Document - Chad: 'Are we citizens of this country?' : Civilians in Chad unprotected from Janjawid attacks (with amendment)

تشـاد: "هل نحن مواطنون في هذا البلد؟"

المدنيون في تشاد لا يحظون بالحماية من هجمات الجنجويد

[خريطة]

"كلما تعرَّضنا لهجوم كنا نتوسل إلى الجيش كي يهبَّ لنجدتنا. كان جنود الجيش على بعد كيلومترين منا لا أكثر، ولكنهم لم يأتوا أبداً. كانوا أحياناً يقولون لنا كلمات مجاملة من قبيل: "نحن معكم، وسنحميكم"، بيد أن الكلمات لا تكفي ... فنحن لا نُعتبر من مواطني البلد، ويريدوننا أن نموت".


"كانت أيدينا جميعاً مقيدة خلف ظهورنا. وجاء رجل يرتدي بزة رسمية خضراء وأطلق النار على الرجال واحداً تلو الآخر... في الرأس مباشرةً. لكن إحدى الرصاصات لم تنفجر، فما كان منه إلا أن هوى بعصاه على رأس الرجل وظل يضربه إلى أن حطَّمه ... لقد قتُلوا جميعاً. ومازلت أعاني من كوابيس ذلك المشهد."


"ثم أمسكوا بأختي غير الشقيقة التي لم يزد عمرها على 10سنوات ... وشاهدت اثنين منهم ينامون مع أختي، ثم انصرفوا. وعندما وصلنا إلى هناك، كانت تنـزف دماً، واستمر النـزيف طوال اليومين التاليين إلى أن فارقت الحياة".


"كان عدد كبير منهم يرتدي بزات رسمية سودانية، وكانوا يقاتلون مثل جيش، وليس كثلة من القرويين الحمقى. فمَن الذي علَّمهم القتال بتلك الطريقة؟... أظن أن ثمة جواباً واحداً عن هذا السؤال هو: الجيش السوداني هو الذي درَّبهم وزوَّدهم بالملابس والبنادق. ولهذا يظل الجنجويد يرددون أن هذه المعركة هي من أجل خلق سودان جديد."


مقدمـة

منازل تحترق، قرويون يُذبحون، نساء وفتيات يتعرضن للاغتصاب، وناجون يتبعثرون في حالة رعب. إن المدنيين في تشاد يشاطرون جيرانهم في دارفور قدَرهم القاسي، أي أنهم رهائن للحل السوداني الأهوج لمشكلة هجمات المتمردين في المنطقة. إن مليشيات الجنجويد، التي عملت على تخريب مساحات شاسعة من الأرض في غرب السودان، تشكل العمود الفقري للجماعات المسلحة التي تقوم بقتل وتعذيب وتهجير المدنيين الذين ينتمون إلى جماعات عرقية مستهدفة من قبيل الداجو والمساليت في شرق تشاد. ويبدو أن هدف الهجمات هو تطهير مناطق واسعة من الجماعات التي يعتبرها الجنجويد "أفريقية" وليست "عربية"، ودحرها بعيداً عن الحدود مع السودان.1

وفي دارفور تواصل الحكومة السودانية، منذ العام 2003، استخدام مليشيا الجنجويد العميلة لها، من أجل ترهيب المدنيين، الذين تتصور أنهم يشكلون القاعدة الداعمة لحركات المعارضة المسلحة، وقتلهم وتهجيرهم قسراً. كما تقوم الحكومة بتمويل وتسليح الجنجويد الذين اشتهروا بقسوتهم وفظائعهم. ويقوم الجنجويد، بالتنسيق مع الجيش وسلاح الجو السودانيين، بعمليات تستهدف جماعات عرقية معينة وتهاجمها بشكل متعمد لطردها من قراها. وتستمر هذه الهجمات بغض النظر عن وجود قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. والنتيجة هي أن هناك ما يربو على 2مليون شخص من النازحين داخلياً في دارفور، وأن 218,000من أهالي دارفور يعيشون حياة بائسة كلاجئين في مخيمات في شرق تشاد.

وتنشأ الآن دينامية مشابهة في شرق تشاد. فالجنجويد السودانيون وحلفاؤهم يرتكبون أعمال سلب وقتل ويفلتون من العقاب على ارتكابها. وثمة ما يربو على 90,000من الأشخاص النازحين داخلياً في مستوطنات بشرق تشاد، ومالا يقل عن 15,000شخص فروا من تشاد طلباً لأمان هش في مخيمات اللاجئين في دارفور. ففي زيارتين قام بهما مندوبو منظمة العفو الدولية إلى منطقة دار سيلا في مايو/أيار ونوفمبر/تشرين الثاني – ديسمبر/كانون الأول 2006، لاحظ المندوبون أنه تم تفريق جماعات عرقية مستهدفة نتيجة للهجمات المتكررة عبر الحدود التي وقعت منذ العام 2005. وقد ازدادت الهجمات مع تردي العلاقات بين تشاد والسودان وتصاعد نشاط جماعات المعارضة التشادية وازدياد وجود الجماعات الدارفورية المسلحة في تشاد. وأصبحت علاقات الوئام المعتادة بين الجماعات العرقية في هذا الجزء من تشاد تتسم بالاستقطاب الشديد الآن.

يوثِّق هذا التقرير الأدلة على عمليات القتل المتعمد التي تستهدف جماعات معينة، وجرائم الاغتصاب وغيرها من جرائم العنف ضد المرأة، وتدمير المنازل والممتلكات المدنية في تشاد. وقد ركزت أبحاث منظمة العفو الدولية على منطقة دار سيلا، ولكن القلق يساور المنظمة لأن مثل هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي، ارتُكبت كذلك في شتى أنحاء شرق تشاد. وتشير أبحاث المنظمة إلى أن أعمال القتل والاغتصاب والتهجير القسري قد نُفذت بشكل منهجي وواسع الانتشار. كما تشير إلى وقوع جرائم ضد الإنسانية، وفي بعض الحالات، شكَّلت تلك الأفعال جرائم حرب.

وفي مواجهة مثل تلك الفظائع التي اقتُرفت على أرضها، عجزت حكومة تشاد عن توفير الحماية للس

u1603?ان المدنيين من هجمات الجنجويد. وقد اعترف بعض المسؤولين بذلك لمنظمة العفو الدولية. ويبدو أن الحكومة مهتمة بالدفاع عن نفسها من هجمات جماعات المعارضة، التي تشن حرباً من أجل إسقاط حكم إدريس ديبي، أكثر من اهتمامها بحماية المدنيين. فالمطالب الملحة التي قدمتها السلطات المحلية بشأن نشر قوات حكومية لحماية المدنيين المعرَّضين للهجمات قوبلت بالرفض من جانب قادة الجيش، الذين كثيراً ما تكون قواتهم على مقربة من الأماكن التي تقع فيها تلك الهجمات.

لقد صادقت تشاد على جميع المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان تقريباً.2ويضمن دستورها وقوانينها المحلية الحقوق الإنسانية الأساسية، ومنها الحق في الحياة والصحة وسلامة الشخص. ويتعين على الحكومة أن تواجه بصورة عاجلة وملحة أزمة حقوق الإنسان في دار سيلا، وأن تفي بهذه الضمانات عن طريق نشر قوات لتوفير الحماية التي تعد بها.

وينبغي أن يلعب المجتمع الدولي دوراً حاسماً في هذا الشأن. إذ يجب أن يعمل مجلس الأمن مع حكومة تشاد من أجل حماية السكان المدنيين في شرق تشاد، بما في ذلك من خلال نشر قوة دولية على طول الحدود. كما يجب أن يكفل المجتمع الدولي قيام المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتُكبت في شرق تشاد.


.1الجنـاة

لقد شُنَّت أغلبية الهجمات على المدنيين في تشاد من قبل ائتلاف فضفاض يقوم على انتماء عرقي مشترك، ويتألف من مليشيا الجنجويد الدارفورية المدعومة من الحكومة السودانية والجماعات العرقية العربية التشادية المحلية. وكثيراً ما ينضم إلى هذا الائتلاف جماعات عرقية أفريقية تشادية من قبيل "الميمي" و"الوداي"، الذين يعيشون بين جماعة "الداجو" وغيرها من الجماعات المستهدفة بالهجوم. وعادةً ما يطلق الناجون على المهاجمين من هذا التحالف اسم الجنجويد. وتُستخدم كلمة "الجنجويد" في هذا التقرير للإشارة إلى هذا الائتلاف الفضفاض، مالم يتم تحديد خلاف ذلك.

في السنوات الأخيرة اندلع قتال في شرق تشاد بين الجيش التشادي والجماعات المسلحة المعارضة للحكومة التشادية. ويُذكر أن العديد من جماعات المعارضة المسلحة التشادية لها قواعد في السودان وتتلقى أسلحة من الحكومة السودانية. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2006، مثلاً، هاجمت جماعة تشادية مسلحة مدينة أبيشة في شرق البلاد واستولت عليها لمدة 24ساعة تقريباً. وقد أسفر النـزاع بين الجيش التشادي وجماعات المعارضة المسلحة عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. بيد أن هذا التقرير يركز على الأزمة السائدة التي تسببت بها عمليات التوغل التي يشنها الجنجويد في شرق تشاد. إن أزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية التي اتسمت بها الأوضاع في دارفور تتكرر في شرق تشاد. وكما هي الحال في دارفور، ترتكب مليشيا الجنجويد أبشع انتهاكات حقوق الإنسان ضد السكان المدنيين، وتفلت من العقاب على تلك الانتهاكات.


الجنجويد وحلفاؤهم

يبدو أن قوات الجنجويد السودانية التي تهاجم القرى في تشاد تضم مزيجاً من قوات أكثر رسمية وأخرى أقل تماسكاً. أما القوات الأكثر رسمية فهي غالباً ما تكون مندمجة في القوات شبه العسكرية السودانية، من قبيل قوات الدفاع الشعبي وحرس مخابرات الحدود، وتتلقى رواتب شهرية وأسلحة. وقد حصل باحثو منظمة العفو الدولية على بطاقات هوية، وُجدت على جثث أفراد الجنجويد الذين قُتلوا في تشاد، تُظهر عضويتهم في مثل تلك الجماعات شبه العسكرية. وأما القوات الأخرى الأقل رسمية، فهي قوات الجنجويد غير المندمجة في القوات الحكومية السودانية، ولكنها قد تظل منضوية تحت إمرة قائدها القبلي (العقيد)، أو يتم تسليحها ثم حشدها تحت إمرة قادة معروفين من الجنجويد في مناسبات معينة.

الجماعات العربية التشادية: يصعب التمييز بين الجنجويد التشاديين والجنجويد السودانيين بسبب العلافات الدائمة بين الأقارب على جانبي الحدود، ووجود العرب التشاديين في دارفور منذ فترة طويلة. ولا يسجل العرب التشاديون أسماءهم على الحدود السودانية، ويمكن بسهولة أن يُعتبروا سودانيين إلى حد أن طرق الهجرة التي يسلكونها تسمح لهم بقضاء فترات طويلة في غرب دارفور أو الذهاب شمالاً. ومن هنا فإن العلاقة بين العرب، ولاسيما عرب غرب دارفور، الذين ينتمي العديد منهم إلى أصول تشادية، وبين عرب دار سيلا، هي علاقة لا تنفصم عراها. إذ أن صلة القربى والروابط العرقية تشكل أساساً للتحالف. وسواء كانت القرى العربية في تشاد متحالفة مع الجنجويد أو ظلت مستقلة، فإنه لم يُعرف أن تعرضت أية قرية عربية لهجوم من قبل الجنجويد. وكما هي الحال في دارفور، فإن هجمات الجنجويد في تشاد تبدو بدوافع النهب والسلب، وتوسيع رقعة الأراضي والموارد التي تسيطر عليها، ووجود جماعات المعارضة المسلحة في دارفور التي ينظر إليها الجنجويد على أنها تشكل تهديداً لها. وكما هي الحال في دارفور أيضاً، فإنه يجري التلاعب بالنـزعة العنصرية واستخدامها كقوة تعبوية، كما تُستخدم العبارات العنصرية خلال معظم الهجمات.

إن جماعتي الوداي والميمي وغيرهما من الجماعات، التي يتحالف بعضها مع قوات الجنجويد وينضم إليها، تعتبر جميعاً من القادمين الجدد نسبياً إلى دار سيلا ودار مساليط، حيث وصل معظمها بعد المجاعة التي وقعت في العام 1984.3ويقال أن مثل هؤلاء القادمين الجدد الذين يشكلون جماعات أصغر وأضعف، يتحالفون مع الجنجويد سعياً لزيادة حصتهم خلال النـزاع. إن هذه الجماعات تمكنت من إنقاذ قراها والحصول على بعض المكاسب عن طريق السلب والنهب في الأجل القصير، ولكنها ربما تصبح مستهدفة في الأجل الطويل لكونها غير عربية ولأن أفراداً منها موجودون في منطقة "تيسي" جنوب دار سيلا.


القوات المناوئة للجنجويد

إن السكان المحليين، ومعظمهم من "الداجو" 4الذين عانوا أكثر من غيرهم من جراء الهجمات في دار سيلا، مسلحون بالرماح والأقواس والسهام. أما م06? يملك منهم البنادق فعددهم قليل جداً.

كما أن جماعتي المعارضة المسلحة السودانيتين في شرق تشاد، وهما جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، ترتبطان بصلات قربى مع الجماعات التشادية المستهدفة كالمساليط والداجو. وتنظر الحركات المسلحة والسكان المدنيون إلى النـزاع الراهن على أنه صراع بين الأفارقة والعرب. وفي هذا السياق يُنظر إلى الأفارقة على أنهم يدعمون جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن وجود المتمردين في المنطقة يشكل دافعاً لحكومة السودان لتطهير شرق تشاد من الناس الذين تعتبرهم من أنصار الجماعات المسلحة السودانية – أو يشكلون قاعدة محتملة لدعم تلك الجماعات. وإن عجز الحكومة التشادية عن حماية المدنيين في شرق تشاد يمكن أن يؤدي إلى زيادة العسكرة وانتشار الأسلحة في المنطقة، لأن الضحايا الذين لا يحظون بأية حماية، يحاولون أن يدافعوا عن أنفسهم.


.2عمليات القتل المتعمد والمستهدِف

في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2006، شهد مندوبو منظمة العفو الدولية تصاعداً في عدد الهجمات على السكان المدنيين في دار سيلا وفي وحشيتها. وذكر بعض الناجين أن مقاتلي الجنجويد أفصحوا عن نيتهم باستهداف جماعة "الداجو"، حيث كانوا يصرخون ويهددون قائلين "هاجموا العبيد"، و"اصطادوا النوبيين" [يقصدون الأفارقة، وهي كلمة يُراد بها الإساءة]، و"اقتلوهم وإقضوا عليهم"، و"سنطردكم من هنا، ولن نُبقي لكم على أي مكان تلجؤون إليه".

لقد تم استهداف "الداجو" وغيرهم من السكان الأفارقة في المنطقة دون غيرهم، فدفعوا ثمناً باهظاً.5وعلى طول الحدود السودانية إلى الجنوب من "أدري"، ما فتئت مليشيا الجنجويد تهاجم القرى وتدمرها وتطهر الأرض من الجماعات الأفريقية.

وسجَّلت منظمة العفو الدولية أسماء أكثر من 500شخص من المدنيين الذين قُتلوا في الفترة بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني 2006. وقد توفي معظم هؤلاء متأثرين بجراح نجمت عن عمليات إطلاق النار خلال الهجمات. وقُتل العديد منهم في كمائن نصبها الجنجويد في الحقول وعلى الطرقات خارج القرى. كما أُسر بعضهم، ثم أُعدموا بإجراءات موجزة. وكانت الأغلبية الساحقة منهم رجالاً تتراوح أعمارهم بين 20و 50عاماً، ذُكر أنهم قُتلوا أثناء محاولة الدفاع عن قراهم.

وفي بعض الحالات، تلقت القرى تحذيرات مسبقة بالهجوم، أحياناً قبل ساعة أو ساعتين من وقوعه. وقد أتاح ذلك بعض الوقت لإخلاء النساء والأطفال والمسنين. أما الذين مكثوا في القرى للدفاع عنها، فإنهم كانوا في معظم الحالات يُسحقون أمام المهاجمين الجنجويد، الذين كانوا مدججين بأسلحة متعددة الأنواع، منها الكلاشنكوف وبنادق M-14، بينما لم يكن سكان القرى يملكون إلا الأقواس والسهام والرماح والمناجل وعدد قليل جداً من الأسلحة النارية يدافعون بها عن أنفسهم.

فيما يلي رواية شاهدة عيان، وهي فتاة عمرها 14عاماً، تصف فيها عملية قتل بإجراءات موجزة راح ضحيتها 19رجلاً خارج قرية وريريكه في 11أكتوبر/تشرين الأول 2006:

"بينما كنت عائدة إلى القرية في منتصف النهار طاردني ثلاثة رجال يمتطون الجياد وأمسكوا بي. إنهالوا عليَّ ضرباً وربطوا يديَّ خلف ظهري بحبل، ووضعوا حبلاً آخر حول عنقي وأرغموني على الركض معهم. كما أسروا عمي وأوسعوه ضرباً حتى نزف رأسه دماً. وفعلوا به الشيء ذاته، ربطوا يديه خلف ظهره بحبل، ووضعوا حبلاً آخر حول عنقه. ثم اقتادونا باتجاه قرية وريريكه التابعة للوداي وجروُّنا إلى الحقول خارج القرية.

"كان هناك 19رجلاً، أيديهم مربوطة خلف ظهورهم. وكان هناك أيضا نحو 50رجلاً مسلحاً، ارتدى العديد منهم بزات رسمية خضراء اللون. بدأوا بشتمنا وإهانتنا، وسألونا عن أماكن اختباء الرجال، وقالوا إننا يجب أن نجيب عن أسئلتهم. قلنا إننا لا نعرف، فردوُّا بأنهم سيقتلوننا، وطلبوا منا أن نلفظ الشهادة قبل أن نموت. تناقشوا فيما بينهم حول ما ينبغي أن يفعلوا بنا، ثم قرروا أن يذهب أحدهم لمعرفة عدد الذين قُتلوا منهم في الهجوم على "هليلة" في ذلك اليوم.

"وعندما عاد الرجل الذي أرسلوه إلى هليلة، أخبرهم بأن عدداً كبيراً منهم قد قُتل، فقالوا إنهم سيقتلوننا. لقد حلَّ الظلام وكنا جميعاً ممدَّدين على الأرض بعد صلاة العشاء. كانت أيدينا لاتزال موثقة خلف ظهورنا عندما حضر رجل يرتدي بزة خضراء وأطلق الرصاص على الرجال واحداً تلو الآخر مصوِّباً على الرأس مباشرة. بيد أن إحدى الرصاصات لم تنفجر، فما كان منه إلا أن هوى على رأس الرجل بعصا وحطَّمه حتى لفظ أنفاسه. لقد قُتلوا جميعاً، ولا أزال أرى كوابيس تلك الحادثة حتى الآن، إنني أفكر فيها كثيراً. وبعد أن قتلوهم أمروني بالبقاء في مكاني في الوقت الذي شرعوا فيه بإلقاء الجثث بعيداً. فقد ربطوا الجثث بالجياد وجرُّوا بعضها خلفهم ليتخلصوا منها، وتركوا رجالاً لحراستي. وعندما عادوا أراد الرجل الذي قتل الآخرين أن يقتلني أيضاً، بيد أن أحدهم قال إنه لا يجوز أن يقتلوا امرأة، بينما قال آخر إنه سيأخذني معه للعمل في الحقل. ولكنهم في النهاية أطلقوا سراحي، فولَّيتُ عائدة إلى قرية مامادنغه".

ووصف شاهد عيان آخر عملية قتل وحشية لخمسة قرويين من كولوي في 17سبتمبر/أيلول 2006، عقب إحدى هجمات الجنجويد على القرية:

"قبض الجنجويد على خمسة أشخاص حاولوا الفرار. ربطوا أيديهم، ولفُّوا سلكاً حول رقابهم. ثم ربطوا الحبال المتدلية من رقابهم بالخيول وامتطوها وساقوها إلى الأمام وإلى الخلف، حيث جرُّوا أجسادهم لمدة 10 – 5دقائق. كان الدم ينـزف من أفواههم وأنوفهم، لقد جلدوهم بالسياط على رؤوسهم وأجسادهم، إلى أن غرقوا بدمائهم. لكن أولئك الأشخاص لم يتمكنوا من النجاة من ذلك التعذيب".

في بعض الحالات، كان الضحايا من صغار السن أو غير القادرين على الحركة يعلقون 01?ي أتون النيران التي تُضرم في الأكواخ ويلقون حتفهم فيها. وهذا ما حدث أثناء الهجوم على جورلو في 7نوفمبر/تشرين الثاني. فقد احترق يحي عمر، وهو رجل مشلول في السبعين من عمره، حتى مات داخل كوخه. كما توفي ثلاثة أطفال دون سن الرابعة عندما أُضرمت النار في الأكواخ التي كانوا ينامون فيها. وقالت خديجة مطر إن طفلها موسى مطر آدم، كان أحد أولئك الضحايا:

"عندما جاء الجنجويد، كان زوجي قد فرَّ، وبقيت وحدي مع أطفالي الستة. وقد تمكنتُ من تأمين خمسة منهم، وعدتُ للبحث عن الأخير، وعمره أربع سنوات، ولكنني وصلتُ متأخرة، فقد كان قد لقي حتفه في أتون النار، وتفحَّم جسده".

ووصف أبا بكر يوسف وفاة زوجته كلثوم محمد، التي أُحرق جسدها في كوخهم بعد إطلاق النار عليها في هجوم على كولوي في 11نوفمبر/تشرين الثاني:

"في يوم الهجوم، ذهبنا إلى الحقول في وقت مبكر، ثم عدنا لتناول الطعام. وعندما لاحظت زوجتي أننا نتعرض لهجوم قالت لي إنني يجب أن أختبئ لأنهم سيقتلونني، ولكنهم لن يصيبوها بأذى. حاولت أن اقنعها بالفرار، ولكنها رفضت، فذهبت واختبأت في مكان قريب. رأيت رجلين ببزات خضراء يدخلون منـزلي، وسمعتهما يصرخان ويأمرانها بالخروج. وعندما خرجت أطلقوا عليها النار من الخلف فسقطت على الأرض وأُرديت قتيلة. ثم جرُّوها من قدميها وأعادوها إلى المنـزل وأضرموا النار فيه. وعندما اصبح بمقدوري الاقتراب من المكان، كانت ألسنة اللهب تتصاعد بشدة فتركتها وذهبتُ. وعندما عدتُ للعثور على جثة زوجتي، لم أجد سوى عظامها".

وتحدث عبدالله خميس إلى منظمة العفو الدولية عن الجهود التي بذلها من أجل إنقاذ حياة شقيقه المسن، الذي أُحرق حياً خلال هجوم وقع على كولوي في 15نوفمبر/تشرين الثاني:

"كنت مشغولاً بالمساعدة في الدفاع عن القرية. كان شقيقي حسن بشير معوقاً في الثمانين من العمر، ولم يكن بمقدوره التحرك بمفرده. وأثناء الهجوم، جاء الجنجويد وانهالوا عليه ضرباً بالعصي إلى أن فقد الوعي، ثم ألقوا به في كوخ يحترق. كانت زوجتي موجودة في ذلك الوقت، فهرعت إليَّ كي تخبرني بما حدث، فعدنا معا مسرعيْن لإنقاذ حياة شقيقي. سحبتُ جثته من الكوخ المحترق، ولكنني كنت قد وصلتُ متأخراً".


.3الاغتصاب وغيره من أشكال العنف ضد المرأة

تمخَّض تفشي انعدام الأمن في مختلف أنحاء شرق تشاد عن عواقب وخيمة على النساء. فقد كانت النساء من بين القتلى الذين يذهبون ضحايا للهجمات. وكثيراً ما يتعرضن للاغتصاب والاختطاف والاسترقاق الجنسي أثناء هجمات الجنجويد. وتكون النساء عرضة للانتهاكات بوجه خاص عندما يبتعدن عن الأمان الهش في قراهن أو مستوطناتهن لغايات السفر أو العمل في الحقول أو جمع الحطب مثلاً. إن هذه الأفعال تعتبر أعمالاً حربية متعمدة تهدف إلى إذلال الجماعات التي تتعرض للهجوم وبث الخوف في صفوفها، وبالتالي منعها من مغادرة الملاجئ أو المستوطنات أو محاولة العودة إلى ديارها، وفي النهاية طردها قسراً من أرضها.6

لم تبذل الحكومة التشادية أي جهد للتحقيق في حجم العنف ضد المرأة أو توفير الخدمات الصحية والاجتماعية المناسبة للنساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب وغيره من ضروب العنف. كما عجزت الحكومة عن اتخاذ تدابير أمنية كافية تهدف إلى تقليص وتيرة مثل تلك الهجمات. وبالإضافة إلى الطبيعة العنيفة لهذه الهجمات، فقد أُصيب العديد من النساء بالصدمة النفسية. وتتفاقم أوضاع النساء بسبب الصعوبات المادية التي يواجهنها، ولاسيما النساء اللاتي قُتل أقرباؤهن الذكور في الهجمات، وتُركن في حالة بائسة للغاية في مجتمع تواجه فيه المرأة الوحيدة صعوبات هائلة في إعالة نفسها وأطفالها.


أثناء الهجمات على القرى

مع أن عدد الرجال الذين قُتلوا على أيدي الجنجويد أثناء الهجمات على القرى في شرق تشاد، كما في دارفور، أكبر من عدد النساء، فإن ثمة مؤشرات على أن حوادث العنف الجنسي ضد النساء في حالة تزايد. وقد قامت منظمة العفو الدولية بتوثيق عدد من حالات الاغتصاب وغيره من الانتهاكات ضد النساء أثناء الهجمات. ونظراً لوصمة العار المرتبطة بالاغتصاب، فإن معظم النساء اللاتي يتعرضن للاعتداءات الجنسية عادةً ما ينكرن وقوع تلك الاعتداءات. ويبدو أن إخلاء النساء والأطفال من القرى عندما يشتبه القرويون في وقوع هجوم وشيك قد ساهم في حماية بعض النساء من الفظائع المفرطة التي يرتكبها الجنجويد أثناء هجماتهم.

في 7أكتوبر/تشرين الأول 2006، اختُطفت سبع نساء أثناء هجوم على قرية جيميزي جارما. وقد قابلت منظمة العفو الدولية إحدى النساء التي كانت الصدمة بادية عليها، وأحجمت عن الكلام حول كل ما من شأنه أن يحدد هوية المعتدين عليها. وذكرت أنها اختُطفت مع أطفالها الثلاثة وست نساء أخريات مع أطفالهن أثناء الهجوم، واحتُجزوا مدة 20يوماً من قبل عشرة رجال كانوا يمتطون الجياد والجمال. وبعد أسْرهم، أُرغمت النساء والأطفال على السير على الأقدام مدة يومين أو ثلاثة أيام.

"تم فصل النساء قليلاً، وأجبَرنا الرجال على طهي الطعام وجلب الماء لهم وإطعام جمالهم وخيولهم. وكانوا يتجولون بيننا، ويضربوننا بسياطهم إذا عصينا أوامرهم. لقد قاسينا الأمرين، واعتقدتُ أنني سأُقتل. أنا نفسي لم أُستغل جنسياً، ولكن من الممكن أن يكونوا قد فعلوا ذلك بنساء أخريات، لكنني لم أشاهد ذلك بأم عيني. لم نتحدث عن ذلك الموضوع عندما هربنا، فهو من المواضيع المحرمة... لقد تحدثت بعض النساء عن الآلام التي يشعرن بها في جميع أنحاء أجسادهن، ولكن تلك الآلام قد تكون ناجمة عن الضرب. إذ كانوا يضربوننا بالسياط والعصي وبأي شيء يمكن استخدامه للضرب".

امرأة من بين مجموعة من سبع نساء تعرضن للاغتصاب خارج المسجد الذي كن قد لجأن إليه أثناء هجوم على قرية جورلو في 7نوفمبر/تشرين الثاني 2006، وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات معهن.

تعليق على صورة: "أيدي المرأة ال�578?ي شهد عمليات الاغتصاب، خارج المسجد في جورلو"، ص 1


"ذهبت النساء للاختباء في المسجد، ثم دخل المسجد رجل يرتدي بزة خضراء فشاهَدنا. كنا سبع نساء ومعنا أطفال. صرخ قائلاً إن ثمة آخرين هنا، وسمعناهم يناقشون ما ينبغي أن يفعلوه بنا. كما سمعناهم وهم يقررون أن يفتحوا النار على المسجد، ولذا قررنا الخروج منه. هربنا من الجهة الأمامية للمسجد... فأمسكوا بالنساء وألقوا بالأطفال أرضاً، ثم "استعملوا" النساء جنسياً. كنتُ في المسجد ورأيت ما حدث. رأيتهم ينـزعون الأطفال عن ظهور أمهاتهم ويلقون بهم أرضاً.

"تعرضت النساء للضرب وأُلقي بهن على الأرض. كان الرجال يمسكون برقابهن ويجلسون على أجسادهن كي لا يستطعن الحركة. نزعوا ملابسهن، ثم "استعملوهن" جنسياً. كان أكثر من رجل "يستعمل" امرأة واحدة. وكنت أسمع صراخ النساء طلباً للنجدة، ولكن لا حياة لمن تنادي. وإذا تمكنت امرأة من النهوض والهرب، كان يلحق بها رجل آخر ويمسكها ويعيدها، ثم "يستعملها" جنسياً...

"أمسك بي أحد الرجال وقذف بالطفل الذي كنت أحمله على الأرض، ثم ألقاني أرضاً وأمسك بخناقي. وقد آلمني ذلك كثيراً لأنني كنت أعاني من الغدة الدرقية، وانتفخت رقبتي منذ ذلك الوقت. وضع الرجل كل ثقله على جسمي فلم أستطع التحرك... بعد ذلك نزفت طوال ستة أيام. في النهاية وصلت تعزيزات من القرى المجاورة، ففرَّ المهاجمون. ولا أزال أرى ما حدث هناك عندما أخلد إلى النوم في الليل. هذا يحدث لنا جميعاً... ولكننا لا نستطيع الحديث عنه، إنه من المحرمات."

تعليق على صورة: "مسجد جورلو، الذي اغتُصبت النساء خارجه"، ص 2

وأضافت شاهدة أخرى على عمليات الاغتصاب في جورلو تقول:

"صوَّبوا المسدسات على رؤوس بعض النساء. كان ثلاثة منهم يهجمون على المرأة الواحدة: واحد يمسك بذراعيها، والآخر يمسك برجليها والثالث "يستعملها"جنسياً. كانوا يصرخون بعبارات من قبيل: أيها العبيد الداجو، سنطاردكم ونقتل أطفالكم، وستكون قريتكم مرعى لقطعاننا‘."

تعرضت النساء للتعذيب وإساءة المعاملة الجسدية أثناء الهجمات على القرى، كما تعرضن لعمليات الاختطاف، مثلما قالت لمنظمة العفو الدولية امرأة تعرضت للضرب أثناء هجوم على قرية يتاربورغا في 4نوفمبر/تشرين الثاني 2006:

"كنت في الحقول مع زوجي عندما سمعنا إطلاق نار. وعندما سمع زوجي العيارات النارية، هرع إلى القرية وطلب مني البقاء في مكاني. لكنني لحقت به بعد مغادرته بفترة قصيرة. رأيته ملقى على الأرض وهو مصاب، فهرعت إليه وألقيت بنفسي فوقه كي أحميه لأنه زوجي. فقال لي أحد المهاجمين: ’تريدين زوجك؟ لكنكم عبيدنا وسنقتلكم‘. بيد أن رجلاً آخر قال: ’ستمكثين معنا وستأتين معنا لخدمة زوجاتنا‘، ووضع سلكاً حول عنقي بينما ضربني الآخر على كليتي بعقب بندقيته، وضربني ثالث على كتفي. ثم حاولوا حملي على ظهر الجواد، ولكنني كنت ضعيفة للغاية – فقد كنت حاملاً في شهري الخامس – فسقطت على الأرض. تركوني هناك وقطعوا السلك وذهبوا".

وواجهت نساء عديدات القسوة والحرمان في محاولة إعالة أُسرهن بعد فقدان أقربائهن الذكور وطردهن قسراً من بيوتهن. ففي الهجوم على قرية جورلو في 7نوفمبر/تشرين الثاني 2006، مثلاً، قُتل 40رجلاً، خلَّفوا وراءهم 52أرملة و 166طفلاً بلا آباء.

فيما يلي وصف للتأثير الذي يُحدثه ترمُّل المرأة كما قدمته لمنظمة العفو الدولية مريوما مهات، التي قُتل زوجها، وهو يعمل إماماً، أثناء هجوم على قرية تماجور في 8نوفمبر/تشرين الثاني 2006:

"لدي ثمانية أطفال، وعلى كاهلي تقع المسؤولية الكاملة عنهم الآن. إن الجميع يقاسون الأمرين ولا يملكون شروى نقير. ولا يوجد أي شخص آخر يمكنه أن يتحمل المسؤولية عنا. فشقيق زوجي لديه عدة أطفال ولا يملك شيئاً. وبعد مرور أربعة أشهر وعشرة أيام [فترةالعدة] يمكن أن أحاول العثور على زوج، ولكن إذا لم أستطع العثور عليه، فإنني سأضطر للعمل كي أتمكن من إعالة أطفالي، حيث سأعمل لدى الآخرين في الحقول أو في العمل المنـزلي".


في مخيمات المهجَّرين

كما هي الحال في دارفور، تقع هجمات متكررة على النساء اللاتي يغامرن بالخروج من المواقع التي هُجِّر إليها الناس قسراً من قراهم وتجمعوا طلباً للسلامة، أو قدمت لهم جماعة أخرى ملجأً. إن حالة انعدام القانون وانعدام الحماية للمدنيين في شرق تشاد جعلت اغتصاب النساء المهجرات اللاتي يعملن في الحقول أو يقمن بجمع الحطب أو جلب الماء أمراً شائعاً.

وفي الهجمات على القرى يتم إحراق المقتنيات ومخازن الطعام أو نهبها، فتُترك العائلات بلا طعام ولا أي وسيلة للعيش. ويُرغم المهجرون على مغادرة منازلهم بالقليل من المقتنيات. وتتحمل النساء وزر إعالة أُسرهن، إما عن طريق البحث عن الحطب لبيعه أو استخدامه، أو القيام بعمل مدفوع الأجر في الحقول. ولا تزال الحكومة التشادية والمجتمع الدولي يخيبان آمال الأشخاص المهجرين داخلياً الذين يعيشون في مستوطنات غير رسمية، وذلك بعدم توفير المساعدات الغذائية الإنسانية لهم. وحتى بالنسبة لأولئك الذين انتقلوا إلى مواقع للمهجرين معترف بها رسمياً، من قبيل موقع حبيلة خارج كوكو أنغرانا وموقع غوروكون خارج غوز بيدا، فإن المساعدات الغذائية غير متكررة وغير منتظمة. وتقع على كواهل النساء مهمة إيجاد الوسيلة لإطعام أُسرهن وإعالتها، وهذا يعني مغادرة المستوطنات في الصباح الباكر والعودة إليها في وقت متأخر من فترة بعد الظهر. ولأحكام الضرورة تخاطر النساء بالابتعاد عن المستوطنات المؤقتة، حيث يتعرضن لحوادث عنف متكررة على أيدي أولئك الذين طردوهن من قراهن.

في كل موقع للمهجرين زاره مندوبو منظمة العفو الدولية، تحدث الرجال والنساء عن تكرر الهجمات على النساء عندما يغامرن في الخروج من مواقع التهجير. ومع أنهن عادةً ما يتحدثن عن تعرضهن للضرب، فإن العديد من النساء أشرن إلى أنه يتعذر على النساء أن يعترفن بأنهن تعرضن للاغتصاب خوفاً من ردود الفعل الاجتماعية. كما أكدن بشكل خاص على أن وصمة العار التي تُلصق بالفتيات غير المتزوجات أشد من تلك التي تُلصق بغيرهن من النساء. وقد جمعت منظمة العفو الدولية شهادات عديدة لشهود عيان حول العنف الجنسي، تؤيد روايات أخرى منقولة تشير بقوة إلى أن العديد من حوادث الضرب تضمنت أشكالاً من العنف الجنسي كذلك.

فقد وصفت امرأة من كولوي كيف اغتُصبت خارج مخيم للمهجرين يُدعى غوروكون:

"عندما وصلنا إلى غوز بيدا في مخيم غوروكون، قدمت لنا وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين خياماً وثلاث كورو [حوالي ستة ليترات من الحبوب] لكل شخص، بمن فيهم الأطفال. كان ذلك في مارس/آذار 2006، ولمرة واحدة فقط، إذ لم نتلق أي شيء نأكله بعد ذلك. ولذا كان يتعين على النساء الذهاب للبحث عن الحطب [على بعد حوالي 10كيلومترات من المخيم] كي يبعنه في السوق. كنت أذهب وأنا أحمل طفلتي الصغرى على ظهري [كان عمرها خمسة أشهر في نوفمبر/تشرين الثاني 2006]. وفي 20رمضان من هذا العام [13أكتوبر/تشرين الأول 2006]، وبينما كنت أبحث عن الحطب مع امرأتين أخريين، صادفنا خمسة رجال مسلحين، ثلاثة منهم يرتدون ملابس بيضاء اللون واثنان يرتديان البزة الخضراء. سألونا من أين نحن، فأجبنا بأننا من غوز بيدا. ثم كرروا السؤال، وأضافوا سؤالاً آخر عما إذا كنا من المهجرين أو اللاجئين. وعندما قلنا إننا من المهجرين، قالوا إننا الأشخاص الذين كانوا يبحثون عنهم، وأضافوا: "تعتقدون أنكم تستطيعون الاختباء في غوز بيدا، ولكن لا يوجد مفتاح يغلق عليكم الأبواب ويوفر لكم الحماية – إننا لا نريدكم أن تمكثوا هناك". وبدأو بضربنا وأخذوا غطاء الرأس والحذاء من كل منا. ثم أمسكوا بي واقتادوني بعيداً عن المرأتين المسنتين اللتين كنت بصحبتهما، فتمكنتا من الفرار.

"أخذوا طفلتي مني وألقوا بها أرضاً، ثم اغتصبني اثنان منهم. وبعد ذلك غادروا المكان، فحملت طفلتي وقفلت عائدة إلى المخيم. لم أخبر أحداً بما حدث لي، فإذا عرف الآخرون، فإنني سأواجه مشاكل مع زوجي، إذ أنني لا أعلم كيف سيتصرف زوجي لو أنه عرف بالأمر. فالرجال مختلفون، وبعضهم يستشيط غضباً من المرأة. لقد قاسيت من آلام في سائر أنحاء جسدي، ولكنني الآن أشعر بتحسن".

ووصفت فتاة أخرى عمليات اغتصاب نساء مهجرات ممن ذهبن مع عائلاتهن إلى كولوي بحثاً عن مكان آمن بعد أن تعرضت قريتهم لهجوم في مارس/آذار 2006:

"لقد تعرضت كولوي نفسها للهجوم عدة مرات. وعندما كنا هناك، ولأننا لم نكن نملك شروى نقير، فقد كنا مضطرات للخروج بحثاً عن الحطب. وكثيراً ما كنا نصادف رجالاً يرتدون الجلابيات أو البزات الخضراء، وكانوا يضربوننا ويشتموننا. وذات مرة قابلنا نساء عربيات، فبدأن بالصراخ والرقص، فشعرنا بالخوف ولُذنا بالفرار. وذات يوم بعد انتهاء رمضان، كنت مع اثنتين من بنات عمي نبحث عن حطب، عندما صادفنا خمسة رجال يمتطون الجياد ويرتدون البزات الخضراء. فولَّينا هاربات، ولكنهم لحقوا بنا. سمعتهم يقولون إنني صغيرة جداً. أنا أصغر من ابنتيْ عمي بسنة أو اثنتين، ولكنهم أخذوهما. وقالوا أيضاً: "أنتم النوبيون لا تستطيعون أن تفعلوا شيئاً. نحن نملك القوة وسنطردكم من الأرض. اقتادوا ابنتي عمي إلى الغابة. عدتُ إلى كولوي، ولكنهما لم تعودا إلا في صبيحة اليوم التالي. كانت ملابسهما ملطخة بالدم، ولكنهما كانتا خائفتين من التحدث إلى الآخرين عما حدث لهما لأنه كان عاراً كبيرا. كنت أعرف أنهما تعرضتا للاغتصاب، وأن والدتيهما اعتنيتا بهما وقامتا بغسلهما بالماء الساخن المغلي بلحاء الشجر".

إن النساء المهجرات داخلياً اللاتي يعشن في مخيمات رسمية لا يستطعن الحصول على خدمات طبية مناسبة بعد وقوعهن ضحايا للعنف الجنسي.7وبالإضافة إلى المحرمات المتعلقة بالإفصاح عن مثل تلك الاعتداءات، فإن المخاطر الصحية على النساء تزداد مع تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية عن طريق عملية إخاطة شفرتي الفرج8التي تُمارس على البنات في سن 10-7سنوات وبلا استثناء تقريباً في منطقة دار سيلا. وهذه الممارسة الشائعة تؤدي إلى زيادة حدة الجراح التي تصاب بها الفتاة من جراء الاغتصاب. وتتعرض الفتيات والنساء الشابات اللواتي لم ينجبن بعد لخطر أكبر نتيجةً لإعادة فتح الجروح وفقدان الدم الغزير. وقد أُصيبت بعض الناجيات من الاغتصاب في دارفور بمرض الناسور، ومن المرجح أن يكون هناك العديد من مثل الحالات المؤلمة غير المسجلة في تشاد.

ووصفت امرأة مهجرة في مخيم غوروكون للمهجرين عملية اغتصاب طفلة في العاشرة من العمر ووفاتها على الطريق إلى مودينا في مارس/آذار 2006:

"غادرنا القرية وذهبنا إلى كولوي، آملين في الحصول على الأمان هناك. وفي مارس/آذار قررنا أن نحاول العودة إلى القرية لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا إحضار مقتنياتنا. كنا عشر نساء يسرن في طابور من كولوي إلى مودينا، وقد استغرقت الرحلة خمس ساعات. وبعد مسير نحو ثلاث ساعات على الطريق، صادفنا ستة رجال على ظهور الجمال، يرتدون بزات خضراء ويمتشقون السلاح. ضربونا وقالوا لنا: "لن تمكثوا هنا أيها السود. سنقضي عليكم جميعاً؛ ثم أمسكوا بأختي غير الشقيقة، التي لم يزد عمرها على 10سنوات. فهربنا وانتظرنا على مقربة منهم. لقد اغتصب اثنان منهم أختي غير الشقيقة، ثم رحلا. وعندما وصلنا إليها، كانت مصابة بأذى بالغ ودمها ينـزف. وظلت تنـزف على مدى اليومين التاليين، إلى أن فاضت روحها. بعد ذلك فوراً ذهبنا إلى غوز بيدا."

وفي دوغ دوريه روتْ زوجة زعيم قرية، تعرضت للاعتداء وهُجرت، تفاصيل الاعتداء الذي تعرضت له في أواسط نوفمبر/تشرين الثاني 2006:

"قبل أسبوعين ذهبت لجمع البندورة من حقل زوجي، الذي كان مضطراً لجلب القش لإصلاح بيتنا، وقال لي إنه سيأتي معي في اليوم التالي. ولكنني قلت له إنني سأذهب لوحدي. غادرت المنـزل صباحاً وقضيت نصف اليوم في الحقل، عندما جاء رجل على ظهر جمل. سألني عما كنت أفعل، فأجبته 6?أنني أقطف محصول البندورة. قال لي إنه يريد بعض البندورة، فوافقتُ على بيعه بعضها. ترجَّل عن ظهر الجمل الذي ناخ على ركبتيه، ثم طلب مني أن أذهب إليه، فرفضت. ولكنه طلب مني مرة أخرى أن أذهب إليه، فرفضت مرة أخرى وقلت له إنه هنا لشراء البندورة. فقال إنه غير مهتم بالبندورة وإنما يريد أن يضاجعني. رفضتُ وقلت له إن بإمكانه أن يقتلني إذا شاء، ولكنني لن أتحرك خطوة واحدة. اتَّجه نحوي وضربني بعصا على رقبتي وذراعي، فسقطت على الأرض، وطلب مني أن أجلس. وعندما جلست، ركلني على خدي، فسقطت مرة أخرى. طلب مني الجلوس مرة أخرى وركلني على خدي الآخر، فسقطت مرة أخرى. ركلني وضربني بعقب بندقيته وبالعصا، ثم رحل. وأثناء ضربه لي كان ينعتني بالكلبة، ويقول: سنرى. كان يرتدي بزة خضراء وعمامة بيضاء. أظن أنه كان عربياً من السكان المحليين.يمكنني التعرف عليه إذا رأيته ثانيةً. لم أستطع النهوض وبقيت ملقاة على الأرض. ولحسن حظي أن امرأة مرَّت من هناك ومعها حمار، فوضعتني على ظهره وعادت بي إلى المنـزل. مكثتُ في فراش المرض مدة 10أيام. كنت حاملاً في الشهر الرابع عندما تعرضت للضرب، ولم أحسَّ بالجنين يتحرك في أحشائي منذ ذلك اليوم، ولذلك أشعر بالقلق. ذراعي مازالت تؤلمني وكذلك كتفي".

ووصفت امرأة شابة تعيش في أحد مخيمات المهجرين خارج قرية مريانا كيف أصبح الاغتصاب أمراً شائعاً، والحديث عنه أمراً صعباً:

"عدت أول أمس إلى الحقول مع والدتي وطفليَّ. استغرقت الرحلة نحو ساعتين ونصف سيراً على الأقدام. وأثناء وجودنا في الحقل، رأينا عن بُعد خمسة رجال يمتطون الجياد، فهربت واختبأت بين الأعشاب الطويلة. أمسكوا بوالدتي وضربوها... لقد سمعت أن الفتيات الصغيرات والنساء يتعرضن للاغتصاب، لكن أحداً لا يتحدث عن الموضوع مباشرة لأنه يشكل وصمة عار كبرى على جبين النساء، ولا سيما الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد. لقد كانت آخر مرة سمعت فيها نساء يتحدثن عن هذا الأمر، تتعلق بهجوم وقع قبل أسبوعين وبأن فتاتين صغيرتين تعرضتا للاغتصاب. ومن المستحيل على المرأة أن تطلب المساعدة من أحد لأنها لا تستطيع أن تعترف باغتصابها. بيد أن الإناث من الأقارب يقدمن لهن المساعدة، فيقمن بغسلها بالماء الساخن أو إعطائها أدوية تقليدية، وهي عبارة عن لحاء الشجر المغلي. وسمعت أن المهاجمين يحذرون النساء من إخبار أزواجهن، ويقولون لهن إنهم، عندما يرونهن في المرة القادمة، سيضربوهن للتحقق مما إذا كن َّقد أبلغن أزواجهن أم لا."


.4التدمير والتهجير

يبدو أن عمليات هدم القرى وتدمير المحاصيل الغذائية تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها، كي يتمكن الجنجويد وحلفاؤهم من السيطرة على الأراضي التي يتم إخلاؤها. ويصارع الأشخاص الذين يهجِّرونهم من أجل البقاء، ويُمنعون من العودة إلى ديارهم على أيدي دوريات المسلحين.

لقد تم تدمير قرى بأكملها وأجزاء كبيرة من القرى والمنازل في هجمات شنها الجنجويد وحلفاؤهم. وقال العديد من القرويين أن المقاتلين الجنجويد يستخدمون أسلحة حارقة، حيث تشتعل الأكواخ بألسنة اللهب عندما يطلقون عليها النار. كما تم إحراق أو نهب المواشي والمقتنيات المنـزلية ومؤن الذرة والفول وغيرها من المواد الغذائية. وغالباً ما أُضرمت النار بالحقول المحيطة بالقرى، مما أسفر عن إتلاف المحاصيل وهي ناضجة للقطاف.

قامت منظمة العفو الدولية بزيارة إلى قرية جورلو المهجورة تماماً الآن. وقد أُحرق جزء كبير منها خلال هجوم وقع عليها في 7نوفمبر/تشرين الثاني 2006. ويعيش القرويون في الوقت الحاضر في ظروف محفوفة بالخطر في موقع غير رسمي بالقرب من مهبط مطار خارج غوز بيدا. لقد أخذوا بعض المقتنيات عندما فرُّوا، ولكن الكثير منها دُمر أثناء الهجوم، أو تركوه خلفهم في لجة الرعب التي تجتاحهم عند الفرار، أو نُهب منذ ذلك الوقت.

وكما هي الحال في دارفور، فإن هجمات الجنجويد في شرق تشاد، عادةً ما تكون مصحوبة بأعمال السرقة المنهجية للماشية كالأبقار والماعز والخيول والحمير والأغنام. كما أن أعداد الحيوانات المسروقة كبيرة، تصل أحياناً إلى قطيع القرية بأكمله. فقد قدَّر خميس صالح، زعيم قرية خشخاشه، أن قريته خسرت 30جواداً و 5000عنـزة و 2000حمار في الهجوم الذي تعرضت له في 10أكتوبر/تشرين الأول 2006. كما قدَّر إبراهيم عبدالله أحمد، زعيم قرية دبكار، أن 1,300رأس بقر و 3,500من الماعز و 170حماراً و 50جواداً قد سُرقت في هجوم على قريته في اليوم نفسه. إن مثل هذه الخسائر تعتبر هائلة بالنسبة للقرى الصغيرة، لأن الماشية تعتبر جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، بما في ذلك استخدامها كوسائط نقل وكمورد للغذاء.

إن التأثير المركَّب لعمليات هدم المنازل وإحراق الحقول ونهب المقتنيات وفقدان المؤن والماشية من شأنه أن يترك القرويين بلا أية وسائل للبقاء. وإن الهجمات على الممتلكات المدنية، بما فيها التدمير المتعسف للمتلكات الذي لا تبرره الضرورات العسكرية المطلقة، وإتلاف المحاصيل وإبادة المواشي، التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة، هي جميعاً ممارسات محظورة بموجب القانون الدولي وتصل إلى حد جرائم الحرب9. كما أن القانون الإنساني الدولي يحظر أعمال النهب ويعتبرها جريمة حرب10.

إن الجماعات العرقية المستهدفة، من قبيل الداجو والمورو، تُطرد من منازلها وأراضيها قسراً. وتؤدي كل جولة جديدة من الهجمات إلى تهجير عدة آلاف أخرى من البشر. إذ يُقدر عدد التشاديين الذين هُجروا نتيجة للهجمات على مدار العام الماضي بنحو 90,000شخص، هُجر 20,000منهم أثناء الهجمات التي وقعت في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2006.

كما تم تهجير العديد من الناس مرتين أو ثلاث مرات، حيث ظلوا مجبرين على الفرار من وجه هجمات جديدة. ففي محيط قرية كولوي، مثلاً، هوجمت قرى صغيرة نائية، وفرَّ سكانها إلى القرى المجاورة في أواخر العام 2005ومطلع العام 2006. وعندما هوجمت هذه القرى بدورها في أكتوبر/تشرين الأول، فرَّ الناس إلى قرية كولوي الرئيسية طلباً للأمان. وعندما هوجمت كولوي في أبريل/نيسان وفي الأسبوعين الأولين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني اضطروا إلى الفرار مرة ثالثة.

وقد وصف إسحق محمد لمنظمة العفو الدولية كيف فرّ من قريته جيديد عندما هوجمت في فبراير/شباط 2006. فقد ذهب إلى دماره جنوب كولوي، وفرَّ مرة أخرى عندما هوجمت القرية في مارس/آذار. وفي ذلك الوقت ذهب مع عائلته إلى قرية كولوي وعاش فيها مع عدة آلاف من الأشخاص المهجرين من القرى المحيطة بالمنطقة. وظل في كولوي أثناء الهجمات الأولى على القرية في مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، ولكنه اضطر إلى الفرار عقب اعتداء هائل قام به الجنجويد في 15نوفمبر/تشرين الثاني. وهو يعيش الآن مع زوجته وأطفاله السبعة في مخيم للأشخاص المهجرين خارج قرية آده.

إن التهديدات التي يتلقاها القرويون الذين يحاولون العودة إلى منازلهم تُظهر النوايا الواضحة لمنعهم من العودة إلى أراضيهم. فالقرويون الذين حاولوا العودة إلى قراهم، حتى ولو بهدف التأكد مما إذا تبقى لهم شيء من المحاصيل، غالباً ما قوبلوا بالتهديد أو الاعتداء. ففي 21نوفمبر/تشرين الثاني2006، عاد أطفال آدم قمار العشرة إلى حقلهم خارج قرية متابونو بالقرب من كولوي. وعلى الفور تحرشت بهم مجموعة من الجنجويد مؤلفة أساساً من جماعتي ميمي ووداي المحليتين. وقد تعرضت فاطمة داود، إبنة آدم قمار البالغة من العمر 17عاماً، للضرب ولكنها تمكنت من الهرب مع أشقائها وشقيقاتها. بيد أنهم لم يتمكنوا من قطاف محاصيلهم.

إن التشاديين المهجرين داخلياً يعيشون في ظروف صعبة وخطرة وقاسية للغاية. وإن المخيمات المعترف بها رسمياً، من قبيل مخيم حبيلة خارج كوكو أنغرانا، ومخيم غوروكون خارج غوز بيدا، تقع بالقرب من مخيمات اللاجئين القادمين من دارفور. بيد أن العديد من التشاديين المهجرين استقروا في مواقع اختاروها بأنفسهم، وذلك لخشيتهم من أن كبر حجم المستوطنات وقربها من المراكز السكانية سيؤدي إلى نشوء مشاكل اجتماعية.

فالقرويون الذين فروا من جورلو، على سبيل المثال، استقروا في موقع على بُعد 45كيلومتراً إلى الشمال، خارج قرية غوز بيدا، ورفضوا طلب الأمم المتحدة والحكومة منهم الانتقال إلى غوروكون، وهو مركز المهجرين الرسمي في المنطقة. ونظراً لأنهم جاءوا من قرية صغيرة ومعزولة نسبياً، فإنهم يشعرون بالقلق من أن العيش في غوروكون ربما يعرِّض أطفالهم لتأثيرات غير مستحبَّة، ويجعل من الصعب عليهم المحافظة على الحياة الريفية التي اعتادوا عليها. ولكنهم أُبلغوا بأنهم لا يستطيعون الحصول على مساعدات غذائية من الأمم المتحدة إلا إذا انتقلوا إلى موقع أكبر. وقد عادت مجموعات من الرجال إلى جورلو كي يروا ما إذا كان بإمكانهم استعادة أية محاصيل أو أغذية، وذلك على الرغم من الأخطار التي تشكلها دوريات مقاتلي الجنجويد عليهم. ففي 19نوفمبر/تشرين الثاني 2006، عاد عدي حسن مع خمسة شبان آخرين، ولكنهم رُدوا على أعقابهم بنيران مسلحين مختبئين بين الأشجار.

وقد قال معظم الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية من التشاديين المهجرين إن لديهم شاغليْن أساسيين: الغذاء والأمن.


.5فشل الدولة في توفيـر الحماية

في كل مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية مع الناجين من الهجمات الأخيرة التي وقعت في منطقة دار سيلا في شرق تشاد، كان الشعور السائد هو أنه تم التخلي عنهم وحرمانهم من الحقوق الأساسية. ولدى أفراد جماعة داجو العرقية بشكل خاص شعور غامر بأن الحكومة التشادية غير مهتمة بحمايتهم من موجة الهجمات التي عصفت بالمنطقة على مدى العام 2006، ويبدو أنها مرشحة للاستمرار. وفي وقت انعدم فيه الأمن بشكل مفرط وواجهوا فيه هجمات متصاعدة، فقد دأبوا على دعوة السلطات المحلية والجيش إلى توفير الحماية لهم. ومرت الأيام، ولكن الحماية لم تتوفر.

تعليق على صورة – "أطلال جورلو المحروقة "، ص2

ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن فشل الدولة في مجرد محاولة توفير الحد الأدنى من الأمن لسكان منطقة دار سيلا هو ذو طبيعة منهجية ومتسقة، بحيث يمكن أن يشير إلى سياسة متعمدة من جانب حكومة تشاد، التي تبدو معنية فقط بالدفاع عن نفسها ضد جماعات المعارضة المسلحة. وقد تُرك المدنيون في المنطقة ليتدبروا أمر الدفاع عن أنفسهم بمفردهم. وفي مواجهة الأسلحة الفتاكة التي يمتلكها الجنجويد وحلفاؤهم، كان على القرى، واحدة بعد أخرى، أن تدافع عن نفسها بما تملكه من أسلحة تقليدية.

إن هذا النمط يثير القلق ويشكل انتهاكاً واضحاً للالتزامات الدولية للحكومة التشادية المتعلقة بحماية شعبها من انتهاكات حقوق الإنسان، من قبيل تلك الانتهاكات المنظمة والمتفشية التي اقترفها الجنجويد وحلفاؤهم على مدى أكثر من عام.11ويظهر الفشل على ثلاثة مستويات حاسمة: الردع والاستجابة والعواقب.

ليس ثمة من دليل على أن السلطات التشادية بذلت جهوداً فعالة لتعزيز الأمن في القرى التي تعرضت للهجوم وما حولها. فالجنود متمركزون في المدن الرئيسية في المنطقة فقط، ولا يبدو أنهم ينشرون دوريات منتظمة أو يرسلون بعثات إلى المناطق المعرضة للخطر. إن وجوداً عسكرياً منتظماً في المنطقة من شأنه أن يردع بعض الهجمات بالتأكيد. وإن الحكومة التشادية، بتركيزها بدلاً من ذلك على التهديد الذي تمثله الجماعات التشادية المتمردة على بقائها في السلطة، إنما فشلت في الوفاء بالتزامها بضمان حماية سكان شرق البلاد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.12

ولعل القرار الأخير الذي اتخذته للسلطات التشادية بإرسال قوة رمزية مؤلفة من 120جندياً لمساعدة حكومة جارتها جمهورية أفريقيا الوسطى في محاربة الأنشطة المتزايدة للمتمردين في ذلك البلد13يؤكد هذا القلق. كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن حماية المدنيين في شرق تشاد تحتل أولوية دنيا في سلم أولويات الحكومة. إن منظمة العفو الدولية تقر بأن من حق الحكومة ومن واجبها أن تتخذ الخطوات اللازمة لدرء هجمات الجماعات المتمردة أو الرد عليها، بيد أنها يجب أن تعتمد استراتيجية تكفل تلبية احتياجات الحماية للمواطنين التشاديين في جميع أنحاء البلاد.

كما أن الجيش التشادي لم يستجب للمطالب الملحة لسكان القرى عندما تعرضوا للهجوم. وقد جمعت منظمة العفو الدولية أدلة مهمة على الجهود التي بذلها القرويون لإرسال رسائل إلى السلطات المحلية حول الهجمات التي كانت تقع، مصحوبةً بالتماسات تطالب بنشر الجنود. وفي بعض الأحيان كان ينقل الرسالة مبعوث ترسله القرية إلى أقرب مدينة فيها مسؤولون حكوميون. وفي أحيان أخرى كانت تُرسل مباشرة عبر الهواتف الخليوية. ولكن الجيش لم يتخذ أي إجراء في أي من تلك الحالات. وكانت القرى تُترك لمصيرها في مواجهة الجنجويد، وغالباً ما تكون العواقب مدمرة.

قال إمام كولوي أباكار رمضان، الذي يعيش حالياً في مخيم للمهجرين خارج آده، لمنظمة العفو الدولية:

"كلما تعرضنا لهجوم، كنا نتوسل إلى الجيش كي يأتي لمساعدتنا. فقد كان على بعد كيلومترين لا أكثر. ولكنه لم يأت. وفي بعض الأوقات كان جنود الجيش يتفوهون بكلمات معسولة ويقولون لنا: "نحن معكم، وسوف نحميكم". ولكن الكلمات وحدها لا تكفي، فعندما كنا نتعرض للهجمات، لم يكونوا هناك معنا. ثم حدث الأسوأ عندما هوجمنا في 15نوفمبر/تشرين الثاني [2006]. حاولنا مرة أخرى، ولكن الجنجويد واصلوا ذبحنا في القرية، ووقف الجيش بعيداً. لا قيمة لنا في هذه البلاد. فنحن لا نُعتبر مواطنين فيها. يريدوننا أن نموت."

إن مليشيا الجنجويد تعي تماماً أن السلطات التشادية لا تحرك ساكناً لحماية القرويين في المنطقة. فمن بين الإهانات التي توجه إلى السكان عبارات السخرية، من قبيل: "لماذا لا يوجد أحد هنا لحمايتكم؟" ومن المعقول الافتراض أن التقاعس من جانب السلطات التشادية من شأنه أن يؤجج الهجمات. إن الجنجويد يعرفون، بكل بساطة، أنهم لن يواجهوا سوى الأقواس والسهام والرماح والمناجل. ويغيرون على القرى وهم واثقون بأن الجيش التشادي لن يكون موجوداً، بحيث يمكن رؤيته.

كما فشلت السلطات في بذل أي جهد لتوفير الأمن للتشاديين المهجرين، سواء في المواقع الرسمية أو المنظمة أو العفوية كتلك الموجودة خارج غوز بيدا، حيث استقر المهجرون من جورلو، وفي آده، حيث تعيش مجموعة مهجرة من كولوي. إن التشاديين المهجرين داخلياً عرضة للانتهاكات المستمرة، ومنها الاغتصاب، ويعتبر الأمن قلقهم المفهوم وشغلهم الشاغل. بيد أن قوات الدرك التشادية توفر الحد الأدنى من الأمن في المخيمات الواقعة في دار سيلا، التي تؤوي اللاجئين القادمين من دارفور؛ إذ يتمركز 15رجل درك في كل مخيم، تغطي المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تكاليفهم. بيد أنه لا وجود لمثل هذه الترتيبات للتشاديين المهجرين، ولا يتمركز أفراد الدرك في مخيماتهم. وقال مقيمون في تلك المواقع لمنظمة العفو الدولية إنهم نادراً ما شاهدوا دركياً أو جندياً، هذا إذا شاهدوه على وجه الإطلاق.

كما قال العديد من القرويين المهجرين لمنظمة العفو الدولية إنهم طلبوا الحماية من أفراد الدرك أو الجنود كي يتمكنوا من العودة إلى قراهم لتفقُّد محاصيلهم وفحص الأضرار التي لحقت بهم. ولكن التماساتهم ذهبت أدراج الرياح مرة أخرى. وقد أُجريت مقابلة مع صالح محمد، وهو أحد المسنين من قرية تماجور، في موقع للمهجرين خارج غوز بيدا، قال فيها:

"إننا لا نملك شيئا، ولا يوجد طعام هنا في قريتنا. كنا سنبدأ موسم الحصاد الآن. ولذا، لم يكن أمامنا خيار، فاضطررنا إلى إرسال بعض الرجال إلى القرية يوم أمس للتحقق مما إذا كانت حقولنا قد أُحرقت أم لا، ومما إذا تبقى لنا ما يمكننا حصاده. فذهبت مجموعة مؤلفة من 50رجلاً. كنا نعلم أن الأمر قد يكون في غاية الخطورة وأن مقاتلي الجنجويد ربما يكونون في المنطقة. طلبنا من الدرك أن يرسلوا معنا بعض الحراسات، ولكنهم ردوا بأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا ذلك. ثم طلبنا منهم أن يزودونا بأربعة بنادق كلاشنكوف للدفاع عن أنفسنا، فهذه هي البنادق نفسها التي يستخدمها الجنجويد، ولكنهم قالوا لا مرة أخرى. بيد أن رجالنا ذهبوا إلى هناك على أية حال، كانوا مضطرين إلى ذلك، ولم نسمع بعد أية أخبار عنهم، هل هم بخير أم لا".


.6تورط السودان في عمليات التسليح والتدريب

يرتبط تصاعد أزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية ارتباطاً وثيقاً باستمرار النـزاع والانتهاكات الهائلة لحقوق الإنسان في دارفور. فمنذ يونيو/حزيران 2006، ما انفكت منظمة العفو الدولية تصدر تقارير حول قيام الحكومة السودانية، التي تقدم الدعم لمليشيا الجنجويد في دارفور، بدعم هجمات الجنجويد في شرق تشاد. وقد شمل ذلك عدم نشر دوريات على الحدود بين السودان وتشاد، الأمر الذي سمح للجنجويد باجتياز الحدود بلا أية عراقيل. وقد دعت منظمة العفو الدولية، مراراً وتكراراً، الحكومة السودانية إلى منع المزيد من عمليات التوغل عبر الحدود، ولكن ذلك لم يحدث.

وقد تضمنت الشهادات التي جمعتها منظمة العفو الدولية من شتى أنحاء دار سيلا بشرق تشاد أدلة على أن السلطات السودانية دعمت جماعات الجنجويد المسؤولة عن موجة الهجمات التي شُنت في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني. وأشار الناجون إلى أنهم في معظم الهجمات لاحظوا أن العديد من المقاتلين كانوا يرتدون البزات العسكرية الخضراء والقبعات الحمراء، وهي مرتبطة بزي الجيش السوداني. وخلال زيارة قامت بها منظمة العفو الدولية في مايو/أيار 2006، قام مندوبو المنظمة بتصوير بطاقات هوية لأفراد الجماعات شبه العسكرية السودانية وهم يرتدون بزات خضراء؛ وقد عُثر عليها فوق جثث مقاتلي الجنجويد الذين قُتلوا خلال الهجمات. إن الجنجويد يغادرون السودان بأسلحة نارية ويعو�583?ون إليه بالأسلاب.ولا تبذل الحكومة السودانية أي محاولة لمنع عمليات توغل الجنجويد في شرق تشاد. أما الناجون، الذي غالباً ما يعرفون أسماء الحلفاء التشاديين للجنجويد الذين يهاجمونهم، نادراً ما يعرفون السودانيين بأسمائهم.

وعادةً ما تكون جماعات الجنجويد مدججة بالأسلحة المختلفة، ومنها بنادق الكلاشنكوف وبنادق M-14، بالإضافة إلى اسلحة G3التي تحمل دمغات سودانية.14وقال القرويون إنهم رأوا عشرات، بل مئات الأسلحة في بعض الهجمات، وإن بعض هذه الأسلحة، من قبيل G3، متوفر محلياً في شرق تشاد. أما سكان القرى في المنطقة فلا يزالون يستخدمون الأسلحة التقليدية كوسائل دفاعية رئيسية.

وتجدر الإشارة كذلك إلى التقارير المتسقة التي تفيد بأن التكتيكات العسكرية تُستخدم في العديد من الهجمات، ومنها أسلوب الكمائن المعدَّة جيداً والهجمات التي تنفذها أرتال المقاتلين من اتجاهات مختلفة. كما كان المهاجمون متعمدين تماماً في الاستهداف، بما في ذلك إطلاق النار على الأكواخ بقصد واضح وهو إضرام النار فيها. ويبدو أن هذه التكتيكات أكثر تقدماً مما كانت عليه في السابق، وتستخدم أسلوب شن غارات حسنة التنظيم، وتشير إلى أن بعض المقاتلين على الأقل قد تلقى مستوى معيناً من التوجيهات.

كان القرويون واضحين بشأن أنواع الأسلحة المتوفرة لدى المهاجمين، ويعرفون أن هؤلاء قد تلقوا أسلحة وتدريباً من الجيش السوداني. فهذا حسن إسحق، زعيم قرية أغروتولو، يصف هجوماً وقع على القرية في 11نوفمبر/تشرين الثاني 2006:

"بدا وكأن هناك مئات من الجنجويد ينفذون الهجوم. وقد كانوا جميعاً مسلحين جيداً بأسلحة لم أرها من قبل. قيل لي إن بعض تلك الأسلحة تُدعى "جيمز" [G3]، وأن هذه الأسلحة هي التي يستخدمها الجيش السوداني. وكان العديد منهم يرتدون بزات عسكرية سودانية ويقاتلون كجيش، وليس كمجموعة من القرويين الحمقى. فمن الذي علَّمهم القتال بهذا الشكل؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يفكر به كل شخص. من المؤكد أن الذي درَّبهم ليس موجوداً هنا. أعتقد أن ثمة جواباً واحداً عن هذا السؤال: الجيش السوداني هو الذي درَّبهم، وهو الذي زودهم بالملابس والبنادق. ولهذا السبب يظل الجنجويد يرددون أنهم يقاتلون من أجل خلق سودان جديد".

ويشير معظم المعلومات التي جمعتها منظمة العفو الدولية إلى أن المهاجمين كانوا دائماً يأتون سيراً على الأقدام وعلى صهوات الجياد وظهور الجمال. بيد أن القرويين أشاروا إلى بعض الحالات التي استخدم فيها المهاجمون مركبات رباعية الدفع، وهم يعتقدون أن تلك المركبات جاءت أصلاً من الجانب السوداني من الحدود. وقال أحد الناجين من الهجوم على قرية جيميلاسيت إن المهاجمين جاءوا على ظهور الخيل والجمال بشكل أساسي، ولكنه شاهد ثلاث سيارات تويوتا "لاند كروزر" بيضاء اللون، واحدة منها تحمل لوحة ترخيص سودانية على وجه التأكيد. كما قال شاهد عيان على الهجمات التي وقعت على قرية بيديا لمنظمة العفو الدولية إنه رأى سيارة لاند كروزر بيضاء تصل إلى المكان أثناء الهجوم لنقل الجرحى من مقاتلي الجنجويد. وهو متأكد كذلك من أن السيارة كانت تحمل لوحة سودانية. وقد سمع المهاجمين يقولون:

"إسمعوا أيها العبيد، نحن لسنا العرب المحليين، وإنما نحن الجنجويد المدججين بالسلاح والمدربين جيداً".

كما سمعت منظمة العفو الدولية من عدد من المصادر المختلفة أنه قبل وقوع الهجمات في شرق تشاد في العام 2005، نُظِّمت جولات لقادة الجماعات العرقية المحلية غير العربية في منطقة دار سيلا، حيث تمت دعوتهم إلى الانضمام إلى ائتلاف الجنجويد في القتال في شرق تشاد. ولكن زعماء الداجو رفضوا، ومنذ ذلك الحين أصبح الداجو أهدافاً واضحة للهجمات.


.7الحاجة إلى تحرك دولي عاجل

إن المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في تحسين الأوضاع الأمنية في شرق تشاد وفي التصدي لتفشي ظاهرة إفلات مرتكبي الهجمات الأخيرة من العقاب.

الأمـن

يشعر أهالي شرق تشاد بأنه تم التخلي عنهم كلياً؛ إذ أنهم يواجهون اعتداءات مستمرة من قبل مقاتلي الجنجويد الذين تدعمهم الحكومة السودانية. أما حكومتهم فلا توفر لهم أية حماية من تلك الهجمات. وفي جميع المقابلات، تقريباً، التي أجرتها منظمة العفو الدولية مع أشخاص في القرى والمواقع التي يعيش فيها المهجرون داخلياً، أشار التشاديون إلى أنهم يعتقدون أن أملهم الوحيد في الحماية لن يأتي إلا من الخارج، كالاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة.

وفي يونيو/حزيران 2006، دعت منظمة العفو الدولية الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات من أجل تحسين الأوضاع الأمنية في شرق تشاد. كما دعت المنظمة الاتحاد الأفريقي إلى توسيع وجود بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان على طول الحدود السودانية مع تشاد، وذلك لمنع عمليات التوغل التي يقوم بها الجنجويد عبر الحدود. وحثت المنظمة مجلس الأمن على مساعدة حكومة تشاد في تحمل مسؤوليتها عن حماية المدنيين في شرق تشاد عن طريق نشر قوة دولية في المناطق الحدودية.

لا يبدو أن بعثة الأمم المتحدة في السودان قد بذلت أية جهود منسقة لزيادة الدوريات على الحدود بين تشاد والسودان. ويؤكد تفشي هذه الهجمات في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2006حقيقة أن مقاتلي الجنجويد مازالوا قادرين على المجيء والذهاب عبر الحدود كما يشاؤون.

في 31أغسطس/آب 2006، اعتمد مجلس الأمن القرار 1706. وفي هذا القرار اعترف مجلس الأمن بأن الأوضاع في دارفور أدت إلى تفاقم حالة انعدام الأمن وازدياد حوادث العنف في شرق تشاد، وقرر أن بعثة الأمم المتحدة في السودان يجب أن تنتشر في دارفور، وحث الحكومة السودانية على الموافقة على مثل هذا الانتشار. كما نص القرار على توسيع صلاحيات بعثة الأمم المتحدة في السودان الخاصة بدارفور لتشمل ال?بعاد الأمنية الإقليمية لنـزاع دارفور، بما في ذلك إنشاء "وجود متعدد الأبعاد يضم أفراد شرطة يقومون يهتمون بالجوانب السياسية والإنسانية والعسكرية والمدنية في المواقع الرئيسية في تشاد، ومنها مخيمات اللاجئين والأشخاص المهجرين داخلياً". كما طلب القرار من الأمين العام للأمم المتحدة أن يرفع تقريراً إلى مجلس الأمن حول حماية المدنيين في مخيمات اللاجئين والمهجرين داخلياً.

بحلول مطلع يناير/كانون الثاني 2007، لم تكن الأمم المتحدة قد اتخذت أي إجراء لاحق للقرار 1706. ولم يتم إنشاء "الوجود المتعدد الأبعاد"، كما أن مجلس الأمن لم يتلقَّ تقريراً من الأمين العام، ولم يتخذ أية قرارات أخرى بشأن الاحتياجات المتعلقة بتحسين مستوى حماية المدنيين في شرق تشاد. وفي 14نوفمبر/تشرين الثاني 2006، دعا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المجتمع الدولي إلى "الإسراع في تعبئة الوجود المتعدد الأبعاد في تشاد للمساعدة على حماية مئات الآلاف من المدنيين التشاديين واللاجئين السودانيين، فضلاً عن عمال الإغاثة الذين يحاولون مساعدتهم".15

ولم تتمكن بعثة تقييم فنية تابعة للأمم المتحدة من زيارة شرق تشاد في نوفمبر/تشرين الثاني لأن المنطقة كانت غير آمنة. وتأسف منظمة العفو الدولية لمرور أكثر من ثلاثة أشهر على اعتماد القرار 1706قبل أن تتمكن بعثة التقييم الفنية من القيام بعملها، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار استئناف الهجمات على المدنيين وتكثيفها خلال تلك الفترة.

العدالـة

إن العديد من الجرائم بموجب القانون الدولي التي تبدأ في السودان، من قبيل شن غارات عبر الحدود بهدف إكمال الجريمة في الخارج، يتم تنفيذها في تشاد على أيدي الجنجويد القادمين من السودان بشكل أساسي. بيد أن الجنجويد يحظون بمساعدة العرب التشاديين المحليين من قبيلتي الوداي والميمي، الأمر الذي يجعل من الصعب ممارسة الولاية القضائية عليهم إذا كان الجناة من المواطنين السودانيين فقط. إن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يجب أن يحقق في كل الجرائم التي بدأت في دارفور بالسودان واستُكملت في تشاد، وذلك كجزء من تفويض مجلس الأمن بموجب قراره رقم 1593للعام 2005. وقد أعلن المدعي العام أن مكتبه "يتابع عن كثب تصاعد العنف في تشاد والأنباء المتعلقة بموجة العنف التي اجتاحت جمهورية أفريقيا الوسطى، بالإضافة إلى العلاقة المحتملة بالأوضاع في دارفور".16

بموجب المفاهيم التقليدية للولاية القضائية الإقليمية، فإن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالولاية القضائية على هذه الجرائم باعتبار ذلك جزءاً من إحالة الأوضاع في دارفور بالسودان إلى المدعي العام. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالولاية القضائية على الجرائم بموجب القانون الدولي، التي بدأت في السودان وارتُكبت في تشاد بعد دخول القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية حيز النفاذ في 1نوفمبر/تشرين الثاني 2006. أما بالنسبة للجرائم بموجب القانون الدولي التي ارتكبها مواطنون تشاديون في تشاد، فيجب أن تحيلها تشاد فوراً إلى المدعي العام.

على أية حال، يتعين على مجلس الأمن أن يحيل الأوضاع في تشاد إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كي يستطيع أن يستخدم سلطاته المنصوص عليها في الفصل السابع لضمان تعاون جميع الدول، ومنها السودان، مع التحقيق الذي يُجرى في مثل تلك الجرائم.


التوصيـات

حماية المدنيين


إلى جميع أطراف النـزاع:

يتعين على حكومتي تشاد والسودان، بالإضافة إلى كافة الجماعات المسلحة العاملة في أراضيهما، أن تحترم التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، ولاسيما تلك المتعلقة بحماية المدنيين.

إلى حكومة تشاد:

ينبغي أن تقوم بما يلي:

اتخاذ جميع التدابير الفعالة لحماية المدنيين، بمن فيهم اللاجئون والمهجرون داخلياً الذين يعيشون في المناطق المتاخمة للحدود مع السودان ويتعرضون للهجوم على أيدي قوات الجنجويد أو غيرها من القوات. ويتعين على الحكومة التشادية نشر قوات عسكرية حيثما يكون ذلك ضرورياً لحماية المدنيين، مع إيلاء اهتمام خاص للأوضاع في جنوب شرق تشاد.

طلب المساعدة الضرورية من الأمم المتحدة من أجل تعزيز قدرتها على توفير الحماية عن طريق نشر قوات دولية على طول الحدود مع السودان بحسب ما تقتضي الضرورة لحماية المدنيين، بمن فيهم اللاجئون والمهجرون داخلياً.

إلى حكومة السودان:

ينبغي أن تقوم بما يلي:

اتخاذ جميع التدابير الفعالة لمنع المزيد من عمليات التوغل عبر الحدود إلى تشاد من قبل الجنجويد، ونزع أسلحتهم وفقاً للالتزامات التي تعهدت بها بموجب اتفاق دارفور للسلام.

التعاون التام مع قوات حفظ السلام التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، بما في ذلك تعزيز صلاحياتها لحماية المدنيين في دارفور ومنع الهجمات التي تقع على المدنيين في تشاد عبر الحدود.

تسهيل نشر قوة فعالة لحفظ السلام في دارفور، تتمتع بصلاحيات قوية تتعلق بحماية المدنيين.

إلى الاتحاد الأفريقي:

ينبغي أن يقوم بما يلي:

حمل الحكومة السودانية على الاضطلاع بمسؤوليتها الأساسية عن حماية المدنيين في السودان، بمن فيهم جميع الأشخاص المهجرين، ومنع الهجمات على المدنيين في تشاد عبر الحدود من قبل الجنجويد ونزع أسلحتهم وفقاً لاتفاق دارفور للسلام.

تعزيز بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان فوراً، والتأكد من أنها تعمل بشكل فعال من أجل حماية المدنيين.

ضمان أن تتمتع بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان، وأي قوة يتم إنشاؤها في المستقبل لحفظ السلام في 83?ارفور، بالقدرة على نشر دوريات على الحدود بين تشاد والسودان.

إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة:

الاعتراف بوجود فراغ في توفير الحماية في شرق تشاد، الأمر الذي جعل اللاجئين والمهجرين داخلياً وغيرهم من المدنيين عرضة لانتهاكات حقوق الإنسان.

إنشاء بعثة لحفظ السلام في تشاد تتمتع بصلاحيات توفير الحماية الفعالة للمدنيين، بمن فيهم اللاجئون والمهجرون داخلياً.

تعزيز بعثة الاتحاد الأفريقي في السودان فوراً بهياكل للقيادة والسيطرة وبالجوانب اللوجستية الكافية لضمان قيامها بعمل فعال من أجل حماية المدنيين.


وضع حد للإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان في تشاد والسودان

إلى حكومة تشاد:

دعوة خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي – ولاسيما المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بعمليات الاعدام خارج نطاق القضاء والإعدام التعسفي والإعدام بإجراءات موجزة، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة المعني بالحقوق الإنسانية للمهجرين داخلياً، والمقرر الخاص المعني باللاجئين وطالبي اللجوء والأشخاص المهجرين داخلياً في أفريقيا التابع للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، إلى زيارة تشاد.

التعاون التام مع المحكمة الجنائية الدولية لضمان تقديم المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في دارفور وتشاد إلى العدالة، وضمان حصول الضحايا على الإنصاف، وتوفير الحماية للشهود.

إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة:

إحالة الأوضاع في تشاد إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كي تتمكن من استخدام سلطاتها بموجب الفصل السابع لضمان تعاون جميع الدول، ومنها السودان، مع التحقيق في مثل تلك الجرائم.

إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية:

التحقيق في جميع الجرائم التي بدأت في دارفور بالسودان واستُكملت في تشاد، باعتبار ذلك جزءاً من إحالة القضية من مجلس الأمن بموجب قراره رقم 1593للعام 2005.


هوامش

1أنظر: تشاد/السودان: غرس بذور دارفور – الاستهداف العرقي في تشاد على أيدي مليشيات الجنجويد من السودان، رقم الوثيقة: AFR 20/2006، بتاريخ 28يونيو/حزيران 2006

2من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة. كما أن تشاد طرف سامي متعاقد في اتفاقيات جنيف، وصادقت على بروتوكولاتها الإضافية. وفي 1نوفمبر/تشرين الثاني 2006، انضمت تشاد إلى قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

3دار سيلا هي الموطن الأصلي لجماعة داجو، ودار مساليط، في الشمال، هي الموطن الأصلي للمساليط. لكن المجاعة التي ضربت المنطقة في العام 1948تسببت في تهجير أعداد كبيرة من السكان في دارفور وشرق تشاد. وقد شكَّل توطين السكان المهجرين على أراضي جماعات عرقية أخرى مصدراً للتوتر جرت على أساسه تعبئة الجماعات العرقية المختلفة.

4مع جماعات أخرى، هي: المساليط في الشمال والمورو والكجاكسا والسنجار والموبه وغيرها من الجماعات الأصغر.

5قال بعض زعماء قرية داجو وبعض المسؤولين المحليين لمندوبي منظمة العفو الدولية إن أحد أسباب استهداف داجو يتمثل في أنهم رفضوا طلبات الجنجويد منهم الانضمام إلى صفوفهم في القتال ضد جماعات عرقية أخرى في تشاد.

6أنظر تقرير منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان، السودان/تشاد: ما من أحد يمد لهم يد المساعدة – الاغتصاب يمتد من دارفور إلى شرق تشاد، رقم الوثيقة: AFR 54/087/2006، ديسمبر/كانون الأول 2006.

7خلافاً للاجئين، الذين يتلقون مساعدات من المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ويتجمعون في مخيمات، فإن الأمم المتحدة لا تملك صلاحية تقديم المساعدة إلى الأشخاص المهجرين داخلياً، ما لم تطلب الحكومة التشادية ذلك. أما المهجرون في تشاد الذين يتجمعون في مواقع معترف بها، فإنهم يتلقون مساعدة محدودة من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ومن اللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المنظمات الإنسانية؛ وأما الذين يعيشون خارج مثل هذه المواقع، فإنهم يتلقون القليل من المساعدات أو لا يتلقون شيئاً على الإطلاق. أنظر أدناه.

8إخاطة شفرتي الفرج، بحيث لا يُترك سوى ثقب صغير، وهي من الممارسات الشائعة على نطاق واسع في شمال السودان.

9أنظر المواد 48و (2) 52و (2) 54من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. أنظر أيضاً المادة (ii)(2) 8و (v)من قانون روما الأساسي.

10أنظر المادة 33من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة (2) 8(ب) (xvi)من قانون روما الأساسي.

11تشمل هذه الالتزامات أحكاماً واردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، تكفل الحق في الحياة وفي عدم التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من بين حقوق أخرى.

12أرسلت منظمة العفو الدولية مناشدات إلى الحكومة التشادية دعتها فيها إلى التقيد بتلك الالتزامات. أنظر: تشاد/السودان: غرس بذور دارفور – الاستهداف العرقي في تشاد على أيدي مليشيات الجنجويد القادمة من السودان، رقم الوثيقة: AFR 20/006/2006، 28يونيو/حزيران 2006.

13نُشر عدة مئات من الجنود التشاديين في جمهورية أفريقيا الوسطى منذ العام 2003، بعضهم جزء من قوة حفظ السلام الإقليمية.

14بندقية G3نوع شائع جداً من البنادق الهجو

u1605?ية شبه الأوتوماتيكية، صُنعت أصلاً من قبل شركة هيلكر وكوش الألمانية. وتُنتج في الخارج في عدة بلدان، من بينها إيران...

15ملاحظات موجزة للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الموضوع 1، بتاريخ 14نوفمبر/تشرين الثاني 2006.

16أنظر التقرير الرابع للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية المقدم إلى مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 1593للعام 2005، بتاريخ 14ديسمبر/كانون الأول 2006.



Page 17 of 17