987، أعدمت القوات الحكومية خارج نطاق القضاء في ديلي فيلوغونيالغربية، 80 مقاتلاً على أقل تقدير، كانوا قد ألقوا بأسلحتهم في مقابل حصولهم على عفو ومبلغ من المال. كما أُعدم خارج نطاق القضاء في التاريخ نفسه، واحد وعشرون شخصاً يعملون في مزرعة تابعة للدولة، بمن في ذلك بيلينغار دجيمنبايْ، مدير المزرعة.
وقُتل، أيضاً، موظفون حكوميون كبار وزعماء مجتمعات لمجرد الشك في تشجيعهم الأنشطة المناهضة للحكومة في منطقتهم. كذلك، أعدمت القوات الحكومية خارج نطاق القضاء حوالي خمسين من الزعماء السياسيين ورؤساء المجتمعات، كان العديدون منهم من مدينة سارح، أو تعرضوا لعمليات "الاختفاء"، وذلك في جنوب البلاد في سبتمبر/أيلول 1984.
وكان من ضمن الضحايا في شاري الأوسط: تورينا، مُفوَّض شرطة، ونغارتيبايْ، مفوض شرطة، وماديلنغار أودينغار، مفوض شرطة من مارو، وماثو عمر، معلم في مدرسة أحمد مانغيه الثانوية، وباندورا دجاسرابايْ، مهندس مدني.
وكان ضمن من قُتلوا فيلوغونيالغربية: ندجيرانغ، معلم بمدرسة ابتدائية وعضو برلمان أسبق، وندكيرايو، معلم بمدرسة ابتدائية، وموسى دهادجمادجي، مهندس زراعي ومدير مصنع تابع لشركة أقطان تشاد.
ارتكبت القوات الحكومية عمليات قتل جماعية في أماكن مثل، نغالو في شاري الأوسط، حيث أضرم الجنود الحكوميون النار في كنيسة في دانامادجي كان أشخاص قد لجئوا إليها، كما قُتل قسيس القرية وأسرته أمام الكنيسة، وقُتل فلاحون أثناء عملهم في الحقول. وكان الجنود يطلقون النار على الأشخاص من الحافلات، أثناء مرورهم في داخل بيدايا في شاري الأوسط.
وفي فبراير/شباط 1986، قدَّم مُقرِّر الأمم المتحدة الخاص المَعْنيّ بعمليات الإعدام بدون محاكمة والإعدام التعسُّفيّ، تلك المزاعم لحكومة تشاد، مطالباً السلطات بالأمر بإجراء تحقيق وتقديم المسئولين عن تلك الأفعال للعدالة. هذا، ولم يتلقَّ المقرر الخاص رداً على تحرُّكه(16).
قُتل عدد كبير من الأشخاص المُشتبَه في تعاونهم مع حركة الإنقاذ الوطنية في منطقة غيرا، بعد أَسْرهم أثناء عمليات مكافحة التمرد في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 1987، وديسمبر/كانون الأول 1988. كما أُحرق أشخاص كثيرون على الملأ وهم أحياء في يوليو/تموز وأغسطس/آب 1987، بعد أن قبضت عليهم القوات الحكومية. كما ورد أن رمضان آسي، شيخ قرية واليا الواقعة على بعد 25 كيلومتراً من جنوب بيتكين قد أُحرق حياً مع شخص آخر مجهول الهُوِيَّة، بعد أن اتَّهمهما العسكريون بالتعاون مع حركة الإنقاذ الوطني. وكان الجنود قد ألقَوْا القبض على الرجلين ثم أحرقوهما أمام سكان القرية، الذين أجبروهم على حضور الإعدام. وورد أن أحمد أبا، طالب عمره سبعة عشر عاماً من دجيربا (قرية تبعد 18 كيلومتراً عن جنوب بيتك10?ن) قد أُحرق حياً أمام والده، الذي عذبه الجنود، فيما ورد، ودفنوه تاركين رأسه فوق سطح الأرض حتى يتمكَّن من مشاهدة إعدام ابنه. ويبدو أن إعدام أحمد أبا خارج نطاق القضاء كان انتقاماً من أنشطة أخيه الأكبر المشتبه في انضمامه إلى صفوف حركة الإنقاذ الوطني. كذلك، أشعلت القوات الحكومية النار في عدد من قرى الهادجيرايْ في بيتكين في يونيو/حزيران ويوليو/تموز 1987. ويبدو أن قريتَيْ أمبازينا وماتايا استُهدفتا لكونهما مسقط رأس هارون غودي ومالدوم بادا، وهما اثنان من زعماء جيش الإنقاذ الوطني.
وفي أبريل/نيسان 1989، اتُّهم إدريس ديبي(17)وعدد من كبار شخصيات جماعة الزاغاوا بمحاولة الإطاحة بالحكومة. وبعد محاولة الانقلاب المزعومة، غادر إدريس ديبي ومعه عدد من القوات الحكومية البلاد، وأنشأ قواعد في السودان حيث بدأ في تنظيم ائتلاف جديد من الحركات المسلحة، يُدْعَى الحركة الوطنية للإنقاذ (الحركة الوطنية)، التي كان يسيطر عليها الزاغاوا(18). عاد إدريس ديبي وأعضاء الحركة الوطنية إلىتشادفي مارس/آذار 1990. ونظراً لزحف الحركة الوطنية، كثَّفت حكومة حسين حبري من عملياتها الانتقامية ضد المدنيين. وفي أبريل/نيسان 1990، احتل مقاتلو المعارضة مدينة إيريبا القريبة من الحدود السودانية لعدة أيام، وبعد استعادتها في 6 أبريل/نيسان على وجه التقريب، ألقت القوات الحكومية القبض على حوالي 24 مدنياً وقتلتهم، ثم تركت جثثهم في أماكنها لعدة أيام، مع عدم سماحها لأُسَر الضحايا بدفن موتاهم وإقامة الشعائر الدينية. وكان من ضمن الضحايا: تاكي حسين، ونورا ماكولي، وتايْ جاموس، وفاطمة هارون، ومحمد هارون عيسى، وحسين زكريا. كانت نورا ماكولي وفاطمة هارون تربطهما صلة قرابة بكل من إدريس ديبي وحسن جاموس على التوالي.
لاجئون قُتلوا خارج البلاد، أو قُتلوا بالرصاص بعد إعادتهم إلى أوطانهم قَسْراً في أغلب الأحيان
حدث في عدة مناسبات، أن أُلقي القبض على اللاجئين الذين عادوا طواعيةً إلىتشادأو أُعيدوا إليها قسراً، كما أُعدموا خارج نطاق القضاء بعد عودتهم بمدة قصيرة. كما وُضع آخرون قَيْد الاحتجاز عند وصولهم إلى تشاد، وظلوا فيه مُدداً طويلة.
عبد الله أويدجيلي بشارة، لاجئ تشادي، أُلقي القبض عليه في 21 أبريل/نيسان 1986، على يد الجهات الأمنية في ندجامينا بعد عودته من جمهورية ألمانيا الاتحادية، التي التمس اللجوء إليها. وأثناء وجوده في ألمانيا، أُدخل مستشفى للأمراض النفسية، حيث اتَّخذ قراراً بالعودة. وأفاد شاهد عِيَان في 25 أبريل/نيسان، أن عبد الله أويدجيلي بشارة تُرك بمفرده في فناء إدارة التوثيق والأمن. وكان اللعاب يتساقط من فمه كما كان في حالة صحية سيئة للغاية بعد تعذيبه. وتُوفِّي في الساعة الثانية من ظهر اليوم نفسه. وفي اليوم التالي، ورد أن أفراداً من إدارة التوثيق والأمن طلبوا من محتجزيْن تغطية جثته بكيسين وإخفائه في شاحنة، نقلتها إلى جهة مجهولة.
فضول بشير حجار، عضو جماعة معارضة مسلحة، أُلقي القبض عليه في شيشا في تشاد في عام 1986، واحتُجز بمَعْزِل عن العالم الخارجي في مقر قيادة إدارة التوثيق والأمن حتى 28 فبراير/شباط 1986 حيث تمكن من الهرب. فغادر تشاد ليعيش في الكاميرون. ثم ناشد السلطاتالتشاديةاستخدام الرأفة ـ وتفيد بعض المصادر أنه وَجَّه مناشدته تحديداً لحسين حبري شخصياًـ فتلقَّى تأكيداً بأنه لن يتعرض للقبض عليه أو لإساءة معاملته في حالة عودته إلىتشاد.فعاد في أكتوبر/تشرين الأول 1986، حيث ألقت إدارة التوثيق والأمن القبض عليه في الحال، واُقتيد إلى قصر الرئاسة وقُتل هناك، ثم دُفن في مقبرة جماعية في هامرال غوز.
وفي سبتمبر/أيلول 1988، أُلقي القبض على بشارة شايبو، نائب مدير إدارة التوثيق والأمن الأسبق، الذي كان قد فر من تشاد، وذلك بعد وصوله إلى مطار ندجامينا بعد إعادته قسراً إلى وطنه من توغو. ويُزْعَم أنه أُعدم خارج نطاق القضاء بعد احتجازه في قصر الرئاسة لمدة عشرة أيام. وكان قد قُبض عليه في توغو بناء على أمر صادر من هيئة البوليس الدولي (الإنتربول)، جاء فيه أنتشادتطلب القبض عليه لارتكابه جريمة قتل هناك. ورغم قيام مُفوَّض الأمم المتحدة السامي لشئون اللاجئين بمنحه صفة اللجوء، أُعيد إلىتشاددون أن تُتاح له فرصة الطعن في إعادته قَسْراً إلى وطنه أمام جهة قضائية في توغو. وكان المذكور قد اتُّهم بالتآمر على الرئيس حبري، وتمكَّن من الفرار بعد القبض عليه من قبل، وغادرتشادفي ديسمبر/كانون الأول 1986، علماً بأن عدداً من المحتجزين اتهم بشارة شايبو شخصياً بممارسة التعذيب أثناء عمله في إدارة التوثيق والأمن، حسبما ورد.
وفي أغسطس/آب 1990، أَعدم جنود القوات الحكومية عدة لاجئين بعد مرور شهر على عودتهم من الكاميرون. وكان من ضمنهم غابرييل داينهل، تاجر، وجان أنهول، قسيس. علماً بأنه لم يكن للاثنين أية علاقة معروفة بالمعارضة المسلحة.
ومن اللافت للنظر، أنه بالإضافة إلى الفئات الثلاث المذكورة أعلاه، شملت عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أفراداً من القوات المسلحةالتشاديةلاتِّهامهم بعدم قتال العدو بكفاءة كافية. ففي مارس/آذار 1990، على سبيل المثال، أُعدم ضباط من الجيش التشادي بعد استعادة مدينة باهايْ وتيني، جنوداً تشاديين لوقوعهم في أَسْر أعضاء الحركة الوطنية، إذ اتهمتهم سلطات ندجامينا بضعف روحهم القتالية أثناء مواجهة العدو.
ج. جرائم ارتُكبَت أثناء الاحتجاز بمَعْزِل عن العالم الخارجي
تجاهلت سلطاتتشادأثناء ولاية حسين حبري التشريع الوطني الذي ينظم احتجاز السجناء السياسيين ومعاملتهم(19)، إذ كانوا يحُتجزون سراً دون اتهامهم، ويُحرَمون من حريتهم بعيداً عن حماية المنظومة القانونية. كما أنهم كانوا لا يَمْثُلون أمام المُدَّعي العام، الذي يستطيع النظر في مَسوِّغات احتجازهم، كما أنهم لا يَمْثُلون أمام المحاكم، ولا يستطيعون معرفة أسباب القبض عليهم أو الطعن في احتجازهم أمام المحاكم. وكان احتجازهم سراً يؤدي إلى انقطاع اتصالهم بالعالم الخارجي، وحرمانهم من الحماية من التعذيب.
كما كان أي شخص مُعرضاً للقبض عليه وتعذيبه على يد إدارة التوثيق والأمن إلى أن يَلْقَى مصرعه في أحيان كثيرة. وكان معظم السجناء السياسيين يُحتجَزون في مراكز احتجاز سرية تابعة لسيطرة إدارة التوثيق والأمن في ظل ظروف لاإنسانية تَرْقَى إلى مستوى التعذيب في أحيان كثيرة. ولا يعلم أصدقاؤهم وأقرباؤهم ما إذا كانوا أحياء أم موتى لمدة سنة. هذا، ويُعدُّ حجب المعلومات، استراتيجية مُتعمَّدة هدفها زيادة مُنَاخ الرعب والإمعان في ترويع الأهالي. كما أن بعض من حاولوا معرفة ما حدث لقريب أُلقي القبض عليه تعرضوا لانتهاك حقوقهم.
كانت إدارة التوثيق والأمن تحتجز السجناء في عدة زنازين في قيادتها وفي مراكز أخرى في العاصمة، مثل نادي ضباط الجيش الفرنسي الأسبق، وثُكْنَات تُعرَف باسم "مُخيَّم الشهداء". كما استُخدم في عام 1987، سجن تحت الأرض، كان حَمَّام سباحة في الأصل، حيث يُسجن المحتجزون ويُعذَّبون. ومن المفارقات اللافتة للنظر، أن هذا السجن ملاصق لمبنى إدارة المعونة الأمريكية. كما يُزْعَم أن بعض السجناء السياسيين احتُجزوا في قصر الرئاسة في ندجامينا، على بُعد حوالي 50 متراً من مسكن الرئيس حبري، حيث قُتل 300 سجين قبل فرار حبري مباشرةً، حسبما ورد. وكان السجناء يُحتجَزون، أيضاً، في "المقر"، وفي قيادة الفرقة الخاصة للتدخل السريع.
لم يحدث أن قُدِّم سجين سياسي للمحاكمة أثناء حكم حسين حبري، إذ كان السجناء يظلون قَيْد الاحتجاز دون محاكمة لسنوات عديدة. ورغم اضطرار الحكومة لمواجهة معارضة مسلحة كبيرة، يتَّضح أن مئات المُحتَجزين، الذين اعتبرتهم منظمة العفو الدولية سجناء رأي، قد سُجنوا اعتسافاً لانتمائهم لجماعة عِرْقيَّة بعينها، أو لأنهم كانوا يعيشون في منطقة بعينها، أو لروابط قرابة أو صداقة تربطهم بأشخاص آخرين مشتبه فيهم، أو لهروب أحد أفراد الأسرة بعد القبض عليه. وكانت حقوقهم، شأنهم شأن أسرى الحرب والسجناء السياسيين، تَلْقَى احتقاراً مُنظَّماً.
وفي عام 1985، أصرَّت السلطات أثناء زيارة وفد من منظمة العفو الدولية لتشاد، أنه لا يوجد سجناء سياسيون في البلاد، كما أضافت أنه لا يوجد إلا أسرى حرب أو أشخاص مشتبه في تعاونهم مع المعارضة المسلحة. وأفادت السلطات، أن جميع السجناء محتجزون في مراكز احتجاز "رسمية". كما أنكرت، على وجه الخصوص، احتجاز سجناء سياسيين في ندجامينا في مراكز غير السجون المدنية. وكانت تلك الرواية الرسمية أبعد ما تكون عن الحقيقة.
فالأسلوب المُنظَّم المُتَّبع لاحتجاز الأشخاص سراً، يسمح بوقوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وعلاوةً على عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء المذكورة آنفاً، فقد حدثت حالات عديدة من التعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز وعمليات "الاختفاء".
عمليات "الاختفاء" القَسْريّ
لم تتمكَّن منظمة العفو الدولية من التأكد الفعلي من مصير معظم السجناء المحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي، الذين بُحثت حالاتهم مع السلطات أثناء تَولِّي حسين حبري السلطة. وذلك، لرفض السلطات الاستجابة لطلب المنظمة بتوضيح الأمور.
ولسوء الحظ، اتَّضحت صحة مخاوف المنظمة بعد سقوط حسين حبري في عام 1990، إذ كان الذين "اختفوا" أثناء احتجازهم، قد تُوُفُّوا نتيجة لإعدامهم خارج نطاق القضاء أو نتيجة للتعذيب أو سوء المعاملة أو الجوع أو لظروف الاحتجاز اللاإنسانية. وفي أول ديسمبر/كانون الأول 1990، أُفرج عن عدة مئات من المسجونين السياسيين عند قدوم الحركة الوطنية للإنقاذ، وذلك بعد احتجازهم في مراكز احتجاز مختلفة، كان عدد كبير منها حمامات سباحة حُوِّلت إلى سجون في إدارة التوثيق والأمن. وقد عُثر على ناجين آخرين في منزل كان يستخدمه وزير الداخلية الأسبق، وفي مراكز سرية أخرى. وفي الوقت نفسه، لم يُعثَر على مئات المحتجزين الآخرين، مما أدى إلى افتراض مصرعهم. فعلى سبيل المثال، كان عدد المفرج عنهم يقل عن العشرين سجيناً من أصل 200 شخص عُرف أنهم تعرضوا للقبض عليهم في عام 1989. أما الآخرون، فيبدو أنهم تُوفُّوا أو قُتلوا أثناء احتجازهم، شأنهم شأن مئات سجناء الهادجيرايْ. وقد صرح بعض السجناء الذين أُخلي سبيلهم، أن مئات من الأشخاص قُتلوا سراً بين عام 1987 وعام 1989، وأن العديدين منهم قُتلوا في قصر الرئاسة. وكان من ضمنهم أحد عشر أخاً من إخوة حسن فاضول، وهو مسئول كبير في الحركة الوطنية، أصبح وزيراً للتعاون في الحكومة المُشكَّلة في ديسمبر/كانون الأول 1990.
كان من ضمن مئات حالات "الاختفاء"، التي بحثتها منظمة العفو الدولية، أشخاص قبضت عليهم قوات الأمن لأنها كانت تبحث عن أقربائهم. ومرْضِيّة إبراهيممراهقة أُلقي القبض عليها في ندجامينا في عام 1985 على وجه التقريب للأنشطة التي كانت تقوم بها أمها مبروكة هوني راحيل سيدة الأعمال، التي كانت تمدُّقوات حكومة الوحدة الوطنية المسلحة بالمؤن من عام 1979 حتى عام 1982(20). وفي يوليو/تموز 1987، عادت مبروكة هوني راحيل إلىتشادبعد أن غادرتها في عام 1982، عندما استولى الرئيس حسين حبري على السلطة، وذلك بعد أن طمأنتها السلطات أنها ستطلق سراح ابنتها. غير أنها لم تفرج عن مرضية إبراهيم، بل ألقت القبض على مبروكة هوني راحيل بعد مُضيّ بضعة أسابيع. واحتُجزت المرأتان بمعزل عن العالم الخارجي في "المقر" دون توجيه اتهام لهما إلى أن أُفرج عنهما في مارس/آذار 1989.
ألقى أفراد من إدارة التوثيق والأمن القبض في 15 يونيو/حزيران 1987 على كادي غاربوا، وهو رجل من الهادجيرايْ يبلغ 48عاماً، لأن ابن عمه الذي يعيش معه كان ينتقد الحكومة. وتمكَّن ابن العم من تجنُّب الشرطة ومغادرة البلاد. وأفادت بعض المصادر، أن كادي غاربوا قد أُطلق عليه النار وأُصيب بجراح أثناء مقاومته القبض عليه. واُقتيد رغم إصاباته إلى مركز احتجاز سري دون تلقِّيه رعاية طبية. وكان كادي غاربوا من نشطاء اتحاد الاستقلال والثورة الوطني (اتحاد الاستقلال)، وهو الحزب الموجود في السلطة، الذي أسسه حسين حبري، والحزب الوحيد المسموح بقيامه فيتشادفي ذلك الوقت. ولم تَرِدْ أي أنباء عن كادي غاربوا منذ القبض عليه، على حَدِّ علم منظمة العفو الدولية.
كان الأخَوَان عبد الرحمن وداري تشيرييبلغان من العمر ثلاثة عشر عاماً على وجه التقريب عندما أُلقي القبض عليهما في يوليو/تموز 1987، في بيتكين. وكان سبب القبض عليهما، أن أحد أقربائهما الذي كانت قوات الأمن تعتبره من خصوم الحكومة، تمكَّن من الهرب من القبض عليه. وبعد القبض عليهما، نُقل عبد الرحمن وداري تشيري إلى مركز احتجاز سري في ندجامينا. كما أُلقي القبض على قريب آخر لهما في اليوم نفسه، يُدْعَى موسى غاتشيلمي. وفي يناير/كانون الثاني من عام 1991، كتب إدريس ديبي رئيس الجمهورية الجديد لمنظمة العفو الدولية مؤكِّداً أن عبد الرحمن وداري تشيري تُوفِّيا أثناء احتجازهما.
كما قُبض على أشخاص آخرون لاعتبارات عِرْقيَّة، أو لانتقادهم الرئيس حبري. وفي 5 يونيو/حزيران 1987، استدعى أفراد من إدارة التوثيق والأمن في ندجامينا، عيسى قنصل، التاجر الذي يتراوح عمره بين 30 و40 عاماً. ويبدو أنه كان مشتبه في أنه ينتقد سياسة التمييز التي يمارسها الرئيس حسين حبري ضد جماعة الهادجيرايْ. ولا يبدو أنه كان يشارك في أي نشاط سياسي. كماأُلقي القبض في 28 مايو/أيار 1987 على ابن عمه، المَدْعوّأحمد دادجي، المنتمي إلى جماعة الهادجيرايْ. وقد احتُجز الاثنان في مركز سِرِّي في ندجامينا. ولا يزال مصيرهما بعد القبض عليهما مجهولاً.
التعذيب
كان اتِّباع التعذيب أثناء حكم حسين حبري ـ بكل المقاييس ـ "وسيلة مُعترفاً بها" لانتزاع الاعترافات، أو للعقاب أو زرع الخوف في النفوس. ومعظم المعلومات المتوافرة لدى منظمة العفو الدولية بشأن تعذيب المحتجزين وسوء معاملتهم أثناء ولاية حسين حبري، مصدرها رواية الناجين أنفسهم أو محتجزين آخرين. ويفيد الناجون، أن حسين حبري شخصياً أصدر الأمر بتعذيب أشخاص مُعيَّنين. كما تقول مصادر أخرى، إنه كان يحضر جلسات التعذيب في أحيان كثيرة. وأكَّدت لجنة التقصي، بالإضافة إلى مصادر أخرى، صحة تلك المعلومات. غير أن حكومةتشادوحسين حبري كانت تصرُّ على إنكار ممارسة التعذيب بشكل منظم على أعلى مستويات الدولة.
كان أفراد إدارة التوثيق والأمن يقومون في العادة باستجواب السجناء السياسيين في قيادة الإدارة في ندجامينا. كما كان بعضهم يُستجوَب ويُحتجَز في قصر الرئاسة بعد تعذيبه. وقد تعرضت معظم الحالات التي أُبلغت عنها منظمة العفو الدولية للتعذيب على يد أفراد إدارة التوثيق والأمن للحصول على معلومات بشأن أنشطتها السياسية، ولإكراهها على الإرشاد عن أعداء النظام الآخرين المُشتَبه فيهم.
وأفاد الناجون، أن بعض وسائل التعذيب الأكثر شيوعاً، كانت الصعق بالكهرباء، والخنق الذي يكاد يُفْضِي إلى الوفاة، ولَسْع الجسم بالسجائر، وبَخَّ غاز في العينين. وكان القائمون على التعذيب يضعون، أحياناً، ماسورة عادم سيارة في فم الضحية ثم يديرون محرك السيارة. وكان بعض المحتجزين يُودَعون في غرف تحتوي على جثث متحللة، بينما كان البعض الآخر يُعلَّق من يديه أو قدميه، وكانت أيدي آخرين وأقدامهم تُقيَّد بإحكام. والوسيلتان الشائعتان الأخريان، اللتان كانتا تُستخدَمان في التعذيب، حشر رأس الضحية بين عَصَويْن تتصلان بحبال كانت تُلْوَى بالتدريج لعصر الدماغ ("التعذيب بالعِصِيّ")، وكانت الوسيلة الأخرى تَرْك المحتجز يتضور جوعاً (الغذاء الأسود أو غذاء التجويع). وأخبر أحد السجناء، الذين استجوبتهم إدارة التوثيق والأمن في عام 1986، منظمة العفو الدولية أن أفراداً من الإدارة ثَبَّتوا عَصَويْن يصلهما حبل على جانبي دماغه، ثم أخذوا يلفون الحبل إلى أن بلغ ضغط العصوين مبلغاً أشعره أن قمة رأسه على وشك "الانفجار". وكان بعض السجناء يتعرضون إلى ضرب بالغ الوحشية أثناء استجوابهم. وأفاد سجين كان محتجزاً في قصر الرئاسة في عام 1986، أن الأشخاص كانوا يُعذَّبون بضربهم على أخمص أقدامهم. وكانت النساء المحتجزات بمعزل عن العالم الخارجي يتعرضن للاغتصاب ولأنواع أخرى من الاعتداءات الجنسية. وفي أبريل/نيسان 1987، أُلقي القبض على امرأة متزوجة من ضابط سابق في الجيش الوطني انضم إلى حركة الإنقاذ الوطني، فقام أفراد من إدارة التوثيق والأمن بتعذيبها برشِّ الفُلْفُل الأحمر على أعضائها التناسلية.
أُلقي القبض على جبرين بينايْفي أغسطس/آب 1986، واصطُحب إلى مَخْفَر السوق(مخفر كائن في سوق دجامينا) ثم إلى مخفر الدَّرَك ثم إلى إدارة التوثيق والأمن، وأخيراً إلى "المقر"، الذي تمكَّن من الهرب منه. وقد عُذِّب المذكور في مخفر السوق وفي إدارة التوثيق والأمن. ففي المخفر، أُكره على شرب كميات ضخمة من الماء ثم ضُرب بقسوة على بطنه. كما صُعق بالكهرباء في إدارة التوثيق والأمن. ويبدو أنه كان يُشتبَه في أنه على علاقة بالمعارضة المسلحة.
محمد سيدي بابي، ضابط سابق بالجيش، اختُطف من كوسيري في الكاميرون في أبريل/نيسان 1986، على يد عملاء تشاديين أجبروه على العودة إلى ندجامينا.