توفي نحو 300 شخص وجرح مئات غيرهم على أيدي قوات الأمن أثناء الاحتجاجات الجماهيرية التي تواصلت لأسابيع حتى 14 يناير/كانون الثاني، عندما تحققت الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي وفر من البلاد. وقتل العديد من المتظاهرين السلميين جراء إطلاق قوات الأمن النار عليهم مستخدمة الذخيرة الحية. وبدأت عقب ذلك عملية إصلاح شاملة: فأفرج عن السجناء السياسيين، بمن فيهم سجناء الرأي؛ وخفِّفت القيود القانونية المفروضة على الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية؛ وحُلّ جهاز «إدارة أمن الدولة»، السيئ السمعة والمعروف بتعذيبه للمعتقلين وبافلات رجاله من العقاب؛ وأصبحت تونس دولة طرفاً في معاهدات دولية إضافية لحقوق الإنسان؛ وانتخبت من ثم مجلس وطني تأسيسي تتمتع بسلطة صياغة دستور جديد وإقراره. بيد أن انتهاكات حقوق الإنسان لم تتوقف، فتكررت حوادث استخدام القوة المفرطة من جانب قوات الأمن ضد المحتجين الذين تظاهروا ضد ما رأوه من بطء في وتيرة التغيير؛ وتعرض بعض المحتجين للضرب أو لغيره من صنوف سوء المعاملة أثناء القبض عليهم أو وهم محتجزون. وعلى الرغم من بعض أوجه التحسن، ظلت المرأة تواجه التمييز في القانون والممارسة العملية. كما ظلت عقوبة الإعدام سارية المفعول ولكن دون أن يبلَّغ عن صدور أحكام جديدة بالإعدام، أو تنفيذ أي أحكام بالإعدام.
بعد 23 سنة من حكم تونس، فرَّ الرئيس زين العابدين بن علي من البلاد في 14 يناير/كانون الثاني، ليلجأ إلى المملكة العربية السعودية، وعقب أسابيع من الاحتجاجات التي اجتاحت مختلف أرجاء البلاد ضد حكمه القمعي. وقتل ما يربو على 230 من المحتجين، بينما أصيب 700 أثناء مظاهرات الاحتجاج، وتوفي 70 سجيناً في السجن في حوادث تتعلق بالاحتجاجات. وعيَّن رئيس الوزراء محمد الغنوشي نفسه رئيساً بالوكالة؛ وخلال ساعات، جرى استبداله ليحل محله فؤاد المبزع، بينما عاد الغنوشي إلى منصبه كرئيس للوزراء. وفي 15 يناير/كانون الثاني، أعلن حالة الطوارئ، التي جُدِّدت في أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني ومرة أخرى في ديسمبر/كانون الأول حتى نهاية مارس/آذار 2012، وقام بتعيين حكومة لتصريف الأعمال. وفي فبراير/شباط، اضطر إلى الاستقالة تحت ضغط موجة من الاحتجاجات الشعبية وخلفه الباجي قائد السبسي في رئاسة الحكومة. وعقب الانتخابات لاختيار أعضاء المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول، عيِّن منصف المرزوقي رئيساً، بينما أصبح حمادي الجبالي رئيساً للحكومة في ديسمبر/كانون الأول.
وفي فبراير/شباط، أعلنت الحكومة المؤقتة عفواً عاماً أفرجت بموجبه عن سجناء الرأي وغيرهم من السجناء السياسيين، وشكَّلت ثلاث لجان في سياق العملية الإصلاحية: «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي»؛ و«اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حول الرشوة والفساد»؛ و«اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق في التجاوزات المسجلة خلال الفترة الممتدة من 1 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها»، التي خوِّلت صلاحية التحقيق في عمليات قتل المحتجين وغيرها من الانتهاكات على أيدي قوات الأمن أثناء الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس بن علي. وبحلول نهاية العام، لم تكن هذه اللجنة الأخيرة قد قدمت تقريرها بعد، ولكن كان اثنان من وزراء الداخلية السابقين، وهما رفيق حاج قاسم وأحمد فريعة، بين مجموعة من 139 مسؤولاً سابقاً، بمن فيهم الرئيس السابق، أحيلوا إلى المحاكمة بتهم تتصل بقتل وإصابة المحتجين في الأسابيع التي انتهت في 14 يناير/كانون الثاني. وبدأت محاكمتهم في نوفمبر/تشرين الثاني وكانت لا تزال جارية في نهاية العام. وحوكم الرئيس السابق بن علي وأفراد عائلته غيابياً وأدينوا بتهم فساد واتجار بالمخدرات.
وفي مارس/آذار، قامت الحكومة الانتقالية بحل جهاز «إدارة أمن الدولة» التي كانت تحظى بكراهية التونسيين على نطاق واسع، وهي جهاز الأمن السياسي السيء الصيت المعروف بممارسة التعذيب وغيره من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في ظل حكم الرئيس بن علي.
وعدلت الحكومة المؤقتة كذلك «قانون الجمعيات»، الذي كان يفرض قيوداً مشددة على تكوين الجمعيات والانضمام إليها، وذلك بغرض السماح للأحزاب السياسية المحظورة سابقاً بالتسجيل الرسمي، بما فيها «حزب النهضة الإسلامي» و«حزب العمال الشيوعي التونسي»، والمنظمات غير الحكومية العاملة في مضمار حقوق الإنسان وسواها من المنظمات غير الحكومية. وفي هذا السياق، قالت وزارة الداخلية إنه وبحلول سبتمبر/أيلول، كانت 1,366 جمعية و111 حزباً سياسياً قد حصلت على التصريح الرسمي بالعمل. وجرى في مارس/آذار حل الحزب الحاكم السابق لبن علي، حزب «التجمع الدستوري الديمقراطي».
وصدَّقت الحكومة على معاهدات دولية مهمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك «البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية»؛ و«البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب»؛ و«الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري»؛ و«نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية». كما سحبت التحفظات التي كانت تونس قد أعلنتها على «اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة».
وعقدت في 23 أكتوبر/تشرين الأول أول انتخابات عامة منذ اندلاع الانتفاضة لاختيار المرشحين وإشغال 217 مقعداً في المجلس الوطني التأسيسي، المكلفة بصياغة دستور جديد للبلاد وبتعيين حكومة جديدة. وفاز حزب النهضة بأكبر عدد من المقاعد، ولكن دون أن يحقق الأغلبية المطلقة. وعقد المجلس أولى جلساته في 22 نوفمبر/تشرين الثاني وعين رئيساً جديداً للبلاد، ورئيساً للحكومة ورئيساً للمجلس التأسيسي من بين قادة الأحزاب السياسية الثلاثة التي فازت بأغلبية المقاعد في المجلس التأسيسي. وباشر الرؤساء الثلاثة مهامهم في ديسمبر/كانون الأول.
وزار كل من مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب تونس في مايو/أيار.
أعلى الصفحةتقرر تعليق الدستور في مارس/آذار. وظلت القوانين الأخرى سارية المفعول، ولكن خضع بعضها لتعديلات كبيرة لتخفيف القيود المفروضة على ممارسة حقوق الإنسان. وشملت هذه قانون الصحافة والقانون المتعلق بوسائل الاتصال السمعية – البصرية، اللذين ما برحا يجرِّمان «تشويه السمعة»، ولكن دون أن يستتبع ذلك عقوبة السجن للمخالفين. وجرى تعديل قانون الجمعيات لإزالة القيود المفروضة على تشكيل الجمعيات أو الانضمام إليها، ولم يعد القانون يجرِّم «تقديم خدمات لجمعية غير معترف بها». وجرى كذلك تعديل القانون المتعلق بالتعذيب ليتماشى تعريف التعذيب فيه مع التعريف في قانون العقوبات، وليصبح أكثر اتساقاً مع تعريف القانون الدولي له، رغم بقاء عمليات المقاضاة على جرم التعذيب خاضعة لنظام تقييد مدته 15 سنة، في مخالفة واضحة للحق في الانتصاف والجبر، الذي يكرسه القانون الدولي. وظلت قوانين أخرى، كقانون مكافحة الإرهاب، وقانون تنظيم الاجتماعات العامة والمهرجانات والمسيرات، وقانون تنظيم القضاء، تنتظر التعديل.
وأعلنت وزارة الداخلية عن «خريطة عمل» لإصلاح جهاز الشرطة، ولكن هذه لم تتضمن أي نص على التحقيق في انتهاكات الماضي لحقوق الإنسان التي ارتكبها رجال الشرطة وجهاز إدارة أمن الدولة المنحل، ومساءلة مرتكبيها. وظل من غير الواضح ما إذا كانت السلطات بصدد إقرار أي نظام للتدقيق لمنع تعيين موظفي جهاز إدارة أمن الدولة وغيره من أجهزة الأمن والشرطة المسؤولين عن انتهاكات لحقوق الإنسان في الماضي في مناصب جديدة أو الإبقاء عليهم في مناصب تمكنهم من ارتكاب المزيد من الانتهاكات.
أعلى الصفحةعقب تعيين الحكومة المؤقتة، ووجهت المظاهرات التي تجددت للاحتجاج، بين جملة أمور، على ما ارتؤي من بطء في وتيرة الإصلاح، بالقوة المفرطة من جانب قوات الأمن.
اتُّهمت قوات الأمن بالتراخي عندما حاول أعضاء في بعض الجماعات الدينية المتشددة في عدة حوادث منع آخرين من ممارسة حقهم في حرية التعبير.
وردت تقارير جديدة عن حالات تعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، ولكن على نطاق أقل بكثير بالمقارنة مع السنوات السابقة. وفي معظم الحالات، زعم المشتكون بأنهم تعرضوا للضرب على أيدي رجال الشرطة عند القبض عليهم أثناء الاحتجاجات، أو أثناء اقتيادهم إلى مراكز الشرطة أو اعتقالهم.
وعقب زيارته تونس في مايو/أيار، حض مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب الحكومة على إصدار تعليمات لجميع منتسبي الشرطة والموظفين المكلفين بتنفيذ القانون لإبلاغهم بأن التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة ممنوعان والتأكيد لهم بأن من يرتكبون مثل هذه الانتهاكات سوف يعرضون أنفسهم للمحاكمة الجنائية.
أعلى الصفحةعلى الرغم من توجيه الاتهام إلى عدة موظفين رسميين سابقين بالعلاقة مع قتل المحتجين وغيره من الانتهاكات أثناء الانتفاضة، لم تتخذ أي خطوات لضمان المساءلة على الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان التي ارتكبت إبان 23 سنة من حكم الرئيس بن علي. واشتكت أسر الضحايا من أن سبل التماس العدالة قد سدت في وجهها، وأن موظفي الشرطة وجهاز «إدارة أمن الدولة» المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي ظلوا في مناصبهم أو نقلوا إلى مواقع جديدة، وحتى جرت ترقيتهم. وحاولت بعض الأسر مباشرة تحقيقات بشأن جناة مزعومين، غير أن قضاة التحقيق بدوا مترددين بصورة عامة، أو غير قادرين على مباشرة أية تدابير ضد هؤلاء، وما زاد الأمر تعقيداً غياب الإرادة البادية للعيان لدى وزارة الداخلية في أن تتعاون بشأن ذلك. وبدءاً من مايو/أيار، أصبحت جميع القضايا المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت إبان الانتفاضة تحال إلى المحاكم العسكرية.
وبحلول نهاية العام، لم تكن «لجنة تقصي الحقائق» التي عينت في فبراير/شباط للتحقيق في مزاعم الانتهاكات المرتكبة إبان الانتفاضة قد أنهت أعمالها. وقالت اللجنة إنها لن تحيل الأدلة التي لا يطلبها القضاء إلى أية جهة، ما أثار تساؤلات حول مدى فاعلية تحقيقها. وقالت إنها قد التقت جميع ضحايا الانتهاكات التي ارتكبت أثناء الانتفاضة، ولكن العديد من الأشخاص الذين جرحوا في الاحتجاجات ضحدوا قولها هذا. وكان من المتوقع أن تسلِّم تقريرها، بما يتضمنه من معطيات وتوصيات، في أوائل 2012.
أعلى الصفحةسحبت الحكومة المؤقتة التحفظات التي كانت تونس قد أعلنتها على الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز ضد المرأة، وحدثت تطورات إيجابية أخرى. وعلى وجه الخصوص، تبنت الحكومة مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الانتخابات، رغم هيمنة الرجال على قوائم المرشحين الحزبية في الواقع العملي، وسمح للنساء باستخدام صور تظهرهن مرتديات الحجاب في بطاقات الهوية الشخصية. بيد أن معاناة المرأة من التمييز استمرت في القانون وفي الممارسة العملية؛ وعلى سبيل المثال، ما برح قانون الأحوال الشخصية يميِّز ضد المرأة في الأمور المتعلقة بالميراث وحضانة الأطفال، بينما اشتكت بعض الناشطات بشأن حقوق المرأة من التعرض لحملات تشويه للسمعة استهدفتهن على نحو خاص.
بدءاً من يناير/كانون الثاني، سعى العديد من التونسيين إلى الفرار من البلاد في قوارب صغيرة. وفُقد بعضهم في أعالي البحار؛ بينما وصل آخرون إلى جزيرة لامبيدوسا الإيطالية. وفي أبريل/نيسان، اتفقت الحكومتان التونسية والإيطالية على إعادة نحو 20,000 تونسي إلى تونس، وعلى أن تشدد السلطات التونسية من رقابتها على شواطئها.
ودخلت أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين الأراضي التونسية من ليبيا عقب اندلاع النزاع المسلح في ليبيا. وقدمت المساعدة للعديد من المهاجرين كي يعودوا إلى أوطانهم، غير أن نحو 3,800 من اللاجئين وطالبي اللجوء ظلوا عالقين في نهاية العام، في مخيم شوشة، وهو أحد ثلاثة مخيمات للاجئين أقيمت بالقرب من معبر راس جدير على الحدود مع ليبيا. وكان معظم هؤلاء من بلدان لا يستطيعون العودة إليها خشية من الاضطهاد، بما فيها إريتريا والصومال والسودان.
أعلى الصفحةظلت عقوبة الإعدام سارية المفعول، ولكن لم يبلَّغ عن فرض أو تنفيذ أي أحكام بالإعدام. واستمر الحظر المفروض على تنفيذ أحكام الإعدام منذ 1991.