Document - Lives blown apart: Crimes against women in times of conflict: Stop violence against women
رقم الوثيقة: ACT 77/075/2004
مطبوعات منظمة العفو الدولية
الطبعة الأولى 2004
مطبوعات منظمة العفو الدولية
©حقوق الطبع محفوظة لمطبوعات منظمة العفو الدولية 2004
الترقيم الدولي: ISBN: 0-86210-xxx-xx
اللغة الأصلية: الإنجليزية
[الغلاف]
نفـوس محطمـة:
الجرائم المرتكبة ضد المرأةأثناءالصراعات-
أوقفوا العنف ضد المرأة
[نص الغلاف الخلفي]
إن عدد الخسائر التي تقع في صفوف المدنيين في حروب اليوم يفوق عدد الخسائر التي تقع في صفوف المقاتلين المسلحين. فالرجال والنساء يعانون من انتهاكات حقوق الإنسان في النـزاعات، من قبيل عمليات القتل غير القانوني والتعذيب. إلا أنه يجري التغاضي عن استهداف النساء بشكل خاص كضحايا للعنف أو الضرر الذي يلحق بهن من جراء النـزاع المسلح.
والنساء والفتيات أكثر عرضة للعنف الجنسي، ولا سيما الاغتصاب، ويواجهن عقبات إضافية، وأحياناً مستعصية، أمام تحقيق العدالة بسبب وصمة العار المرافقة للناجيات من العنف الجنسي وموقع المرأة الضعيف في المجتمع. وسواء كان الأمر يتعلق بالمدنيين أو بالمقاتلين، باللاجئين أو بالمهجرين داخلياً، فإن أعباء الحرب تقع على كاهل المرأةبشكل خاص.
وفي هذا التقرير، تبين منظمة العفو الدولية بعض الأساليب التي يؤثر بها النـزاع على المرأة وعلى الأدوار المختلفة التي تلعبها المرأة في النـزاع. فالنساء لسن مجرد ضحايا للعنف وناجيات منه، وإنما هن كذلك ناشطات ومفاوضات وبانيات سلام ومدافعات عن حقوق الإنسان. ولا يمكن لمحاولات التصدي لعواقب النـزاعات على حقوق الإنسان، بما فيها تأثيرها الخاص على المرأة، أن تكون شاملة ودائمة إلا إذا لعبت المرأة دوراً فعالاً في إعادة بناء المجتمع على جميع المستويات.
[الغلاف الأمامي الداخلي]
منظمة العفو الدولية حركة عالمية لأشخاص يناضلون من أجل احترام وحماية حقوق الإنسان المعترف بها دولياً.
وتتمثل رؤية منظمة العفو الدولية في عالم يتمتع فيه كل شخص بجميع حقوق الإنسان المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيره من المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وسعياً لتحقيق هذه الرؤية، تتمثل رسالة منظمة العفو الدولية في إجراء أبحاث والقيام بتحركات تتمحور حول منع وقوع الانتهاكات الخطيرة للحق في السلامة الجسدية والعقلية وفي حرية الضمير والتعبيروفي عدم التعرض للتمييز في إطار عملها لتعزيز جميع حقوق الإنسان.
ومنظمة العفو الدولية مستقلة عن جميع الحكومات والعقائد السياسية والمصالح الاقتصادية والمعتقدات الدينية. وهي لا تؤيد ولا تعارض أي حكومة أو نظام سياسي، كما أنها لا تؤيد ولا تعارض وجهات نظر الأشخاص الذين تسعى إلى الدفاع عنهم. وهي لا تُعنى إلا بحماية حقوق الإنسان بصورة محايدة.
ومنظمة العفو الدولية حركة ديمقراطية مستقلة في تسيير شؤونها وتضم ما يربو على 1.8مليون عضو مؤازر في أكثر من 150بلداً وإقليماً في جميع أنحاء العالم. وتعتمد في تمويلها أساساً على اشتراكات وتبرعات أعضائها ومؤازريها في شتى أنحاء العالم.
وما كان لهذا التقرير أن يرى النور لولا مساعدة العديد من المنظمات والأفراد الذين بذلوا وقتهم ولم يبخلوا بخبراتهم وآرائهم القيمة. وتود منظمة العفو الدولية أن تتقدم بشكرها الخاص إلى مستشارة الأبحاث تريسي أولتفيت- موي.
الأمانة الدولية
جميع الحقوق محفوظة، ولا يجوز إعادة نشر أو تسجيل أو تخزين أو نقل أو نسخ أي جزء من هذه المطبوعة بأية وسيلة ميكانيكية أو إلكترونية أو غيرها، من دون الحصول على إذن مسبق من الناشر.
المحتويـــــات
الفصل 1: مقدمة............................................................................................6
طيف واسع لأشكال العنف ضد المرأة .........................................................................7
النوع الاجتماعي للنـزاع ...................................................................................9
عقد من التقدم؟ ...........................................................................................11
النـزاع والأمن في القرن الحادي والعشرين ..................................................................12
حملة منظمة العفو الدولية: دعوة إلى التحرك ..................................................................13
نطاق هذا التقرير ومنهجيته .................................................................................15
الفصل 2: النوع الاجتماعي والعنف والنـزاع .............................................................17
الأقوال والأ�601?عال: الخطاب والعنف بسبب النوع الاجتماعي ...................................................18
العسكريون: ثقافة تقوم على أساس النوع الاجتماعي .........................................................20
إرث النـزاع .............................................................................................21
أفغانستان:" لقد قدمنا شكاوى، ولكن ما من سميع"...........................................................22
الفصل 3: الاغتصاب كسلاح للحرب ....................................................................23
الاغتصاب كجزء من الهجوم على مجتمع ما..................................................................23
السودان: الاغتصاب كجزء من الهجوم المنظم والواسع النطاق ................................................24
اغتصاب النساء في الحجز ..................................................................................25
الجرائم المستترة............................................................................................27
تأثير الاغتصاب والاعتداء الجنسي ...........................................................................28
المرأة ترفض إسكاتها ........................................................................................30
الفصل 4: بيوت مدمَّرة ونفوس محطمة .....................................................................30
إرغام النساء والفتيات على الفرار من النـزاع ...............................................................31
التأثير الاقتصادي والاجتماعي ..............................................................................33
جمهورية الكونغو الديمقراطية:" ألا ليتني أموت مع الطفل في رحمي" ............................................36
النساء والفتيات المجندات....................................................................................37
الحرب والسلاح والمرأة.....................................................................................39
الفصل 5: وضع حد للإفلات من العقاب ..................................................................41
عوائق على طريق العدالة ...................................................................................41
كولومبيا:" ما من مجيبلشكواي" ..........................................................................43
مساءلة أفراد الجماعات المسلحة .............................................................................44
استخدام النظام الدولي...................................................................................46
التحديات المسقبلية ......................................................................................52
السعيللإنصاف........................................................................................53
الفصل 6: المرأة تبني السلام .............................................................................55
قرار الأمم المتحدة رقم 1325.............................................................................56
العمل من أجل السلام مع العدالة ..........................................................................57
عوائق على طريق المشاركة ................................................................................58
تسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم ...........................................................................60
كولومبيا: التسريح الذي لا يراعي النوع الاجتماعي .........................................................62
برامج الترحيل وإعادة التوطين .............................................................................63
إعادة بناء المجتمع ومنع نشوب النـزاع في المستقبل ..........................................................64
جمهورية الكونغو الديمقراطية: لامبالاة الحكومة...............................................................65
كي لا يتكرر: الاستماع إلى الإشارات .....................................................................66
الفصل 7: توصيات ......................................................................................66
ملحق: المعايير الدولية ....................................................................................70
الفصل 1: مقدمـة
" اقتادوا كيه إم، وهي فتاة في الثانية عشرة من العمر، إلى العراء.وكان والدها قد قُتل على أيدي الجنجويد في أم بارو، بينما فرَّ بقية أفراد العائلة، ووقعت هي في قبضة أفراد من الجنجويد كانوا يمتطون صهواتالجياد. وقد وطئها أكثر من ستة أشخاص مثل زوجة؛ومكثت مع الجنجويد والجيش أكثر من عشرة أيام. و"كيه" امرأة أخرى، وهيمتزوجةوعمرها 18عاماً، لاذت بالفرار ولكن أفراداً من الجنجويد أسروها وضاجعوها في العراء؛ لقد ضاجعوهاجميعاً. وهي لا تزال معهم. أما "أيه"، وهي معلمة، فقد أخبرتني أنهم كسروا ساقها بعد اغتصابها."
"أيه" مزارعة من أم بارو في منطقة كتوم بدارفور في غرب السودان،1وعمرها 66عاماً.
مع تصاعدالنـزاع في أواخر العام 2003ومطلع العام 2004في إقليم دارفور في غرب السودان، بدأت منظمة العفو الدولية بتلقي مئات التقارير عن الاغتصاب وغيره من ضروب العنف الجنسي ضد النساء والفتيات. كما وردت أنباء عن اختطاف النساء والفتيات لاستخدامهن في الرقيق الجنسي أو العمل المنـزلي.
وكان معظم الجناة أعضاء في الميليشيا المسلحة المعروفة باسم الجنجويدوالمدعومة من الحكومة.
بيد أن ثمة أدلة متزايدة تشير إلى أن جنود الحكومة كانوا متورطين كذلك. وحتى النساء اللواتي وصلن إلى مخيمات اللاجئين لم ينعمن بالأمان. ففي مارس/ آذار 2004، أُبلغت الأمم المتحدة بأن 16امرأة من سكان مخيم المهجرين داخليا في موروني بدارفور كن يتعرضن للاغتصاب يومياً عند ذهابهن لجلب الماء. فقد كان على النساء أن يذهبن إلى النهر –لأن عائلاتهن كانت بحاجة إلى الماء، وكن يخشين أن يُقتل رجالهن إذا ذهبوا بدلاً منهن.2
إن النمط الفظيع للعنف الجنسي وغيره من ضروب العنف ضد المرأة الذي ظهر في دارفور ليس نمطاً فريداً على الإطلاق. ففي السنوات الأخيرة، عانت مئات الآلاف من النساء في شتى أنحاء العالم من المصير نفسه. فخلال النـزاع الذي نشب مؤخراً في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تعرضت عشرات الآلاف من النساء والفتيات للاغتصاب. وفي كولومبيا يعتبر العنف الجنسي المتفشي على نطاق واسع جزءاً أساسياً من النـزاع المسلح، ويُرتكب على أيدي جميع أطراف النـزاع –وهي قوات الأمن والقوات شبه العسكرية المدعومة من الجيش وقوات حرب العصابات. كما أن نـزاعات أقل شهرة، من قبيل النـزاع في جزر سليمان، تركت خلفها إرثاً من العنف ضد المرأة: ففي الأشهر الستة الأولى من عام 2004وحدها، قدمت 200إمرأة إلى شرطة جزر سليمان شكاوى تفيد بأنهن تعرضن للاغتصاب. 3
ويحاول هذا التقرير استكشاف بعض الأسباب الكامنة خلف هذا العنف. إن الأدلة التي جمعتها منظمة العفو الدولية في السنوات الأخيرة تدعم الرأي القائل إن النـزاع يؤدي إلى تعزيز أنماط التمييز والعنف ضد المرأة القائمة حالياً وتفاقمها. إن العنف الذي تعاني منه المرأة في النـزاعات يعتبر تجلياً صارخاً لما تقاسيه المرأة من تمييز وإساءة معاملة في أوقات السلم، ولانعدام المساواة في علاقات السلطة بين الرجل والمرأة في معظم المجتمعات. وعندما يطفح كيل التوترات السياسية وتزايد النـزعة العسكرية وتتحول إلى نـزاع صريح، فإن هذه المواقف والانتهاكات المعتادة تتخذ أبعاداً جديدة وأنماطاً مميزة، وتزداد جميع أشكال العنف، ومنها الاغتصاب وغيره من ضروب العنف الجنسي ضد المرأة.
طيف واسع لضروب العنف ضد المرأة
مع أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة اعترف مؤخراً بأن "المدنيين، ولا سيما النساء والأطفال، يشكلون الأغلبية العظمى من الأشخاص الذين يتضررون من جراء النـزاع المسلح، ومن بينهم اللاجئون والأشخاص المهجرون داخلياً، وبأنهم مستهدفون، على نحو متزايد، من قبل المقاتلين والعناصر المسلحة"، 4فإنه لا يزال هناك تصور شائع بأن المرأة لا تلعب سوى دور ثانوي أو هامشي في ظروف النـزاع.
ويبين هذا التقرير استخدام الدول والجماعات المسلحة للعنف على أساس النوع الاجتماعي في النـزاعات. ولعل استخدام الاغتصاب كسلاح للحرب يعتبر الأسلوب الأسوأ صيتاً والأكثر وحشية الذي يؤثر النـزاع بواسطته على المرأة. ونظراً لأن عمليات الاغتصاب والعنف الجنسي قد تفشت على نطاق واسع في ظروف النـزاعات، فإن "ضحية الاغتصاب" أصبحت بمثابة صورة رمزية لمعاناة المرأة في الحرب.
ويحاول هذا التقرير إظهار الأساليب العديدة الأخرى التي تصبح بواسطتها النساء والفتيات أهدافاً للعنف، أو يتأثرن بالحرب بطرق غير متناسبة أو مختلفة عن الرجال. ويُبرز التقرير كيف يمكنأن يكون للأدوار العديدة التي تلعبها المرأة في حالات النـزاع، وتنوع الظروف التي تجد نفسها في خضمها، تأثير مدمر على سلامتها البدنية وحقوقها الأساسية. كما يشير هذا التقرير إلى ظاهرة العسكرة الأوسع نطاقاً التي غالباً ما تسبق النـزاع، ودائماً ما ترافقه، والتي يمكن أن تظل جزءاً من إرثه. ولأغراض هذا التقرير، نقول إن العسكرة هي العملية التي يكون للقيم والمؤسسات وأنماط السلوكالعسكرية تأثير مهيمن على المجتمعبشكل متزايد.
المادة 1من إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة تنص على ما يلي:
"يعني مصطلح "العنف ضد المرأة" أي عمل عنيف يُرتكب بسبب النوع الاجتماعي، وينجم عنه، أو يحتمل أن ينجم عنه أذى جسدي أو جنسي أو نفسي أو معاناة تصيب المرأة، بما في ذلك التهديد بارتكاب مثل ذلك الفعل، أو أي شكل من أشكال الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في المجال العام أو في الحياة الخاصة." 5
ووفقاً للجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة، فإن العنف ضد المرأة بسبب النوع الاجتماعي هو العنف "الموجه ضد المرأة بسبب كونها امرأة، أو الذي يؤثر على المرأة بشكل غير متناسب." 6
ومن المرجح أن تكون النساء بين الضحايا الرئيسيين للهجمات المباشرة على السكان المدنيين، لأنهن يشكلن في العادة أغلبية السكان غير المقاتلين. كما يقع على كواهلهن جلُّ العبء لما يسمى بـ" الأضرار الجانبية"- أي قتل المدنيين أو تشويههم نتيجة للهجمات العسكرية. وحتى العمليات التي يُطلق عليها اسم "القصف الدقيق أو الذكي" فإنها تسبب خسائر كبيرة بين صفوف المدنيين، في حين أن الألغام الأرضية والأعتدة التي لم تنفجر لا تميز بين خطوات المدنيين وخطوات العسكريين التي تدوس فوقها. كما أن العمل المنـزلي والقيود الاجتماعية المفروضة على حركة المرأة وغيرها من العوامل قد تعني أن النساء غالباً ما يكنَّ أقل قدرة على الفرار عندما يتعرض السكان المدنيون للهجوم.
وقد تشكل نساء معينات أهدافاً للتعذيب أو القتل لأنهن من قادة المجتمع المحلي، أو لأنهن تحدين المعايير الاجتماعية بشأن الأدوار الملائمة للمرأة، أو بسبب أنشطة أقربائهن من الذكور. كما تُستهدف النساء بسبب أنشطتهن السلمية، أو لدورهن في الوساطة والتفاوض في النـزاع، أو لكونهن مدافعات عن حقوق الإنسان وعاملات في مجال الإغاثة الإنسانية. ويتخذ العديد من هذه الانتهاكات أشكالاً مرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وفي حالة اعتقالهن وحبسهن، قد يُحتجزن في مرافق اعتقال غير ملائمة للمرأة، وغالباً ما يتعرضن لخطر التعذيب بسبب النوع الاجتماعي، بما في ذلك التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة الجنسية، على أيدي السجانين أو النـزيلات أنفسهن.
وفي حالات الصراع بين الطوائف أو النـزاع على أساس عرقي أو ديني، قد تتعرض النساء اللواتي ينتمين إلى طائفة معينة أو فئة اجتماعية ما للاعتداء لأنه يُنظر إليهن على أنهن يمثلن تجسيداً "لشرف" الطائفة أو سلامتها.
وتشكل النساء والأطفال أغلبية اللاجئين والمهجرين داخلياً الذين يفرون من ظروف النـزاع، والذين يُعدوُّن بالملايين، الأمر الذي يعرضهم إلى مختلف أنواع الحرمان وإلى مزيد من خطر العنف الجنسي. وقُدرت نسبة النساء والأطفال من مجموع اللاجئين بحوالي 80%.7ومع ذلك، غالباً ما يتم تخطيط المخيمات وإدارتها بطريقة تضع النساء اللاتي يعشن فيها في مواجهة خطر التعرض لإساءة المعاملة الجنسية باستمرار.
وظل الاتجار بالنساء والفتيات لغايات الاستغلال الجنسي والعمل القسري يمثل سمة عامة لأوضاع النـزاعات وما بعدها على مدى التاريخ، وفي السنوات الأخيرة، تورطت قوات الأمم المتحدة وغيرها من قوات حفظ السلام، بالإضافة 3?لى العاملين في مجال المساعدات الإنسانية، في عمليات الاتجار بالنساء والفتيات.
وفي العديد من مناطق العالم، يتزايد عدد النساء والفتيات اللواتي يصبحن مقاتلات، سواء طوعاً أو كرهاً، وسواء في قوام الجيوش النظامية أو في صفوف الجماعات المسلحة. ويتم تجنيد بعضهن في الجماعات المسلحة لغايات الاستغلال الجنسي، أو يتم إخضاعهن للعنف الجنسي كجزء من طقوس "بداية الانخراط". كما يُصبح بعضهن الآخر من مرتكبيانتهاكات حقوق الإنسان. وقد يُرغم العديد من النساء الأخريات على المساهمة في المجهود الحربي بطرق أخرى، من قبيل إعداد الذخائر والبزات وغيرها من المعدات العسكرية.
إن تزايد التركيز الدولي على العنف الجنسي الذي يُرتكب في سياق النـزاع، على أهميته وضرورته، قد ساعد على طمس الجوانب المهمة الأخرى لمعاناة المرأة من جراء النـزاعات والعسكرة. ومن بين هذه الجوانب التأثير غير المتناسب والمتفاوت للنـزاع على حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما فيها حقها في الرعاية الصحية.
ويمكن للدور الذي يُطلب من المرأة أن تلعبه كربة للأسرة وراعية لها أن يتسبب في تعرضها لضربة قاصمة، مالياً وعاطفياً، في حالة فقدان أفراد من أسرتها أو هدم منـزلها. وفي حالات النـزاع تضطر المرأة إلى القيام بأدوار إضافية بصفتها ربة الأسرة والمعيلة لها. كما أن تدمير البنية التحتية الاقتصادية والبيئية يؤدي إلى خلق مشكلات خاصة للمرأة في المجتمع، حيث تقع على عاتقها مسؤولية رئيسية عن توفير الغذاء والماء لعائلتها. وفي شتى أنحاء العالم يواجه العديد من النساء اللواتي يعتمدن في معيشتهن على زراعة الكفاف، خطر الوقوع في مناطق تبادل إطلاق النار أو الألغام الأرضية أو الإخلاء القسري. وقد يصبح رعي الماشية وفلاحة الحقول أو نقل المنتجات إلى السوق أو جلب الماء أو الحطب أمراًمتعذراً. وتضطر أرامل الحروب إلى تنشئة أطفالهن في الوقت الذي يحاولن فيه كسب عيشهن بشق الأنفس في ظروف تتسم بالصعوبة البالغة.
إن الضرر الذي يحدثه النـزاع غالباً ما يعني أنه لم يعد باستطاعة المرأة الحصول على الرعاية الصحية المناسبة لاحتياجاتها الخاصة، سواء في المجتمعات المحلية أو في مخيمات اللاجئين أو المهجرين أو في السجون أو الثكنات أو المعسكرات التي يستخدمها المقاتلون أو في مخيمات تسريح المجندين التي يتم إنشاؤها في أعقاب النـزاع. وعندما تنهار الخدمات الرئيسية للرعاية الصحية كلياً في سياق النـزاع، تتأثر النساء على نحو مختلف، وغالباً بشكل غير متناسب، وذلك بسبب احتياجاتها الصحية المميزة ومسؤولياتها المتعلقة برعاية أسرتها.
وفي معظم النـزاعات، تظل المرأة غائبة إلى حد كبير عن مبادرات صنع السلام وحفظ السلام، حتى تلك التي يدعمها المجتمع الدولي. وفي أعقاب الأعمال الحربية قد لا تتمكن برامج نـزع السلاح وتسريح المجندين وتأهيلهم وإعادة إدماجهم من تلبية احتياجات النساء أو الانسجام مع خبراتها.
ويمكن أن يتخذ العنف أشكالاً مختلفة، منها نفسي ومنها جسدي، مما يؤدي إلى نشوء صعوبات اقتصادية بالغة وحرمان اجتماعي من شأنه أن يحرم المرأة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة إلى حقوقها المدنية والسياسية. وحتى عندما تعاني المرأة من انتهاكات حقوق الإنسان نفسها التي يعاني منها الرجل، فإن هذه الانتهاكات قد تتمخض عن عواقب مختلفة على المرأة. وغالباً ما تعترض سبيل المرأة عوائق خاصة تحول دون حصولها على العدالة والإنصاف، وتلطخها وصمة العار الاجتماعية في مجتمعات ما بعد النـزاع بسبب الانتهاكات التي تعرضت لها.
أما الذين يرتكبون الانتهاكات فهم كُثر ويتسمون بالتنوع، ومن بينهم: جنود القوات المسلحة التابعة للدولة؛ الجماعات شبه العسكرية أو الميليشيات المدعومة من الحكومة؛ الجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة أو التي تخوض حرباً ضد جماعات مسلحة أخرى؛ أفراد الشرطة أو حراس السجون أو أفراد الأمن الخاص والجيش؛ القوات المسلحة المتمركزة في الخارج، ومنها قوات الأمم المتحدة وغيرها من قوات حفظ السلام؛ موظفو الوكالات الإنسانية؛ والجيران والأقارب. وأما أماكن وقوع أعمال العنف فهي متنوعة كذلك، ومنها: مراكز الاعتقالومخيمات المهجرين واللاجئينونقاط التفتيش ومعابر الحدودوالأماكن العامةوفي المجتمع والمنـزل.
النوع الاجتماعي للنـزاع
لقد وُصف الخطاب والمؤسسات والعمليات المتعلقة بالحرب والعسكرة بأنها تتمحور حول الذَكر وتقوم على قيم تُعلي من شأن عدوانية الرجل وتحط من قيمة الخصائص المرتبطة بالمرأة. وغالباً ما تؤدي النمطية في النوع الاجتماعي والمستخدمة في الحجج المؤيدة للحرب إلى نتائج حقيقية بالنسبة لأسلوب إدارة النـزاع. فجسد المرأة وطبيعتها الجنسية وقدرتها على الإنجاب كثيراً ما تُستخدم،رمزياً وحرفياً، كساحة معركة.
ولذا، فإن التمييز والعنف على أساس النوع الاجتماعي ليسا حدثين عرضيين في النـزاع، وإنما مكرسان في جميع جوانب الحرب. فما انفك العنف ضد المرأة يشكل جانباً أساسياً ومزمناً من جوانب النـزاع عبر التاريخ. ولكن ذلك لا يعني أن العنف ضد المرأة في الحرب أمر مستعصٍ أو لا مفر منه؛ فأنماط العنف ضد المرأة في النـزاع لا تنشأ بشكل "طبيعي"، وإنما تصدر أوامر بارتكابها أو يتم التواطؤ فيها أو السماح بها نتيجةً لحسابات سياسية. وعلاوة على ذلك، فإن هذه الجرائم يقترفها الأفراد الذين يعرفون أنهم لن يتعرضوا للعقاب بسبب اعتدائهم على النساء والفتيات. كما أن القوى المختلفة- العسكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية- التي تعتبر أن مثل هذه الاستراتيجية الحربية ستكون لصالحها، تذكي نار الاتجاهات النمطية أو العنيفة تجاه المرأة والسائدة أصلاً في المجتمع، أو تتلاعب بها بشكل واع.
ويشكل الرجال والصبيان كذلك أهدافاً للعنففي النـزاعات، بما فيه العنف الجنسي.كما يمكن أن تكون النساء من مرتكبي الانتهاكات، أو أن يكنّ ضحايا وجناة في الوقت نفسه –كما هي الحال بالنسبة للفتيات المجندات. إلا أن هذا التقرير يركز على تأثير العنف المرتبط بالنـزاع على النساء والفتيات باعتباره جزءاً من حملة مناهضة العنف ضد المرأة. لقد أدت الفرضية القائلة إن الحروب تدور أساساً بين جيوش من الرجال إلى النظر إلى النساء على أنهن مجرد جزء من خلفية المسرح. ويُنظر إلى الرجال على أنهم المدافعون والفاعلون الرئيسيون في النـزاع، بينما يُنظر إلى النساء على أنهن مجرد ضحايا "جانبية". وبسبب هذه الفرضيات، نادراً ما يتم إبراز قصص النساء في تاريخ النـزاعات، ونادراً ما تغطي وسائل الإعلام الأبعاد الكاملة والمعقدة لمعاناتهنعلى نحو معمق.وغُيب صوت المرأة دائماً تقريباً عن أي عملية لحل النـزاعات وعن عمليات إعادة البناء في ظروف ما بعد النـزاع.
وعلى الرغم من وجود العنف ضد المرأة في كل مكان، فإن درجته وطبيعته في سياق العسكرة والنـزاع قد قوبلا بتجاهل كبير من جانب المؤرخين وصناع السلام والجمهور العام. كما هُمشت تجارب المرأة في جدول الأعمال السياسي والحقوقي في أوقات الطوارئ أو في أوقات النـزاع.
إن أحد أسباب بقاء مثل هذه الانتهاكات في الخفاء يتمثل في الفصل العرفي بين المجالين "العام" و"الخاص"، مع عدم اعتبار العنف ضد المرأة في المجال الخاص مجالاً مناسباً لاتخاذ إجراءات قانونية من قبل المحاكم الوطنية والدولية.
ومن بين الأسباب الأخرى صعوبة المقاضاة على الجرائم الجنسية، وهي صعوبة تزداد تفاقماً في أوقات النـزاع وتسهم في إفلات العديد من مرتكبي العنف ضد المرأة منالعقاب. ونظراً لمعرفتهن بذلك، تختار نساء عديدات عدم الإبلاغ عن حوادث الاغتصاب التي يتعرضن لها، ويلجأ بعضهن إلى إخفاء الانتهاك الذي تعرضن لهأو إنكاره خوفاً من وصمة العار الاجتماعية التي تلحق بهن، أو لأن آليات التكيف قد تدفعهن إلى عدم الإعلان عن هذا الانتهاك أو السعي إلى تحقيق الإنصاف. وتتضخم وصمة العار الاجتماعية نتيجة لتقاعس الدول عن منع وقوع العنف الجنسي أو مقاضاة مرتكبيه، وهو ما يخلق في المرأة شعوراً بأنها ضحية مزدوجة في محاولتها تحقيق العدالة.
وثمة سبب آخر لتجاهل معاناة المرأة من العسكرة والنـزاع، ويتمثل في أن المرأة لم تحظ بتمثيل كاف في المؤسسات الدولية السياسية والعسكرية التي تتخذ القرارات المتعلقة بالحرب والسلام. وتاريخياً، لم تكن للمرأة مشاركة تُذكر في الجهود الرامية إلى وضع قواعد للحرب. فعلى سبيل المثال، كان عدد النساء بين المندوبين الذين شاركوا في المؤتمر الدبلوماسي الذي اعتمد اتفاقيات جنيف، والبالغ عددهم أكثر من 240مندوباً، لا يزيد على 13امرأة.8ولذا لم ينعكس التأثير الخاص للنـزاع والعسكرة على المرأة في قواعد الحرب كثيراً، وكان المجتمع الدولي بطيئاً في الاعتراف بأن العنف ضد المرأة في أي سياق، هو من قضايا حقوق الإنسان، كما كان بطيئاً في إشراك المرأة في عمليات صنع السلام وحفظ السلام وتشييد السلام، أو في مبادرات نـزع الأسلحة وتسريح المجندين وإعادة إدماجهم بعد أنتهاء النـزاع.
عقد من التقدم؟
لقد أُحرز تقدم كبير على مدى العقد المنصرم في توثيق ونشر ما حدث للنساء اللواتي علقنفي النـزاعات، وذلك نتيجة للعمل الذي يتسم بالعزم والشجاعة الذي قام به المدافعون عن الحقوق الإنسانية للمرأة ودعاة حقوق الإنسان.
كما أحرز تقدم كبير في الاعتراف بأن أفعال العنف ضد المرأة تشكل انتهاكات صارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، والتي تقع مسؤولية التصدي لها، باعتبارها جرائم دولية، على عاتق المجتمع الدولي.
مرَّت الآن عشر سنوات على تعيين المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة نتيجة لاعتماد إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة. وقد كرس أول مسؤوليْن شغلا هذا المنصب جهوداً حثيثة وأوليا اهتماماً خاصاً بأوضاع النـزاع وانعدام الأمن، بعد منحهما صلاحية تحليل ظروف العنف ضد المرأة، أسبابه ونتائجه في شتى أنحاء العالم.
في المؤتمر العالمي الرابع للمرأة الذي عقد في بكين عام 1995، جددت الحكومات التزاماتها بالتصدي لتفشي العنف ضد المرأة في النـزاعات على نطاق واسع. ومنذ أواسط التسعينات فصاعداً بدأ الاعتراف على نحو متزايد بأن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي يعتبر من بين الجرائم الخطيرة بمقتضى القانون الدولي. كما أن الأحكام التي تعتبر علامة فارقة، والتي أصدرتها المحكمتان الجنائيتان الدوليتان اللتان أُنشئتا لمقاضاة مرتكبي الجرائم التي اقتُرفت إبان النـزاعات في يوغسلافيا السابقة ورواندا، بالإضافة إلى الحدث التاريخي المتمثل في اعتماد قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في العام 1998، قد أكدت على خطورة الاغتصاب وغيره من جرائم العنف الجنسي.
ويتنامى الفهم الدولي، على أعلى المستويات، للأهمية الفائقة لإدماج المرأة وتجاربها في العمليات السلمية وفي جهود إعادة البناء في فترة ما بعد النـزاعات. وفي عام 2000، ربط قرار مجلس الأمن الريادي رقم 1325صيانة السلم والأمن الدوليين بضرورة المشاركة الكاملة والمتساوية للمرأة على جميع مستويات صنع القرار قبل اندلاع النـزاع وأثناء الأعمال الحربية وبعد انتهاء النـزاع. وقد كان نشطاء حقوق المرأة عنصراً أساسياً في اعتماد هذا القرار، وهم يناضلون الآن من أجل تنفيذه في الممارسة العملية.
ويعود الفضل في هذه الإنجازات على المستويات الثلاث المحلي والوطني والدولي إلى العمل النضالي والدعاوي للمدافعات عن حقوق الإنسان في شتى أنحاء العالم. فما انفكت هؤلاء المناضلات يعملن بلا كلل، وغالباً في مواجهة شتى العقبات، من أجل العدالة، ليس بهدف تحريم العنف ضد المرأة والمقاضاة عليه فسحب، وإنما لتغيير البنى الاجتماعية التي تؤدي إلى تهميش المرأة وجعلها عرضة للعنف في جميع الظروف. كما أسهمت هؤلاء المناضلات في تعزيز رؤية جديدة للأمن تستند إلى فكرة الأمن البشري، في مواجهة أمن الدولة أو الأمن العسكري.
وأحرزت الوكالات الدولية الرئيسية المشاركة في الجهود الإنسانية والحقوقية والتنموية تقدماً حقيقياً في مجال مراجعة فعالية عملها وتأثيره في منع العنف وغيره من انتهاكات حقوق المرأة.
وشهد العقد الأخير اختراقات رئيسية على مستوى المعايير والآليات والالتزامات الدولية المتعلقة بالعنف ضد المرأة. بيد أن درجة فظاعة هذا العنف واستمراره العنيد في النـزاعات الراهنة، وفقاً لتوثيق منظمة العفو الدولية لعام 2004في بلدان من قبيل أفغانستان وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان ونيبال، يشيران إلى أن ذلك ليس كافياً.
وبعد مرور عشر سنوات على جرائم الإبادة الجماعية في رواندا، حيث كان العنف ضد المرأة عنصراً أساسياً في استراتيجية القضاء على جماعة عرقية معينة، يبدو أنه لم يتم تعلم شيء يُذكر حول كيفية منع مثل هذه الفظائع. وبالنسبة لجميع الالتزامات على المستوى الدولي، يبدو أن ثمة افتقاراً شديداً إلى أدوات فعالة لوضع حد للعنف ضد المرأة في الممارسة العملية.
وفي تقييم للتقدم الذي أُحرز بعد مرور 10سنوات على إنشاء منصب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعنف ضد المرأة،عمدت المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة إلى إبراز انعدام الإرادة السياسية لتنفيذ المعايير الدولية بشكل فعال، ورد الفعل المضاد للحقوق الإنجابية للمرأة، وتغير الظروف الأمنية العالمية، باعتبارها تشكل تحديات رئيسية في النضال من أجل وضع حد للعنف ضد المرأة.9
النـزاع والأمن في القرن الحادي والعشرين
إن العدوان العسكري والاحتلال الأجنبي وعجز الدول أو انهيارها والتوترات بين الطوائف والجماعات أو النـزاعات هي واقع يؤثر على الناس في سائر أنحاء العالم. ولا يُظهر عدد النـزاعات أي مؤشر على تناقصها. ففي الفترة1989-
1997، على سبيل المثال، قُدر عدد النـزاعات المسلحة بنحو 103نـزاعات في 69بلداً.10وفي أفريقيا وحدها، عانى من النـزاعات أكثر من ربع عدد بلدان القارة، البالغ 53بلداً، في نهاية التسعينات.11وفي حروب هذا العالم، يتزايد عدد الضحايا بين صفوف المدنيين،12معظمهم من النساء والأطفال غير المقاتلين.
وتتمثل إحدى السمات المشتركة للعديد من النـزاعات في منقلب القرن الحادي والعشرين في استغلال الاختلافات العنصرية والعرقية والدينية والثقافية والسياسية المتصورة لتحريض طائفة ضد أخرى. وفي مثل هذه الظروف يُرجح أن يُستخدم العنف ضد المرأة بشكل خاص كسلاح للحرب. فقد تصبح النساء اللواتي ينتمين إلى جماعة عنصرية أو عرقية أو دينية معينة أهدافاً للعنف الذي يستهدف سلامتهن الجنسية وقدرتهن الإنجابية، على اعتبار أنهن يحملن الهوية الثقافية للجماعة ويقمن بإعادة إنتاج مجتمعهن.
إن عدداً قليلاً من حروب اليوم يعتبر نـزاعات دولية تدور حصرياً بين جيوش وطنية محترفة.ومع أن توترات دولية ما زالت مستمرة في عدد من مناطق العالم، فإن أغلبية النـزاعات هي نزاعات داخلية بين حكومات وجماعات مسلحة أو بين عدة جماعات مسلحة متنافسة. ولعل بعض أسوأ الفظائع التي ارتكبت ضد المرأة وقع على أيدي "فاعلين غير تابعين للدولة"، ولا سيما الجماعات المسلحة.13وإن مساءلة هؤلاء الفاعلين يمكن أن تشكل تحدياً صعباً؛ إذ أنه قد يكون من الصعب تحديد هيكل التسلسل القيادي لمثل هذه الجماعات. وقد لا يعترفون بأي التزامات بموجب القانون الإنساني الدولي. وقد لا تكون هناك آليات قضائية لتقديم الجناة إلى العدالة وفقاً لمعايير المحاكمات العادلة، ولا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلحة.
وقد أظهرت الهجمات المدمرة في 11سبتمبر/ أيلول 2001نوعاً جديداً من التهديد الذي تمثله الجماعات المسلحة. وفي حين أن الأعمال الإرهابية ضد المدنيين ليست أمراً جديداً، فإن الهجمات التي وقعت في نيروبي ونيويورك وبالي والدار البيضاء ومدريد وبلسان قد هزت ضمير العالم بسبب حجمها وقسوتها المتعمدة. ونظراً لأن العديد من الجماعات المسلحة في الوقت الراهن يعمل ضمن شبكات دولية فضفاضة ويستخدم أساليب من قبيل التفجيرات الانتحارية، فإن إمكانية اقتفاء أثر المسؤولين عن تلك الهجمات ومنع الهجمات المسقبلية أصبحت أكثر صعوبة.
وأدى المناخ الأمني العالمي الجديد الذي ساد منذ11سبتمبر/ أيلول 2001إلى وقوع انتهاكات على أيدي الحكومات في سياق "الحرب على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة. كما عمدت العقائد الأمنية الجديدة إلى توسيع مفهوم "الحرب" ليشمل مجالات كانت تعتبر في السابق ضمن إطار تنفيذ القوانين، وترويج فكرة مفادها أنه يجوز تقييد حقوق الإنسان إذا كان الأمر يتعلق باعتقال "إرهابيين" مشتبهاً فيهم واستجوابهم ومقاضاتهم.
كما أدى المناخ الأمني الجديد ببعض البلدان إلى فرض قيود أشد على المهاجرين وطالبي اللجوء، وبضمنهم العديد من النساء اللواتي هربن من النـزاع أو حاولن إيجاد عمل وإرسال بعض المال إلى أفراد عائلاتهن في البلدان التي مزقتها الحرب. فعلى سبيل المثال، أدى تأثير التأخير في الإجراءات والقيود التي فرضتها حكومة الولايات المتحدة بعد أحداث 11سبتمبر/ أيلول 2001إلى انخفاض حاد في عدد الأجانب الذين أصبحوا مهاجرين دائمين في الولايات المتحدة في العام 2003.14ووردت أنباء عن تزايد القيود على اللاجئين والعمال المهاجرين أو المهاجرين المحتملين من بل3?ان أخرى، منها اليابان، حيث يرجح أن تؤثر تلك القيود بشكل خاص على عاملات المنازل اللواتي يبحثن عن عمل هناك.
وأثار التدخل العسكري بقيادة الولايات المتحدة في العراق بواعث قلق من احتمال أن يكون العالم قد دخل حقبة جديدة من الحروب الوقائية والاستباقية، حيث يمكن شن الحروب مع تجاهل القيود المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. ونظراً للموقع المهيمن الذي احتلته الولايات المتحدة على المسرح العالمي، فإن السياسة الأمريكية ستقرر إلى حد كبير ماهية الاتجاهات.وثمة سمة أخرى للنـزاع المعاصر تتمثل في دور المصالح الاقتصادية القوية في إذكاء نار النـزاعات والعسكرة وجني ثمارها. وإذا نشب مزيد من النـزاعات على الموارد في المستقبل، فإن دور الشركات سيكون أكثر أهمية وحسماً. كما أنه لم يعد بالإمكان تجاهل تجارب المرأة في الحوارات السياسية حول الأمن، فإن من الضروري إيلاء اهتمام ملح بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للأمن البشري إذا ما أُريد درء خطر النـزاعات في المستقبل.
حملة منظمة العفو الدولية: دعوة إلى التحرك
لم يعد هناك اليوم أي عذر لتجاهل حجم الجرائم ضد المرأة في النـزاعات. فمع التقارير الإخبارية اليومية القادمة من مناطق الحرب في شتى أنحاء العالم، لا يستطيع أحد أن يدعي بأنه لا علم له بما يحدث. كما لا يستطيع أحد أن يخبأ رأسه خلف جدار العذر الذي يقول إنه لا يمكن فعل شيء. إن ثمة حاجة ماسة إلى إيجاد أشكال تحرك أكثر فعالية، بحيث تكون متناسبة مع حجم وخطورة الجرائم التي يكشف عنها النقاب.
ولا يقصد بهذا التقرير أن يكون بمثابة دليل للأهوال، وإنما هو دعوة إلى التحرك. فقد أطلقت منظمة العفو الدولية حملة عالمية طويلة الأجل لمناهضة العنف ضد المرأة. ويتمثل أحد أهداف هذه الحملة في إظهار استمرار العنف ضد المرأة، من أوقات السلم إلى أوقات الحرب، ومن الفضاء المنـزلي إلى الفضاء العام. وتتضمن الحملة محوراً حول العنف ضد المرأة في الأوضاع المرتبطة بالنـزاع. ولهذه الغاية تقدم المنظمة جدول أعمال للتحرك على جميع المستويات، العالمي والإقليمي والوطني والمحلي، وتحدد الخطوات الملموسة التي يمكن اتخاذها لمعارضة العنف ضد المرأة، ودعم الناجيات والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يعملون من أجلهن، وخلق عالم يمكن فيه للمرأة أن تتمتع بالسلام والأمن في جميع مناحي حياتها.
إن وضع حد للعنف ضد المرأة هدف طموح، بيد أن منظمة العفو الدولية تعتقد أن التعبئة الهائلة والمنسقة للأفراد والمنظمات والمؤسسات في العالم بأسره يمكن أن تجعل هذا الهدف في متناول الأيدي. وتقترح المنظمة جدول أعمال للتغيير، تأمل أن تلتقي حوله طائفة من الفاعلين، بينهم شخصيات سياسية ومنظمات غير حكومية ووسائل إعلام وأشخاص عاديون، رجالاً ونساءً.
ويتمحور جدول أعمال منظمة العفو الدولية حول ضرورة منع وقوع العنف ضد المرأة أو وقفه، وتقديم الذين يمارسونه إلى العدالة، وتحقيق الإنصاف للناجيات، وتعزيز دور المرأة في العمليات التي تؤثر على حياتها. وتبني المنظمة على عمل المنظمات الأخرى التي لها باع طويل في هذا المجال في سائر أنحاء العالم، وتكمله.
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذه الخطوات أساسية باتجاه بناء مستقبل لا تعود فيه المرأة أداة سلبية للحرب، بل تصبح فاعلاً إيجابياً في السلام، لا مجرد ضحية للانتهاكات، بل صاحبة حق. وهذا المستقبل في أيدينا.
نطاق هذا التقرير ومنهجيته
المصـادر
تستند نتائج هذا التقرير إلى أبحاث منظمة العفو الدولية ونضالاتها بشأن عدد من أوضاع النـزاع والعنف الجماعي في شتى أنحاء العالم على مدى العقد الأخير، بالإضافة إلى مشاركة المنظمة في العمل الدعاوي ووضع المعايير على المستوى الدولي. كما تستند إلى أبحاث وتحليلات الأكاديميين والصحفيين ودعاة حقوق المرأة العاملين في مجال العنف ضد المرأة في النـزاعات المسلحة حول العالم.
ويعدُّ هذا التقرير جزءاً من سلسلة من المطبوعات التي نشرتها منظمة العفو الدولية كجزء من حملتها لوضع حد للعنف ضد المرأة.15
إن العديد من الشهادات والحالات الواردة في التقرير لا يأتي على ذكر أسماء الضحايا والناجيات، أو يعطي تفاصيل دقيقة لسيرتهن، والسبب في معظم الحالات هو حماية هوية النساء والفتيات المعنيات واحترام أمنهن وأمن أقاربهن. إلا أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن منظمة العفو الدولية اكتشفت أن العديد من الناجيات من العنف ضد المرأة –إذا توفرت لهن ظروف ملائمة، من قبيل ضمان الخصوصية والسرية ومراعاة النوع الاجتماعي، إذ يفضل أن تجري المقابلة امرأة-سيروين حكاياتهن بشجاعة من أجل المساعدة على تقديم الجناة إلى العدالة والحؤول دون مرور النساء الأخريات بالمعاناة التي مررن بها.
النـزاع والعسكرة: استمرار العنف
يستند هذا التقرير إلى الاعتراف بأن النـزاع المسلح جزء من استمرارية أوسع نطاقاً للعنف الجماعي.16فمعظم الأمثلة الواردة في التقرير مستمدة من أوضاع النـزاعات المسلحة، سواء كانت دولية (أي بين جيوش دول مختلفة) أو غير دولية (أي بين الدولة وقوات جماعات المعارضة المسلحة، أو التي تشارك فيها عدة جماعات مسلحة متحاربة). بيد أن التقرير يتناول كذلك أوضاعاً أخرى للعنف الجماعي، وبضمنه العنف بين الطوائف والجماعات، الذي قد لا يصل إلى حد النـزاع المسلح بحسب القانون الإنساني الدولي. كما أنه يغطي أوضاع ما قبل النـزاع وما بعده، مع الاعتراف بأهمية التصدي للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي في ظروف النـزاعات الوشيكة وما بعدها.
إن القانون الإنساني الدولي يميز بين "النـزاعات المسلحة" وبين "أوضاع الاضطرابات والتوترات الداخلية، كأعمال الشغب أو أعمال العنف المعزولة والمتفرقة وغيرها من الأعمال ذات الطبيعة المماثلة"، التي تقع دون خط النـزاع المسلح، والتي لا ينطبق عليها القانون الإنساني.17
وكثيراً ما يكون من الصعب توضيح الفروق بين مختلف أنواع النـزاع المسلح وبين العنف الجماعي. ومثل هذه الفروق، التي تعتمد على شدة العنف وعلى الطبيعة الدولية أو غير الدولية للنـزاع، قد تبدو غير ذات معنى على أرض الواقع، حيث يقاسي الناس في الحالتين بغض النظر عن مثل هذه التصنيفات. ومع ذلك فإن لهذه الفروق تداعيات على مجموعة القوانين الدولية المنطبقة، ولذا ينبغي أخذها بعين الاعتبار في الجهود التي تُبذل لحمل الأطراف المتحاربة على احترام القواعد والمبادئ الأساسية للإنسانية في الأوضاع ذات الصلة.
كما يمكن أن يكون من الصعب أن نحدد ونقرر بشكل دقيق متى تتحول أوضاع ما قبل النـزاع إلى نـزاع مسلح، أو أن نتفق تماماً متى يكون النـزاع قد انتهى بشكل أكيد وتحول إلى مرحلة ما بعد النـزاع. إن مثل هذه القرارات قد تكون مسيَّسة أو متحيزة إلى حد كبير، كما أن بعض أوضاع ما بعد النـزاع تحمل في طياتها بذور نـزاع جديد أو عوامل تجدد النـزاع.
إن تزايد استخدام القوة لحل النـزاعات الدولية والداخلية، ونشر الأسلحة، والتشهير "بالعدو"، سواء كان هذا العدو داخلياً أو خارجياً، وتجريده من الروح الإنسانية، يمكن أن يُنظر إليها جميعاً على أنها من خصائص ظاهرة العسكرة في المجتمع على نطاق أوسع. ويمكن ملاحظة سيرورة مماثلة على المستوى العالمي، مع الارتفاع الشديد في النفقات العسكرية العالمية والمكانة الثانويةلبواعث القلق الخاصة بحقوق الإنسان بالنسبة إلى جدول الأعمال "الأمني" الضيق الأفق.18
وليس المقصود من محور هذا التقرير الإيحاء بأن العنف ضد المرأة يقتصر على أوضاع النـزاع المسلح، ذلك لأن أوقات السلم وأوقات الحرب على السواء، يمكن أن تكون أوقاتاً للتمييز والعنفبالنسبة للنساء والفتيات. وقد تصدت منظمة العفو الدولية للعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي في العائلة والمجتمع وأماكن الحجز التابعة للدولة، وأبرزت كيف يقع العنف ضد المرأة في طيف واسع من الظروف المترابطة.19
ولغايات هذا التقرير، نشير إلى أن تعبير "النـزاع" يُستخدم ليشمل النـزاعات داخل المجتمع والاضطرابات وغيرها من الأوضاع التي قد لا تصل إلى حد النـزاع المسلح بحسب القانون الإنساني الدولي. كما يتناول التقرير النـزعة العسكرية وأوضاع ما قبل النـزاع وما بعده. ومن هنا فإن القوانين ذات الصلة ترتبط بالقانون الدولي الذي ينطبق على أوقات السلم، وعلى أوضاع الاضطرابات والتوترات وما شابهها من مصادمات على مستوى متدنٍ ولا تصل إلى حد النـزاع المسلح، وعلى النطاق الكامل للنـزاعات المسلحة.
ثمة أربع مجموعات فرعية من القانون الدولي ذات الصلة بموضوعنا، وهي: القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقانون اللاجئين، والقانون الإنساني الدولي، والقانون الجنائي الدولي. وجميعها يشكل معاهدات وقواعد للقانون الدولي العام أو العرفي. وكان هناك عدد من الصكوك القانونية الإقليمية والآليات الخاصة بحماية حقوق الإنسان والمهمة للتصدي للعنف ضد المرأة.( أنظر المحلق للاطلاع على قائمة بالمعاهدات والمعايير الدولية والإقليمي الرئيسية ذات الصلة).
العنف ضد المرأة: كوكبة من انتهاكات الحقوق
إن العنف بسبب النوع الاجتماعي هو عنف جسدي ونفسي على حد سواء، ويمكن أن يترتب عليه كوكبة من انتهاكات حقوق الإنسان. لكن لا يمكن أن نعتبر أن جميع أشكال الأذى التي تلحق بالمرأة إبان النـزاع تندرج تحت تعريف العنف ضد المرأة، أو أنها تشكل أفعالاً غير قانونية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني. فمقتل امرأة مقاتلة في سياق المواجهة المسلحة ليس فعلاً غير قانوني بحد ذاته، ولا يشمله التعريف الوارد في إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة. وفي هذا التقرير تشير منظمة العفو الدولية إلى العنف ضد المرأة الذي يُرتكب على أساس النوع الاجتماعي على نحو ما لأنه يمكن القول إن له أسباباً وتجليات وعواقب تتعلق بالنوع الاجتماعي، والذي يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية المطبقة.
وعند النظر إلى العنف ضد المرأة في النـزاع، من المهم الاعتراف بأن تجربة النساء كأفراد ستتأثر بالظروف السياسية والثقافية الخاصة وبجوانب هويتهن وعقائدهن وأوضاعهن في المجتمع. والتمييز على أسس من قبيل العنصر أو العرق أو الدين أو الميول الجنسية أو الطبقة أو الوضع الاقتصادي، يمكن أن يولد خطر العنف على أساس النوع الاجتماعي الذي تواجهه نساء معينات. كما أنه يمكن أن يعيق إمكانية حصولهن على العدالة والإنصاف. وكما قالت راديكا كوماراسوامي، المقررة الخاصة الأولى للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة، فإن آثار العنصرية ورهاب الأجانب وغيرهما من أشكال التحامل، يمكن أن تقوِّض أمن النساء المهاجرات والنساء اللاتي ينتمين إلى السكان الأصليين والأقليات وغيرهن من النساء المهمشات في شتى أنحاء العالم في أوضاع النـزاع والتوترات الداخلية.20
الفصل 2:النوع الاجتماعي والعنف والنـزاع
إن جذور العوامل التي تسهم في العنف ضد المرأة في أوضاع النـزاع والعسكرة تمتد في التمييز المتفشيالذي تواجهه المرأة في أوقات السلم وأثناء النـزاع وبعده على حد سواء. كما أن العنف والتمييز ضد المرأة متأصلان في لغة النـزاع والعسكرة. ويبدو أنهما يشكلان سمة متأصلة للحرب ومستحكمة في المؤسسات التي تشن هذه الحرب.
وفي أوقات السلم، نادراً ما تتمتع المرأة بالموارد الاقتصادية والحقوق السياسية والسلطة أو السيطرة على ظروفها واحتياجاتها كما الرجل. إن أوضاع النـزاع المسلح تؤدي عادة إلى تفاقم حالة انعدام المساواة في وضع المرأة في المجتمع، وتؤجج نار الظروف الصالحة لمزيد من التمييز والعنف ضد المرأة.
إن النـزاع والعسكرة يعززان النمطية الجنسوية والتمييز الجامد في أدو75?ر النوع الاجتماعي. ووفيهما تنتشر الأسلحة ويصبح العنف وسيلة يومية للتفاعل الاجتماعي. وغالباً ما يخلق النـزاع ظروف حرمان اقتصادي شديد عندما يصبح السكان المدنيون –ولا سيما النساء- معتمدين في بقائهم كلياً على سلطات معينة (سواء كانت قوات احتلال أو قوات حفظ سلام أو عاملين في مجال الإغاثة الإنسانية)، الأمر الذي يتركهن عرضة للاستغلال الجنسي وغيره من أشكال الاستغلال. وفي حالات الطوارئ يتم تعليق الحقوق المدنية والسياسية في القانون أو الممارسة، مما يؤدي إلى مزيد من تقييد قدرة المرأة على تحدي مجرى الأحداث من حولها أو التأثير فيه.
وثمة تأثيرات أخرى عديدة للعسكرة على أمن المرأة، وهي تأثيراتمرتبطة بالنوع الاجتماعي. وحتى قبل إطلاق الرصاص، فإن تزايد النـزعة العسكرية وتحويل الموارد إلى التسلح غالباً ما يترك آثاراً سلبية على المرأة، وذلك لأنه يتم تقليص الرعاية الصحية ومكاسب الأمومة ورعاية الطفولة وتعليم الأطفال والنساء، أو نبذها جانباً واعتبارها قضية ثانوية بالمقارنة مع "قضايا الأمن القومي". فعلى سبيل المثال، أشار صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة "يونيفيم" إلى أن تكاليف تمويل طائرة مقاتلة من نوع F-22يمكن أن تغطي نفقات الرعاية الصحية السنوية لنحو 1.3مليون امرأة في الولايات المتحدة.21وفي يناير/ كانون الثاني 2003، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أنه يعتزم الطلب من الكونغرس تخصيص 15بليون دولار أمريكي على مدار السنوات الخمس القادمة من أجل وقف زحف الأيدز. وفي الفترة نفسها تقريباً كانت الأنشطة العسكرية وأنشطة المراقبة في وسط آسيا، كجزء من "الحرب على الإرهاب"، تكلف 2بليون دولار شهرياً.22
إن النوع الاجتماعي عنصر أساسي في الجدل الدائر حول مشروعية التدخل العسكري وأخلاقيته، بما في ذلكاستخدام القوة ضد دولة أخرى، باسم حقوق الإنسان. وقد ازداد الجدل احتداماً في ضوء التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وأزمة حقوق الإنسان الراهنة في دارفور بغرب السودان.
ثمة عواقب خاصة تتهدد النساء عندما لا يقع التدخل العسكري لوقف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، كما حصل في يوغسلافيا السابقة ورواندا في التسعينيات. وفي الوقت نفسه هناك عواقب خطيرة على النساء عندما يقع التدخل العسكري، لأن الاتجار بالنساء والفتيات والبغاء القسري وغيره من أشكال العنف بسبب النوع الاجتماعي تتفشى في مثل هذه الظروف. وأشار بعض الباحثين المدافعين عن حقوق المرأة إلى أن الدول قد تتردد في التدخل باستخدام القوة عندما يظهر أن أرواح النساء وأجسادهن هي المهددة بالخطر.23ويشير آخرون إلى استخدام بواعث القلق بشأن الحقوق الإنسانية للمرأةبشكل انتقائيلتبرير التدخلمثلما حصل في أفغانستان مثلاً.
إن العنف بسبب النوع الاجتماعي لا يؤثر على النساء والفتيات فحسب، بل على الرجال والأولاد أيضاً. ففي العديد من النـزاعات يكون الرجال أكثر عرضة للقتل، بينما تكون النساء أكثر عرضة للعنف الجنسي. إلا أن الرجال أيضاً يتعرضون للعنف الجنسي في الحروب. ففي يوغسلافيا السابقة، مثلاً، أُرغم بعض الرجال على إساءة معاملة رجال آخرين، بينما كان سجانوهم يسخرون منهم. واستخدمت قوات الاحتلال الأمريكي أساليب مشابهة أثناء استجواب المعتقلين العراقيين عقب احتلال العراق في العام 2003. وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، يتم اغتصاب الفتيان والرجال كوسيلة للانتقام من الأفراد والعائلات والجماعات، ولتقويض القيم الأساسية والنسيج الاجتماعي للمجتمع. وشأنهم شأن النساء، فإن الرجال الذين يتعرضون للعنف الجنسي يواجهون وصمة عار، وغالباً ما تؤثر على قرارهم بشأن السعي لتحقيق العدالة.
الأقوال والأفعال: الخطاب والعنف بسبب النوع الاجتماعي
عبر التاريخ وفي مختلف الثقافات انعكس العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي بقوة في خطاب المسؤولين الحكوميين والزعماء الدينيين وزعماء المجتمعات المحلية والجماعات المسلحة، وذلك بهدف تعبئة المواقف المعادية للعدو والتي تجرِّده من الروح الإنسانية في أوقات النـزاعات الوشيكة. ويمكن أن يسهمهذا الخطاب في دورة العنف المتصاعد.
وقد أظهرت الدعاية في أوقات الحرب في العديد من البلدان كيف يتم تعزيز النمطية القائمة على النوع الاجتماعي في الفترة التي تسبق نشوب النـزاع وأثناء النـزاع، بهدف رفع معنويات القوات العسكرية وإضعاف المعارضين والتأكيد على أن المرأة ستلعب الأدوار "الأنثوية" الضرورية للمساعدة في الحرب. وفي صلب هذا الخطاب تقع فكرة أن المرأة –ولا سيما جسدها ورغباتها الجنسية وقدراتها الإنجابية- هي مستودع شرف المجتمع. ومن الشائع استخدام الخيال فيما يتعلق باغتصاب النساء لتعزيز الإحساس بالتضامن الاجتماعي وزيادة الخوف من "العدو" وانعدام الثقة فيه. ففي أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية مثلاً، نُشرت في صفوف الطرفين المتحاربين قصص رعب حول اغتصاب النساء من قبل الأعداء. فقد صوَّرت الملصقات في فرنسا اغتصاب "ماريان"، وهي رمز فرنسا، مما أيقظ مشاعر الخوف من وقوع الاغتصاب الفعلي للنساء الفرنسيات ومن الاغتصاب الرمزي للأمة.
وبالمثل، استُخدم في ولاية غوجارات الهندية تاريخ محرَّف لتعزيز الأسطورة والصورة الخيالية للرجل المسلم الفحل العنيف والمرأة الهندوسية الضحية. وتم خلط صورة المرأة الهندوسية المعرضة لخطر الاغتصاب مع "الهند الأم" أو "الوطن الأم"، وبالتالي أصبح التاريخ الخيالي لاغتصابهما (أي المرأة الهندوسية والهند) مبرراً لاغتصاب النساء المسلمات. وما من شك في أن مثل هذه الدعاية التي تعزز مشاعر البغضاء أسهمت في تفشي إساءة المعاملة الجنسية للنساء المسلمات إبان العنف بين الطائفتين في فبراير/ شباط 2002.24
وفي صلب هذا الخطاب القائم على الجنس والنوع الا
u1580?تماعيالذي ساد في فترة ما قبل نشوب النـزاع وأثناءه يكمن تحريض واضح على ارتكاب العنف ضد المرأة. ونتيجةً لذلك، غالباً ما يُصبح العنف الجنسي استراتيجية مقصودة تهدف إلى ترهيب السكان بأكملهم والحط من شأنهم و"هزيمتهم"، كما يُصبح أسلوباً لتوليد الكراهية والتدمير. فالاعتداء على النساء يمكن أن يُنظر إليه على أنه اعتداء على الطائفة أو الجماعة برمتها –وإهانة بالغة، لا للنساء اللائي تعرضن للاعتداء فحسب، وإنما لأولئك الذين كان من واجبهم حمايتهن. ويمكن تفسير النصر على قوات العدو على أنه ترخيص للاغتصاب، ويُنظر إلى أجساد النساء على أنها غنائم حرب. ولطالما اعتُبرت أجساد النساء، على مر التاريخ، أسلاباً مشروعة للجيوش المنتصرة. ويمنح القادة رُخص اغتصاب ضمنية أو صريحة كوسيلة لـ" ربط" الرجال بوحداتهم.
وفي بعض الأحيان تكون الاعتداءات موجهة ضد النساء بصفتهن "حاملات" للجيل القادم من "الأعداء". وهذا يفسر لماذا تترافق الاعتداءات على النساء أحياناً بعمليات بتر لأعضائهن التناسلية أو قتل الأجنة. فإثناء النـزاع المسلح في غواتيمالا، الذي استمر أكثر من ثلاثة عقود وتفاوتت حدته منذ الستينيات، أبلغ الجنود منظمة العفو الدولية بأنهم اقترفوا مثل تلك الأفعال بهدف "قطع نسل أفراد حرب العصابات".25
ووردت أنباء عن وقوع فظائع مشابهة في العام 2004في السودان وإبان النـزاعات الأخيرة التي نشبت في عدد من بلدان أفريقيا، حيث تم بتر الأعضاء التناسلية للنساء بعد اغتصابهن، أو عرضها كأسلاب حرب.
إن دُنو النـزاع يجعل المجتمع أكثر عزماً على المحافظة على ما يراه أمراً أساسياً لهويته الوطنية أو الدينية أو الثقافية. وقد تركز الدعاية والضغوط الاجتماعية على التوقع بأن النساء سيقمن "بتنشئةالجنود". وقد يُحظر الزواج بين أفراد الجماعات العرقية المختلفة، ويتم تشديد السيطرة على الرغبات الجنسية للمرأة وطريقة لباسها وحرية تنقلها أو أنشطتها خارج المنـزل.
ونظراً لشيوع إثارة مُثل الطهارة الجنسية والسلامة الجنسية للمرأة في الخطاب الخاص بالنـزاع، واستخدام هذه المثل في محاولة لتمييز العدو، فإن النساء اللائي يُنظر إليهن على أنهن يبتعدن عن "المعايير" والأنماط الجنسية الصارمة، كثيراً ما يتعرضن للهجوم بسبب خيانتهن لثقافة مجتمعهن وهويته. وهذا ينطبق بشكل خاص على النساء ذوات الميول المثلية والثنائية، اللواتي يمكن أن يتعرضن لأشكال من التمييز أشد عنفاً مما هي عليه في أوقات السلم.26
وكثيراً ما يتم تصوير الميول الجنسية المثلية على أنها من خصائص العدو –مثل: "غير وطني" أو "غير ثوري" أو"مستورد". ونتيجةً لذلك يتعرض ذوو الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولون إلى الجنس الآخر للاعتداءات.
وبيَّنت الأبحاث التي أجرتها منظمة العفو الدولية في كولومبيا في العام 2004أنه في المجتمعات التي تسودها النـزعة العسكرية، حيث تتمتع قوات الجيش والقوات شبه العسكرية المدعومة من الجيش، وقوات حرب العصابات بوجود كبير، تتفاقم النمطية القائمة على النوع الاجتماعي، مما يزيد من مخاطر استخدام العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد الأشخاص الذين يُعتقد أنهم من ذوي الميول الجنسية المثلية أو الثنائية. ففي أواخر العام 2002، تم تجريد فتاة في الرابعة عشرة من العمر في أحد شوارع مدينة مدلين، بينما تدلَّت حول عنقها لافته تقول "أنا سحاقية". وذكر شهود أنها اغتُصبت من قبل ثلاثة رجال. وعُثر على جثتها بعد بضعة أيام مقطوعة الثديين.27كما وردت أنباء من كولومبيا عن قيام القوات شبه العسكرية وقوات حرب العصابات بشن هجمات على الأشخاص ذوي الميول الجنسية المثلية أو الثنائية أو المشتبه في أنهم مصابون بفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز.
العسكريون: ثقافة تقوم على أساس النوع الاجتماعي
إن الاتجاهات الاجتماعية وحدها لا تفسر تزايد العنف ضد المرأة في النـزاع. فالمنظومة الأخلاقية والقيمية المكرسة في المؤسسات العسكرية غالباً ما تشجع على العنف ضد المرأة. وتستند ثقافة القوات المسلحة إلى الأنماط الذكورية والإعلاء من شأن الروح العدوانية والحط من قيمة المزايا المرتبطة تقليدياً بالمرأة. وتعمد الجيوش إلى تعظيم الروابط الذكورية وتعبيرات الفحولة والتشجيع عليها وتعزيزها، كي يثق الجنود ببعضهم بعضاً، وليصبحوا أقل استعداداً لإظهار الضعف أمام أقرانهم، وأكثر استعداداً لركوب المخاطر التي تجعل منهم وحدة مقاتلة جيدة.28
وتتعزز مثل هذه القيم بسبب التركيبة الذكورية الطاغية للقوات المسلحة في سائر أنحاء العالم. فثمة23مليون جندي في الجيوش الدائمة في شتى أنحاء العالم، وتبلغ نسبة الذكور حوالي 97%منهم. وتتجه النساء اللواتي يخدمن في القوات المسلحة إلى الاضطلاع بالأدوار الإدارية والمتعلقة "بالرعاية". أما بالنسبة للقوات المقاتلة فإن نسبة الذكور فيها تبلغ %99.30إن قلة عدد الدول التي تسمح للمرأةبأن تتبوأ مناصب قد يكون لها علاقة بالأعمال القتالية يمثل انعكاساً للفكرة الشائعة التي تقول إن المرأة بطبيعتها غير ملائمة لمثل هذا النشاط. وقد أبدى عدد من الدول تحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بحجة أن مبدأ المساواة في الحياة العامة لا يشمل الواجبات المتعلقة بالقتال.
ومما يبعث على الصدمة كذلك أن تكون النساء المنخرطات في القوات المسلحة أنفسهن من مرتكبي إساءة المعاملة الجنسية أو التحرش الجنسي بالرجال، كما تشهد على ذلك صور المجندات الأمريكيات وهن يسخرن من المعتقلين العراقيين ويسئن معاملتهن. وهذا يشير إلى أن مجرد تجنيد النساء في القوات المسلحة بحد ذاته لن يكون كافياً لتغيير المنظومة الأخلاقية والقيمية للمؤسسة.
لقد كان للمشاركة في المجهود الحربي بالنسب�577? لبعض النساء، سواء كمقاتلات في جيوش الدول أو في صفوف الجماعات المسلحة أو كمدنيات، بعض الفوائد الإيجابية.31فقد أتاحت الحرب لبعض النساء فرصة لدخول سوق العمل واكتساب حريات معينة والتمتع بمركز جديد. أما مشاركة المرأة في النضالات الوطنية والثورية، فقد أدى أحياناً إلى تسهيل التأكيد على الحقوق السياسية فيما بعد. بيد أنه كثيراً ما يكون من الصعب على المرأة الاحتفاظ بهذه الفوائد بعد انتهاء النـزاع. كما أن الخلل في الأدوار التقليدية الخاصة بالنوع الاجتماعي مرتبط بارتفاع معدلات العنف المنـزلي في ظروف النـزاع وما بعد النـزاع.
كما أن الظروف التي تعمل فيها القوات المسلحة تعزز الاتجاهات التي تفضي إلى العنف ضد المرأة. وفي ظروف الاحتلال العسكري، مثلاً، يُنتزع الجنود من مجتمعاتهم وبيوتهم وشركائهم وعائلاتهم. وفي الوقت نفسه غالباً ما يكونون محاطين بسكان مدنيين، معظمهم من النساء، حيث ينظرون إلى هؤلاء السكان كأعداء أو ذوي مكانة متدنية من الناحية العنصرية أو غيرها. إن الموارد الإضافية التي غالباً ما تكون تحت تصرف الجيش المحتل، والبؤس الذي تعاني منه العديد من النساء أثناء النـزاع وما بعده يمكن أن يؤديا إلى تسهيل وقوع العنف الجنسي واستغلال النساء. ففي الحرب الأمريكية على فيتنام في الستينيات والسبعينيات، أصبحت عمليات قتل المدنيين الفيتناميين وتدمير قرى بأكملها معروفة للجمهور من خلال التغطية التلفزيونية لها. أما ما لم يكن معروفاً بالقدر نفسه فهو المدى الذي ذهبت إليه القوات الأمريكية في الهجوم على النساء الفيتناميات، والذي رأى فيه جنودها أسلوباً لإذلال الرجال الفيتناميين. وورد أن الجندي الأمريكي في فيتنام كان يكتسب صفة "المحارب المزدوج" باغتصاب امرأة فيتنامية، إما بشكل فردي أو جماعي ضمن عصبة تدعى "الأصدقاء" ومن ثم بقتل الضحية.32
وما انفك الاتجار بالنساء على نطاق واسع لغايات البغاء يمثل إحدى خصائص الحروب وغيرها من العمليات العسكرية منذ قرون. فخلال الحرب العالمية الثانية، أرغم الجيش الامبراطوري الياباني نحو 200,000امرأة من مختلف أنحاء آسيا على الخضوع للاسترقاق الجنسي في ما سُمي بـ" محطات الراحة".
وفي السنوات الأخيرة تورط أفراد من القوات المسلحة النظامية وجماعات المعارضة المسلحة والميليشيات والعاملين في منظمات الإغاثة الإنسانية وقوات حفظ السلام في عمليات الاتجار بالنساء لغايات الاستغلال الجنسي. وازدهرت عمليات الاتجار بالفتيات الصغيرات اللواتي لم يتجاوزن الثانية عشرة من العمر، حتى تحولت إلى صناعة ضخمة في منطقة البلقان مثلاً، وأججها ازدياد الطلب على خدمات البغايا من جانب أفراد القوات الدولية المتمركزة هناك. وقد اشتُبه في تورط بعض أفراد القوات التي تعمل مع "كيه فور"، وهي قوة حفظ السلام الدولية، في عمليات الاتجار بالنساء لاستخدامهن في الدعارة القسرية. إلا أن أفراد هذه القوات يتمتعون بالحصانة من الملاحقة القضائية في كوسوفو مالم يقم قائد الكتيبة برفع تلك الحصانة عن الجندي المعني.33ولم يُعرف ما إذا كانتحكوماتهم قد اتخذت أي إجراءات قضائية فيما يتعلق بالتورط في عمليات الاتجار بالنساء.
ولا يجري الاتجار بالنساء والفتيات لغايات الدعارة فحسب، وإنما أيضاً لغايات العمل القسري، سواء الزراعي أو المنـزلي. ففي كمبوديا، مثلاً، تم الاتجار بالنساء اللواتي فقدن أطرافهن أو تعرضن للتشويه بسبب الألغام الأرضية، بالإضافة إلى النساء المسنات، ونقلهن إلى تايلند للعمل كمتسولات.35
إرث النـزاع
إن العنف ضد المرأة لا ينجم عن وسائل الحرب وأساليبها وحدها. فالظروف السياسية والاقتصادية للنـزاع، والعمليات والمناقشات التي تجري قبل نشوب النـزاع، والمؤسسات العسكرية المشاركة فيه والقيم التي تجسدها هذه المؤسسات، والمناخ الذي يخلقه، والإرث الذي يخلفه، يمكن أن تساهم جميعاً في تأجيج نار التمييز والعنف ضد المرأة.
وقد تستمر جميع هذه العوامل لفترة طويلة بعد انتهاء النـزاع رسميا. فقد ظهرت مستويات مفزعة من العنف ضد المرأة كباعث قلق رئيسي في أوضاع ما بعد النـزاع في أمريكا الوسطى، حيث ارتبطت موجة عمليات القتل بسبب النوع الاجتماعي في العائلة وفي المجتمع بإرث النـزاع الذي عصفبالمنطقة حتى منتصف التسعينيات. وفي الوقت الذي لم يجر تحقيق فعال في هذه الجرائم، فقد عُزيت إلى مجموعة من العوامل، منها المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بتصفية اقتصاد الحرب وتسريح المقاتلين وانتشار الأسلحة الصغيرة وغيرها من الأسلحة وتكريس مناخ الإفلات من العقاب، والتحولات التي طرأت في علاقات النوع الاجتماعي في سنوات النـزاع وما بعده.36
ووردت أنباء عن تزايد العنف العائلي في أعقاب نـزاعات أخرى، ومن أسبابه المناخ العام للعنف، الذي يؤدي إلى ازدياد اللجوء إلى العنف في العلاقات الاجتماعية، وتفشي الإصابة بالصدمة النفسية التي تعاني منها الناجيات من النـزاع، والإحباطات الناجمة عن انعدام فرص العمل والمأوى والخدمات الأساسية، والتوترات المصاحبة للتحولات التي طرأت على الأدوار التقليدية المرتبطة بالنوع الاجتماعي في نطاق العائلة.37
ففي الأراضي المحتلة في غزة والضفة الغربية، مثلاً، عانت النساء الفلسطينيات من ازدياد مستويات العنف العائلي –إلى جانب العنف الذي يهدم منازلهن وتدمير مجتمعاتهن والقضاء على مصادر رزقهن على أيدي القوات الإسرائيلية- منذ اندلاع الانتفاضة في العام 2000.38وقد لاحظت مؤسسات فلسطينية عدة أن العنف المنـزلي تصاعد مع ازدياد مستوى العنف خارج المنـزل.39وذكرت نساء فلسطينيات أن بعض الرجال الذين كانوا محتجزين لدى القوات الإسرائيلية كانوا يسومون زوجاتهم سوء المعاملة، ويستخدمون أساليب التحقيق التي كانوا قد عانوا منها هم أنفسهم في السجون.40
وف�610? الولايات المتحدة يشكل الجنود الحاليون والجنود السابقون نسبة كبيرة من مرتكبي العنف ضد الإناث من أفراد الأسرة، وبشكل غير متناسب. وهي حقيقة تُعزى إلى النـزعة الاستبدادية التي يتشبعون بها في الجيش، وإلى استخدام القوة في التدريب بشكل معتاد، والضغط النفسي الذي يولده التنقل والفصل الدائمين.41وفي العام 1996، أظهرت دراسة أجرتها وزارة الدفاع "البنتاغون" أن ما يربو على 50,000من الأفراد الموجودين في الخدمة قد ضربوا زوجاتهم أو ألحقوا بهن أذى جسدي في الفترة من 1991إلى 1995.42وفي غضون ستة أسابيع في العام 2002، قُتلت أربع نساء على أيدي أزواجهن، وهم من أفراد القوات الخاصة المتمركزة في قاعدة "فورت براغ" العسكرية بولاية نورث كارولينا. وكان ثلاثة رجال منهم قد عادوا للتو من الخدمة في قوات العمليات الخاصة في أفغانستان.
[حالـة:
أفغانستان:" لقد قدمنا شكاوى، لكن ما من سميع"
على الرغم من وقف الأعمال الحربية رسمياً وتشكيل حكومة مؤقتة في أفغانستان، فإن جماعات مسلحة مختلفة لا تزال تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد، ولا تزال النساء والفتيات عرضة للعنف في العديد من جوانب حياتهن الخاصة والعامة على حد سواء. وقد أحرزت عملية نـزع الأسلحة وتسريح المقاتلين تقدماً، وإن كان بطيئاً، بيد أن الأسلحة لا تزال تمثل عماد حياة الرجال الأفغان.ويتفشى العنف ضد النساء والفتيات، بما فيه الاغتصاب، والقسوة العقلية والجسدية والزواج القسري ومبادلة الفتيات لتسوية النـزاعات. ومازالت مؤسسات حماية حقوق الإنسان وتطبيق حكم القانون تتسم بالضعف. ونتيجة لذلك، يسود مناخ الإفلات من العقاب الذي تتمتع به الجماعات المسلحة في طول أفغانستان وعرضها. وفي غياب الحماية والعدالة، تظل النساء مستضعفات إلى أقصى حد.
فهذه امرأة في العشرين من العمر من المرتفعات الوسطى لأفغانستان، اغتُصبت بالقرب من قريتها من قبل أحد زعماء الفصائل المسلحة المحلية. وقد قالت لمنظمة العفو الدولية:
"إنني أعاني مما حدث لي. كنت أقوم بغسل الأطباق على عين الماء القريبة من منـزلي عندما شعرت بلمسة على كتفي. استدرت لأرى القائد المحلي للقرية. أمسك بي بقوة وألقى بي أرضاً ثم اغتصبني. لقد سمعت القرية بأكملها صرخاتي ورأت ما حدث لي، ولكن أحداً لم يمد لي يد المساعدة. هرع والد زوجي وثلاثة من أشقائه لمساعدتي، بيد أنهم تعرضوا
للضرب والتهديد من قبل القائد ورجاله. لقد أطلقوا سراحهم، لكن القائد قال لهم إنه لن يلمسهم الآن، ولكنه سيحرص على قتلهم فيما بعد.غادرنا القرية في الليلة نفسها وسرنا عبر الجبال إلى كابول. لقد اغتُصبت نساء عدة في هذه المنطقة من قبل القائد وشقيقه. وكان قد تولى قيادة هذه المنطقة منذ أربع سنوات، حيث غادرت القرية عائلات عديدة بسبب أعمال العنف والنهب والقتل التي اقترفها..."
ولطالما قدمنا شكاوى منذ سنوات عدة، بيد أن أحداً لا يستمع إلى شكوانا. قدمنا شكوى إلى السلطات وغيرها، ولكن السلطات لا تستطيع فعل شيء في منطقتنا لأن القائد هو السلطة".
وتدعي ما لايقل عن عشر نساء أنهن تعرضن للاغتصاب على أيدي أفراد الجماعات المسلحة في المرتفعات الوسطى. وتلقت منظمة العفو الدولية تقارير تفيد بأن أكثر من 50عائلة انتقلت من تلك المنطقة إلى كابول، وادعت أنها تعرضت للاضطهاد والترهيب والعنف الجنسي على أيدي زعماء الجماعات المسلحة.
الفصل 3: الاغتصاب كسلاح للحرب
باعتباره سلاحاً للحرب، يُستخدم الاغتصاب استراتيجياً وتكتيكياً لتعزيز أهداف محددة في العديد من أشكال النـزاع. فهو يُستخدم لقهر النساء والجماعات التي ينتمين إليها وطردها والسيطرة عليها في أوقات الحرب أو في النـزاعات الداخلية. وكشكل من أشكال التعذيب الذي يقوم على أساس النوع الاجتماعي، فإنه يُستخدم لانتـزاع المعلومات والعقاب والترهيب والإذلال. إنه السلاح العالمي الذي يُستخدم لترويع وتدمير مجتمعات بأكملها. ويُرتكب الاغتصاب أحياناً من قبل جميع أطراف النـزاع، إلا أن منظمة العفو الدولية وجدت أدلة، في بعض النـزاعات، على أن جل عمليات الاغتصاب يرتكبها طرف معين ضد الآخر.
الاغتصاب كجزء من الهجوم على مجتمع ما
في بعض أعمال العنف الجماعي، يُستخدم الاغتصاب بشكل منظم ومتعمد لطرد مجموعة من الناس وإخلاء الأرض من سكانها المستقرين. وقد يتخذ الهجوم طابعاً حاداً فيما يتعلق بالنوع الاجتماعي –ففي حين يكون القتل من نصيب الرجال، تتعرض النساء للاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي.
وتتعرض النساء للاعتداء بهدف تحطيم سلامتهن العقلية والجسدية. ويقع الاعتداء علناً لإظهار عجز الرجال عن الدفاع عن مجتمعهم، كما أنهن يتعرضن للهجوم باعتبارهن حاملات للجيل القادم- فإما أن يتم تدمير قدراتهن الإنجابية، أو تسخيرها عن طريق التلقيح القسري لإجبارهن على حمل أطفال الأعداء.
والاغتصاب كجزء من الهجوم على جماعة أو طائفة يمكن أن يشكل أحد عناصر الإبادة الجماعية. وعندما تُرتكب جرائم القتل وغيرها من الجرائم، ومنها الاغتصاب، بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، سواء في أوقات السلم أو الحرب، فإن الجرائم تعتبر جرائم إبادة جماعية.
ففي حالة جان-بول أكايسو، عمدة كومونة طابا في رواندا، الذي حوكم أمام المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا في العام 1998، قررت المحكمة أن عمليات الاغتصاب كانت جزءاً من الإبادة الجماعية. وقد اتُهم جان-بول أكايسو بالتحريض على قتل وتعذيب واغتصاب النساء التوتسيات اللواتي طلبن اللجوء إلى الكومونة إبان عمليات الإبادة الجماعية في العام 1994. وأُدين بممارسة التعذيب بنفسه، وبالقتل والاغتصاب من خلال إصدار أوامر بارتكاب هذه الجرائم والمساعدة على ارتكابها أو التشجيع عليها.
[حالـة:
السودان: الاغتصاب كجزء من الهجوم المنظم والواسع النطاق
نشبت الأزمة الإنسانية الراهنة في إقليم دارفور بغرب السودان في العام 2003، عندما أنشأ المتمردون جماعتين سياسيتين مسلحتين على الرغم من أن الإقليم كان خاضعاً لحالة طوارئ منذ سنتين. وردَّت الحكومة السودانية على التمرد بدعم وتسليح ميليشيا تدعى الجنجويدأو "الخيالة". وشن أفراد هذه الميليشيا، وجلُّهم من الرعاة، حملة استهدفت الجماعات الأفريقية الزراعية –الرعوية التي تعيش في دارفور والمشتبه في أنها تدعم الجماعات المسلحة. ومنذ ذلك الوقت، أُرغم نحو 1.4مليون شخص على مغادرة منازلهم إما إلى أماكن أخرى في دارفور أو إلى تشاد المجاورة.
وقد لقي عشرات الآلاف من الرجال والنساء حتفهم، وتعرضت آلاف النساء للاغتصاب، وأكثر من مليون قروي للتهجير القسري من منازلهم التي تم إحراقها فيما بعد. كما تعرضت محاصيلهم وماشيتهم، وهي وسائل العيش الرئيسية، للنهب والتخريب. وقد ارتكبت ميلشيا الجنجويد هذه الانتهاكات بطريقة منظمة، وغالباً ما تم ذلك بالتنسيق مع الجنود السودانيين وسلاح الجو السوادني.
كان العنف الذي مورس على السكان المدنيين يقوم على النوع الاجتماعي إلى حد كبير. فقد اقتيد الرجال بعيداً وأُعدموا على أيدي الجنجويد، بينما تعرضت النساء للاغتصاب بشكل منظم. أما اللواتي حاولن الفرار من القرى، فقد أُطلقت عليهن النار.
إن وصول المعتدين إلى النساء في دارفور يعتبر أكثر سهولة لأنهن عادة ما يمكثن قريباً من القرية، بالمقارنة مع الرجال الذين يرعون الماشية في مناطق أبعد عن القرية. كما أنهن مسؤولات عن العناية بالأطفال وغيرهم من المعالين من أفراد الأسرة، مما يجعلهن أكثر ضعفاً أثناء الهجمات والفرار. وفي العديد من الحالات تعرضت النساء للاغتصاب علناً وعلى مرأى من أزواجهن وأقربائهن والمجتمع ككل. ولم تسلم النساء الحوامل من ذلك. أما اللواتي قاومن الاغتصاب فقد تعرضن للضرب أو الطعن أو القتل. واختطفت خلال الهجمات نساء وفتيات لم يتجاوزن الثامنة من العمر، وأُرغمن على البقاء مع الجنجويدفي معسكرات أو مخابيء. ويتضمن العديد من الشهادات التي جمعتها منظمة العفو الدولية حالات واضحة من الاسترقاق الجنسي؛ وأشار بعض هذه الشهادات إلى حالات كسر أيدي وأرجل النساء والفتيات بشكل متعمد لمنعهن من الفرار.
وحتى النساء اللواتي نجحن في الوصول إلى مخيماتاللاجئين أو المهجرين داخلياً مازلن عرضة للخطر. وتفرض جماعات الجنجويدقيوداً على حركة السكان المهجرين داخلياً، الذين تجمعوا في محيط البلدات والقرى الكبيرة في الإقليم، ويقوم أفرادها بدوريات خارج المخيمات والمستوطنات. ولا يجرؤ الرجال على مغادرة المستوطنات خوفاً من التعرض للقتل؛ أما النساء اللواتي يغامرن بالخروج من المخيمات بحثاً يائساً عن الحطب أو الطعام أو الماء، فيتعرضن للاغتصاب والمضايقة.
وغالباً ما تتردد النساء في إبلاغ العاملين الطبيين عن حوادث اغتصابهن، لأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التعقيدات. ويتمثل أحد العوامل التي تسهم في هذا التردد في الشرط المتعلق بإبلاغ الشرطة بجميع حالات الاغتصاب قبل السماح للعاملين الطبيين بمعالجة الناجيات، وهو الشرط الذي لم يُلغ إلا في الآونة الأخيرة. وكان وزير العدل قد أصدر مرسوماً بتغييره (بتاريخ 21أغسطس/ آب 2004)، ولكنه لم يكن قد وصل إلى السلطات الصحية في دارفور في وقت زيارة منظمة العفو الدولية إلى المنطقة بعد عدة أسابيع.
كما أن المحرمات الثقافية والاجتماعية والدينية القوية تجاه الاغتصاب في دارفور تزيد من صعوبة إفصاح النساء عنه. وقال مسؤولون سودانيون لمنظمة العفو الدولية إن هذه التقاليد تعني أنه لا يمكن وقوع حوادث اغتصاب على نطاق واسع في دارفور. ونفت الحكومة السودانية ما تردد عن ارتكاب أعمال عنف جنسي واسعة النطاق في دارفور، وهو ما يعتبر أحد العوامل التي تقف خلف عدم التزام الشرطة والقضاء بإجراء تحقيقات في هذه الحالات.
لايوجد في الوقت الحاضر عدد كاف من العاملين الطبيين المدربين الذين يستطيعون تحديد الناجيات من الاغتصاب في دارفور ومعالجتهن. كما لايوجد مرافق طبية كافية لمعالجة الأمراض التي تنتقل عن طريق الجنس والتي تنتشر عن طريق الاغتصاب. والنساء اللواتي يحملن نتيجة للاغتصاب أكثر عرضة لانتهاك حقوقهن. وهناك الصدمة النفسية التي يسببها الاغتصاب، بالإضافة إلى المصاعب المرتبطة بحمل طفل جاء ثمرة للعنفورعايته.
إن النساء الناجيات من الاغتصاب وأطفالهن عرضة للمقاطعة من جانب المجتمع. فالنساء المتزوجات يمكن أن "يتبرأ" أزواجهن منهن. أما النساء غير المتزوجات فقد لا يجدن فرصة للزواج مطلقاً لأن المجتمع يعتبرهن "فاسدات". والنساء المغتصبات اللواتي لا يستطعن الزواج أو اللواتي هُجرن من أزواجهن، يُحرمن من "الحماية" والدعم الاقتصادي الذي اعتاد الرجال على تقديمه للنساء في السودان.44
اغتصاب النساء في الحجز
أظهر عمل منظمة العفو الدولية طويل الأجل بشأن السجناء أن بعض أشكال التعذيب أو سوء المعاملة –من قبيل الاغتصاب وتشويه الأعضاء التناسلية والتهديد بالاغتصاب وإساءة المعاملة اللفظية ذات الطبيعة الجنسية- موجهة إلى النساء المعتقلات بشكل خاص. وثمة أشكال أخرى للتعذيب لا تطال سوى النساء. ومن بين أشكال التعذيب أو إساءة المعاملة بسبب النوع الاجتماعي التي ذكرتها منظمة العفو الدولية: تعريض السجينات الحوامل للصدمات الكهربائية؛ حجب الرعاية الطبية، مما يؤدي إلى الإجهاض؛ التفتيش الجسدي والفحص القسري للمهبل؛ وإدخال أدوات في المهبل.
عادة ما تكون النساء والفتيات اللواتي يُحتجزن ?لال النـزاع مستضعفات للغاية. فقد تحتجز هؤلاء النساء والفتيات بسبب الاشتباه في معارضتهن للحكومة القائمة؛ أو بسبب أنشطتهن كمدافعات عن حقوق الإنسان أو كصحفيات ينقلن تقارير صحفية عن النـزاعات أو سياسات الحكومة؛ أو بسبب انتمائهن إلى جماعة إثنية أو عرقية معينة؛ أو ببساطة بسبب علاقتهن برجال يعتبرون "مخربين" أو مناوئين للحكومة.
ففي فبراير/ شباط 2004، احتُجزت رينا راسيلي، البالغة من العمر 18عاماً، من قبل قوات الأمن في قرية بخاري بمقاطعة كافري في نيبال. وقال شهود عيان إن نحو 20رجلاً يرتدون ملابس مدنية داهموا منـزلها في منتصف الليل؛ وقد حطموا الباب، ودخل نحو عشرة منهم المنـزل. ثم قاموا باستجواب أفراد العائلة وتفتيش المنـزل واقتادوا رينا خارجه لاستجوابها بشأن أنشطة الحزب الشيوعي النيبالي (الماوي) في القرية. ثم أمر أحد الضباط خمسة من رجاله بنقلها إلى حظيرة أبقار قريبة من المنـزل. وفي الساعة الخامسة صباحاً اقتيدت رينا إلى مكان يبعد حوالي 100متر عن المنـزل. ثم سُمع صوت ثلاثة عيارات نارية، وقد عثر القرويون على جثتها العارية بعد مغادرة قوات الأمن للقرية. وشوهدت بقع دم على ثيابها الممزقة وملابسها الدخلية، مما يشير إلى أنها تعرضت للاغتصاب قبل قتلها.
وشهدت بيرو كذلك عمليات اغتصاب النساء كعقاب على الانتماء السياسي المتصوَّر، حيث استهدفت قوات الأمن في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي النساء المشتبه في أنهن يدعمن جماعة المعارضة المسلحة المعروفة باسم "الدرب المضيء"45وأساءت معاملتهن جنسياً. واحتُجزت مئات النساء بموجب قانون مكافحة الإرهاب للعام1992، الذي علَّق الضمانات المقدمة للأشخاص المحتجزين. ووفقاً لتقارير منظمات حقوق الإنسان البيروفية، فقد ذكرت معظم النساء المحتجزات بموجب هذا القانون في الفترة من 1992إلى 2001، أنهن تعرضن للتهديد بإساءة المعاملة الجنسية أو أُسيئت معاملتهن جنسيا بالفعل، كما اغتُصب عدد منهن.
وفي سياق النـزاع المستمر في الشيشان، تلقت منظمة العفو الدولية أنباء عن الاغتصاب وغيره من ضروب إساءة المعاملة الجنسية للنساء الشيشانيات على أيدي الجنود الروس. ففي نهاية أبريل/ نيسان 2004، احتُجزت "مدينا" (إسم مستعار) من قبل القوات الفدرالية الروسية للاشتباه في أنها انتحارية شيشانية. وقد عُصبت عينا "مدينا"، وهي امرأة في الثالثة والعشرين من العمر وأم لطفلة، ثم اقتيدت إلى القاعدة العسكرية الروسية في خانكالا، حيث احتُجزت بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسبوعين، وزُعم أنها تعرضت للتعذيب بشكل متكرر. وقالت إنهم أوصلوا أسلاكاً كهربائية بشريط صدريتها وصُعقت بالصدمات الكهربائية. وأضافت "مدينا" تقول إنها احتجزت في عربة، حيث سمعت صرخات رجال ونساء يبدو أنهم كانوا يخضعون للتعذيب وهم محتجزون في عربات مختلفة داخل القاعدة العسكرية. ومما قالته "مدينا" لمنظمة العفو الدولية:
"في مرحلة ما كان هناك ثمانية منهم يرتدون بزات مموهة. وبدأوا على الفور بالشتائم والعبارات البذيئة بلا تفسير. مددوني على السرير. وكانت يداي منتفختين. سألتهم:" أين أنا؟" فأغلقوا فمي وقالوا:"أنت مختفية، أنت غير موجودة، وقد توقف الزمن بالنسبة لك".
حذروني في اليوم الأول بأنني سأتوسل إليهم من أجل الموت. ولكنني في ذلك الوقت (في البداية) كنت أريد الحياة لأن لي طفلاً ... ولم أكن أتخيل يوماً أنني سأتوسل من أجل الموت ... ولكنني في ذلك اليوم كنت مرهقة ومتعبة وغير قادرة على التنفس، فبدأت أرجوهم أن يطلقوا عليَّ رصاصة الرحمة".
وتواجه النساء اللواتي يحاولن تقديم شكاوى بعد اغتصابهن من قبل أفراد قوات الأمن خطر التعرض لمزيد من الانتهاكات. ففي العام 1999، تعرضت كل من غولشام بانو، وهي امرأة في العشرين من العمر، ووالدتها رجا بيجون لاغتصاب جماعي من قبل مجموعة من قوات الأمن الهندية في ولاية جامو وكشمير الهندية. وقد وردت أنباء عن اغتصاب النساء من قبل جميع أطراف النـزاع هنا، ولا سيما أفراد الجيش الهندي. ومنذ تقديمهما شكوى بشأن الحادثة، ما برحت هاتان المرأتان تتعرضان، مع جميع أفراد عائلتهما، للمضايقة من جانب أفراد الشرطة والجيش، وتتلقيان تحذيرات، بأن قوات الأمن ستعمد إلى قتل جميع أفراد عائلتهما إذا لم تسحبا شكواهما.
تفتقر بعض البلدان إلى إجراءات الإبلاغ عن مثل هذه الانتهاكات بشكل آمن، كما هي الحال في أفغانستان. وقد تلقت منظمة العفو الدولية تقارير عن اندلاع حوادث شغب بين صفوف النساء المحتجزات في مركز اعتقال رسمي في حيرات في العام 2003، وذلك رداً على إساءة المعاملة الجنسية من قبل الموظفين، وعن اعتداء الموظفين وأفراد الفصائل المسلحة على النساء المحتجزات في مزار الشريف في العام 2003.
وتضمنت التقارير الأخيرة المتعلقة بتعذيب المعتقلين العراقيين وإساءة معاملتهم على أيدي أفراد قوات التحالف في العراق مزاعم حول إخضاع النساء لمعاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة. ووردت أنباء عن إساءة المعاملة الجنسية، وربما يكون بضمنها الاغتصاب. فقد سجل تحقيق عسكري اُجري برئاسة اللواء أنطونيو تاغوبا من الولايات المتحدة انتهاكات متعددة، منها مضاجعة أحد الحراس لإحدى النساء المعتقلات.46وتحدثت بعض النساء المعتقلات بعد الإفراج عنهن إلى مندوبي منظمة العفو الدولية بشرط عدم الكشف عن أسمائهن. وتضمنت رواياتهن أنهن تعرضن للتهديد بالاغتصاب والضرب والمعاملة المهينة والحبس الانفرادي لمدة طويلة.
الجرائـم المستترة
كثيراً ما تظل جرائم الاغتصاب وغيره من ضروب العنف الجنسي مخفية لسنوات عدة أو حتى لعقود. فخلال النـزاع في غواتيمالا الذي كان دائراً في الثمانينيات من القرن المنصرم، ربطت النساء من السكان الأصليين العمليات العسكرية بحوادث الاغتصاب إلى حد أن عدداً قليلاً منهن وافق على تقديم معلومات طوعية بشأنها عندما تحدث إليهن المحققون حول معاناتهن. وحققت الفرق الدولية في انتهاكات حقوق الإنسان التي تُرتكب في النـزاعات في وقت لم يكن المجتمع الدولي قد فهم على نطاق واسع أن الاغتصاب وإساءة المعاملة الجنسية يشكلان ضرباً من التعذيب. ولم يكن المحققون مدربين على طرح الأسئلة ذات الصلة. ونتيجةً لذلك لم يتم توثيق الحجم الهائل من حوادث الاغتصاب التي وقعت توثيقاً كاملاً.
وعلى العكس من ذلك، فقد جرى الإبلاغ على نطاق واسع عن عمليات الاغتصاب المنظم التي تعرضت لها نساء بنغلاديش إبان النضال من أجل الانفصال عن باكستان. ويُقدر أن نحو مليون شخص لقوا مصرعهم واغتُصبت حوالي 200,000امرأة.47وبعد الاستقلال اتخذت حكومة بنغلاديش عدداً من التدابير لمعالجة أوضاع ما بعد عمليات الاغتصاب الجماعية. فأُنشأت ملاجئ للتأهيل، وقامت وكالات دولية بترتيب عمليات إجهاض وتبني، ومُنحت ضحايا الاغتصاب من النساء لقباً خاصاً هو "البطلات"، في محاولة لتخفيف وصمة العار. إلا أن الذين ارتكبوا جرائم الاغتصاب لم يخضعوا للمساءلة. واحتُجز الجناة الرئيسيون، وهم أفراد من الجيش الباكستاني، كأسرى حرب، ثم أُعيدوا إلى بلادهم. كما قُبض على عدد من المتعاونين معهم من بنغلاديش واحتجزوا لفترة قصيرة، ثم أُطلق سراحهم فيما بعد بموجب عفو جزئي. وركزت جماعات حقوق الإنسان بشكل أساسي على الأشخاص الذين سُجنوا بعد حرب عام 1971. وبعد مرور سنوات، أي في التسعينيات من القرن الماضي، اكتشف الباحثون الذين كانوا يدرسون تلك الحقبة أنه في الوقت الذين جرى الاعتراف على نطاق واسع بوقوع عمليات اغتصاب جماعية، فإنه لم يكن هناك دليل مباشر عليها.
إن الفجوة الواسعة بين الحدث والنقاش العام بشأنه أصبحت واضحة بالنسبة لأولئك الذين يعملون في مجال العنف ضد المرأة. كما أن عقوداً من الزمن انقضت قبل أن تُقدم النساء اللواتي أُطلق عليهم اسم "نساء المتعة"، وهن نساء من عشر بلدان أُرغمن على الخضوع للاسترقاق الجنسي لدى الجيش الامبراطوري الياباني إبان الحرب العالمية الثانية، على البوح بحكاياتهن.
تأثير الاغتصاب والاعتداء الجنسي
إن تأثبر الاغتصاب والصدمة الناجمة عنه يتجاوز الاعتداء نفسه. إذ تواجه الناجيات عذاباً عاطفياً وضرراً نفسياً وإصابات جسدية وأمراضاً ومقاطعة اجتماعية وعواقب أخرى عديدة يمكن أن تدمر حياتهن. فبعد انتهاء النـزاع في رواندا في العام 1994، مثلاً، تبين أن 80%من الناجيات من الاغتصاب مصابات "بصدمة شديدة".48
إن معرفة المرأة ضحية الاغتصاب في شتى أنحاء العالم، وليس في بلدها فحسب، كفيل بتدمير وضعها في مجتمعها بشكل مريع، ولذا فإنها تتردد في الكشف عما حدث لها حتى لأقرب الناس إليها، خوفاً من السخرية والإذلال والإقصاء والمقاطعة. ففي غواتيمالا تعيش بعض الناجيات في إنكار تام لما حدث لهن. ومع أنهن يعانين من الآثار النفسية لإساءة معاملتهن جنسياً، فإنهن يعزين ذلك إلى "حزن" غامض، بدلاً من الاعتراف، حتى لأنفسهن، بالوحشية التي شهدنها أو تعرضن لها. إن المواقف التي يخشينها لا يحملها الرجال وحدهم، وإنما تتغلغل في المجتمع بأسره. فقد قالت عدة نساء بورونديات ممن كن قد اغتصبنلمندوبي منظمة العفو الدولية الذين زاروا البلاد في سبتمبر/ أيلول 2003إنهن تعرضن للسخرية والإذلال والرفض من قبل نساء أخريات من قريباتهن وزميلاتهن وصديقاتهن وجاراتهن بسبب الانتهاكات التي عانين منها. وفي رواندا، أبلغت الناجيات من الاغتصاب مندوبي منظمة العفو الدولية في العام 2004، أنهن لم يتعرضن للإذلال والمضايقة من قبل النساء الأخريات في مجتمعاتهن فحسب، وإنما أيضاً من قبل بناتهن.
وفي بعض مناطق العالم يتحاشى الجيران النساء والفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب خوفاً من أن يكن قد أُصبن بفيروس نقص المناعة المكتسبة/ الأيدز. وإذا اقترن ذلك بالموقف من الاغتصاب، فإنه ربما يؤدي إلى اعتبار الناجيات غير صالحات للزواج، الأمر الذي ينطوي على عواقب مدمرة بالنسبة لهن في مجتمعات يعتمد الرفاه الاقتصادي والوضع الاجتماعي للمرأة على علاقتها بالرجل.
قالت شريفة بوطيبة، وهي امرأة جزائرية متزوجة في العشرين من العمر، إنها ما برحت تعيش في خوف دائم منذ اغتصابها في العام 2001. وكان قد اختطفها سبعة رجال مسلحين في يونيو/ حزيران 2001بينما كانت تزور أقاربها في منطقة شليف. وقالت لمنظمة العفو الدولية إنها اقتيدت إلى الجبال، حيث تعرضت للاغتصاب لمدة يومين قبل أن تتمكن من الفرار. وكانت حاملاً وقت الاعتداء عليها، ثم أجهضت في وقت لاحق. وقد طلقها زوجها بعد الحادثة على أساس أنها