وثيقة - الجزائر: إرث الإفلات من العقاب: تهديد لمستقبل الجزائر
















قائمة المحتويات







1. مقدمـة

البحث الطويل عن الحقيقة والعدالة

لم تشاهد لويزة ساكر زوجها صلاح ساكر، ولم تسمع منه شيئاً منذ 29 مايو/أيار 1994، عندما قُبض عليه في منـزله بمدينة قسنطينة الواقعة في الشمال الشرقي من البلاد في الساعة 6:45 من مساء ذلك اليوم. وبعد مرور خمسة عشر عاماً، لا يزال الألم الناجم عن اختفائه القسري وعن جهودها المضنية بلا انقطاع من أجل العثور عليه والحصول على العدالة في مواجهة الترهيب والمضايقة من قبل السلطات الجزائرية يهيمن على حياتها.

وفي يناير/كانون الثاني 1996، أي بعد مرور حوالي 20 شهراً من اختفاء صلاح ساكر إثر القبض عليه، يئست لويزة من انتظار رد السلطات على رسائلها، وقدمت شكوى إلى وكيل الجمهورية في قسنطينة. وقد زعمت أن زوجها، وهو عضو في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، قد اعتُقل تعسفاً، ودعت إلى تقديم المسؤولين عن ذلك إلى العدالة. وفي 4 سبتمبر/أيلول 1996 أكدت الشرطة القضائية في قسنطينة، في رسالة إلى لويزة ساكر، أنها قبضت على زوجها وأنها نقلته إلى مركز استجواب عسكري في 3 يوليو/تموز 1994. إن هذا الاعتراف الرسمي من قبل الشرطة القضائية بنقل صلاح ساكر إلى حجز الاستخبارات العسكرية يعتبر أمراً نادراً، ذلك لأنه في معظم حالات الاختفاء القسري المعروفة لدى منظمة العفو الدولية ظل المسؤولون ينفون ضلوعهم في عمليات الاختفاء القسري، ويدَّعون أنهم لا يعلمون شيئاً عن أماكن وجود الأشخاص المختفين.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2008، تلقت لويزة ساكر معلومات متضاربة من "المرصد الوطني لحقوق الإنسان"، مفادها أن صلاح ساكر، وفقاً لقوات الأمن، قد "اختُطف من قبل جماعة مسلحة مجهولة الهوية"، وأن السلطات لا تملك أية معلومات إضافية.

وحتى الآن، لم تعط السلطات لويزة ساكر أي توضيح بشأن القبض على زوجها. ولكنها أبلغت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان بأنه كان مطلوباً من قبل قوات الأمن بسبب "عضويته في جماعة إرهابية" وأنه حُكم عليه بالإعدام غيابياً في 29 يوليو/تموز 1995.

وفي قرار مميَّز بشأن عمليات الاختفاء القسري في الجزائر، قضت لجنة الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في مارس/آذار 2006 بأن السلطات الجزائرية يجب أن تفتح تحقيقاً كاملاً في مصير صلاح ساكر، وإطلاق سراحه إن كان على قيد الحياة، ودفع تعويضات له ولعائلته عن الانتهاكات التي تعرض لها، وتقديم المسؤولين عن اختفائه القسري إلى العدالة. وعلى الرغم من هذا القرار، فإن السلطات القضائية في قسنطينة، في أغسطس/آب 2008، رفضت شكوى لويزة ساكر المتعلقة بالاختفاء القسري لزوجها من دون تقديم أي تفسير. وقد قدمت لويزة دعوى استئناف.

وقد استُهدفت لويزة ساكر نفسها بسبب جهودها من أجل الحصول على الحقيقة والعدالة. ففي فبراير/شباط 2008، حوكمت في قسنطينة بتهم تقويض سلطة الموظفين العموميين، وتنظيم مسيرة غير مسلحة دون ترخيص، وازدراء الموظفين المدنيين واستخدام الأسلحة والسرقة. وكانت التهم مرتبطة بمشاركتها في مظاهرة سلمية لعائلات المختفين في عام 2004 بمدينة قسنطينة. وبعد المظاهرة قُبض عليها وتعرضت للضرب وأرغمتها الشرطة على توقيع تعهد بعدم الاشتراك في مثل هذه المظاهرات مرة أخرى. وأُدينت بتهمة المشاركة في مسيرة " غير مسلحة غير مرخصة"، وحُكم عليها بدفع غرامة مع وقف التنفيذ. وبُرئت ساحتها من التهم الأخرى. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2008، أيدت محكمة الاستئناف في قسنطينة الحكم. وفي وقت كتابة هذا التقرير، كانت لويزة ساكر بانتظار مراجعة قضيتها من قبل المحكمة العليا، بعد تقديم استئناف من جانبها ومن جانب النيابة العامة.

مع تحضيرات الجزائر للانتخابات الرئاسية الثالثة على أساس التعددية الحزبية منذ انتهاء أسوأ موجات العنف التي ضربت البلاد في التسعينيات من القرن الماضي، فإن عجزها عن التصدي الكافي لإرث الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في سياقها لا يزال يقوض كل آفاق المصالحة الوطنية الحقيقية والسلم الدائم. وقد مرت عشر سنوات تقريباً منذ بدء السلطات الجزائرية اتخاذ تدابير العفو بهدف معلن هو "طي صفحة" "المأساة الوطنية" التي أزهقت أرواح نحو 200,000 شخص وفقاً للتقديرات الرسمية. وقد أدى إلغاء الانتخابات التي جرت على أساس التعددية الحزبية في عام 1992، والتي كان من المفترض أن تفوز بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى إشعال شرارة النـزاع الداخلي. وقد أُعلنت حالة الطوارئ وحُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ واستقال الرئيس نتيجةً لضغوط الجيش على ما يبدو وحلَّ محله مجلس أعلى للدولة مؤلف من خمسة أعضاء. وفي سعيها للمطالبة بالنصر الانتخابي للجبهة الإسلامية للإنقاذ عن طريق العنف، استهدفت الجماعات المسلحة مؤسسات الدولة و وبشكل متزايد المدنيين الذين يُعتقد أنهم دعموا النظام العسكرى، أو الذين لم يتماشوا مع تصورهم للقيم "الإسلامية". وارتكبت الجماعات المسلحة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على نطاق واسع، ومنها عمليات القتل غير القانوني والمجازر الجماعية والاختطاف والتعذيب والاغتصاب. كما لعبت السلطات الجزائرية دوراً رئيسياً في تصعيد العنف بهدف اجتثاث تأييد بعض قطاعات السكان للجبهة الإسلامية للإنقاذ، أو لمعاقبة المؤيدين الحقيقيين أو المتصوَّرين للجماعات المسلحة باسم مكافحة الإرهاب. وارتكبت قوات الأمن والمليشيات التي سلحتها الدولة (والتي كانت السلطات تشير إليها على أنها "مجموعات الدفاع المشروعة" أو "مجموعات الدفاع الذاتي" أو "الوطنيون") انتهاكات مهولة لحقوق الإنسان، ومنها الإعدام خارج نطاق القضاء وغيره من أشكال القتل غير القانوني والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، التي تعرض لها آلاف الأعضاء أو المؤيدين الحقيقيين أو المشتبه بهم للجماعات المسلحة. ولم يجر التحقيق في معظم الجرائم، ولم تتم مساءلة مرتكبيها.

وبعيداً عن الوصول إلى الحقيقة والعدالة والتعويضات لمئات الآلاف من الضحايا والناجين وعائلاتهم، فإن تدابير العفو التي اتُخذت منذ عام 1999 فصاعداً رسَّخت مناخاً من العفو الشامل لمرتكبي الجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني1 ولم تفعل السلطات شيئاً يُذكر لضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وإدخال الإصلاحات القضائية والمؤسسية الضرورية. إن هذا الفشل في مكافحة الإفلات من العقاب والتصدي للإطار البنيوي الذي سمح بارتكاب مثل تلك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من شأنه ألا يترك المجتمع في حالة عدم قدرة على المضي قُدماً وعلى التعافي من تأثير العنف الذي دام عقداً من الزمان فحسب، وإنما يعجز أيضاً عن منع وقوع مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى الرغم من الانخفاض الملحوظ في مستوى العنف والخسائر في الأرواح منذ التسعينيات من القرن المنصرم، فإن الجزائر لا تزال تعاني من الهجمات العنيفة، وإن قوات الأمن الجزائرية لا تزال تشن عمليات أمنية ضد الجماعات المسلحة. ويُذكر أن تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، الذي كان يُعرف سابقاً باسم الجماعة السلفية للدعوة والقتال، الجماعة المسلحة الإسلامية النشيطة الرئيسية، ولا يزال يعلن مسؤوليته عن هجمات ضد المدنيين والأفراد العسكريين والمنشآت العسكرية. إن منظمة العفو الدولية تُدين بلا تحفظ مثل تلك الهجمات المتعمدة ضد المدنيين والهجمات العشوائية، التي تُظهر ازدراء تاماً للحق في الحياة.2 واستمرت القوات الحكومية في قتل عشرات الأعضاء المزعومين في الجماعات المسلحة خلال عمليات التفتيش والمواجهات المسلحة والمصادمات. ولا تتوفر تفاصيل كثيرة بشأن هوية هؤلاء القتلى، ونادراً ما يُقدَّم توضيح للظروف المحيطة بوفاتهم، مما يثير بواعث قلق من أن بعض القتلى ربما أُعدموا خارج نطاق القضاء.

ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام، فقد قُدرت الخسائر في الأرواح بنحو 300 شخص في عام 2006 و 490 شخصاً في عام 2007 و 340 شخصاً في عام 2008. ومع ذلك، فإن السلطات الجزائرية كثيراً ما تطلق تصريحات علنية بأنها تمكنت من تحقيق الاستقرار في الجزائر، وأنها أضعفت قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ هجمات في الجزائر، وأنها باتت تسيطر على التهديدات الإرهابية. ومع ذلك فإن السلطات الجزائرية تواصل تبرير استمرار حالة الطوارئ منذ عام 1992 باستمرار خطر الإرهاب.3

وفي الوقت الذي أصبحت فيه وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان وخطورتها اليوم، بلا ريب، أقل بكثير مما كانت عليه إبان اندلاع النـزاع المسلح، فإن انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان لا تزال تُرتكب، ولاسيما في سياق مكافحة الإرهاب، على أيدي أجهزة الدولة نفسها التي ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان إبان النـزاع الداخلي في مناخ من الإفلات التام من العقاب تقريباً. ولا تزال هناك بواعث قلق عميقة بشأن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان، من قبيل الاعتقال السري بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والمحاكمات الجائرة في قضايا تتعلق بأشخاص يُزعم أنهم ضالعون في "أفعال إرهابية وتخريبية".4وعلى الرغم من أن بيانات السلطات التي تصدرها رداً على طلبات التوضيح من قبل لجنة مناهضة التعذيب في سياق مراجعتها للتقرير الدوري الثالث للجزائر في مايو/أيار 2008، والتي تقول إن حالة الطوارئ لا تعرض التمتع بحقوق الإنسان للخطر،5فإن حالة الطوارئ تؤدي إلى تسهيل وقوع هذه الانتهاكات في مناخ من الإفلات من العقاب. وبموجب هذا الإطار، اعتمدت السلطات قوانين طوارئ محددة، أُدمج معظمها الآن في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية اللذين لا يتسقان مع التزامات الجزائر الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (أنظر الفصل 3.3).

ويحدث الإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان في سياق ازدياد خيبة أمل الجمهور العام في قدرة النظام السياسي ومؤسسات الدولة على التصدي لمظالم السكان الاجتماعية- الاقتصادية، من قبيل البطالة وعدم توفر السكن الكافي وتدني الأجور والفساد وغيرها من المشاكل. وتنعكس هذه الخيبة بوضوح في تدني المشاركة في الانتخابات الرئاسية الماضية التي عُقدت في أبريل/نيسان 2004 والانتخابات البرلمانية التي ُعقدت في مايو/أيار 2007؛ وفي المحاولات المتكررة للشباب الجزائريين للهجرة من البلاد بالرغم من المهالك التي تنطوي عليها؛ وتزايد موجات الاحتجاج في السنوات الأخيرة في شتى أنحاء البلاد، بالإضافة إلى الاضطرابات الاجتماعية كالأحداث التي هزت منطقة غرداية في مايو/أيار 2008 ويناير/كانون الثاني 2009. إن التعديلات التي أُدخلت على الدستور في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، والتي سمحت للرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، الذي يتولى السلطة منذ شهر أبريل/نيسان 1999، بالترشح لدورة ثالثة في الانتخابات القادمة المقرر إجراؤها في 9 أبريل/نيسان 2009، قد قوبلت بقليل من الدهشة والمقاومة. وكي تستطيع السلطات الجزائرية إعادة كسب ثقة السكان، يتعين عليها إظهار الإرادة السياسية والشفافية في التعامل مع إرث النـزاع الداخلي للتسعينيات من القرن المنصرم، فضلاً عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، وفي احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لجميع الجزائريين. كما يتعين عليها بشكل خاص تحقيق الوعود التي قطعتها منذ أبريل/نيسان 1999، للشعب الجزائري، بمن فيهم ضحايا العنف، والمتمثلة في اتخاذ تدابير فعالة لإعادة إرساء السلم وضمان الإنصاف لجميع الذين تضرروا من أعمال العنف. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن تيسير تحقيق تلك الأهداف المعلنة سيتم عن طريق إجراء عملية تشاور حقيقية وشفافة مع جميع المعنيين في المجتمع، بمن فيهم الضحايا وعائلاتهم. ويجب أن تقوم جهود السلطات على أساس القانون الدولي لحقوق الإنسان من أجل وضع حد للإفلات من العقاب واستعادة حكم القانون من خلال القيام بسلسلة من الإصلاحات المؤسسية والقضائية وتنفيذها بشكل فعال.

وعلى الصعيد الدولي، برزت الجزائر كحليف مهم للولايات المتحدة والبلدان الأخرى في ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب". واستمرت الولايات المتحدة والدول الأوروبية في التغاضي عن سجل الجزائر في مجال حقوق الإنسان لحساب المصالح الأخرى كالتجارة والسيطرة على الهجرة والأمن. وفيما يتعلق بالتعاون الأمني، قامت البلدان الأوروبية، كفرنسا والمملكة المتحدة، بترحيل الأشخاص الذين اعتبرت أنهم يشكلون تهديداً لأمنها القومي، على الرغم من وجود أدلة على وقوع انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، كالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في الجزائر. وقد بررت المملكة المتحدة عمليات الترحيل غير القانوني بالتأكيد على أن الإرهابيين المشتبه بهم سيستفيدون من تدابير العفو عن أعضاء الجماعات المسلحة التي اعتمدتها السلطات الجزائرية منذ عام 1999 فصاعداً، وذلك على الرغم من بواعث القلق من أن مثل تلك التدابير تشكل انتهاكاً للقانون الدولي، ومن التطبيق التعسفي لتلك التدابير، وتصريحات السلطات الجزائرية بأنها لن تشمل الأشخاص المشتبه في ارتكابهم جرائم إرهابية في الخارج (أنظر الفصل 2).

ومع ذلك فقد فُحص سجل الجزائر في مجال حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة من قبل عدد من هيئات الأمم المتحدة، من بينها مجلس حقوق الإنسان في إطار الاستعراض الدوري الشامل، و المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، أسبابه وعواقبه، والجنة المعنية بحقوق الإنسان، ولجنة مناهضة التعذيب. وقد رحبت منظمة العفو الدولية بشكل خاص بالتوصيات التي قدمتها الهيئتان الأخيرتان في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 ومايو/أيار 2008 على التوالي، ودعت فيها السلطات الجزائرية إلى اتخاذ تدابير ملموسة لمكافحة الإفلات من العقاب؛ والتحقيق في جميع حالات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ومنها حالات الاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب؛ وتقديم الجناة إلى العدالة ضمن إجراءات قضائية تفي بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة؛ وتوفير جبر الضرر الفعال للضحايا وعائلاتهم؛ ومواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية.

حول هذا التقرير: الغرض والمنهجية

من المؤسف أن منظمة العفو الدولية لم تتمكن من زيارة الجزائر منذ عام 2005، وقد أُحيطت علماً من قبل الممثلين الدبلوماسيين للجزائر في المملكة المتحدة في عام 2006 بأن انتقاداتها لتدابير العفو الجزائرية لم تلق ترحيباً على أعلى المستويات في الدولة. وجاءت المواد التي استُخدمت لتجميع هذا التقرير نتيجة للبحوث المستمرة التي أجرتها المنظمة حول الجزائر على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية، والتي تغطي المعلومات التي حصلت عليها حتى مارس/آذار 2009. ويتضمن التقرير معلومات زوَّدها بها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم ومحاموهم ومنظمات حقوق الإنسان الجزائرية.6ويبني التقرير على معلومات كانت قد نشرتها المنظمة في السابق ضمن تقاريرها،7بالإضافة إلى التقارير الموجزة بشأن الجزائر التي قُدمت إلى عدة آليات للأمم المتحدة، ومنها لجنة حقوق الإنسان، التي قامت بمراجعة سجل الجزائر بعد انقطاع دام تسع سنوات.8

إننا ننشر هذا التقرير أملاً في أن يتخذ الرئيس الجزائري القادم خطوات ملموسة لوضع حد للإفلات من العقاب، بما في ذلك من خلال تنفيذ توصيات هيئات الأمم المتحدة المذكورة آنفاً – وهي خطوات تعتبرها منظمة العفو الدولية أساسية" "لطي صفحة" النـزاع الذي عصف بالبلاد في التسعينيات من القرن المنصرم. ويبرز التقرير بواعث القلق الرئيسية للمنظمة بشأن عدم إجراء تحقيقات وتوفير معلومات علنية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان السابقة والحالية، والحصانة التي تُعطى لمرتكبيها المزعومين. ويأمل التقرير في الإسهام في عمل المدافعين عن حقوق الإنسان والضحايا وعائلاتهم وغيرهم من المعنيين في داخل الجزائر وخارجها في نضالهم العنيد من أجل ضمان عدم نسيان معاناة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، واستعادة كرامة الضحايا، وعدم تكرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان. وبهذه الروح، تقدم منظمة العفو الدولية هذه التوصيات الرئيسية إلى الرئيس القادم للجزائر (أنظر الفصل 6 للاطلاع على قائمة موسعة بالتوصيات):

  • إلغاء المادتين 45 و 46 من الأمر رقم 06- 01 لعام 2006، اللتين تتيحان لقوات الأمن وأفراد المليشيات التي تسلحها الدولة إمكانية الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتهدد بالسجن أي شخص ينتقد سلوك قوات الأمن؛ وإلغاء الأحكام الأخرى للأمر رقم 06-01 لعام 2006، التي توفر الحصانة من المقاضاة لأفراد الجماعات المسلحة الذين ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؛

  • لإظهار الالتزام بإنهاء "المأساة الوطنية"، ينبغي الكشف الفوري عن المعلومات التفصيلية المتعلقة بأعداد وأسماء أعضاء الجماعات المسلحة الذين استفادوا من تدابير العفو المتنوعة التي اعتُمدت منذ عام 1999؛ ونتائج الآلية الخاصة المعنية بالمفقودين التي أُنشأت في عام 2003؛ والمعلومات التفصيلية المتعلقة بتنفيذ برامج المساعدات المالية لعائلات ضحايا الاختفاء القسري وعائلات الأشخاص الذين يُشتبه في أنهم قُتلوا أثناء وجودهم في صفوف الجماعات الإرهابية؛

  • ضمان عدم إتلاف أية أدلة على عمليات القتل غير القانوني، ولاسيما مواقع القبور؛

  • الكشف عن مصير ضحايا الاختفاء القسري، وتوفير سبل فعالة للتظلم لعائلاتهم، والذي يشمل الحق في الحصول على العدالة وجبر الضرر بشكل كامل. وضمان ألا يكون الدعم المادي المقدم إلى عائلات ضحايا الاختفاء القسري مشروطاً بتقديم شهادات وفاة؛

  • إجراء تحقيقات في حالات الاختفاء القسري والقتل غير القانوني من قبل القضاء المستقل أو من خلال إنشاء آلية ملائمة تتمتع بصلاحيات التحقيق واستدعاء أفراد قوات الأمن وغيرهم من الموظفين الرسميين بغض النظر عن رُتبهم، وكذلك أفراد الجماعات المسلحة، حتى أولئك الذين استفادوا سابقاً من تدابير العفو؛

  • ضمان تقيُّد جميع عمليات التوقيف والاحتجاز تقيداً تاماً بالإجراءات التي أقرها القانون؛ وتوفير ضمانات إضافية لحماية المعتقلين من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، ولاسيما عن طريق ضمان حق جميع المعتقلين في الاتصال بمحاميين فوراً، ووضع حد للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي بصورة فعالة؛

  • اتخاذ خطوات فورية لضمان عدم قيام عناصر دائرة الاستعلام والأمن، الذين انتهكوا، ومازالوا ينتهكون الضمانات القانونية بشكل اعتيادي، بتنفيذ عمليات توقيف واحتجاز، وعدم ممارسة وظائف الشرطة القضائية؛ ووضع جميع مراكز الاعتقال تحت إشراف السلطات المدنية؛

  • تنفيذ التوصيات التي قدمتها المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، أسبابه وعواقبه، والمتعلقة بإنشاء لجنة مستقلة ومحايدة للتحقيق في جرائم العنف الجنسي إبان النـزاع الداخلي، ونشر نتائج التحقيق وتقديم التعويض الكافي وتوفير التأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي للضحايا.



2. تكريس الإفلات من العقاب

"إن أشكال العفو أو غيرها من المعوقات التي تحول دون المقاضاة والعقوبة السريعتين والعادلتين لمرتكبي التعذيب أو سوء المعاملة أو التي تشير إلى عدم الرغبة في تنفيذهما تنتهك مبدأ عدم القابلية للانتقاص "

لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التعليق العام رقم 2، بتاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2008


"... إن مساءلة الجناة، بمن فيهم الشركاء، على الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان تعتبر أحد العناصر الأساسية لأي إنصاف فعال لضحايا الانتهاكات، وعاملاً رئيسياً في ضمان نظام قضائي منصف و عادل، وبالتالي تحقيق المصالحة والاستقرار داخل الدولة."

لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، القرار رقم 2003/72 ("الإفلات من العقاب")، 25 أبريل/نيسان 2003.



"... أهمية احترام وضمان الحق في التوصل إلى الحقيقة من أجل الإسهام في وضع حد للإفلات من العقاب وتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها."


مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، القرار رقم 9/11 بتاريخ 24 سبتمبر/أيلول 2008.

لم يسلم أي من قطاعات المجتمع من آثار العنف الذي عصف بالبلاد في التسعينيات من القرن المنصرم. ولا يزال الإرث المخيف لذلك العنف يلقي بظلاله الثقيلة على الشعب الجزائري. وبدلاً من التصدي لهذا الإرث، تبنت السلطات الجزائرية الإفلات من العقاب وجعلته مؤسسياً، وحرمت الضحايا فعلياً من حقهم في الوصول إلى الحقيقة والعدالة والإنصاف باسم "السلم والمصالحة الوطنية". إن الإفلات من العقاب بشكل تام تقريباً وبموجب الأمر الواقع، الذي تمتع به أفراد قوات الأمن والمليشيا التي تسلحها الدولة قد امتد إلى أفراد الجماعات المسلحة، الذين استفادوا منذ عام 1999 من تدابير العفو المتعاقبة، وفشلت في الاعتراف بحق الضحايا وعائلاتهم في الحصول على إنصاف فعال عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. وعلى الرغم من صرخات الضحايا وعائلاتهم، فقد أدى الأمر رقم 01-06 الصادر في فبراير/شباط 2006 إلى ترسيخ إفلات قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة وأعضاء الجماعات المسلحة من العقاب. وهذا الأمر يتعلق بميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وهو وثيقة إطار تم اعتمادها في استفتاء وطني في سبتمبر/أيلول 2005.

إن هاتين المجموعتين من تدابير العفو اللتين تم اعتمادهما في 2000-1999 وفي 2006-2005، لم تمنعا الضحايا وعائلاتهم من الحصول على العدالة مع مخاطر المقاضاة في المجموعة الأخيرة فحسب، وإنما أغلقتا الباب في وجه التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي قوات الأمن التي تسلحها الدولة، حيث حُرم الضحايا وعائلاتهم من الحق في الوصول إلى الحقيقة، مما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان. أما بالنسبة للانتهاكات على أيدي الجماعات المسلحة، فإن انعدام الشفافية والإفصاح العلني من قبل السلطات عن التحقيقات التي تجريها وعن الأسس التي مُنحت بموجبها قرارات العفو لأعضاء الجماعات المسلحة الذين استسلموا، قد أدت فعلياً إلى حرمان الضحايا وعائلاتهم من كشف الحقيقة. وعلى الرغم من أن آلاف الأشخاص حوكموا وأُدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب ومصوغة بعبارات غامضة، وغالباً بناءً على اعترافات منتزعة تحت التعذيب بحسب ما زُعم، فإن تلك المحاكمات لم تحقق شيئاً يُذكر فيما يتعلق بالكشف عن الحقيقة بشأن الانتهاكات، أو بتحديد المسؤولية.

وقُدمت تدابير العفو من قبل السلطات الجزائرية على أنها مبادرات إيجابية تهدف إلى وضع حد لما أسمته بـ "السنوات السوداء" أو "المأساة الوطنية" – وهي عبارات تنمُّ عن أن السلطات لم تلعب دوراً في تصعيد العنف، ولم تكن مسؤولة عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي وقعت خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي. وفي الحقيقة، فإن السلطات الجزائرية لا تزال تقول في المحافل الوطنية والدولية إن قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة أظهرت روحاً وطنية عظيمة، بل أظهرت بطولات وقدمت تضحيات لا تُقدر بثمن في وجه الإرهاب الذي هدد بتدمير الأمة.

وحضَّ عبد العزيز بوتفليقة، الذي انتُخب رئيساً للجزائر في عام 1999، ثم في عام 2004، على مجموعتي تدابير العفو وعزَّزها. فالخطاب الذي ألقاه في 14 أبريل/نيسان 2005، والذي دعا فيه المواطنين الجزائريين إلى التصويت لصالح ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، يعطي صورة دقيقة عن استمرار السلطات في إعطاء صورة عامة عن نفسها بأنها غير مسؤولة عن النـزاع الداخلي وبأنها نجحت في جهودها الرامية إلى تحقيق "السلم والمصالحة الوطنية":

"واستطاعت الـجزائر أن تدحر الـمارد الإرهابي بفضل تضحيات قوات أمننا و على رأسها الـجيش الوطني الشعبي ، سليل جيش التـحرير الوطني ، بدعم من الوطنييـن كافة و بعون الله الذي نـحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، مهدنا سويا السبيل أمام الوئام الـمدني الذي لـقـي منكم الدعـم والـتزكية الـجماعية فجنيـنا سويا ثمرته الغالية من خلال عودة الأمن و الأمان… يتوخى مشروع الـميثاق الـمعروض على حر تـمييزكم تعجيل العـودة النهائية للأمن والسلـم إلى بلادنا ، غير أنه يتوخى كذلك الأخذ بيدنا نـحـو الـمصالـحة الوطنية ونـحو تعزيز تـماسكنا الوطني".9

المجموعة المهمة الأولى لتدابير العفو: قانون الوئام المدني لعام 1999 والمرسوم الرئاسي رقم 03- 2000

بمبادرة من الرئيس المنتخب حديثاً عبد العزيز بوتفليقة، 10تم إقرار قانون الوئام المدني أو القانون رقم 08-99 ودخل حيز النفاذ في 13 يوليو/تموز 1999، بعد موافقة الحكومة والتصويت عليه قبل البرلمان و مجلسي الشيوخ. وبعد مرور شهرين، في سبتمبر/أيلول 1999، تم طرحه لاستفتاء وطني أعطاه دعماً شعبياً قوياً.11 وقد أعفى القانون من المقاضاة أفراد الجماعات المسلحة الذين سلَّموا أنفسهم خلال فترة ستة أشهر بعد تاريخ دخوله حيز النفاذ. ولم يشمل القانون الأشخاص الذين ارتكبوا أفعال القتل أو انتهاك الحرمات أو التسبب بعجز دائم أو وضع متفجرات في الأماكن العامة، أو شاركوا في تلك الأفعال. بيد أن الذين ارتكبوا مثل تلك الجرائم سيتلقون أحكاماً مخفَّضة، ويمكن تخفيضها أكثر في حالة الذين استسلموا في غضون ثلاثة أشهر.12

أما المرسوم الرئاسي رقم 2000-03 الذي أُعلن في 10 يناير/كانون الثاني 2000، فقد منح عفواً وحصانة شاملة من المقاضاة من دون وجود مواد استثنائية بالنسبة للذين كانوا ينتمون "إلى منظمات قررت بصفة إرادية وتلقائية إنهاء أفعال العنف"، وسلَّموا أنفسهم للسلطات. ولم توفر السلطات أية معلومات علنية أو أرقام دقيقة بشأن الذين استفادوا من ذلك العفو، بالرغم من حقيقة أن المرسوم حدد غرضه كي يستفيد منه أشخاص معيَّنون، ممن كانت أسماؤهم ستظهر في قائمة مرفقة بالمرسوم، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

وفي الفترة بين يوليو/تموز 1999 ويناير/كانون الثاني 2000، ذُكر أن نحو 5,500 من أفراد الجماعات المسلحة سلموا أنفسهم بموجب تدابير العفو. ومن بين هؤلاء، كان هناك أكثر من ألف من أعضاء الجيش الإنقاذ الإسلامي، والرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد، التي أعلنت وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 1997، واستفادت من العفو الرئاسي بموجب المرسوم رقم 2000-03. أما الباقون، والبالغ عددهم 4,500، فقد كانوا أعضاء في الجماعة الإسلامية المسلحة وغيرها من الجماعات المسلحة التي اعتُبرت مشمولة في إطار قانون الوئام المدني. وفي مايو/أيار 2000، أكد مسؤولون في الحكومة الجزائرية لمنظمة العفو الدولية أن نحو 4,500 شخص سلموا أنفسهم بموجب قانون الوئام المدني؛ وكان بينهم نحو 350 شخصاً يواجهون إجراءات قضائية. وذُكر أنه منذ انتهاء مهلة الاستسلام بموجب قانون الوئام المدني في يناير/كانون الثاني 2000، أقدم أعضاء آخرون في الجماعات المسلحة على تسليم أنفسهم، غير أنه لا يُعرف ما إذا كانوا قد استفادوا من تدابير العفو. وتشير الأنباء إلى أن بعض الأشخاص الذين سلموا أنفسهم بعد انتهاء المهلة قد أُطلق سراحهم فوراً أو بعد فترة وجيزة.

إن انعدام الشفافية في هذه العملية، بالإضافة إلى حقيقة أن السلطات لم تنشر رسمياً الأرقام الدقيقة المتعلقة بعدد الأشخاص الذين سلموا أنفسهم بموجب هذه المجموعة من تدابير العفو، وماهية التحقيقات التي أُجريت لتحديد الأهلية بموجب القانون، وعدد الأشخاص الذين تمت مقاضاتهم، وعدد الذين بُرئت ساحتهم أو أُدينوا، وبأية تهم، كل ذلك أدى إلى عدم قدرة الضحايا على التوصل إلى الحقيقة والعدالة بشأن الضرر الذي حلَّ بهم.

المجموعة المهمة الثانية لتدابير العفو: ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وتنفيذه

المرسوم رقم 05-278 بتاريخ 14 أغسطس/آب 2005، مرفق بمشروع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية

تضمَّن المرسوم رقم 05-278 ، الذي حضّ عليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ودعمه وأعلنه في 14 أغسطس/آب 2005، إطاراً لوضع نهاية للنـزاع الداخلي. وقد اقترح المرسوم تدابير لإعفاء أعضاء الجماعات المسلحة الحاليين والسابقين من المقاضاة، أو منحهم الرأفة. واعتبر أفراد قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة في حِلٍ تام من المسؤولية عن ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت إبان النـزاع المسلح بالقول إنهم تصرفوا لمصلحة البلاد. كما نفى الميثاق أن تكون قوات الأمن مسؤولة عن آلاف حالات الاختفاء، مع أنه وعد عائلات المختفين بالحصول على تعويضات وعلى الاعتراف بهم "كضحايا للمأساة الوطنية". وفي الوقت الذي وافق فيه المقترعون على الميثاق في استفتاء أُجري في 29 سبتمبر/أيلول 2005، 13فإن عدداً من الضحايا وأفراد عائلاتهم، بالإضافة إلى المدافعين عن حقوق الإنسان، أعربوا عن معارضتهم للميثاق خشية أن يكون هدفه إعفاء مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من مسؤوليتهم. فعلى سبيل المثال، نظَّم ضحايا الانتهاكات على أيدي الجماعات المسلحة وأفراد عائلاتهم في ولاية بليدا بالقرب من الجزائر تجمعاً في المقبرة في اليوم الذي أُجري فيه الاستفتاء، لتذكُّر موتاهم ودفن أوراق اقتراعهم احتجاجاً على أحكام الميثاق. وقد تحققت مخاوفهم من أن الميثاق يضع إطاراً للإفلات من العقاب كما تمثلت في أحكام المرسوم يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، الذي أُقر بعد مرور بضعة أشهر على إجراء الاستفتاء.

الأمر رقم 06-01 بتاريخ 27 فبراير/شباط 2006، يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية

في فبراير/شباط اعتمد مجلس الوزراء الجزائري المرسوم بشأن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، بعد أن تجاوز طرحه للنقاش في البرلمان الذي لم يكن منعقداً في وقت اعتماده.14 وعلاوة على ذلك، فقد اعتُمد المرسوم من دون عرض النص أو طرحه للتشاور مع المعنيين ذوي الصلة، من قبيل ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم، مما منع طرحه للنقاش العام. ولم يكتف المرسوم بتوسيع نطاق شروط العفو السابق عن طريق منح الحصانة من المقاضاة لأفراد الجماعات المسلحة الذين لم يرتكبوا انتهاكات ذات طبيعة جماعية أو الاغتصاب فحسب، وإنما منح حصانة شاملة من المقاضاة لقوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة بالرغم من أن الميثاق نفسه لم يتضمن مثل هذا النص صراحةً. وحرم المرسوم الضحايا من الحق في تعويض على الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها، مما يشكل انتهاكاً للمادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويُذكر أن الجزائر دولة طرف فيه. وكما هو منصوص عليه في القانون الدولي، فإن حق الضحايا في الإنصاف يشمل إمكانية تحقيق العدالة بشكل متساو وفعال؛ والحصول على جبر الضرر الذي لحق بهم على نحو كاف وعاجل؛ والحصول على المعلومات ذات الصلة والمتعلقة بالانتهاكات وآليات جبر الضرر – وجميعها تقوَّضت بسبب أحكام المرسوم.

وقد أعفى المرسوم من المقاضاة كل عضو في الجماعات المسلحة سلّم نفسه خلال الفترة من 13 يناير/كانون الثاني 2000 إلى 28 فبراير/شباط 2006. كما أنه تضمَّن توسيعاً لنطاق قائمة الجرائم المؤهلة للعفو لتشمل حادثة قتل واحدة أو اثنتين وأفعال التعذيب التي تسببت بضرر دائم حيث تجاوزت الاستثناءات المنصوص عليها في قانون الوئام المدني. وبموجب الشروط الواردة في هذا المرسوم، لا يُعفى من المقاضاة سوى أولئك الذين ارتكبوا "أفعال المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الأماكن العامة أو شاركوا فيها أو حرضوا عليها". ووفقاً لبيانات رسمية، فإن نحو 300 من أعضاء الجماعات المسلحة سلَّموا أنفسهم قبل حلول الموعد النهائي، ولكن لم يُعرف عدد الذين أُعفوا من المقاضاة من بين هؤلاء، وبموجب أية سيرورة.15 كما يبدو أن أشخاصاً آخرين ممن سلَّموا أنفسهم بعد انتهاء الموعد النهائي قد استفادوا من شكل ما من أشكال الرأفة، مع أنه لم تعلن أية إحصاءات رسمية أو تفاصيل بشأن هذه السيرورة.

كما نص المرسوم على إطلاق سراح المعتقلين أو المسجونين بسبب ضلوعهم في أنشطة إرهابية باستثناء أعمال القتل الجماعي وانتهاك الحرمات وعمليات التفجير، بموجب قرار العضو. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام، نقلاً عن بيانات رسمية، فإن نحو 2,200 شخص، ممن كانوا متهمين أو مدانين بالضلوع في أنشطة إرهابية، قد أُطلق سراحهم من السجن في مارس/آذار 2006 وفي الأشهر التي تلتها، بيد أنه لم يتم نشر أسماء الذين أُطلق سراحهم ولا سيرورة تقرير أهليتهم.16

وقد أثارت السرعة التي حدثت بها عمليات الإفراج عن المعتقلين بواعث قلق من أنه لم تجر تحقيقات كاملة للتأكد من أن الأشخاص الذين استفادوا من تدابير العفو لم يرتكبوا جرائم مستثناة من الإعفاء من المقاضاة. بينما لم يستفد آخرون من المعتقلين أو المسجونين بسبب ضلوعهم المزعوم في أنشطة إرهابية وممن بدوا مؤهلين للإعفاء من العفو، مما يؤكد مجدداً على الشبهات المتعلقة بالطبيعة التعسفية لتطبيق تدابير العفو المتنوعة التي اتخذتها السلطات.

التطبيق التعسفي للأمر رقم 06-01 ، يتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية

في عام 2001 قُبض على مراد يخلف في مونتريال، وهو جزائري مولود في عام 1968 ولاجئ في كندا، وأُعيد قسراً إلى الجزائر في عام 2003. وقد قبضت عليه السلطات الكندية على أساس صلاته المزعومة بأحمد رسام، وهو جزائري آخر أُدين بتهمة محاولة دخول الولايات المتحدة وبحوزته متفجرات في ديسمبر/كانون الأول 1999، والتخطيط لتنفيذ عمليات تفجير.

ومضت السلطات الكندية قدماً في ترحيله في عام 2003، حيث قالت إنه كان يشكل تهديداً للأمن القومي. وكانت محكمة الجزائر الخاصة قد حكمت على مراد يخلف بالسجن المؤبد غيابياً في الجزائر في عام 1993 بتهمة "العضوية في جماعة إرهابية تعمل في الجزائر والخارج". ولدى عودته اعتُقل وقُدم إلى ثلاث محاكمات منفصلة: في المحاكمة الأولى أُعيدت محاكمته المتعلقة بإدانته في عام 1993 وتمت تبرئة ساحته؛ وفي الثانية حُكم عليه بالسجن مدة سبع سنوات في عام 2005 بتهمة "العضوية في جماعة إرهابية تعمل في الجزائر والخارج"، وذلك بناء على إفادات أدلى بها في حجز دائرة الاستعلام والأمن. وقد بُرئت ساحته في المحاكمة الثالثة في عام 2008. وفي 26 مارس/آذار 2006 أُطلق سراحه وأُبلغ بأنه سيتم وقف جميع الإجراءات القضائية ضده في سياق تدابير "المصالحة الوطنية". ثم قُبض عليه مرة ثانية بعد أسبوع. وفي 9 أبريل/نيسان 2008، نُقل عن وزير العدل طيب بلعيز قوله إن مراد يخلف كان يجب ألا يستفيد من تدابير "المصالحة الوطنية" بسبب ضلوعه المزعوم في التخطيط لهجمات بالمتفجرات.

وعلى النقيض من ذلك، فإن محمد بلعسل، الذي قُبض عليه في عام 2000، لم يشمله العفو بموجب الأمر رقم 01-06 لعام 2006، مع أنه كان يجب أن يكون مؤهلاً لشموله لأنه يواجه تهماً غير مستثناة من نطاق العفو، من قبيل "الانتماء إلى جماعة إرهابية"، وتبرير الإرهاب وتمويله والقتل ذي الطابع الفردي. وذُكر أنه أُصيب بجراح عند القبض عليه في عام 2000 ودخل في غيبوبة دامت ثلاثة أشهر في سجن بليدا العسكري. وهو مسجون حالياً في سجن الحراش في الجزائر بانتظار المحاكمة. ومن بين الأحد عشر شخصاً الآخرين المتورطين في القضية نفسها ويواجهون التهم نفسها، استفاد خمسة أشخاص على الأقل من تدابير العفو بموجب الأمر رقم 06-01 لعام 2006، وذُكر أن ما لا يقل عن ثلاثة أشخاص " فى حالة فرار".17

وبالمثل، فإن عبد القادر منصور، الذي قُبض عليه في عام 1992 في تلمسان وحكمت عليه محكمة وهران الخاصة بالإعدام في يوليو/تموز 1993 بتهم تشكيل جماعة إرهابية مسلحة ومحاولة القتل وشن هجمات ضد الدولة، لم يستفد من العفو بموجب الأمر رقم 06-01 لعام 2006. وفي محاولة لتأمين الإفراج عن إبنه، الذي لم توجَّه إليه أية تهمة ولم تتم إدانته على أية جريمة مستثناة من الأمر رقم 06-01، فقد كتب والد عبد القادر منصور عدة رسائل إلى المسؤولين الجزائريين، ومن بينهم وزير العدل والرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ملتمساً الإفراج عن ابنه ومتسائلاً عن سبب عدم إطلاق سراحه في الوقت الذي استفاد آخرون أُدينوا بالتهم نفسها وفي القضية نفسها من تدابير العفو. كما كتب رسالة إلى رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها طلب منه فيها التدخل في الأمر. وحتى اليوم لا يزال عبد القادر منصور مسجوناً في سجن "برواقية".

وقد أبلغت السلطات الجزائرية الجنة المعنية بحقوق الإنسان، في ردها على مجموعة القضايا التي نظرت فيها اللجنة أثناء مراجعتها للتقرير الدوري الثالث للجزائر في أكتوبر/تشرين الأول 2007، أن ما يربو على 7,000 شخص استفادوا من "قرارات العفو ومن وقف الإجراءات الجنائية" في إطار المرسوم.18بيد أن السلطات لم تؤكد حتى الآن أية تفاصيل بشأن الذين سلموا أنفسهم واستفادوا من العفو بموجب هذا القانون، والسيرورة التي حُددت بواسطتها الأهلية للعفو، وعدد الأشخاص الذين قُدموا إلى العدالة بعد تسليم أنفسهم، وعدد الذين بُرئت ساحتهم أو أُدينوا، وماهية الجرائم.

إن عدم توفر المعلومات، بالإضافة إلى طبيعة قرارات العفو التي ترفض مساءلة أفراد الجماعات المسلحة على الجرائم الخطيرة من قبيل القتل والاختطاف والتعذيب، من شأنه أن يحرم العائلات من حقها في الوصول إلى الحقيقة والعدالة.

ولدى مراجعة التقرير الدوري الثالث للجزائر في عام 2007، أكدت الجنة المعنية بحقوق الإنسان على التزام الدولة بموجب القانون الدولي بأن تبني أي قرار عفو على أساس تحقيق كامل ومحايد ومستقل، وقالت:

"عدم منح أي عفو أو استبدال للعقوبة أو تخفيفها أو إسقاط للدعوى العامة على أي شخص يدعى أنه ارتكب أو قد يرتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مثل أعمال القتل و التعذيب و الاغتصاب و الاختفاء،، سواء كان هذا الشخص من أعوان الدولة أو من أفراد الجماعة المسلحة وأن تقوم السلطات القضائية المختصة، بالنسبة للانتهاكات الأخرى،، بإجراء تحقيق واف وشامل و أن يكون بوسع المحاكم أن تنظر في الجرائم التي يدعى تورط هؤلاء الأشخاص فيها، قبل اتخاذ أي قرار بالعفو أو استبدال للعقوبة أو تخفيفها إسقاط للدعوى العامة."19

وبالإضافة إلى توفير الحصانة الشاملة من المقاضاة لأعضاء الجماعات المسلحة الذين ارتكبوا أعمال قتل واختطاف وتعذيب وغيرها، فقد نصَّ المرسوم على عدم قبول الشكاوى المقدمة إلى السلطات القضائية ضد أفراد قوات الأمن وأولئك الذين تعاونوا معهم من قبيل المليشيات التي تسلحها الدولة. وفي حين أن قوات الأمن كانت تتمتع بحصانة الأمر الواقعقبل إقرار هذه التدابير، فإن المرسوم منحها حصانة تامة من المقاضاة على انتهاكات حقوق الإنسان، من قبيل عمليات الاختفاء القسري والإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، في ازدراء فاضح للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

فالمادة 45 تحمي قوات الأمن من المقاضاة بغض النظر عن حجم الأدلة على ضلوعها في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان:

"لا يجوز الشروع في أي متابعة، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية، بجميع أسلاكها، بسبب أعمال نُفذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمة والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. ويجب على الجهة القضائية المختصة التصريح بعدم قبول كل بلاغ أو شكوى. 20

ويبدو أن نطاق الإعفاء من المقاضاة أمتد إلى المليشيات التي تسلحها الدولة والمتورطة في ارتكاب انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان. فالمادة 44 عندما تُقرأ مقترنةً بالمادة 45، تمنح المليشيات التي تسلمها الدولة حصانة شاملة:

"إن المواطنين الذين ساهموا بالتزامهم وعزمهم في نجدة الجزائر وفي الحفاظ على مكتسبات الأمة يكونوا قد أثبتوا حساً وطنياً".

إن هذه الأحكام لا تحرم الضحايا وعائلاتهم من حقهم في العدالة وتحول دون إظهار الحقيقة من خلال التحقيقات القضائية وإجراءات المحاكمات فحسب، وإنما ترفض الاعتراف بمسؤولية قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة، وهو ما يشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان. إن الاعتراف بالحقائق وقبول تحمل المسؤولية ليسا جزءاً لا يتجزأ من أية سيرورة للتعافي والمصالحة فحسب، وإنما هما من العناصر الأساسية لجبر الضرر الفعال بالنسبة للضحايا، كما هو منصوص عليه في المبادئ الأساسية والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الصارخة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، الذي اعتمدته ونادت به الجمعية العامة في قرارها رقم 60/147 بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول 2005 . 21

وفي ملاحظاتها الختامية حول الجزائر لعام 2007، أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان عن قلقها من أن انتهاكات حقوق الإنسان ارتُكبت ولا تزال تُرتكب في ظل حضانة تامة، وأن الأمر رقم 01-06 لعام 2006 يعزز الإفلات من العقاب ويحرم الضحايا من الحق في الحصول على إنصاف فعال. وقد أوصت اللجنة السلطات الجزائرية بالقيام بما يلي بشكل خاص:

"لا يخرج العفو، و غيره من تدابير الرأفة، عندما يكون الغرض منها تهيئة الظروف لاتفاق سلم أو تيسير المصالحة الوطنية، عن الحدود التالية: أ) لا يجوز لمرتكبي الجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي الاستفادة من مثل هذه التدابير إلى أن تفي الدولة بالتزامها .... أن تجري تحقيقات فورية وكاملة ومستقلة ومحايدة في انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي و تتخذ تدابير مناسبة ضد مرتكبي هذه الانتهاكات، ولاسيما في مجال القضاء الجنائي، من خلال ضمان ملاحقة الأشخاص المسؤولين عن الجرائم الجسيمة بموجب القانون الدولي ومحاكمتهم وفرص عقوبات مناسبة عليهم".

جدول جامع المجموعة المستوفاة من المبادئ المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال اتخاذ تدابير لمكافحة الإفلات من العقاب.
UN Doc.: E/CN.4/2005/102/Add.1، بتاريخ 8 فبراير/شباط 2005.

"عدم وقوف المادة 45 من الأمر رقم 01-06 عقبة أمام الحق في الانتصاف الفعال، وفقا للمادة 2 من العهد، و التأكيد على وجه الخصوص من تعديل المادة 45 بحيث تنص علىعدم سريانها على جرائم مثل التعذيب والقتل والاختطاف. وعلاوة على ذلك، ينبغي للدولة الطرف أن تحرص على إعلام الجمهور العام بأن المادة 45 لا تنطبق على الإعلانات أو الملاحقات لارتكاب جرائم التعذيب و الإعدام خارج نطاق القانون و الاختفاء".22

وقد تم تكرار هذه التوصية التي قدمتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان وتوسيع نطاقها من قبل لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي نظرت في التقرير الدوري الثالث للجزائر في مايو/أيار 2008. وخلصت لجنة مناهضة التعذيب إلى القول بأن الجزائر كدولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، يجب أن تقوم بما يلي:

"تعديل المادة 45، الفصل 2 من الأمر رقم 01-06 بحيث تنص على أن الإعفاء من المقاضاة لا ينطبق في أي ظرف من الظروف، على جرائم من قبيل التعذيب، بما فيه الاغتصاب، والاختفاء القسري، وهي جرائم لا ينطبق عليها قانون التقادم. ويتعين على الدولة الطرف أن تتخذ جميع الخطوات الضرورية الفورية لضمان إجراء تحقيقات منهجية ومحايدة في حالات التعذيب؛ بما فيه الاغتصاب، والاختفاء القسري القديمة والحديثة، ومقاضاة الجناة ومعاقبتهم بطريقة تتناسب مع خطورة الأفعال المرتكبة، ودفع تعويضات كافية للضحايا."23

وذهب المرسوم إلى ما هو أبعد من حرمان الضحايا وعائلاتهم من الإنصاف الفعال، ففرض قيوداً على انتقاد سلوك قوات الأمن خلال سنوات النـزاع الداخلي. كما أنه يجيز حبس الضحايا وأفراد عائلاتهم والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وكل شخص يقوم بتوثيق سلوك قوات الأمن إبان النـزاع أو يحتج عليه أو ينتقده. فالمادة 46 تنص على ما يلي:

"يعاقب بالحبس مدة تتراوح من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات وبغرامة من 250,000 دج إلى 500,000 دج، كل من يستعمل، من خلال تصريحاته أو كتاباته أو أي عمل آخر، جراح المأساة الوطنية أو يعتد بها للمساس بمؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية أو لإضعاف الدولة أو الإضرار بكرامة أعوانها الذين خدموها بشرف، أو تشويه سمعة الجزائر في المحافل الدولية.". 24

وفي حين أن هذه المادة لم تُستخدم حتى الآن في أية محاكمات بحدود علمنا، فإنها تخلق جواً من الخوف والقمع، وتغلق النقاش العام، ويمكن أن تُستخدم لردع أي شخص عن إثارة بواعث قلق مشروعة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان. وكما يرد في الفصل 5، فإن الضحايا وعائلاتهم والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم مازالوا مستهدفين ويلاحَقون قضائياً من قبل السلطات الجزائرية بسبب انتقادهم لتدابير العفو وإثارة قضايا تتسم بالحساسية، من قبيل حالات الاختفاء القسري.

وفي ملاحظاتها الختامية في 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، حثت لجنة حقوق الإنسان السلطات الجزائرية على:

"إلغاء أي حكم من أحكام الأمر رقم 01-06 المتضمن تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، ولاسيما المادة 46 منه، يخل بحرية التعبير وبحق أي شخص في الحصول على الانتصاف الفعال من انتهاكات حقوق الإنسان، على المستوى الوطني والدولي معا". 25

إن منظمة العفو الدولية تدرك أن السلطات الجزائرية، من خلال إجراء عملية تشاور عامة واسعة النطاق مع جميع المعنيين ذوي الصلة، بمن فيهم الضحايا وعائلاتهم، يجب أن تنشئ آليات للرد الكافي على إرث "المأساة الوطنية" في مناخ يوفر الاحترام التام لحرية التعبير والتجمع والاشتراك في الجمعيات والحق في الحصول على المعلومات. بيد أنه لا يجوز الإضرار بالحق في التوصل إلى الحقيقة والعدالة وجبر الضرر من خلال قرارات العفو العام والخاص والتدابير المشابهة التي تحول دون ظهور الحقيقة والقرار القضائي النهائي بالذنب أو البراءة، ومنح الضحايا وعائلاتهم تعويضات كاملة. وتؤكد منظمة العفو الدولية للسلطات الجزائرية أنها لا يجوز أن تتهرب من التزاماتها الدولية باعتماد قوانين وطنية تتناقض مع تلك الالتزامات، حتى مع أن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية اعتُمد من خلال استفتاء وطني في سبتمبر/أيلول 2005؛ فلا يجوز إخضاع احترام الحقوق الإنسانية الأساسية وحمايتها للتصويت بالأغلبية. إذ أن قرارات العفو العام والخاص والتدابير الوطنية المشابهة التي أدت إلى الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من قبيل التعذيب والاغتصاب والإعدام خارج نطاق القضاء وغيره من عمليات القتل غير القانوني، وحالات الاختفاء التعسفي، تتعارض مع القانون الدولي.

3. الانتهاكات إبان النـزاع الداخلي في التسعينيات وما بعدها

تُقدم الممارسة الكاملة و الفعالة للحق في معرفة الحقيقة ضماناً حيوياً لتفادي تجدد وقوع هذه الانتهاكات."


جدول جامع المجموعة المستوفاة من المبادئ المتعلقة بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال اتخاذ تدابير لمكافحة الإفلات من العقاب. UN Doc.: E/CN.4/2005/102/Add.1، المبدأ 2، بتاريخ
8 فبراير/شباط 2005



ارتُكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان على أيدي جميع أطراف النـزاع الداخلي. وكانت الجماعات المسلحة مسؤولة عن ارتكاب عمليات قتل متعمد للمدنيين وهجمات عشوائية وتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة والاختطاف والاغتصاب والاسترقاق. 26كما أن قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة اقترفت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من قبيل عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة باسم مكافحة الإرهاب. وفي الوقت الذي انخفضت فيه وتيرة انتهاكات حقوق الإنسان بشكل ملحوظ منذ اندلاع النـزاع الداخلي في التسعينيات من القرن الماضي، ظلت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من قبيل التعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة ترتكب على أيدي قوات الأمن، التي تستخدم اليوم التبرير الأمني نفسه الذي استخدمته إبان التسعينيات. ولا تزال دائرة الاستعلام والأمن – وهي الهيئة التي يُزعم أنها مسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في الماضي كحالات الاختفاء القسري – ضالعة في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، وخاصة الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي والتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، التي يتعرض لها الأشخاص المشتبه في ضلوعهم في الإرهاب. وبالنتيجة، فإن منظمة العفو الدولية تعتقد أن التصدي لإرث الإفلات من العقاب على الانتهاكات الماضية مرتبط بشكل جوهري بمنع تكرار الانتهاكات وخلق ثقافة احترام حقوق الإنسان.

واستناداً إلى البحوث التي أجرتها حول الجزائر منذ عام 1992، فإن منظمة العفو الدولية تعتبر أن عمليات القتل غير القانوني والاختفاء القسري والتعذيب والاغتصاب التي تعرض لها المدنيون في الجزائر إبان النـزاع الداخلي، قد وصلت إلى حد الجرائم ضد الإنسانية لأنها جرائم "متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم"، كما تحددها المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (أنظر المربع أدناه). إن المادة 7 من نظام روما الأساسي، الذي دخل حيز النفاذ في 1 يوليو/تموز 2002، تعكس القانون الدولي العرفي. وقد وقعت الجزائر على نظام روما الأساسي، ولكنها لم تصدق عليه بعد.

تعريف الجرائم ضد الإنسانية الوارد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يعكس القانون الدولي العرفي

المادة 7

.1 لغرض هذا النظام الأساسي، يشكل أي فعل من الأفعال التالية "جريمة ضد الإنسانية" متى ارتُكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجَّه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علم بالهجوم:

(أ) القتل العمد

(ب) الإبادة

(ج) الاسترقاق

(د) إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان

(هـ) السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو آخر من الحرية البدينة بما يخالف القواعد الأساسية للقانون الدولي.

(و) التعذيب؛

(ز) الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري أو التعقيم القسري أو أي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي على مثل هذه الدرجة من الخطورة؛

(ح) اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية، أو متعلقة بنوع الجنس على النحو المعروف في الفقرة 3، أو لأسباب أخرى من المسلَّم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها، وذلك فيما يتصل بأي فعل مشار إليه في هذه الفقرة أو أية جريمة تدخل في اختصاص المحكمة؛

(ط) الاختفاء القسري للأشخاص؛

(ي) جريمة الفصل العنصري؛

(ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

1.3 عمليات القتل غير القانوني

لم يسلم أي قطاع من قطاعات المجتمع أو فئة عمرية أو طبقة اجتماعية من آثار موجة القتل التي عصفت بالجزائر على مدى ما يزيد على عقد من الزمان. وقد قُتل نحو 200,000 إنسان في مجرى النـزاع الداخلي وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة في عام 2006. وكان بعضهم من أفراد الجماعات المسلحة وقوات الأمن، ولكن معظمهم كانوا من المدنيين. وحتى أفراد المجتمع الأكثر استضعافاً – كالمسنين والمعوَّقين والرضَّع والنساء الحوامل – سقطوا ضحايا للعنف الذي لا هوادة فيه. وكانت جميع أطراف النـزاع الداخلي، ومنها الجماعات المسلحة وقوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة، مسؤولة عن عمليات القتل. ومنذ عام 1993، ما انفكت الجماعات المسلحة تستهدف المدنيين من شتى المشارب وعلى نحو متزايد. فقد قتلت رجالاً ونساءً، ممن اعتبرتهم من مؤيدي السلطات أو أقرباء المسؤولين الحكوميين، وأشخاصاً ينتمون إلى فئات مهنية معينة، كالصحفيين والكتاب والأجانب والأشخاص الذين اعتبرت أسلوب حياتهم غير إسلامي أو غير أخلاقي. ومع مضي النـزاع قُدماً، استُبدل هذا النمط من عمليات القتل المستهدف تدريجياً لتحلَّ محله الهجمات بلا تمييز. وتم ترويع المدنيين بالتفجيرات أو الهجمات بقذائف الهاون على الأسواق والمقاهي والقطارات والحافلات وغيرها من الأماكن العامة. وباتوا يخشون السفر على الطرق لأن المسلحين قتلوا ركاب المركبات المارة عند نقاط إغلاق الطرق. كما قامت الجماعات المسلحة باغتصاب النساء وقتلهن (أنظر الفصل 4). ووقعت مجازر واسعة النطاق في المناطق الريفية، ولاسيما في عام 1997 ومطلع عام 1998، قُتل فيها مئات الأشخاص في ليلة واحدة. وأطلقت قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة النار على مدنيين عزَّل في منازلهم فسقطوا قتلى على مرأى من عائلاتهم، وقامت بتعذيب آخرين حتى الموت، وتعرض آلاف الأشخاص للاختفاء القسري أو للإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي أو بإجراءات موجزة على أيدي قوات الأمن والمليشيات التي تسلحها الدولة؛ كما قُتل آلاف آخرون بصورة غير قانونية على أيدي أفراد الجماعات المسلحة. ولجأت قوات الأمن إلى عرض جثث، كانت أحياناً مشوَّهة أو ممثَّلاً بها لأشخاص قالت إنهم قُتلوا في مواجهات مسلحة.

واتسم العديد من عمليات القتل على أيدي الجماعات المسلحة بالوحشية المروعة. فقد تحدثت شقيقتان، إحداهما في الحادية عشرة والأخرى في الثالثة عشرة من العمر، لمنظمة العفو الدولية عن ليلة مقتل والديهما:

"صحونا على الضجيج إذ كان بعض المسلحين يقومون بضرب والدي ببندقية صيد... دفعو والدي إلى المطبخ، و أخذ الآخرون والدتي إلى الفناء وربطوا يديها. ثم ذبحوها."27

ولا تزال هناك أسئلة جدية بشأن عجز الدولة عن حماية أرواح وأمن السكان وخاصة في الأوقات التي شهدت عمليات قتل واسعة النطاق في عامي 1997 و 1998، والتي وقع معظمها حول الجزائر العاصمة و البليدة والمدية، وهي من المناطق التي كانت تشهد وجوداً أمنياً وعسكرياً كثيفاً في ذلك الوقت. وقال بعض الناجين من المجازر لمنظمة العفو الدولية إن قوات الأمن في بعض الحالات وقفت متفرجةً، بينما كان القرويون يتعرضون للذبح على أيدي الجماعات المسلحة. كما وقعت مجازر أخرى بجوار ثكنات الجيش. وتساءل أحد الناجين من مجزرة راح ضحيتها 300 رجل وامرأة وطفل في سيدي رايس إلى الجنوب من الجزائر العاصمة في 28 أغسطس/آب 1997، قائلاً:

"لماذا حدث ذلك؟ لماذا لم يوقفه أحد؟ كان رجال الجيش هناك و كذلك رجال قوات الأمن... لقد انتظروا (أي رجال الجيش) حتى انتهى الإرهابيون من مهمتهم القذرة ثم تركوهم يهربون." 28

وقال ناج آخر من المجزرة نفسها:

"كان الناس يطرقون بابي صارخين. كانوا من الجيران الذين أصابهم الخوف و كانوا يريدون المرور من خلال منـزلي إلى ثكنة الجيش التي لم تكن بعيدة – فلم تكن سوى 100 متر تقريباً."29

كما نفذت قوات الأمن عدداً لا يُحصى من عمليات القتل غير القانوني كبديل للاعتقال أو كشكل من أشكال العقوبة. وقد قُتل بعض الضحايا لأنهم كانوا من أقرباء أشخاص مطلوبين للسلطات. ففي 10 مايو/أيار على سبيل المثال، قتل أربعة مسلحين، تم التعرف على أحدهم على أنه من أفراد قوات الأمن، رجلاً في الرابعة والثمانين من العمر مع أربعة من أولاده في منـزلهم. وقالت الأم لمنظمة العفو الدولية:

"اقتادوا أولادي الأربعة وأجبروهم على الاستلقاء ووجوههم إلى الأرض ثم أطلقوا النار على الأربعة جميعهم في مؤخرة الرأس فأردوهم قتلىً.لم يتمالك زوجي نفسه وراح يصرخ هلعاً، فبادروه بطلقة في وجهه أردته قتيلاً... كان أحد أبنائي من الإرهابيين وقُتل منذ أكثر من عام. أما زوجي و باقي أبنائي فلم تكن لهم أية صلة بهذا الموضوع."30



حالة

في 28 يونيو/حزيران 1998، قُتل حمزة والي، وهو طالب في مدرسة ثانوية في تزمالت، وهي قرية في ولاية بجاية، شرق الجزائر العاصمة، أثناء مشاركته في مظاهرة. وقال شهود إن رئيس المجلس الشعبي البلدي ، المعروف جيداً بأنه قائد المليشيا المحلية التي تسلحها الدولة، أطلق النار على الفتى بحضور أفراد قوات الدرك المحلية. وعلى الرغم من ذلك، لم يُقبض على أحد بسبب تلك الحادثة. وقد قدمت عائلة حمزة والي شكوى إلى السلطات ولكن قاضي التحقيق رفضها. وحتى الآن لم يجر أي تحقيق واف في حادثة القتل.



لم تُظهر السلطات الجزائرية اهتماماً يُذكر بالأقرباء الناجين، بغض النظر عن المسؤول عن القتل. وطوال أسوأ سنوات النـزاع وحتى أواسط عام 1999، فرضت السلطات رقابة منهجية على المعلومات بشأن عدد الضحايا، وأعطت أرقاماً متدنية بشكل مصطنع. وقد رأى العديد من العائلات في ذلك إنكاراً نهائياً لفجيعتها وحزنها.

ومنذ أواسط عام 1999، اعترفت السلطات بهول الفظائع التي كابدها السكان الجزائريون، ومع ذلك فإنها لا تزال ترفض اتخاذ التدابير الضرورية لإقناع الضحايا وعائلاتهم بأن جهوداً جدية تُبذل للكشف عن الحقيقة. ومع أن آلاف الأشخاص اتُّهموا وأُدينوا بارتكاب جرائم مرتبطة بالإرهاب ومصوغة بعبارات غامضة، غالباً ما كانت تستند إلى اعترافات منتزعة تحت التعذيب، فإن تلك المحاكمات لم تنجز شيئاً يُذكر لاستعادة الثقة في قدرة نظام العدالة على توفير الإنصاف الفعال وعلى المساعدة في إظهار الحقيقة وتحديد المسؤولية. وفي الحالات التي تدعي السلطات أنها أجرت تحقيقات فيها، فإن انعدام الشفافية بشأن الإجراءات وعدم الاستعداد لتزويد العائلات بتفاصيل التحقيقات لم تفعل الكثير من أجل تهدئة بواعث قلق الناس بشأن عدم مقاضاة المسؤولين عن وفاة أحبائهم.

وحتى الحالات البارزة لم تجد حلاً لها بعد. فعلى سبيل المثال، اغتيل عبد الحق بن حمودة، زعيم "الاتحاد العام للعمال الجزائريين" في يناير/كانون الثاني 1997 خارج المقر الرئيسي للاتحاد في الجزائر العاصمة. وبعد أسبوعين، داهمت قوات الأمن مبنى قريب وقتلت ثمانية أشخاص، بينهم امرأتان وطفلان. وأعلنت السلطات فوراً أن القتلى هم الذين اغتالوا عبد الحق بن حمودة.

وبعد ثلاثة أيام، أي في 15 فبراير/شباط 1997، أعلنت السلطات أنها قبضت على زعيم منفذي الاغتيال رشيد مجاهد. وقد احتُجز سريا و بشكل غير معترف به حتى 23 فبراير/شباط 1997، عندما اعترف على التلفزيون الوطني بالتخطيط لاغتيال عبد الحق حمودة وأكد أن الذين قتلتهم قوات الأمن في 12 فبراير/شباط 1997 هم الذين قاموا باغتياله. ولم يُقدم رشيد مجاهد إلى المحاكمة لأنه قضى نحبه في الحجز السري على أيدي قوات الأمن. ولاحظ والداه، اللذان سُمح لهما برؤية جثته وجود عدة إصابات بالرصاص في جسده، ومنها في البطن والظهر والعنق. وقلائل هم الذين يعتقدون أنه والأشخاص الذين قُتلوا في المبنى هم الذين اغتالوا عبدالحق بن حمودة.



اغتيال لوناس معطوب

في يونيو/حزيران 1998، أُطلقت النار على المطرب الشعبي البربري لوناس معطوب فأُردي قتيلاً وأُصيبت زوجته وشقيقتاها بجروح عندما وقعت سيارتهم في كمين في 25 يونيو/حزيران 1998 قرب قريته الأصلية تاوريرت موسى في منطقة القبائل.

وكان المغنّي لوناس معطوب ينتقد الإسلاميين والحكومة على السواء، وكان داعية متحمساً للحقوق الثقافية الأمازيغية. وعلى الرغم من الاهتمام الذي اجتذبه مقتله، فقد ظلت السلطات عاجزة عن الوفاء بالمتطلبات الأساسية للتحقيق، من قبيل الفحوص الطبية الشرعية وحماية الأدلة ومقابلة الشهود. وفي الوقت الذي ادعت فيه السلطات أنه قُتل على أيدي أفراد من الجماعات المسلحة واتهمت شخصين بقتله وبالضلوع في أنشطة إرهابية (أنظر الفصل 3.3)، فإن حادثة اغتياله أشعلت فتيل مظاهرات احتجاج مناهضة للحكومة في منطقة القبائل، حيث أنحى المتظاهرون باللائمة على الحكومة. وحتى هذا اليوم، تدعو عائلة المغني إلى إجراء تحقيق كامل ومحايد ومستقل في حادثة مقتله.

وبالنسبة للمواطنين الأقل شهرة، فإن انعدام الشفافية في عملية إقرار العدالة يعتبر أكثر إثارة. فقد انتظرت آلاف العائلات لعدة أشهر أو سنوات قبل أن تخبرهم السلطات بأن أقرباءهم قد قُتلوا. ومُنح بعضها شهادة وفاة من قبل الشرطة القضائية، ولكنها لم تتسلم جثة قريبها ولم تُحط علماً بمكان دفنه أو بتاريخ وفاته أو الظروف التي قُتل فيها أو كيف تم التعرف عليه.

وعانت آلاف العائلات الأخرى من الصدمة جراء معرفتها بأن أبناءها قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة، سواء في عملية قتل فردية أو في مجزرة جماعية. وفي بعض الحالات كانت تعرف هوية القتلة، بيد أن أحداً لم يستطع الحصول على معلومات بشأن التحقيقات التي يمكن أن تكون قد أُجريت في تلك الوفيات.

وفي حالات أخرى، أعلنت السلطات أن المسؤولين عن عمليات القتل قد قتلوا برصاص قوات الأمن أو المليشيات التي تسلحها الدولة. ولكنها لم تكن تزود العائلات بمعلومات حول كيفية التعرف على القتلة. وكانت تُعرض على بعض العائلات صورة لقاتل مفترض، ولكن من دون أية معلومات أخرى.

بعد انخفاض وتيرة النـزاع، كشف النقاب عن العديد من المقابر الجماعية، معظمها يضم عشرات الجثث. ووفقاً لمعلومات أعلنتها السلطات على الملأ، فإن الضحايا كانوا قد اختطفوا واغتيلوا على أيدي الجماعات المسلحة. بيد أنه في معظم الحالات قالت السلطات المحلية إنه من المستحيل التعرف على أغلبية تلك الجثث التي عُثر عليها، الأمر الذي دفع بعائلات الضحايا والمنظمات التي تمثلهم إلى التساؤل عن كيفية توصل السلطات إلى نتيجة مفادها أن الضحايا قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة. ووفقاً لمصادر أخرى، ومن بينهما أشخاص شاركوا في عمليات استخراج الجثث، فقد وُجدت رفات بعض أفراد الجماعات المسلحة في بعض المقابر الجماعية.31

وفي بعض الحالات قُدمت معلومات متناقضة عن عدد الجثث التي عُثر عليها في المقابر. ففي حالة القبر الذي وُجد في قرية "حوش حفيظ"، على سبيل المثال، قالت السلطات القضائية المحلية لوفد منظمة العفو الدولية الذي زار الموقع في مايو/أيار 2000 إنه كُشف النقاب عن 52 جثة وإن إحدى العائلات تعرفت على إحدى جثث الضحايا. وقالت الهيئة الرسمية لحقوق الإنسان في الجزائر في ذلك الوقت، المرصد الوطني لحقوق الإنسان، إنه تم العثور على 64 جثة.

وفي حالات أخرى أُثيرت أسئلة بشأن محاولات السلطات المتعمدة لإخفاء الأدلة المتعلقة بالمجازر أو غيرها من عمليات القتل غير القانوني. ففي يناير/كانون الثاني 2004 على سبيل المثال، استخرجت رفات بشرية من قبر جماعي في ولاية غليزان في محاولة واضحة لإخفاء أو إتلاف الأدلة على وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان. وفي الفترة 1998-1993، اختفى أكثر من 200 مدني في المنطقة على أيدي المليشيات التي تسلحها الدولة. وقد اكتشف الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 محمد إسماعين، وهو ناشط محلي في مجال حقوق الإنسان، وقام بجمع أدلة تشير إلى أن القبر ضمَّ رفات بعض المختفين (أنظر الفصل 5). ولم تمنع السلطات تدمير الأدلة الواضح، ولم يُعرف أن تحقيقاً فُتح في الحادثة حتى الآن. وفشلت السلطات الجزائرية في احترام المعايير المقرة دولياً بشأن استخراج الرفات البشرية والتعرف عليها، ومنها مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالمنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام بإجراءات موجزة لعام 1991، وبروتوكول الأمم المتحدة النموذجي لإخراج بواقي الهيكل العظمي وتحليلها. وينص المبدأ 12 من البروتوكول الأخير على أنه "في حالة اكتشاف الرفات، فإنه ينبغي استخراجها بعناية ودراستها وفقاً للأساليب الأنثروبولوجية المنهجية". وإذا احتُرمت هذه الإجراءات فإنها ستلعب دوراً مهماً في التوصل إلى الحقيقة وفي الإسهام في التحقيقات الكاملة في انتهاكات حقوق الإنسان.

وفي ملاحظاتها الختامية في نوفمبر/تشرين الثاني 2007، دعت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان السلطات الجزائرية إلى إجراء تحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وضمان مساءلة مرتكبيها، سواء كانوا من أفراد الجماعات المسلحة أو من موظفي الدولة، وذلك عن طريق:

"أن تتخذ جميع التدابير المناسبة لكفالة التحقيق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي عرض عليها، مثل أعمال القتل والتعذيب والاغتصاب والاختفاء، وإحالة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بمن فيهم أعوان الدولة وأفراد الجماعات المسلحة، إلى القضاء و ومحاسبتهم على ما ارتكبوا من أفعال."


التدابير المالية المتعلقة بالعائلات المتضررة

بالإضافة إلى التزامها بضمان حق الضحايا وعائلاتهم في الوصول إلى الحقيقة والعدالة فإن المطلوب من السلطات جبر الضرر الذي لحق بالضحايا. ففي فبراير/شباط صدر المرسوم التنفيذي رقم 47-99 بتاريخ 13 فبراير/شباط 1999، الذي يقر حقوق التعويضات لضحايا الإرهاب، وعرَّف الضحايا بأنهم الأشخاص الذين قضوا نحبهم32أو تعرضوا لأذى جسدي أو ضرر مادي إثر أفعال إرهابية. وقد خصصت السلطات أموالاً لتعويض عائلات الأشخاص الذين اغتيلوا على أيدي الجماعات المسلحة. ووُزعت الأموال، مع أن بعض العائلات اشتكت من أنها لم تتلق المال الذي وُعدت به.

واستغرق التصدي للاحتياجات المالية لعائلات أفراد الجماعات المسلحة الذين افتُرض أنهم قُتلوا على أيدي قوات الأمن أو المليشيات التي تسلحها الدولة في سياق النـزاع الداخليسبع سنوات أخرى. وتضمَّن المرسوم الرئاسي رقم 94-06 الذي صدر في سياق المصالحة الوطنية في 28 فبراير/شباط 2006، تدابير تتعلق بالتعويضات المالية لعائلات " الأقارب الضالعين في الإرهاب"، - أي عائلات الأعضاء المفترضين في الجماعات المسلحة الذين قُتلوا على أيدي عملاء الدولة كما يُفترض، ولا يملكون أية موارد مالية. ويجوز لهذه العائلات أن تطالب بمساعدات مالية عند تقديم شهادة من الشرطة القضائية، وهي عادة ما تكون قوات الدرك، تؤكد أن أبناءها لقوا حتفهم بينما كانوا "في صفوف الجماعات الإرهابية"33 وشهادة من والي الولاية التي يقيمون فيها تؤكد أنهم لا يملكون موارد تُذكر. ويساور منظمة العفو الدولية قلق لأن الشهادات التي تؤكد وفاة عضو في جماعة إرهابية ربما تُعطى من دون إجراء تحقيق ملائم في ظروف مقتله، التي قد تصل إلى حد القتل القانوني أو الإعدام خارج نطاق القضاء. وقد أصبحت بواعث قلق المنظمة أشد عندما ظهرت أدلة، جُمعت من عائلات المختفين والمنظمات التي تمثلهم، على أن عدداً من عائلات الذين اختفوا عقب القبض عليهم من قبل عملاء الدولة أو المليشيات التي تسلمها الدولة تسلموا شهادات من الشرطة القضائية تؤكد أن أبناءها قُتلوا عندما كانوا منخرطين في "صفوف الجماعات الإرهابية". ويبدو أن هذه الشهادات الرسمية تعزز رأي السلطات الجزائرية الذي يقول إن ضحايا الاختفاء القسري قد اختفوا في الحقيقة للانضمام إلى الجماعات المسلحة (أنظر الفصل 2.3). وهذا يبين أنه لم تجر أية تحقيقات كاملة ومحايدة ومستقلة في مصائر الأشخاص المفقودين.

وحتى في سياق المرسوم الرئاسي رقم 93-06 لعام 2006 الذي اعتُمد في سياق عملية السلم والمصالحة الوطنية في 28 فبراير/شباط 2006، فإن ضحايا "المأساة الوطنية" لا يحتاجون إلى إثبات حاجتهم المالية، بخلاف عائلات "الأقارب المتورطين في الإرهاب" للمطالبة بتعويضات مالية. ومن هنا، فإن تصنيف ضحايا الاختفاء القسري بأنهم توفوا "في صفوف الجماعات المسلحة" يثير بواعث قلق من أن عدداً من عائلات ضحايا الاختفاء القسري التي اعتُبرت أنها تملك موارد مالية يتم استثناؤها من الحصول على تعويضات مالية، وهو ما يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الذي ينص على أن لكل ضحية الحق في جبر الضرر.

وفي ردودها على اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، أشارت السلطات الجزائرية إلى أنه تمت الموافقة على 6,233 طلب تعويض من أصل 11,547 طلباً حتى وقت الكتابة في أكتوبر/تشرين 2007، وهو ما يمثل التزاماً مالياً قدره أكثر من 2.8 مليار دينار جزائري (حوالي 38,800,486 دولار أمريكي).ووردت أرقام مختلفة في وسائل الإعلام الجزائرية نُسبت إلى بيانات رسمية صادرة عن وزارة التضامن الوطني أنه في ديسمبر/كانون الأول 2008، مفادها أنه تمت تسوية 7,103 طلب تعويض مقدم من أسر محرومة اجتماعياً ولها أقارب "متورطون في الإرهاب" بقيمة 5.4 مليار دينار جزائري (حوالي 74,601,906 دولار أمريكي).34 كما ذكرت عدة بيانات رسمية، من بينها تلك الصادرة عن فاروق القسنطيني، رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها35، الذي ذكر أن قائمة الأشخاص "الضالعين في الإرهاب" تضم 17,000 شخص.36 بيد أنه لم تُنشر أية إحصاءات رسمية أو تفاصيل حتى الآن.

وفي الوقت الذي يعتبر التعويض المالي جزءاً لا يتجزأ من عملية جبر الضرر من خلال تعويض الأضرار التي تلحق بالضحايا والقابلة للتقدير من الناحية الاقتصادية، فإن التعويض بحد ذاته، في العديد من الحالات، لا يحقق الإنصاف الكامل والفعال للضحايا. وتنص المعايير الدولية المتعلقة بحق الضحايا في الإنصاف وجبر الضرر على أن جبر الضرر يجب أن يشمل أيضاً إعادة الحق إلى نصابه والتأهيل والرضى وضمانات عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل. وعند تحديد أشكال جبر الضرر التي ينبغي توفيرها، ينبغي أن تأخذ الدول بعين الاعتبار آراء واحتياجات الضحايا، وضمان أن تكون التدابير متناسبة مع خطورة الانتهاكات. ويجب ألا تكون التعويضات أو غيرها من أشكال جبر الضرر مشروطة بالأوضاع المالية للضحية. وإن عملية تقرير منح جبر الضرر يجب أن تجريها محاكم مستقلة ومحايدة أو هيئات إدارية يمكن الطعن في قراراتها.

وثمة حاجة ملحة لأن تكفل السلطات الجزائرية تلقِّي جميع ضحايا النـزاع أشكالاً كاملة وفعالة لجبر الضرر. وحيثما لا يستطيع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان على أيدي فاعلين غير تابعين للدولة الحصول على جبر الضرر من الجناة (بما في ذلك بسبب حصولهم على عفو من قبل الدولة)، فإنه يتعين على الدولة توفير جبر الضرر بسبب عجزها عن حماية الحقوق الأساسية لمواطنيها واستناداً إلى المعايير الدولية التي تنص على أن الدولة يجب أن توفر جبر الضرر لضحايا الجريمة وإساءة استخدام السلطة37 والإرهاب.38 وبدلاً من ذلك، لم تقدم السلطات الجزائرية سوى المساعدات المالية التي استُثنيت منها العائلات التي تعتبر ذات موارد كافية.

ومع أن عدد عمليات القتل أضحت اليوم أقل بكثير مما كانت عليه في أوج النـزاع الداخلي، فإن عمليات القتل لا تزال تقع في الجزائر (أنظر المقدمة). ويُرتكب بعض عمليات القتل على أيدي الجماعات المسلحة، ولاسيما "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي"، الذي يقال إنه يمثل الجماعة المسلحة الأكثر نشاطاً في الجزائر اليوم، وذلك أثناء الهجمات التي استهدفت الجيش، ولكنها طالت المدنيين أيضاً. ولا يزال الأشخاص الذين يُشتبه في أنهم أعضاء نشطون في الجماعات المسلحة يتعرضون للقتل خلال العمليات التي تشنها قوات الأمن في المناطق التي تشهد أنشطة للجماعات المسلحة. ولا تتوفر معلومات تُذكر حول الظروف التي يُقتل فيها أفراد الجماعات المسلحة، ولا أية تحقيقات فيها. إن ندرة الإعلان عن عمليات القبض على أفراد الجماعات المسلحة خلال مثل تلك العمليات الأمنية تشير إلى أنه لم تُبذل جهود كافية للقبض على أفراد الجماعات المسلحة وتقديمهم إلى العدالة، وأن قوات الأمن ربما تنفذ عمليات إعدام خارج نطاق القضاء. وعلاوة على ذلك، فقد ذُكر أن بعض المقيمين والمارة قد قُتلوا إبان مثل تلك العمليات الأمنية، وأن ثمة بواعث قلق من أن بعض عمليات القتل هذه غير قانونية. كما أن عدم إجراء تحقيقات وافية في عمليات القتل، إلى جانب تدابير العفو المذكورة في الفصل 2، من شأنها أن ترسخ ثقافة الإفلات من العقاب في الجزائر.







2.3 الاختفاء القسري



الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري

المادة 2:

"لأغراض هذه الاتفاقية، يُقصد "بالاختفاء القسري" الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون."

المادة 2.1:

"لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان، سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب، أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي أو بأية حالة استثنائية أخرى لتبرير الاختفاء القسري."

المادة 2.24:

"لكل ضحية الحق في معرفة الحقيقة عن ظروف الاختفاء القسري وسير التحقيق ونتائجه ومصير الشخص المختفي."

المادة 6:

".1 تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لتحميل المسؤولية الجنائية على أقل تقدير:

أ) لكل من يرتكب جريمة الاختفاء القسري أو يأمر أو يوصي بارتكابها أو يحاول ارتكابها أو يكون متواطئاً فيها أو يشترك في ارتكابها؛

ب) الرئيس الذي:

(i) كان على علم بأن أحد مرؤوسيه ممن يعملون تحت إمرته ورقابته الفعليتين قد ارتكب أو كان على وشك ارتكاب جريمة الاختفاء القسري أو تعمد إغفال معلومات كانت تدل على ذلك بوضوح؛

(ii) كان يمارس مسؤوليته ورقابته الفعليتين على الأنشطة التي ترتبط بها جريمة الاختفاء القسري؛

(iii) لم يتخذ كافة التدابير اللازمة والمعقولة التي كان بوسعه اتخاذها للحيلولة دون ارتكاب جريمة الاختفاء القسري أو قمع ارتكابها أو عرض الأمر على السلطات المختصة لأغراض التحقيق والملاحقة؛

ج) ليس في الفقرة الفرعية (ب) أعلاه إخلال بالقواعد ذات الصلة التي تنطوي على درجة أعلى من المسؤولية الواجبة التطبيق بموجب القانون الدولي على قائد عسكري أو على أي شخص يقوم فعلاً مقام القائد العسكري.

.2 لا يجوز التذرع بأي أمر أو تعليمات صادرة من سلطة عامة أو مدنية أو عسكرية أو غيرها لتبرير جريمة الاختفاء القسري".

ولا يزال الاختفاء القسري39لآلاف الأشخاص يمثل أحد الجوانب المعلَّقة الأشد بؤساً في إرث النـزاع الداخلي في الجزائر في حقبة التسعينيات من القرن الماضي. وقد اختفى آلاف الجزائريين، معظمهم رجال، ولم يُعثر لهم على أثر، بعد اقتيادهم من قبل قوات الأمن أو المليشيات التي تسلحها الدولة في الفترة من 1993 إلى 1998، مع انخفاض عدد الحالات في السنوات اللاحقة. ومن الصعب تحديد عدد ضحايا الاختفاء القسري بالضبط بسبب الغياب التام للقوائم الرسمية أو السجلات العامة. ولكن حتى وفقاً لرئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها، فإن 7,000 شخص اختفوا منذ عام 1992، وتعتقد المنظمات التي تمثل عائلات ضحايا الاختفاء القسري وغيرها من منظمات حقوق الإنسان أن الأرقام الحقيقية تزيد على 8,000 حالة.40 وعلى الرغم من حجم المأساة، فإن السلطات الجزائرية مازالت تعفي نفسها من المسؤولية وتعطل الجهود التي تبذلها عائلات ضحايا الاختفاء القسري لاكتشاف ما حدث لأبنائها. وبحدود علم منظمة العفو الدولية، لم تعط السلطات توضيحاً لأي حالة اختفاء قسري بصورة مُرضية لعائلات الضحايا، كما لم يُقدم أي مسؤول للمحاكمة على عمليات الاختفاء القسري على الرغم من الجهود التي تبذلها عائلات الضحايا بلا كلل أو ملل من أجل كشف النقاب عن الحقيقة فيما يتعلق بمصير أحبائها ولتحقيق العدالة. إن هذا الوضع يترك العائلات في حالة من الكرب المستمر، وغير قادرة على إغلاق القضية ونعي أحبائها.

وكان معظم الذين اختفوا قد قُبض عليهم من قبل أفراد الشرطة والدرك ودائرة الاستعلام والأمن،41بالإضافة إلى "مجموعات الدفاع الذاتي"، على مرأى من عائلاتهم أو جيرانهم أو زملائهم. وعلى الرغم من وجود شهود عيان، فقد أصرَّت السلطات على إنكار أي علم لها بالاعتقال. ويُعتقد أن العديد من الأشخاص اعتُقلوا بسبب الاشتباه في تأييدهم للجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة. وبالنسبة لآخرين، فإن أسباب استهدافهم لم تكن معروفة. ولم تُبذل جهود حقيقية لتحديد مصير وأماكن وجود المختفين، الأمر الذي يشير إلى انعدام الإرادة السياسية، وخاصة أن السلطات لا تزال تقول، في معظم الحالات، إن الضحايا لم يقعوا في أيدي أفراد قوات الأمن أو المليشيات التي تسلحها الدولة على الرغم من أن الأدلة تشير إلى عكس ذلك.

حالة

لم يشاهَد أحمد عبد القادر42منذ ليلة 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1993، عندما اقتادته ثلة من أفراد الأمن السكارى من منـزله في الجزائر العاصمة وهو برداء النوم بحسب ما ذكرت عائلته. وقالت العائلة إن الشرطة كانت قد قبضت عليه قبل يومين واحتجزته لمدة يوم وطلبت منه حلق لحيته إذا أراد أن يستعيد بطاقة هويته. وكان يُنظر إلى اللحية على أنها رمز للتعاطف مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة. وقد كان عمره 22 عاماً عندما اختفى.

اتصلت عائلته بالشرطة وبالسلطات القضائية في الجزائر العاصمة وبالمرصد الوطني لحقوق الإنسان. ولم تفصح هذه الجهات عن أية معلومات في أي وقت. وفي عام 2007 تسلمت العائلة شهادة وفاة لأحمد عبد القادر من دون أية تفاصيل بشأن المكان الذي اقتيد إليه بعد القبض عليه أو ملابسات وفاته أو مكان دفنه. وفي عام 1996 ردت السلطات الجزائرية على رسالة من "مجموعة العمل المعنية بحالات الاختفاء القسري وغير الطوعي"، بالقول إن أحمد عبد القادر لم يكن معروفاً لدى السلطات، ولم يكن مطلوباً لها في أي وقت من الأوقات لضلوعه في أنشطة مرتبطة بالإرهاب. ولم تعرب العائلة عن أمل يُذكر في الوصول إلى الحقيقة والعدالة.

في السنوات القليلة الأولى من النـزاع، أنكر المسؤولون، بكل بساطة، اختفاء أي شخص، وفي عام 1998 اعترفت السلطات أخيراً بالمشكلة، واتخذت تدابير لتسجيل الحالات عبر مكاتب تقع في الولايات الثماني والأربعين للبلاد لتلقِّي الشكاوى بشأن حالات الاختفاء.43ومنذ البداية، شكك العديد من عائلات ضحايا المختفين في هذه المبادرة لأنها كانت بقيادة وزارة الداخلية التي تشرف على بعض أجهزة تنفيذ القانون، التي يُشتبه في أنها مسؤولة عن الاختفاء القسري لأحبائها. ولم يُعلن عن صلاحيات هذه المكاتب المتعلقة بالتحقيق.

في مطلع عام 2000 ادعت السلطات أن العديد من المختفين عادوا للظهور كأعضاء في الجماعات المسلحة الذين استسلموا للسلطات في سياق تدابير العفو. ويبدو أن الادعاء كان بمثابة محاولة لدعم حجتها التي تقول إن العديد من المختفين قد تواروا عن الأنظار في الحقيقة للانضمام إلى الجماعات المسلحة. وبحدود علم منظمة العفو الدولية، لم يحدث مثل ذلك إلا في حالات فردية ونادرة منذ انتهاء النـزاع.

وفي عام 2001 أبلغ وزير الداخلية يزيد زرهوني البرلمان بأن هذه المكاتب في الولايات قامت في السنوات الثلاث الأخيرة بمراجعة 4,880 حالة لأشخاص أُعلن أنهم مفقودون.44 وقال إن من بينهم أشخاصاً مطلوبين للسلطات على جرائم، وأشخاصاً قُتلوا في اشتباكات مع قوات الأمن وأشخاصاً قُتلوا على أيدي الجماعات المسلحة، وأشخاصاً يقضون أحكاماً بالسجن في الوقت الراهن، وأشخاصاً أُطلق سراحهم. ويبدو أن هذا التصنيف يعزز الحجة القائلة إن المختفين كانوا في الحقيقة أعضاء في الجماعات المسلحة أو سعوا للانضمام إليها. ولم تُنشر أية قائمة تحتوي على الأسماء التي تمثل 4,800 حالة، أو المعلومات التي تم الإفصاح عنها. وبحدود علم منظمة العفو الدولية، فإن العائلات لم تتلق معلومات تفصيلية ملموسة بشأن مصير أقربائها المختفين.

وفي عام 2001 أيضاً، أنشأت السلطات هيئة جديدة لحقوق الإنسان تدعى "اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها"، ودعت هذه الهيئة علناً إلى إنشاء لجنة لتتولى التحقيق في حالات الاختفاء القسري. وبموجب المرسوم الرئاسي رقم 299-03 بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2003، أنشأ الرئيس بوتفليقة آلية خاصة كي تكون بمثابة حلقة اتصال بين السلطات الجزائرية وآلاف عائلات "المفقودين". وقد قامت الآلية الخاصة، على مدى 18 شهراً، بجمع معلومات، ولكن كان ينقصها التمتع بسلطات التحقيق الضرورية. وبالفعل، لم يكن لديها صلاحيات توضيح مصائر وأماكن وجود الأشخاص الذين كانوا قد اختفوا أو تحديد الأشخاص المسؤولين عن اختفائهم. كما لم تتمتع اللجنة بصلاحية مراجعة الأرشيف الرسمي أو استدعاء أفراد قوات الأمن وغيرهم من الموظفين الرسميين للمثول أمام المحكمة.

وفي عام 2005 قالت اللجنة الخاصة، التي يرئسها فاروق القسنطيني، وهو رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها أيضاً، لمنظمة العفو الدولية إنها خلصت إلى نتيجة مفادها أن 6,146 شخصاً اختفوا في الفترة من عام 1992 إلى 1998. وقد استندت في هذه الأرقام إلى الشكاوى التي قدمها أقرباء المختفين. ولم تتصدَّ لقضية تحقيق العدالة فيما يتعلق بمرتكبي الاختفاءات القسرية. ودارت توصيتها الرئيسية حول التعويضات المالية للعائلات. ولم يُنشر تقرير اللجنة، الذي كان من المقرر تقديمه إلى الرئيس بوتفليقة في عام 2005، على الملأ، الأمر الذي حرم العائلات أكثر فأكثر من الحق في التوصل إلى الحقيقة.

وبحدود علم منظمة العفو الدولية، لم تُوفَّر للأغلبية الساحقة من عائلات ضحايا عمليات الاختفاء القسري في التسعينيات من القرن المنصرم معلومات يمكن التحقق منها حول مصائر وأماكن وجود أقربائها – وهو وضع مخيف يترك آلاف العائلات المدمرة فريسة لانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان الأساسية.

حالة

كان محمد رضا عزة، وهو طالب في المرحلة الثانوية من باتنة في جنوب شرق الجزائر، من مؤازري الجبهة الإسلامية للإنقاذ قبل حظرها في عام 1992. ويبدو أن المليشيات التي تسلحها الدولة قبضت عليه مع شباب آخرين في بوزوران بولاية باتنة في أبريل/نيسان 1995. وزُعم أن قوات الأمن أطلقت النار على أحد الشباب فأردته قتيلا.

ولم تتلق عائلة رضا عزة أية معلومات رسمية بشأن مكان وجوده. ولكنهم سمعوا شائعات تقول إنه محتجز في الثكنات العسكرية القريبة من باتنة وأنه تعرض للتعذيب عقب إلقاء القبض عليه. كما سمعوا أنه نُقل إلى قاعدة لأمن العسكري (تعرف أيضاً باسم دائرة الاستعلام والأمن) خلال شهر رمضانمن عام 1999/1998.

وقُبض على آخرين من أفراد عائلته أو تعرضوا للتعذيب أو قُتلوا بسبب علاقتهم المفترضة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ. وقتلت قوات الأمن شقيقه عز الدين في عام 1995، بينما اختفى شقيقه كمال، وقُبض على شقيقه أحمد في عام 1995، حيث تم استجوابه تحت التعذيب بشأن أنشطة شقيقه، وأُطلق سراحه بعد تسعة أيام.

العائلات تواصل نضالها

"تذكِّر اللجنة [لجنة مناهضة التعذيب] الدولة الطرف [الجزائر] بأن الاختفاء القسري أو غير الطوعي للأشخاص يمكن أن يشكل ضرباً من المعاملة اللاإنسانية لعائلات الأشخاص المفقودين. كما يجب أن تكفل الدولة الطرف [الجزائر] حق مثل هذه العائلات في طلب الإنصاف أو التعويض العادل والكافي، بما في ذلك الحصول على المساعدة النفسية والاجتماعية والمالية، كي تتمكن من إعادة التكيُّف على أفضل وجه ممكن."

الملاحظة الختامية للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، بتاريخ 26 مايو/أيار 2008.

وقد رفضت عائلات المختفين وقف بحثها عن الحقيقة والعدالة. واتصل العديد منها بالشرطة وقوات الدرك وغيرها من قوات الأمن في محاولة لمعرفة أسباب اعتقال أقربائها ومكان اعتقالهم. ورفعت عائلات عديدة قضيتها إلى السلطات القضائية مطالبةً بإجراء تحقيق فيها، بينما رفعت عائلات عديدة أخرى قضاياها إلى الهيئتين الرسميتين لحقوق الإنسان اللتين أنشأتهما السلطات: اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها، والمرصد الوطني لحقوق الإنسان. وقدم بعضها شكاوى إلى المدعين العامين ضد الاعتقال التعسفي، في حين رفعت عائلات أخرى قضايا أقربائها إلى بعض هيئات الأمم المتحدة، ومنها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ومجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري و غير الطوعي. وذُكر أن مجموعة العمل سجَّلت أكثر من ألف حالة اختفاء قسري في الجزائر في الفترة من 1992 إلى 1998، ومع ذلك فإنها لم تتمكن من زيارة الجزائر على الرغم من تجديد طلباتها القديمة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

لقد خيَّب نظام العدالة الوطني آمال تلك العائلات. ولم يتلق الأقارب المكروبين أي ردود من السلطات، وأُغلقت شكاواهم بافتراض عدم توفر المعلومات أو الأدلة، أو أنهم أُبلغوا بأن أقرباءهم مطلوبون بسبب جرائم مرتبطة بالإرهاب. وقالت العائلات إن المحققين نادراً ما استجوبوا الأشخاص الذين شهدوا عمليات اعتقال أحبائهم، وكانوا يرفضون المعلومات التي كان يمكن أن تساعد على تعقب آثار الشخص المفقود.

وأبلغت السلطات القضائية والهيئة الرسمية لحقوق الإنسان التي أنشأتها السلطات بأن أقرباءهم قُتلوا أثناء وجودهم في صفوف الجماعات المسلحة أو أنهم فروا من الحجز. بيد أن أياً من تلك العائلات لم تُبلَّغ بكيفية التثبت من تلك الاستنتاجات وكيفية تمكُّن أقربائها الموجودين في حجز أجهزة الدولة من الالتحاق بجماعة إرهابية أو الفرار من الحجز. وفي بعض الأحيان تلقت العائلات معلومات متضاربة من سلطات مختلفة (أنظر قضية صلاح ساكر في المقدمة).

وكما ورد في الفصل 2، فإن الأمر رقم 01-06 لعام 2006 أغلق الطريق أمام العائلات للبحث عن الحقيقة والعدالة في المحاكم، وذلك بأن اعتبرت الشكاوى المقدمة ضد قوات الأمن غير مقبولة، ومنعت التحقيق فيها. بيد أن الأمر رقم 01-06 لعام 2006، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم 93-06 لعام 2006، الذي يتضمن التفاصيل المتعلقة بتعويض ضحايا "المأساة الوطنية"، يعترف بالمختفين وعائلاتهم كضحايا "للمأساة الوطنية"، حيث يوفر سبيلاً للتعويض من دون الاعتراف بمسؤولية الدولة عن حالات الاختفاء أو حق الأقرباء في الحصول على جبر الضرر بصورة تامة. وجعل الأمر رقم 01-06 لعام 2006 التعويض المادي مشروطاً بتقديم "تصريح بالوفاة بموجب حكم قضائي" (أي شهادة وفاة)، التي لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال تلقي محضر من الشرطة القضائية تؤكد أن قريبهم مفقود، ويتحدد ذلك بعد "عمليات بحث بدون جدوى".45ويذكر عدد من شهادات الوفاة التي فحصتها منظمة العفو الدولية أن الأشخاص الذين أُعلنت وفاتهم كانوا مفقودين في سياق "المأساة الوطنية"، وتشير إلى المرسوم الرئاسي رقم 93-06 لعام 2006. وفي حالات أخرى لأشخاص تعرضوا للاختفاء القسري على أيدي عملاء الدولة أو المليشيات التي تسلحها الدولة، تلقت العائلات شهادات وفاة من الدرك تقول إن أقرباءها قُتلوا أثناء وجودهم في صفوف الجماعات الإرهابية، وأشارت إلى المرسوم الرئاسي رقم 94-06 لعام 2006، الذي يوحي بأنه لم تجر أية تحقيقات ملائمة في ظروف اختفاء الشخص المعني (أنظر الفصل 1.3).46

كما يحدد الأمر رقم 01-06 لعام 2006 مهلة زمنية مدتها سنة واحدة اعتباراً من تاريخ الاعتماد كي تتمكن العائلات من الحصول على شهادة تقول إن قريبها مفقود، وتليها مهلة ستة أشهر لتقديم طلب التعويض. ولا يتضمن هذا الأمر أحكاماً تتعلق بحالات الأقرباء الذين لم يحصلوا، لسبب أو لآخر، على شهادة بأن قريبهم مفقود خلال الفترة الزمنية المحددة، مما يعني أن الأقارب لن يعودوا يتمتعون بالحق القانوني في الحصول على تعويض، مع أنهم، من الناحية العملية، يظلون قادرين على الحصول على الوثائق المطلوبة حتى بعد انتهاء المهلة المحددة، وذلك لأن السلطات تبدو حريصة على تشجيع العائلات على قبول الأمر رقم 01-06 لعام 2006 والإجراءات الرسمية للتعامل مع حالات الاختفاء القسري إبان النـزاع الداخلي.

وقد رفضت عائلات عدة المطالبة بتعويضات رافضةً فكرة الاضطرار لطلب تصريح وفاة. كما رفض بعضها قبول تصريح الوفاة من حيث المبدأ من دون التوصل إلى الحقيقة وإجراء تحقيقات سليمة في حالة القريب المختفي. وخشي آخرون أن يؤدي قبول التعويض إلى إغلاق الباب أمام التحقيقات السليمة في مصير أحبائهم واحتمال تقديم الجناة إلى العدالة. وقد قوبل وجوب إعلان وفاة القريب المختفي من أجل الحصول على التعويض المالي بانتقادات واسعة النطاق من قبل عائلات المختفين وآليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، أعربت الجنة المعنية بحقوق الإنسان في عام 2007 عن قلقها من هذا الشرط، وحثت السلطات الجزائرية على إلغائه، وجعل التعويض وغيره من أشكال الإنصاف مبنياً على أساس خطورة الانتهاك الذي ارتُكب والأذى الذي لحق بالضحية. وفي عام 2008، أعلنت لجنة مناهضة التعذيب أن هذا الشرط قد يشكل ضرباً من المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، وحثت السلطات على ما يلي:

"إلغاء القاعدة التي تجبر العائلات على استصدار تصريح وفاة للشخص المختفي من أجل تلقي التعويضات. وتذكِّر اللجنة الدولة الطرف بأن الاختفاء القسري أو غير الطوعي للأشخاص ربما يشكل ضرباً من المعاملة اللاإنسانية لعائلات المختفين. ويتعين على الدولة الطرف أن تكفل حق مثل هذه العائلات في الحصول على الإنصاف أو التعويض العادل والكافي، بما في ذلك توفير المساعدة النفسية والاجتماعية والمالية الضرورية، كي تتمكن من إعادة التكيف على أفضل نحو ممكن. وتأمل اللجنة في أن ترسل إليها الدولة الطرف، في أسرع وقت ممكن، معايير تعويض عائلات الأشخاص المفقودين."

ووفقاً لمعلومات جمعتها منظمة العفو الدولية من عائلات المختفين والجمعيات التي تمثلها، فقد ذُكر أن السلطات تمارس ضغوطاً على العائلات لحملها على قبول التعويضات المالية. وتلقى بعض العائلات استدعاءات من مكتب الوالي لبدء إجراءات الحصول على تعويضات بلا تأخير، أو تسلمت إشعارات شفوية من أفراد الدرك الذين زاروا منازل عائلات المختفين.47

حالة

كانت عائلة أمين عمروش، الذي اختفى في 30 يناير/كانون الثاني 1997 عندما كان في الثانية والعشرين من العمر، من بين العائلات التي رفضت التقدم بطلب الحصول على تعويضات بحسب التدابير المقترحة بموجب الأمر رقم 06-01 لعام 2006، على أساس أنها تريد الكشف عن الحقيقة أولاً. وقالت والدته ناصرة دوتور وجدته فاطمة يوس، إن العائلة تعرضت لضغوط بهدف قبول التعويض وتلقت زيارتين، إحداهما من قبل أفراد قوات الدرك المحلية في الجزائر العاصمة وغيرهم من المسؤولين الذي زاروا منـزل العائلة وحثوها على قبول التعويض المالي. والزيارة الأخرى حدثت في 15 مارس/آذار 2008 عندما جاء رجلان يرتديان ملابس مدنية، ويُعتقد أنهم من أفراددائرة الاستعلام والأمن، لحث العائلة على البدء بإجراءات التعويض.

لم يشاهَد أحد أمين عمروش وهو يُعتقل، ولكن أفراد الأمن شوهدوا وهم يطوقون بعض الشباب في براقي، حيث كان يعيش، بعد ظهر اليوم الذي اختفى فيه. ولم يألُ أقرباؤه، ولاسيما والدته وجدته، جهداً في سبيل العثور عليه. فذهبوا إلى الدرك والشرطة والمستشفيات والمشرحات. وأرسلوا رسائل إلى رئيس الجمهورية ووزير العدل والهيئة الرسمية لحقوق الإنسان. وقدموا شكاوى إلى المدعي العام في الحراش، بيد أن جميع جهودهم باءت بالفشل.

وفي عام 1998، سجلت العائلة قضية أمين عمروش في مكتب الوالي، وتحدثت فيما بعد مع الآلية الخاصة بالنظر في حالات الاختفاء.

وقبلت عائلات أخرى لضحايا الاختفاء القسري تعويضات مالية من أجل تيسير أوضاعهم الاجتماعية-الاقتصادية الصعبة التي كثيراً ما نجمت عن فقدان معيليها.

حالة

في عام 2006 طلبت والدة محمد رزاق48، الذي لم يُعرف مكان وجوده منذ اقتاده مجموعة من الرجال الذين يرتدون بزات رسمية على طريق سريع رئيسي في أغسطس/آب 1999، شهادة وفاة. وكانت بحاجة إلى الشهادة كي تتمكن من الوصول إلى حسابه المصرفي وحيازة الأرض التي يملكها. كما أنها كانت تواجه صعوبات مالية، فقبلت تعويضاً قدره 30 دولاراً أمريكياً شهرياً. إن العائلة تشعر بانعدام الحول والقوة وبالإحباط، وتعتقد أن السلطات لا تفعل ما يكفي لتخفيف محنة عائلات المختفين.

ولا تزال مجموعة العمل المعنية بحالات الاختفاء القسري وغير الطوعي، التي تسلمت القضية في عام 1997، تعتبرها غير واضحة.

ووفقاً لتقارير إخبارية لوسائل الإعلام الجزائرية، فقد بدأ توزيع التعويضات في عام 2007، ولكن السلطات لم توفر معلومات عامة تفصيلية بشأن عدد الأشخاص الذين تلقوا التعويضات. وفي مايو/أيار 2008، قال مسؤول كبير إن 5,500 عائلة من عائلات ضحايا الاختفاء القسري قبلت التعويض، وإن 600 حالة لا تزال معلقة، وذلك على ما يبدو لأن هذه العائلات رفضت التعويض، وأصرَّت على معرفة الحقيقة بشأن مصائر أقربائهم المفقودين.49وفي وقت لاحق من ذلك العام، قال رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها إن 97-96 بالمئة من عائلات المختفين قبلت التعويضات، ولكنه لم يدلِ بأية تفاصيل.50 وخلال اجتماع نظَّمته منظمة مفقودون والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، بالتعاون مع جزائرنا وصمود51، وعُقد في جنيف في الفترة 6-5 مارس/آذار 2009 بشأن حالات الاختفاء القسري في الجزائر، صرح عبدالرحمن عيادي، وهو عضو في اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها، بأنه تم التوصل إلى "حل" لـ 8,023 حالة اختفاء، ورُفضت 934 حالة، وأن إجمالي قيمة التعويض التي وُزعت وصلت إلى 37 مليون دينار جزائري (حوالي 507,771 دولار أمريكي). ومن المؤسف أنه عندما طلب مندوبو منظمة العفو الدولية المشاركون في المؤتمر عقد اجتماع مع ممثل اللجنة الوطنية الاستشارية بهدف مناقشة قضايا حقوق الإنسان في الجزائر وتوضيح التفاوت بين الأرقام التي قُدمت في الاجتماع وبين الأرقام الرسمية الأولى المشار إليها أعلاه، رُفض طلبهم وأبلغهم عبدالرحمن عيادي بأنه ليس لديه ما يضيفه إلى ما قدمه في المؤتمر.

وقد نص المرسوم الرئاسي رقم 93-06 بتاريخ 28 فبراير/شباط 2006، والمتعلق بدفع "تعويضات" لضحايا "المأساة الوطنية"، على أن المستفيدين يمكن أن يتلقوا تعويضات بأشكال متعددة، منها الحصول على معاش خدمة، أو معاش شهري أو مبالغ إجمالية، وذلك بحسب مهنة الشخص وعمره في وقت اختفائه ووضعه الاجتماعي. فعلى سبيل المثال، تنص المادة 43 على أن إجمالي التعويض يوافق 120 مرة مبلغ 16,000 دينار جزائري (ما مجموعة 26,580 دولار أمريكي) يُقسم المبلغ بين أفراد العائلة. وينخفض إلى 120 مرة مبلغ 10,000 دينار جزائري (ما مجموعة 16,630 دولار أمريكي) إذا كان المختفي قاصراً أو كان عمره أكثر من 60 عاماً، وليس لديه أي برنامج تقاعدي. وعلاوة على ذلك، فإنه يتضمن تفصيلاً لحصة التعويض التي تذهب إلى كل فرد من أقارب المختفي، ولكنه يبدو أنه يستثني الأطفال الذين تزيد أعمارهم على 19 عاماً و 21 عاماً إذا كانوا يزاولون الدراسة، على افتراض أنهم مستقلون مادياً. إن مثل هذه الاستثناءات تتناقض مع حق كل شخص في الحصول على إنصاف فعال، ويتعين على السلطات الجزائرية إلغاؤها.

ويشير المرسوم إلى أن التناسب مع خطورة الانتهاكات والضرر الذي يقع على الضحية لا يُعتبر من معايير التعويض. ولا يقدم أية أشكال أخرى من جبر الضرر، من قبيل إجراءات المساعدة النفسية أو التأهيل، لعائلات المختفين. كما أن المرسوم لا يحدد أية شروط لتمكين العائلات من الطعن في قرار التعويض. واستناداً إلى الشهادات التي جمعتها منظمة العفو الدولية من عائلات المختفين والجمعيات التي تمثلهم، يبدو أن العائلات، في حالات عديدة، لا تتلقى قراراً خطياً بشأن التعويض، كما هو منصوص عليه في المرسوم 93-06 لعام 2009، وتتسلم مباشرة دفعات مالية في حساباتها المصرفية التي يُطلب منها فتحها. إن عدم توصيل السلطات لمعايير التعويض بشكل واضح إلى العائلات، وعدم تفسير الأسس التي بُني عليها قرار التعويض، يخلقان جواً من الارتباك لدى العائلات وتصوراً بأن العملية ليست عادلة. كما اشتكت عائلات أخرى، ممن اختفى منها أكثر من فرد من أفرادها، من أنها لم تتلق سوى تعويض واحد عن حالة اختفاء واحدة، وهو ما يشكل انتهاكاً للمعايير الدولية التي تنص على أن التعويض يجب أن يتناسب مع خطورة الانتهاك والضرر الذي يلحق بالشخص، وأن لكل شخص الحق في الحصول على جبر الضرر.

وتعتقد منظمة العفو الدولية أن التعويض المالي ما هو إلا عنصر فرعي من عناصر الإنصاف. وبموجب الالتزامات الدولية للجزائر، فإن ضحايا الاختفاء القسري وعائلاتهم يجب أن يحصلوا على الإنصاف الفعال، الذي يشمل تحقيق العدالة وجبر الضرر التام عن الأذى الذي لحق بهم، وقد يشمل إعادة الحق إلى نصابه كما كان قبل وقوع الانتهاك بقدر الإمكان، والتعويض المادي؛ والتأهيل والرضى (من قبيل الاعتراف العلني بالضرر والاعتذار العلني)، وضمان عدم تكرار الانتهاكات من خلال الإصلاحات القضائية واستراتيجيات مكافحة الإفلات من العقاب بشكل فعال.

في عام 2007، أعربت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان عن قلقها من أن السلطات لم تجر تحقيقات في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في الجزائر في حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، بما فيها حالات الاختفاء القسري، وأعربت عن أسفها تجاه غياب المعلومات العامة التفصيلية بشأن العمل والنتائج التي حققتها اللجنة الخاصة المعنية بحالات الاختفاء، ودعت السلطات الجزائرية إلى نشر التقرير النهائي للجنة الخاصة.

وقَّعت الجزائر على الاتفاقية الدولية الجديدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في 8 فبراير/شباط 2007 – وهو اليوم الذي سبق حظر عقد مؤتمر في الجزائر العاصمة لمنظمات عائلات المفقودين (أنظر الفصل 5)-


ولكن الجزائر لم تصدق على الاتفاقية بعد.

وردَّت السلطات الجزائرية على هذا الشعور بالقلق بالقول إن رئيس الجمهورية وحده هو الذي يستطيع أن يتخذ هذا القرار لأنه هو الذي أعطى الصلاحيات للجنة.52ثم حثت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان السلطات الجزائرية على التحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري وإعلان نتائج التحقيقات على الملأ وتوفير الإنصاف الفعال وتقديم الجناة إلى العدالة. ونصت النقطة 12 من الملاحظات الختامية للجنة على ما يلي:

"ينبغي على الدولة الطرف:

أ) أن تلتزم بضمان تمتع المفقودين و/أو أسرهم بانتصاف فعال و أن تحرص على حسن متابعة ذلك والتأكد من احترام الحق في التعويض والجبر على أكمل وجه ممكن؛

ب) ) أن تلتزم في كل الحالات، بكشف كل حالة اختفاء و تسويتها، ولاسيما ظروف وقوعها و كذلك هوية الضحايا. و ينبغي للدولة الطرف أن تكفل أيضاً استفادة أي شخص معتقل في مكان سري من الحماية التي يوفرها القانون، و احترام حق هؤلاء في تقديمهم أمام القضاء على وجه السرعة. وفيما يتعلق بالمتوفين منهم، فينبغي للدولة الطرف اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتحديد مكان الوفاة وسببها، فضلاً عن مكان دفنهم، و أن تلتزم بإعادة جثث المتوفين إلى ذويهم؛

ج) أن تلتزم بتقديم كل المعلومات المتعلقة بهذه التحقيقات و النتائج التي تمخضت عنها إلى أسر المفقودين، و لا سيما بنشر التقرير النهائي للجنة الوطنية المخصصة المعنية بالمفقودين؛

د) أن تفتح تحقيقاً شاملاً ومستقلاً في أي ادعاء متعلق بالاختفاء، من أجل تحديد المسؤولين وملاحقتهم ومعاقبتهم."

ومن المؤسف أن السلطات الجزائرية لم تتقيد بالتزامها كدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بتزويد اللجنة بمعلومات قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2008 فيما يتعلق بالخطوات المتخذة لتنفيذ التوصية الواردة آنفاً.

وفي مراجعتها للتقرير الدوري الثالث للجزائر في مايو/أيار 2008، كررت لجنة مناهضة التعذيب توصيات الجنة المعنية بحقوق الإنسان، ودعت السلطات الجزائرية إلى التحقيق في جميع حالات الاختفاء القسري، حتى لو لم تتقدم العائلات بشكاوى فردية؛ ونشر نتائج التحقيقات على الملأ، بما في ذلك عن طريق نشر قائمة بجميع حالات الاختفاء القسري المسجلة؛ وتحديد الجناة وتقديمهم إلى العدالة، وحصول عائلات الضحايا على الإنصاف التام. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذه الخطوات ضرورية لاسترداد كرامة الضحايا وعائلاتهم؛ وإتاحة الفرصة الحقيقية للمجتمع الجزائري للدخول في حقبة "سلم ومصالحة وطنية" ومنع وقوع مزيد من انتهاكات حقوق الإنسان. كما أن التصدي لإرث الاختفاء القسري إبان النـزاع الداخلي وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان يعتبر عنصراً أساسياً في وضع حد للانتهاكات المستمرة، بما فيها حالات الاختفاء القسري التي ارتُكبت في سياق الحرب على الإرهاب. وطالما ظل مناخ الإفلات من العقاب سائداً، ولم تُتخذ أية تدابير لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وظلت الهيئات نفسها، من قبيل دائرة الاستعلام والأمن، الضالعة في الانتهاكات التي وقعت في الماضي والحاضر، مستمرة في العمل بشكل فعال وتتمتع بحصانة من المقاضاة، فإن انتهاكات حقوق الإنسان ستستمر. ومع أن حالات الاختفاء القسري لم تعد متفشية كما كانت إبان النـزاع الداخلي، فقد ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى تقارير حول حرمان أشخاص، يُشتبه في ارتكابهم أنشطة مرتبطة بالإرهاب، من الحرية على أيدي قوات الأمن، التي ترفض الاعتراف باعتقالهم والكشف عن أماكن وجودهم، مما يضعهم خارج نطاق حماية القانون لمدة أسابيع وحتى أشهر (أنظر الفصل 6).

3.3 التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة

حالة

اعتُقل مالك مجنون في 28 سبتمبر/أيلول 1999 عندما كان في الخامسة والعشرين، وما زال في السجن المدني لمدينة تيزي أوزو التابعة لولاية القبائل العظمى ، في شمال وسط البلاد، في انتظار المحاكمة. ووجهت إليه تهمة قتل لوناس معطوب (أنظر الفصل 3) – وهي جريمة ينكرها بشدة. وجرى اعتباره شريكاً في الجريمة عقب "اعتراف" أدلى به عبد الحكيم شنوي، المتهم في الجريمة نفسها. وتراجع شنوي في وقت لاحق عن "اعترافه" زاعماً أنه أدلى به تحت وطأة التعذيب والتهديد بمزيد من التعذيب.

واحتُجز مالك مجنون بعد سبعة أشهر من القبض عليه في الاعتقال السري غير المعلن لدى دائرة الاستعلام والأمن. وأبلغ محاميه بأنه تعرض للتعذيب على نحو مستمر عندما وصل إلى ثكنة عنتر الخاضعة لإشراف دائرة الاستعلام والأمن في منطقة بن عكنون من الجزائر العاصمة. وتضمنت أساليب التعذيب الضرب المتواصل بعصا فأس على جميع أنحاء جسمه، والصعق بالصدمات الكهربائية وأسلوب "الشيفون". وقال إنه تعرض بعد ذلك للضرب بصورة روتينية على أيدي الحراس، ولم يتلق ما يكفيه من الطعام. وانتهى به الأمر في المستشفى.

وسلّم عبد الحكيم شنوي، وهو عضو سابق في جماعة مسلحة، نفسه إلى وكيل الجمهورية في تيزي أوزو في 17 سبتمبر/أيلول 1999 في إطار قانون الوئام المدني. واعتُقل في وقت لاحق ومن ثم "اختفى" لمدة ستة أشهر. واحتجز بصورة سرية في مركز شاتونوف، في الجزائر العاصمة، الذي يخضع لسيطرة دائرة الاستعلام والأمن، حيث تعرض، حسبما زُعم، للتعذيب. وعلى غرار ما تعرض له مجنون، انتهى به الأمر في المستشفى. وهو حالياً في السجن المدني في تيزي أوزو في انتظار المحاكمة.

وفي عام 2004، تقدّم علي مجنون بشكوى أمام "لجنة حقوق الإنسان" التابعة للأمم المتحدة أورد فيها تفاصيل الانتهاكات التي عاناها ولده. وفي يوليو/تموز 2006، قضت "لجنة حقوق الإنسان" بأنه ينبغي مقاضاة مالك مجنون فوراً، وإلا فالإفراج عنه، وبأنه ينبغي التحقيق في مزاعمه بالتعرض للتعذيب ولغيره من انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم الجناة المسؤولين عن ذلك إلى ساحة العدالة. وأوصت اللجنة كذلك بأنه ينبغي التعويض على مالك مجنون عما تحمله من انتهاكات لحقوق الإنسان. ولم يُعرف عن الحكومة أنها اتخذت أي إجراء استجابة لهذا القرار، وما زال مالك مجنون معتقلاً دون محاكمة.

وفي ردها على قائمة القضايا التي أثارتها لجنة مناهضة التعذيب في سياق مراجعتها الدورية الثالثة لتقرير الجزائر في مايو/أيار 2008، ذكرت السلطات الجزائرية أن "طول الفترة القصوى لاعتقال من دون محاكمة يتحدد بموجب القانون، وبناء على طبيعة القضية. فقد يستمر اعتقال من دون محاكمة لثمانية أيام أو 20 يوماً أو لأربعة أشهر، خاضعة للتجديد. ويتراوح متوسط طول فترة اعتقال من دون محاكمة لارتكاب جريمة ما بين شهر واحد وثلاثة أشهر، ما عدا في القضايا المعقدة. ففي القضايا الجنائية، يتراوح بين ستة وثمانية أشهر، ما عدا في القضايا المعقدة (التوكيد من عندنا)"53. وتجعل الطبيعة السياسية لاغتيال لوناس معطوب (أنظر الفصل .13) من قضية مجنون وشنوي قضية معقدة في نظر السلطات الجزائرية، ما جعلها تستدعي الاعتقال لتسع سنوات من دون محاكمة.

وعلى مدار سني النـزاع الداخلي في عقد التسعينيات من القرن الماضي، ارتكبت باسم مكافحة الإرهاب آلاف حالات التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة على أيدي الشرطة والدرك وقوات الأمن، ولا سيما دائرة الاستعلام والأمن. ومع ذلك، وبحسب ما وصل منظمة العفو الدولية من معلومات، لم يباشر بتحقيقات إلا في قلة قليلة من هذه الانتهاكات، ناهيك عن مقاضاة أحد من الجناة. وبينما تضاءل عدد أنباء التعذيب على أيدي الشرطة والدرك إلى حد كبير في السنوات الأخيرة؛ ما زال التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة يستخدم بصورة منتظمة من جانب دائرة الاستعلام والأمن، وهي فرع تابع لأجهزة الاستخبارات الجزائرية يتخصص في اعتقال الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات بأن لهم صلات بالإرهاب، وفي استجوابهم. وما انفك المشتبه فيهم ممن يعتقلون من قبل دائرة الاستعلام والأمن يوضعون رهن الاحتجاز السري أو غير المعلن عنه لأسابيع، وحتى لأشهر، بصورة منهجية، وينكر عليهم خلال هذه الفترة أي اتصال مع عائلاتهم أو محامييهم، وغالباً لفترات مطوَّلة. وأكثر ما يكون المعتقلون عرضة لخطر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة هو عندما يحتجزون بمعزل عن العالم الخارجي.

وتشمل أكثر أساليب التعذيب استخداماً من قبل دائرة الاستعلام والأمن الضرب المتكرر، والصعق بالكهرباء، وأسلوب "الشيفون"، حيث يوثق الضحية ويشد رباطه ويجبر على ابتلاع كميات كبيرة من الماء القذر أو البول أو المواد الكيماوية من خلال وضع قطعة قماش تسد فمه. وذكر المعتقلون كذلك أنهم جُرِّدوا من ملابسهم تماماً وتم إذلالهم وضربهم على باطن أقدامهم (وهو الأسلوب المعروف بالفلقة)، أو عُلقوا من أذرعهم من السقف لفترات طويلة حتى يدلوا بالمعلومات المطلوبة. وفي بعض الحالات، قال المعتقلون إنهم هُددوا باعتقال قريباتهم واغتصابهن.

وطبقاً للقانون الجزائري، بإمكان موظفي دائرة الاستعلام والأمن فتح تحقيقات شرطية، واعتقال المشتبه فيهم، وتوقيفهم للاستجواب لفترة محددة من الزمن، تدعى التوقيف للنظر 54إلى حين توجيه الاتهام إليهم أو الإفراج عنهم. ويمكن لفترة التوقيف للنظر أن تصل إلى 12 يوماً في الحالات المتصلة بنشاط إرهابي مزعوم. وخلال هذه الفترة، لا يسمح للمعتقلين بالاتصال بمحامييهم؛ ناهيك عن الضمانات الحمائية الأخرى ضد التعذيب كالحق في الاتصال فوراً بالعائلات أو بتلقي الزيارات منها، وفي أن يعرضوا على طبيب من اختيارهم لإجراء الفحوصات اللازمة لهم عند انتهاء فترة التوقيف للنظر، حسبما ينص القانون (المادة 51 مكرر 1 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري). حيث يتم في العادة تجاهل هذه الضمانات الحمائية المحدودة في الممارسة العملية من جانب قوات الأمن، ما يولِّد بصورة روتينية نمطاً من الاعتقالات السرية وغير المعلنة أثناء وبعد فترة 12 يوماً من التوقيف للنظر. وفي بعض الحالات، يمكن أن يمتد الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي ليدوم شهوراً.

حالة

في 11 سبتمبر/أيلول 2007، اعتقل قرابة ثمانية رجال بملابس مدنية كمال عكّاش، الذي كان في السادسة والثلاثين آنذاك، خارج مسجد يقع ضمن دائرة بلدية المرادية، في الجزائر العاصمة. وعند مقاومته لهم، حسبما ذُكر، قاموا بتصويت مسدس إلى رأسه. وحاول المارة التدخل في العراك، وفق ما ذُكر، لكن الرجال عرَّفوا بأنفسهم بأنهم عملاء لدائرة الاستعلام والأمن. وأجبروه على الصعود إلى سيارته وقادوا السيارة وهو فيها إلى مكان مجهول. ويعاني العامل في السوق كمال عكّاش من الصرع، ومن غير المعروف ما إذا كان يُعطى العلاج الذي يحتاج.

وصباح 16 سبتمبر/أيلول، قام ستة رجال بملابس مدنية عرَّفوا بأنفسهم على أنهم من عملاء الأمن العسكري بتفتيش منـزل كمال عكّاش بحضور والده، مراد. وبذريعة أنهم يأخذون لكمال عكّاش حاجاته الشخصية قاموا، على ما يبدو، بالاستيلاء على حاسوبه الشخصي وعلى آلة تصوير فيديو وكتب دينية وقرصاً مدمجاً. وأخذوا معهم كذلك الأدوية التي يتناولها بصورة يومية لمداواة الصرع. ورفض الرجال الكشف عن مكان وجوده أو عن سبب اعتقاله.

ومنذ اعتقال كمال عكّاش، أبلغ والده الشرطة عن اختطافه، التي قامت بدورها بإبلاغ وكيل الجمهورية. كما تم إبلاغ اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها بالحادثة. وفي 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، حث مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة السلطات الجزائرية على الكشف عن مكان وجود كمال.

ولم تتلق العائلة أية معلومات عن مكان وجود كمال حتى سمع والده من عائلة معتقل آخر في وقت قريب من آخر أبريل/نيسان 2008 بأن كمال محتجز في سجن سركاجي في الجزائر العاصمة. وما زال هناك حتى اليوم في انتظار المحاكمة. ويسمح له الآن بتلقي الزيارات من عائلته، ومما يبعث على الحزن أن والده توفي في أوائل 2009 دون أن يعرف المصير الذي ينتظر ولده.

وكان كمال عكّاش قد قضى ست سنوات في السجن بعد إدانته في 1992 بالانتماء إلى جماعة "تخريبية". وأفرج عن كمال عكّاش في 1998 بعد إتمامه مدة حكمه.

ويعمل موظفو دائرة الاستعلام والأمن، في واقع الحال، في مناخ من الإفلات التام من العقاب. وخلافاً للعاملين في سلك الشرطة والدرك، الذين يخضعون لسلطة وكيل الجمورية، يبدو أن موظفي دائرة الاستعلام والأمن لا يخضعون على أي نحو لإشراف أي سلطة مدنية. فلم يُعرف عن أي مؤسسات مدنية أنها قد زارت ثكنات دائرة الاستعلام والأمن التي تستخدم كأماكن للتوقيف للنظر للتأكد من أنها تتقيد بأحكام القانون الجزائري الهادف إلى حماية المعتقلين من التعذيب والاعتقال التعسفي.

وعلى الرغم من أن السلطات الجزائرية تنكر على الدوام وجود مراكز اعتقال سرية،55فإن دائرة الاستعلام والأمن تواصل احتجاز المعتقلين في أماكن اعتقال غير معترف بها، وعادة في الثكنات العسكرية، وهي ممارسة يعرف الجميع أنها تعرض المعتقلين بصورة أكبر للتعذيب ولغيره من صنوف سوء المعاملة. كما يبدو أن بعض الاعتقالات تتم استناداً إلى معلومات تم الحصول عليها من معتقلين آخرين تحت وطأة التعذيب أو الإكراه. إذ يجبر المعتقلون في العادة على توقيع اعتراف بشأن ضلوعهم مع جماعات مسلحة أو مع الإرهاب الدولي رغم أنه لا يسمح للمعتقلين بقراءة التقرير أو يكونون في حالة من الخوف الشديد بحيث لا يجرأون على طلب ذلك. وتتضمن تقارير الاستجواب في بعض الأحيان تصريحات بأن المعتقلين تلقوا معاملة جيدة أثناء اعتقالهم.

حالة

قُبض على محمد بن يمينة في سبتمبر/أيلول 2005 بناء على طلب السلطات الفرنسية، على ما يبدو، واعتقل في مكان لم يجر الكشف عنه دون تهمة أو محاكمة، ودون أن يسمح له بالاتصال بالعالم الخارجي، لخمسة أشهر. كما لم يسمح له بالاتصال بمستشار قانوني أو بأن يعرض على محكمة للطعن في اعتقاله، وأبقي عليه في ظروف ترقى إلى مرتبة التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، ولم يسمح له بالتحدث إلا إلى مستنطقيه خلال الأشهر الخمسة من الاعتقال. وعُرض محمد بن يمينة لأول مرة على قاضي التحقيق في 6 فبراير/شباط 2006. ولم يسمح له بالاتصال بمحام حتى في ذلك الوقت، ولم يبلغه القاضي بحقه في الاستشارة القانونية وفي الفحص الطبي. وعلى الرغم من شكواه إلى قاضي التحقيق بأنه قد أُسيئت معاملته وأجبر على توقيع تقرير التحقيق دون قراءته، لم يُعرف أن تحقيقاً قد فُتح في هذه المزاعم. وفي ديسمبر/كانون الأول 2007، أصدرت محكمة جنائية على محمد بن يمينة حكماً بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الانتماء إلى جماعة إرهابية في الخارج. وشهد أمام المحكمة بأنه قد سافر إلى سوريا بنية الانضمام إلى المقاتلين في العراق وأنه التقى بشخص يجند المقاتلين الأجانب في سوريا. وعندما عرض محامي محمد بن يمينة على المحكمة رأي مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاعتقال التعسفي لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2006 بأن اعتقال محمد بن يمينة ذو طبيعة تعسفية بمقتضى القانون الدولي، اتهمة النائب العام بتشويه سمعة الجزائر. ويقضي المتهم الآن مدة حكمه ولم يستأنف قرار المحكمة. ويتوقع محاميه أن يفرج عنه قبل نهاية 2009.

وفي معظم الحالات المعروفة لمنظمة العفو الدولية، كان الغرض من التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة هو انتزاع المعلومات من المعتقلين حول أنشطة الجماعات المسلحة في الجزائر، أو حول الإرهاب الدولي.

ويردع الخوف من دائرة الاستعلام والأمن ضحايا التعذيب من تقديم الشكاوى إلى النائب العام أو إلى قاضي التحقيق والمحاكم. ولكن نادراً ما يتم التحقيق في مزاعم حتى أولئك الأشخاص الذين يتقدمون بشكاوى فعلياً.

ولطالما أعربت منظمة العفو الدولية عن بواعث قلقها بشأن تقاعس القضاة والنواب العامين عن التحقيق في مزاعم التعذيب، كما أبلغت السلطات بالعديد من الحالات التي تتضمن مثل هذه المزاعم. وبحسب علم منظمة العفو، لم يُعرف عن السلطات أنها فتحت، حتى تاريخه، تحقيقاً وافياً وغير متحيز ومستقلاً بشأن مزاعم تعذيب أثيرت ضد موظفين في دائرة الاستعلام والأمن.

حالة

قُبض على محمد فطمية، وهو عامل بناء ، صباح 6 يونيو/حزيران 2007 على أيدي موظفين أمنيين بملابس مدنية أثناء عمله في موقع بناء في عين الكرمة. وأطلق سراح مديره، الذي اعتقل معه، في ذلك المساء. وتقصَّت عائلته عنه في عدة مراكز للشرطة في الجزائر العاصمة، إلا أنها أبلغت في جميع هذه المراكز بأنه ليس لدى الشرطة أية معلومات عنه. وعُرض ثلاثة رجال آخرين قُبض عليهم في الفترة نفسها تقريباً بالعلاقة مع القضية نفسها على السلطات القضائية بعد 12 يوماً من الاحتجاز.

وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، عُرض محمد فطمية على قاضي تحقيق وتقرر توقيفه في حجز سجن الحراش في الجزائر، حيث سمح له بتلقي الزيارات. وكان خلال هذه الفترة قد اعتقل، بحسب ما ذُكر، في حجز دائرة الاستعلام والأمن في عنتر. وبحسب ما ورد، تعرض للتعذيب أو أسيئت معاملته خلال الأيام الاثني عشر الأولى من اعتقاله قبل أن يُخضع لنظام للمراقبة بصورة رسمية. وبرأته المحكمة الجنائية للجزائر العاصمة من التهم المتعلقة بالإرهاب في 11 فبراير/شباط 2009، ولكن لم يفتح أي تحقيق في مزاعم تعرضه للتعذيب ولغيره من صنوف سوء المعاملة أثناء وجوده في حجز دائرة الاستعلام والأمن.

ولا يقتصر الأمر على تقاعس السلطات القضائية عن التحقيق في مزاعم التعذيب، وإنما يتجاوز ذلك إلى استمرار الاعتداد بمحاضر التحقيقات التي يُزعم أنها انتزعت تحت التعذيب كأساس للإدانة. وطبقاً للمادة 215 من قانون الإجراءات الجزائية، ينبغي أن لا تستخدم محاضر التحقيقات إلا كمصدر "للاستدلالات" في إجراءات المحاكمات، ولا تشكِّل دليلاً يتم الاستناد إليه. بيد أنه ليس ثمة نص في القانون الجزائري يمنع استخدام الأقوال أو الاعترافات التي يُزعم أنها انتزعت تحت وطأة التعذيب، ما يتناقض مع مقتضيات المادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب، أما في الممارسة العملية، فكثيراً ما تستخدم هذه كدليل وحيد في إجراءات المحاكمات.

حالة

قُبض على عبد الرحمن محلّي في منـزله في حي باشجارة بالجزائر العاصمة في 26 ديسمبر/كانون الأول 2006 على أيدي مجموعة من رجال الأمن يرتدون أفرادها ملابس مدنية ويعتقد أنهم من رجال دائرة الاستعلام والأمن. واحتجز عبد الرحمن محلّي مدة 11 يوماً دون اتصال مع العالم الخارجي في مكان لم يجر الكشف عنه ويعتقد أنه في ثكنة عنتر التابعة لدائرة الاستعلام والأمن في الجزائر العاصمة.

وفي 6 يناير/كانون الثاني 2007، جُلب أمام قاض للتحقيق في الجزائر العاصمة ووجهت إليه تهم الانتماء إلى جماعة إرهابية، والدفاع عن الإرهاب، وعدم التبليغ عن أخيه بدران، الذي انضم إلى جماعة إسلامية مسلحة في 1993 بعد اتصالات معه، حسبما يفترض. وفي المحكمة، بدا أن عبد الرحمن يعاني من اعتلال الصحة ومن الاكتئاب، حسبما ذُكر. وعندما سأله القاضي عن الظروف التي كان محتجزاً فيها، رد، على ما يبدو، بأنه قد تعرض للتعذيب ولكنه لا يستطيع قول أكثر من ذلك خشية أن يُعاد إلى ثكنة دائرة الاستعلام والأمن.

واعترف بالتهم الموجهة إليه، ولكن ثمة بواعث قلق بأنه قد فعل ذلك تحت وطأة الإكراه. ومن البادي أن الموظفين الأمنيين الذين جلبوه إلى المحكمة قد هددوا بإعادته إلى الثكنة وإخضاعه لمزيد من التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة إذا لم يفعل ذلك. وكان عبد الرحمن محلي بصحبة محام عندما مثُل أمام القاضي، ولكنه لم يعط الوقت للتشاور معه قبل جلسة الاستماع. وفي ديسمبر/كانون الأول 2008، حُكم عليه بالسجن أربع سنوات، وهو الآن يقضي مدة الحكم في سجن سركاجي في الجزائر العاصمة. ولم يفتح أي تحقيق في مزاعم تعرضه للتعذيب أو لغيره من صنوف سوء المعاملة أثناء وجوده في حجز دائرة الاستعلام والأمن رغم أنه قد "اعترف" على نحو بادٍ بالتهم الموجهة ضده تحت وطأة الإكراه والخشية من التعرض لمزيد من التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة.

ولا ينحصر الإفلات من العقاب على التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة في موظفي دائرة الاستعلام والأمن. فمثلاً، قال ما لا يقل عن 30 معتقلاً احتجزوا في فبراير/شباط 2008 بتهم تتعلق بالإرهاب في سجن الحراش، في الجزائر العاصمة، إنهم تعرضوا للضرب المبرح على أيدي الحراس بعد رفضهم العودة إلى زنازينهم احتجاجاً على حرمانهم من منطقة كانوا يصلون فيها. وورد أنهم جُرِّدوا من ملابسهم تماماً وتعرضوا للركل واللكم والضرب بقضبان معدنية وهددوا بالاعتداء الجنسي عليهم. وأدى ذلك إلى كسر ساق أحد النـزلاء، بينما كسر فك شخص آخر. ورفع عدة معتقلين من هؤلاء شكاوى، وورد أن تحقيقاً أجري مع بعضهم من جانب مسؤولين تابعين للسلطات القضائية بالعلاقة مع الحادثة؛ ولكن حتى يومنا هذا لم تُنشر على الملأ نتائج أي تحقيق من هذا القبيل، كما لم يعرف عن أي من الجناة أنه قد قُدِّم إلى ساحة العدالة. ورداً على شكوى تقدم بها محامي أحد المعتقلين في سجن الحراش وزعم فيها أنه قد أسيئت معاملة موكله أثناء الاعتقال، رد ا وكيل الجمهورية بمحكمة سيدي محمد فى رسالة مكتوبة في 19 فبراير/شباط 2009 ليقول إن "تحقيقاً إدارياً" قد خلص إلى أنه ليس ثمة إثبات على المزاعم التي أثيرت ضد مسؤولي سجن الحراش. وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق من أنه قد جرى التعامل مع التحقيق الإداري الذي قامت به الجهة التي يزعم أنها مسؤولة عن تعذيب المعتقلين وعن غيره من صنوف سوء المعاملة على أنه بديل لإجراء تحقيق واف وغير متحيز ومستقل في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة.

تنص المادة 52 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري على إمكان تفتيش جميع أماكن الاعتقال السابق للمحاكمة في أي وقت من قبل وكيل الجمهورية لضمان تلبيتها للضمانات التي ينص عليها القانون الجزائري. وليس ثمة أدلة على أن هذا قد حدث فعلاً فيما يخص مراكز الاعتقال التي تخضع لإشراف دائرة الاستعلام والأمن.

وفي قضية أخرى تتعلق بالتعذيب المزعوم في سجن الحراش، تحدث فتوش الطاهر ياسين عن أنه جرى تربيطه في 30 مارس/آذار 2008 وتبليله بالماء وضربه بعصي خشبية على جميع أنحاء جسمه، بما في ذلك باطن قدميه على أيدي حراس السجن في مكتب رئيس القسم الأول من سجن الحراش. وبعد الضرب، وضع، حسبما ذكر، في الحبس الانفرادي دون ماء ودون أن يسمح له بالذهاب إلى المرحاض ليومين. وفي 20 أبريل/نيسان 2008، تقدم محاميه بشكوى بالنيابة عنه لدى النائب عام المجلس القضاء في الجزائر، ولكنه لم يتلق رداً حتى الآن؛ رغم ورود أن مسؤولين من وزارة العدل التقوا فتوش الطاهر ياسين لسؤاله عن الشكوى.

ومما يذكر أن فتوش الطاهر ياسين اعتقل في أعقاب تفجيرات الجزائر العاصمة في 11 ديسمبر/كانون الأول 200756على أيدي ضباط في الشرطة القضائية في الجزائر العاصمة57. وزُعم أن فتوش الطاهر ياسين احتجز قيد التوقيف للنظر مدة 12 يوماً في مركزين للشرطة في الجزائر العاصمة قبل أن يعرض على قاضي التحقيق ويتم توقيفه في حجز سجن الحراش في انتظار المحاكمة. وورد أنه تعرض للتعذيب ولغيره من صنوف سوء المعاملة في فترة التوقيف للنظر، بما في ذلك عن طريق ربطه بجهاز التدفئة. ولا يزال في انتظار المحاكمة.

ويسهِّل إطار حالة الطوارئ المفروضة منذ 1992 حدوث التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة. فبموجب هذا الإطار، تبنت السلطات قوانين طوارئ خاصة تم إدماج جلِّها في قانون العقوبات وفي قانون الإجراءات الجزائية في 1995. وقد مدَّدت هذه القوانين فترة التوقيف للنظر وخفَّضت سن المسؤولية الجنائية إلى 16 سنة، كما وسعت من نطاق تطبيق عقوبة الإعدام. وتم إقرار تعريف فضفاض وغامض للأنشطة "الإرهابية" أو "التخريبية" في قانون العقوبات، بينما وسَّعت تدابير أخرى نطاق الجرائم التي تهدد أمن الدولة لتشمل إعادة طباعة أو توزيع "مطبوعات تخريبية"، أو "تبرير الإرهاب بأي وسيلة كانت"، أو "الانخراط أو المشاركة في الخارج في جمعية أو جماعة أو منظمة إرهابية أو تخريبية "58. وهذا التعريف للإرهاب في التشريع الجزائري في غاية الاتساع ويمكن أن يشمل الأنشطة التي تعتبر ضمن الممارسة السلمية للحقوق المدنية والسياسية. ويمكن أن يشكل الغموض والاتساع اللذين يتسم بهما التشريع الجزائري فيما يتعلق بالإرهاب، وبالتالي بأي جرم يترتب عليه، انتهاكاً لمبدأ القانونية والموثوقية القانونية. ولذا، فهو عاجز عن تلبية مقتضيات الوضوح والدقة للقانون الجنائي، وبذا فإن مثل هذه الجرائم يمكن أن لا ترقى إلى مستوى "الجرم الجنائي المعترف به" بمقتضى القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وقد ورد أن من الممكن محاكمة المدنيين من ذوي القضايا الحساسة المتعلقة "بأمن الدولة" أمام المحاكم العسكرية، كما تقضي المادة 25 من قانون القضاء العسكري، وقد حدث هذا فعلاً. وطبقاً لقانون القضاء العسكري، يظل التوقيف للنظر بالنسبة للمدنيين يخضع للمادة 51 من قانون الإجراءات الجزائية، التي تحدد مدته 12 يوماً في القضايا المتصلة بالإرهاب، وتتيح للموقوف الحق في الاتصال بعائلته وبتلقي الزيارات منها، والحق في طلب الفحص الطبي من قبل طبيب يختاره بنفسه. وفضلاً عن ذلك، يحق للمعتقلين بمقتضى المادة 79 من قانون القضاء العسكري الاستعانة بمحامين من اختيارهم فيما عدا القضايا التي تتصل "بجرم الخاصة العسكرية" (المادة 18). ولا يبدو أن هناك احتراماً لهذه الضمانات المحدودة في الممارسة العملية.

إن منظمة العفو الدولية تناهض إخضاع المدنيين للولاية القضائية العسكرية وتدعو السلطات الجزائرية إلى أن توقف فوراً جميع محاكمات المدنيين الجارية حالياً أمام المحاكم العسكرية ونقل قضاياهم إلى المحاكم المدنية لإعادة المحاكمات ضمن إجراءات تلبي المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وإلا فالإفراج عمن تجري محاكمتهم. كما تحث منظمة العفو السلطات الجزائرية على أن تأمر بإعادة محاكمة جميع المدنيين الذين أدانتهم محاكم عسكرية، أو الإفراج عنهم.

وتساور منظمة العفو الدولية بواعث قلق على وجه خاص من أن الحق في محاكمة عادلة لا يلقى الاحترام بمقتضى قانون القضاء العسكري، بما في ذلك حق الشخص في أن يحاكم أمام محكمة مستقلة ومحايدة، والحق في أن تراجع محكمة أعلى ما يصدر من أحكام، كما هو مكرس في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فالأجهزة العسكرية جزء من السلطة التنفيذية. وما يُنظر من قضايا أمام المحاكم العسكرية يتولى التحقيق فيه نواب عامون عسكريون، بينما يبت فيه قضاة عسكريون. ونتيجة لذلك، لا يمكن النظر إليها على أنها مستقلة وغير متحيزة. ناهيك عن أن حق الأفراد الذين تنظر قضاياهم محاكم عسكرية في أن تراجع محكمة أعلى الأحكام أو الإدانات الصادرة بحقهم مقيد، بحسب قانون القضاء العسكري، بشرط استناد قرارات الاستئناف إلى أسس قانونية أو إجرائية، وليس على أساس الأدلة نفسها أو استناداً إلى الوقائع المتعلقة بقضية المتهم.

حالة

قُبض على محمد رحموني صباح 18 يوليو/تموز 2007 من قبل ثلاثة رجال أمن يرتدون ملابس مدنية عند موقف للحافلات بالقرب من بيته في حي بوروبة في الجزائر العاصمة. وفي 24 يوليو/تموز، فتَّش رجال الأمن بيته. وفي 29 يوليو/تموز عادوا وطلبوا من عائلته توقيع إقرار بأن قوات الأمن وجدت مفاتيح شاحنة وسيارة مرسيدس أثناء تفتيش المنـزل. فرفضت العائلة، قائلة إنها لا تملك مثل هاتين السيارتين.

وتقدمت العائلة بشكوى لدى السلطات القضائية على أساس أن محمد رحموني اعتُقل بصورة تعسفية. وفي 18 أغسطس/آب، استُدعيت والدته إلى مكتب الشرطة القضائية في بوروبة، حيث سُئلت، كما يبدو، عن سبب تقديم العائلة الشكوى وقيل لها إن دائرة الاستعلام والأمن تعامل ابنها معاملة حسنة، برغم عدم السماح لها برؤيته. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2007، قالت لها الشرطة في بوروبة إن محمد رحموني معتقل في سجن بالبليدة، الواقعة جنوب الجزائر العاصمة؛ وفي البداية أنكر الحراس في سجن البليدة العسكري أنه هناك، لكنهم اعترفوا في 26 يناير/كانون الثاني 2008 باحتجازه.

ومن المتوقع أن يمثل محمد رحموني أمام المحكمة العسكرية في بليدة، إلا أنه من غير المعروف لماذا لم تتم إحالة قضيته إلى محكمة جنائية عادية لكونه مدني. وهو متهم بالانخراط في أنشطة إرهابية. ولم يسمح لمحامييه بزيارته أو بالاطلاع على ملفه، وورد أنه قد رفض الاستعانة بمحام عينته المحكمة العسكرية للدفاع عنه. ويسمح الآن لعائلته بزيارته تحت إشراف حراس السجن، حيث تقل مدة الزيارة، حسبما ذُكر، عن نصف ساعة.

ومع أن تعديلات قد أُدخلت على قانون العقوبات في 2004 لتجريم التعذيب وتوسيع نطاق المسؤولية عنه ليشمل أي موظف عام يستعمل التعذيب أو يحرض عليه أو يأمر باستعماله، وليشمل كذلك من يتواطأون في استعماله؛ إلا أن إقرار القانون لم يحُد من إفلات موظفي دائرة الاستعلام والأمن أو أجهزة الأمن الأخرى من العقاب على الانتهاكات المزعومة59. ورغم ادعاء السلطات الجزائرية في تقريرها الدوري الثالث المقدم إلى لجنة مناهضة التعذيب في 2006 بأنه "قد تمت معاقبة مرتكبي (التعذيب) في إطار القانون"60، إلا أنه، وبحسب علم منظمة العفو الدولية، لم يحدث أبداً أن كشفت السلطات الجزائرية على الملأ أية تفاصيل تتعلق بما إذا كان موظفون تابعون لدائرة الاستعلام والأمن أو غيرهم من الموظفين الأمنيين الآخرين قد أدينوا بتهم تتعلق بالتعذيب، أو بعدد هؤلاء، أو تتعلق بما إذا كانت أية تحقيقات قد أجريت، وبنتائج هذه التحقيقات، أو بإلإجراءات التي اتبعت لمحاكمة هؤلاء الأفراد وقُدموا على أساسها إلى ساحة العدالة. وفي ردها على السؤال رقم 6 للجنة في إطار مراجعتها للتقرير الدوري الثالث للجزائر والمتعلق بعدد وأنواع القضايا التي تمت فيها مقاضاة موظفين رسميين لارتكابهم المزعوم لأعمال تعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة منذ 1991، ردت السلطات في مارس/آذار 2008 بأن 32 شخصاً "من جميع الوحدات والرتب قد تمت مقاضاتهم لارتكابهم أعمال سوء المعاملة والعنف والاعتداء والضرب المبرح. وتراوحت العقوبات ما بين السجن مع وقف التنفيذ وأحكام بالسجن"، ودون تقديم أية تفاصيل أخرى61.

وفي ملاحظاتها الختامية التي أعلنتها في مايو/أيار 2008، دعت لجنة مناهضة التعذيب السلطات الجزائرية إلى مواءمة تدابيرها في مجال مكافحة الإرهاب مع أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ وإلى ضمان إخضاع جميع أماكن الاعتقال، بما فيها تلك التي تخضع لسيطرة دائرة الاستعلام والأمن، لرقابة السلطات المدنية نظراً لتواتر ما يرد من تقارير عن وجود مراكز اعتقال سرية تشرف عليها دائرة الاستعلام والأمن. كما دعتها إلى ضمان احترام الفترة القصوى للتوقيف للنظر وإفساح المجال أمام المعتقلين دون عراقيل كي يتصلوا بالمحامين وبعائلاتهم ويُعرضوا على فحوصات طبية مستقلة؛ وإلى مباشرة تحقيق في جميع مزاعم التعذيب وتقديم المسؤولين عنها إلى ساحة العدالة. ولم يبلغ منظمة العفو الدولية أن السلطات الجزائرية قد اتخذت أي خطوات لمعالجة ما ورد في هذه التوصيات.

إن إفلات مرتكبي التعذيب بجريمتهم، واستخدام الأدلة والمعلومات التي تنتزع تحت التعذيب في النظام القضائي أو كأساس للقيام باعتقالات جديدة، لا يمكن إلا أن يؤديا إلى استمرار التعذيب وتفشيه. والطريقة الوحيدة لوقف التعذيب هي أن تبعث السلطات برسالة صارمة وصريحة بأنه لن يُسكت عن التعذيب، مهما كانت الظروف، وبأن كل من يلجأ إلى مثل هذه التصرفات سوف يلقى عقابه ضمن إطار القانون. وكخطوة مباشرة نحو ذلك، ينبغي على السلطات الجزائرية أن تعلن على الملأ معلومات حقيقية بشأن عدد الشكاوى التي قُدِّمت ضد أعمال التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة، وعدد التحقيقات في أعمال التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة التي فُتحت، وكذلك عدد الإدانات لرجال الأمن، ولا سيما موظفي دائرة الاستعلام والأمن، التي صدرت عقاباً لهم على ما ارتكبوا من أعمال تعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة62.



4. النساء يتحملن عبء الإفلات من العقاب

بينما أثَّر العنف الذي ابتليت به البلاد في عقد التسعينيات من القرن الماضي بصورة سلبية على المجتمع الجزائري بمجمله، واستمر هذا المجتمع يعاني نتيجة تقاعس السلطات عن التصدي لإرث النـزاع بصورة كافية وكشف الحقيقة وتوفير العدالة والإنصاف للضحايا وعائلاتهم؛ عانت المرأة، وما انفكت تعاني، من انتهاكات خاصة بنوعها. كما عانت النساء في الماضي، وما زلن يعانين اليوم، بصورة غير متناسبة آثار الانتهاكات التي تقترفها الدولة وغيرها من الجهات غير الحكومية في مناخ إفلات الجناة من العقاب. ويضاعف مما تواجهه المرأة من صراع حقيقة أن السلطات لا تمتنع فحسب عن الوفاء بواجباتها بمقتضى القانون الدولي في حماية حقها في أن لا تتعرض للتعذيب وحقها في الحياة والأمن؛ ولكنها كذلك نادراً ما توفر للنساء من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الرعاية والإنصاف الكافيين.

الإفلات من العقاب على الانتهاكات المرتكبة على أيدي الفاعلين غير الحكوميين

كانت الجماعات المسلحة أثناء النـزاع الداخلي مسؤولة عن انتهاكات على أساس النوغ الجنسي، بما في ذلك اغتصاب النساء واسترقاقهن. ففي ذروة العنف، اختطفت مئات النساء واغتصبن. وشوهت بعضهن، وقتلت أخريات عقب اغتصابهن، بينما أجبرت أخريات على الإقامة مع مختطفيهن ليطهين لهم ويقمن بأعمال التنظيف. ونجا بعضهن؛ بينما نُبذت أخريات بعد تعرضهن للاغتصاب. وحمل عدد من هؤلاء و/أو أصبن بالعدوى بأمراض تنتقل عبر الممارسة الجنسية أو واجهن مشكلات نسائية63.

الاغتصاب وحقوق المرأة

لم تتمكن معظم النساء اللاتي حملن نتيجة الاغتصاب في تسعينيات القرن الماضي من التفكير في إنهاء الحمل نظراً لعدم قانونية الإجهاض بموجب المادة 304 وما تلاها من مواد في قانون العقوبات.

بيد أن المجلس الإسلامي الأعلى، وهو مؤسسة رسمية، أصدر فتوى في 1998 بأنه بإمكان النساء اللاتي اغتصبن إجراء عملية إجهاض في حالات الضرورة القصوى، وحيث يثبت طبياً أن حياتهن معرضة لخطر وشيك. وما كان له أثره الحاسم تأكيد الفتوى بأن النساء اللاتي اغتصبن لم يفقدن شرفهن، وبأنه لا ينبغي لومهن أو معاقبتهن على كونهن اغتصبن. بيد أن عضوات المنظمات النسائية أعربن عن استنكارهن لعدم تنفيذ التدابير التي تسمح للناجيات من الاغتصاب من قبل الجماعات المسلحة بالإجهاض.

وخذلت السلطات على وجه الخصوص النساء اللاتي عانين الاعتداء الجنسي وغيره من أشكال العنف على أيدي الجماعات المسلحة. فمعظمهن ما زلن يعانين الصدمة الجسدية والنفسية التي ولدتها محنتهن. وكثيراً ما يضيف النبذ الاجتماعي آلاماً إلى آلامهن بسبب وصمة العار التي تلازم الاغتصاب، بما في ذلك الرفض من جانب الزوج والعائلة. ونتيجة لذلك، لم تتقدم العديد من النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب بشكاوى رسمية أو احتفظن بتجربتهن لأنفسهن. وحتى في الحالات التي تقدمت بها نساء بشكاوى، لم تبذل جهود تذكر لمحاسبة المسؤولين عن الجرم.

إن السلطات الجزائرية قد اعترفت بأن عمليات اغتصاب قد وقعت أثناء النـزاع، ولكن على حد علم منظمة العفو الدولية، لم يُحاكم أحد من أعضاء الجماعات المسلحة على ما اقترف من جرائم الاغتصاب. وفي خطوة لقيت الترحيب، استثنت السلطات من تدابير العفو التي صدرت في 1999 و2006 أعضاء الجماعات المسلحة المسؤولين عن جرائم اغتصاب، رغم عدم تأكيدها بأي شكل من الأشكال أن أشخاصاً مسؤولين عن جرائم اغتصاب قد استثنوا فعلياً من العفو. وتشير السرعة التي مُنح بها أعضاء الجماعات المسلحة العفو لدى تسليم أنفسهم أو الإفراج عنهم بالعلاقة مع القضايا التي أدينوا فيها أو سجنوا بجرائم تتصل بالإرهاب، إلى أنه لم تجر أية تحقيقات وافية لتقرير مدى أهلية هؤلاء للاستفادة من العفو وضمان عدم تمتع من ارتكبوا منهم جرائم اغتصاب بالحصانة من المقاضاة (أنظر الفصل 2).

وقد كان من المستحيل الحصول على معلومات بشأن قضية أي فرد اعتقل أو قُدم إلى ساحة العدالة لارتكابه انتهاكات ضد المرأة على أساس جنسها أثناء النـزاع الداخلي. ولم يكن لدى أي امرأة تحدثت إليها منظمة العفو الدولية حول اختطافها واغتصابها من قبل جماعة مسلحة علم بأن من أساءوا معاملتها قد قُدِّموا إلى ساحة العدالة. إلا أن بعض الناجيات قلن إنهن قد أُبلغن من قبل قوات الأمن بأن من اعتدوا عليهن قد لقوا حتفهم على أيدي قوات الأمن. بيد أنه لم يحدث أن تلقت واحدة منهن أية تفاصيل أو معلومات بأن تحقيقاً في الأمر قد جرى.

وتقول منظمات نسائية إن الناجيات من الاغتصاب من قبل أعضاء في الجماعات المسلحة لم يستفدن من خدمات إعادة التأهيل التي تقدمها الحكومة، بما في ذلك الخدمات الطبية والنفسية وغيرها من أشكال المشورة المتعلقة بأعراض ما بعد الصدمة، كما لم يتلقين أي تعويض مثل ذاك الذين تلقاه ضحايا الانتهاكات الآخرون على أيدي الجماعات المسلحة. ولا تأتي تدابير التعويض الخاصة "بضحايا الإرهاب" التي جرى تبنيها (أنظر الفصل 3) على ذكر ضحايا الاغتصاب صراحة، كما إنها لا تتضمن أي أحكام محددة لدعم احتياجاتهن الخاصة.

وتقدم منظمات غير حكومية في الوقت الراهن المساعدة الطبية والنفسية إلى عدد محدود من النساء، ولكنها لا تملك الموارد الكافية لمساعدة مئات النساء والفتيات المحتاجات إلى المساعدة. ويبعث شح المخصصات المالية على القلق في وضع كوضع الجزائر، حيث تضطر الناجيات من الاغتصاب إلى التعامل ليس فحسب مع الصدمة المترتبة على الجريمة، وإنما أيضاً مع العار الاجتماعي الملازم لها وللوصمة التي تبقى معهن. إذ تعيش العديد من الناجيات من الاغتصاب في المناطق الريفية وفي مناطق محافظة اجتماعياً من البلاد، ما يضاعف من حجم المشكلة. بينما تواجه أخريات ممن رفضتهن عائلاتهن أو غادرن بيوت أهاليهن خشية وصمة العار في حالة من التشرد والبطالة.

وفي تقريرها لعام 2008 الذي صدر على إثر زيارة قامت بها للجزائر في 2007، أعربت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، أسبابه ونتائجه، عن بواعث قلقها من أن ضحايا العنف الجنسي للحرب الأهلية في عقد التسعينيات من القرن الماضي لم يتلقين الإنصاف الكافي. ودعت السلطات الجزائرية إلى إنشاء لجنة مستقلة للتحقيق في أعمال العنف الجنسي التي ارتكبت أثناء النـزاع، وللتعرف على الجناة وتقديمهم إلى ساحة العدالة، وتقديم التعويض السريع والكافي للنساء من ضحايا العنف الجنسي. وكررت لجنة مناهضة التعذيب هذه التوصيات في ملاحظاتها الختامية التي أعلنتها في مايو/أيار 2008، مؤكدة من جديد على الحاجة إلى إنصاف ضحايا العنف الجنسي أثناء النـزاع المسلح على نحو كاف، إضافة إلى إعادة التأهيل الطبي والاجتماعي والنفسي.

وعلى الرغم من الدعوات التي طال عليها العهد والحملات التي نظمتها جماعات حقوق المرأة، إلا أنه ما زال هناك غياب تام للتشريع الذي يتصدى على نحو كاف للعنف ضد المرأة، بما في ذلك الاغتصاب. فبموجب القانون الجزائري، يُعاقب مرتكب الاغتصاب بالسجن لفترة تصل إلى عشر سنوات ولكن دون تحديد. وبالمثل، لا يعرِّف قانون العقوبات الجزائري الأشكال الأخرى من الاعتداء الجنسي خلاف الاغتصاب، حيث يمكن أن ينظر إليها على أنها اعتداءات مخلة بالحياء.

حالة

في يوليو/تموز 2001، هاجم نحو 300 رجل مجموعة من النساء يعشن ويعملن في حاسي مسعود، وهو إقليم غني بالنفط في جنوب الجزائر. وتولَّد الهجوم، حسبما ذُكر، عن إشاعات بأن النساء كن من بائعات الهوى. وتعرضت أغلبية النساء اللاتي هوجمن لاعتداءات جنسية، حيث اغتصبت بعضهن، بينما تعرضت ثلاث منهن لاغتصاب جماعي. وطُعنت بعض النساء بالسكاكين في وجوههن أو أجسادهن، بينما أصيبت أخريات بحروق. وتعرضت غرفهن للسلب والنهب. ووقعت هجمات مماثلة، كما ورد، في بلدة تبسة في الشهر نفسه. ولقي الهجوم بعض الأصداء في الصحافة الجزائرية وبوشر بإجراءات قضائية. بيد أنه لم تتقدم سوى قلة من النساء للإدلاء بشهاداتهن أثناء المحاكمة. بينما امتنعت الأخريات عن الإدلاء بشهاداتهن بسبب الخوف الشديد. وفي نهاية الأمر، لم يُحكم إلا على رجل واحد بالسجن ثماني سنوات بتهمة الاغتصاب. ولم يُقاض أحد على الاعتداءات الجنسية الأخرى. واشتكت النساء اللاتي أدلين بشهاداتهن أثناء المحاكمة من أنهن لم يتلقين الحماية المناسبة بعد الإدلاء بإفاداتهن، وقلن إنهن ما زلن خائفات من أن يسعى الرجال أو عائلاتهم إلى الانتقام منهن.

ويخلو التشريع الجزائري من أية أحكام صريحة تجرِّم الاغتصاب الزوجي أو غيره من أشكال العنف في محيط الأسرة. ويعتبر العنف العائلي متفشياً في الجزائر، كما اعترفت السلطات بأن العنف في محيط الأسرة يشكل باعث قلق متزايد. وطبقاً لمصادر الشرطة القضائية، فقد تم تسجيل 4,500 قضية عنف ومضايقة لنساء خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2008؛ ولكن يعتقد أن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير. ولا تقوم العديد من النساء بالإبلاغ عن حوادث العنف، ولا سيما في إطار الأسرة، نظراً لما يستتبعه ذلك من وصمات عار وضغوط اجتماعية من أجل تسوية هذه القضايا بعيداً عن تدخل السلطات القضائية. كما يبدو أن تقاعس الموظفين الرسميين عن التجاوب في قضايا العنف الأسري يردع العديد من النساء عن التقدم بشكاوى رسمية، بينما تضيف رخاوة الأحكام التي يفرضها القضاة في القضايا التي تصل إلى المحاكم عقبة جديدة أمام محاولات التظلم.64وزيادة على ذلك، فإن الآليات المعتمدة من قبل الحكومة لا توفر الحماية للنساء من ضحايا العنف؛ وبينما أنشأت جماعات من قبيل "جمعية نجدة نساء في الشدة" مراكز لإيواء النساء الناجيات من العنف، فإنها لا تملك الموارد الكافية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في هذا المجال.

ولحماية النساء من العنف في الجزائر، لا بد من أن تقوم السلطات بإصلاحات قانونية تجرِّم صراحة جميع أشكال العنف ضد المرأة، وأن تضعها موضع التطبيق. وطبقاً للقانون والمعايير الدوليين المتعلقين بالعنف ضد المرأة، فإن السلطات الجزائرية ملزمة قانوناً بممارسة الدأب الواجب من أجل منع العنف ضد المرأة والتحقيق فيه ومعاقبة مرتكبيه، حتى في الحالات التي يكون فيها الجناة أفراداً عاديين أو كيانات غير رسمية. ولا بد للسلطات كذلك من إقرار برامج لتقديم الدعم النفسي وإعادة التأهيل للنساء من ضحايا العنف؛ وكذلك الارتقاء بالوعي العام عن طريق الإدانة العلنية للعنف ضد المرأة. وعلاوة على ذلك، ينبغي تدريب موظفي الدولة الذين يتعاملون مع النساء من ضحايا العنف؛ بينما يتعين على السلطات أن تبعث بإشارة واضحة إلى المجتمع بأنه لن يتم التساهل بشأن الانتهاكات التي ترتكب ضد المرأة، وذلك عن طريق وضع حد لمناخ الإفلات من العقاب ومقاضاة الأفراد الذين ارتكبوا جرائم من هذا القبيل.65

إفلات الفاعلين الحكوميين من العقاب على ما يرتكبون من انتهاكات

حملت النساء على كاهلهن عبء العديد من المشكلات الملازمة لحالات الاختفاء القسري لآلاف الجزائريين، ومعظمهم من الرجال. وقد أدى اختفاؤهم إلى ترك الأقرباء، وجلُّهم من النساء، يعانون الآلام بسبب عدم معرفة هؤلاء النساء بأماكن إخفاء أزواجهن أو أبنائهن أو إخوانهن، وفي بعض الأحيان بسبب اختفاء أكثر من واحد من أفراد الأسرة الواحدة. وجعلت الطبيعة التمييزية لقانون الأسرة الجزائري، إضافة إلى العقبات الإدارية، النضال اليومي لهؤلاء أكثر صعوبة نظراً لعدم إمكان إنجاز بعض الإجراءات البيروقراطية، كتسجيل الأطفال في المدارس والحصول على شهادات التخريج من المدارس وسوى ذلك من الوثائق الرسمية دون الحصول على توقيع الأب، ما لم يكن قد تم تسجيل أنه قد توفي. وظل معظم الأشخاص المختفين دون تسجيل إلى حين صدور الأمر 06 -01 لعام 2006؛ وما زال العديد من هؤلاء غير مسجلين في عداد الموتى نظراً لرفض عائلاتهم قبول استخراج شهادات الوفاة قبل الحصول على الحقيقة أولاً. ونشأت مشكلات مماثلة بالنسبة للنساء أنفسهن فيما يتعلق بتلقي حصصهن من الميراث. كما واجهت النساء المهمة المضنية في العثور على عمل في سوق يسيطر عليه الذكور، وفي كثير من الأحيان تحمل عبء الإنفاق على الأسرة للمرة الأولى في حياتهن.

وقد سعت هؤلاء النسوة لسنوات إلى كشف النقاب عن حقيقة اختفاء أقربائهن دون الاحتجاج العلني خشية أن تؤدي حملات الاحتجاج بصوت مرتفع إلى تعريض الأحباء المختفين أو آخرين من أفراد الأسرة للخطر. وكن يأملن في أن يؤتي صبرهن وبحثهن الذي لا يكل ثماره.

بيد أن شعورهن بالإحباط أدى في السنوات الأخيرة إلى أن يتغلبن على مخاوفهن وبدأن بالتعبير عن غضبهن وأحزانهن في العلن. وتقدمت هؤلاء النسوة الصفوف في أنشطة حملات جماهيرية كسرت جدار الصمت الذي كان يلف مصير المختفين في الجزائر. فقد قُدن المظاهرات وكانت أصواتهن هي الأعلى في المطالبة بالحقيقة والعدالة. وكثيراً ما ترأست النساء جمعيات عائلات المختفين. وعانت بعضهن الكثير جراء ذلك. ففي مارس/آذار 2000، على سبيل المثال، تعرضت قريبات المختفين للضرب بالهراوات وللركل وللترهيب على أيدي السلطات في مدينتي غليزان و وهران، في غربي الجزائر. وفي وقت لاحق، أدينت لويزة ساكر، وهي رئيسة جمعية عائلات المفقودين لولاية قسنطينة وزوجة أحد المختفين، بسبب مشاركتها في تجمهر غير مسلح دعت فيها عائلات المختفين السلطات إلى كشف النقاب عن الحقيقة وتحقيق العدالة للضحايا (أنظر الفصل 7 فيما يلي).

حالة

في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، فُرضت على زهرة بورفيس، وهي زوجة وأم لضحيتين للاختفاء القسري، في بلدة جيجل شمال شرقي الجزائر واختفى زوجها منذ 1996، غرامة بقيمة إسمية تبلغ 100 دينار جزائري (حوالي دولار أمريكي واحد) لاستضافتها شخص أجنبي في بيتها دون إبلاغ السلطات الجزائرية. وكان الأجنبي المعني عضواً فرنسياً في منظمة مفقودون، التي تتخذ من فرنسا مقراً لها. والتهمة التي وجهت إليها نادراً ما استخدمت، وفق ما قاله محامو زهرة بورفيس، وعلى ما يبدو فقد استخدمتها السلطات المحلية ضدها بغرض مضايقتها ومعاقبتها على أنشطتها ضمن الحملة بشأن الاختفاءات القسرية في الجزائر.

إن منظمة العفو الدولية تذكِّر السلطات الجزائرية بحق هؤلاء النساء في كشف النقاب عن مصير ضحايا الاختفاء القسري وفي وقف تكرار هذا النمط من الانتهاكات، كما تدعو السلطات الجزائرية إلى تنفيذ التوصية التالية التي وردت في تقرير المقرر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة ، أسبابه ونتائجه، لعام 2008، الصادر في أعقاب زيارتها إلى الجزائر، والتي دعت فيها إلى:

"احترام حق المرأة لتي عانت من العنف أثناء العشرية السوداء أو فيما يتصل بها، فضلا عن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وساء الجهات التي تقدم إليها الدعم، في إبداء آراء علنية بشأن المصالحة الوطنية والسلام والحقيقة والعدالة تخالف السياسة الرسمية. وينبغي أن يُسمح لهذه الجهات بتنظيم أنشطتها بدون عراقيل بيروقراطية أو عقبات قانونية، كما ينبغي أن يتلقى الموظفون العموميون من جميع مستويات الحكومية تعليمات مكتوبة في هذا الخصوص. وينبغي اتخاذ تدابير تأديبية في حق السؤولين الذين يهددون أو يضايقون الأشخاص ممن يبدون تلك الآراء المخالفة، و مقاضاتهم عند الاقتضاء".66

وبينما كانت أغلبية ضحايا الاختفاء القسري من الرجال، فإن عدداً من النساء قد اختفين أيضاً. فخلال سنوات النـزاع الداخلي، اعتقلت قوات الأمن نساء بغرض الضغط على أقربائهن من الذكور المشتبه في انتمائهم إلى جماعات مسلحة كي يسلموا أنفسهم إلى السلطات، أو لانتزاع معلومات منهن بشأن أقربائهن الذكور ممن يشتبه في انخراطهم في جماعات مسلحة، أو ببساطة لمعاقبتهن على التورط الفعلي أو المتصور لأقربائهن الذكور في أنشطة "إرهابية أو تخريبية". وبينما أفرج عن معظم هؤلاء النسوة عقب استجوابهن، لم تُشاهد أخريات بعد ذلك رغم الجهود التي لا تكل من طرف عائلاتهن لتعقب آثارهن ومعرفة مكان وجودهن، وكشف الحقيقة بشأن مصيرهن.

حالة

كانت دوية قط بن عزيزة، وهي أرملة وأم لأربعة أولاد، في حوالي الثامنة والستين عندما اعتقلتها قوات الأمن في الساعة 11 من ليلة 2 يونيو/حزيران 1996 في بيتها في قسنطينة. وكان الرجال الذين اعتقلوها يفتشون عن ابنها، علي، الذي كان مطلوباً للسطات. إذ اقتادوها بزعم جمع معلومات عن مكان ابنها ووعدوا بالإفراج عنها بعد ساعتين. وبينما ذهب علي بعد يومين إلى النائب العام العسكري الذي زُعم أنه يبحث عنه وأُفرج عنه في اليوم نفسه وبُرئت ساحته من المزاعم المثارة ضده، لم يُعثر على أثر لدوية قط بن عزيزة منذ ذلك الوقت.

وقد تقصت عائلة دوية قط بن عزيزة عنها على نحو متكرر لدى السلطات المدنية والعسكرية وبعثت برسائل بهذا الخصوص إلى الرئيس الجزائري ووزير العدل ورئيس الوزراء والمرصد الوطني لحقوق الإنسان. والتقى أبناؤها بالسلطات، ولا سيما بأحد قيادات المنطقة العسكرية الخامسة، الذي طلبوا منه تقصي مصيرها والتأكيد لهم على صحة الإشاعات التي تقول إنها توفيت في الحجز. وكانت الحالة الصحية لدوية قط بن عزيزة في وقت اعتقالها سيئة. حيث كانت تعاني من ارتفاع ضغط الدم ومشكلات صحية أخرى، وكان عليها مراجعة مستشفى قسنطينة بصورة متكررة للمراقبة وتلقي حقنات لخفض ضغط الدم الشرياني. وانتشرت شائعات بأنها قد توفيت في الحجز جراء إخضاعها لضغوط أثناء استجوابها رغم ما كانت تعانيه من مشكلات طبية. وحتى تاريخه، لم تعط السلطات أية معلومات للعائلة تؤكد فيها الشائعات أو تنفيها.

وخلف اختفاء الأم مرارات قاسية لدى أبنائها، وخصوصاً بعد أن كانوا قد فقدوا الوالد ولم يتمكنوا من القيام بواجبات العزاء كما يجب.وذكر ابنها عبد القادر أن العائلة قد حرمت من التعويض المالي بموجب الأمر 06 – 01 لعام 2006 بسبب كون والدتهم ، حسبما ذكر، أكبر سناً من أن تعتبر المعيل للعائلة؛ ما أكد الشكوك بأن هذا الأمر لا يكفل سوى تقديم مساعدات مالية وليس تعويضات تتناسب مع جسامة الانتهاكات والأذى الذي لحق بالضحايا. وأعرب عبد القادر عن شعوره بالإحباط حيال نهج السلطات بشأن حالات الاختفاء القسري، وحيال أحكام الأمر 06 – 01 لعام 2006، التي تتهدد كل من ينتقد سلوك قوات الأمن أثناء النـزاع الداخلي بالسجن، قائلاً إن "عائلات المفقودين ضحايا لظلم مزدوج: فهم يأخذون والدتك؛ ومن ثم يجبرونك على إغلاق فمك".

5. عائلات الضحايا والنشطاء يتعرضون للاعتداء

يسهِّل استمرار القيود المفروضة في التشريع والممارسة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع استدامة مناخ الإفلات من العقاب في الجزائر. إذ تواجه عائلات ضحايا النـزاع الداخلي والمدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون والمحامون وغيرهم ممن يكشفون النقاب عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها السلطات الجزائرية وينظمون الحملات من أجل وضع حد للإفلات من العقاب، الترهيب والمضايقات، وحتى المقاضاة. ويبدو أن استهداف هؤلاء الأفراد يرمي إلى ردعهم وردع الآخرين في المجتمع عن مواصلة أنشطتهم من أجل حقوق الإنسان وعن انتقاد تصرفات السلطات، أو إلى معاقبتهم على استنكارهم انتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفتها السلطات.

فبالإضافة إلى أحكام الأمر 06 – 01 لعام 2006، التي تهدد بسجن أي شخص ينتقد تصرفات قوات الأمن خلال سنوات النـزاع الداخلي (أنظر الفصل 2)، ثمة عراقيل قانونية أخرى تواجه المدافعين الجزائريين عن حقوق الإنسان وغيرهم من الأشخاص الذين يعبرون علناً عن انتقادهم للسلطات، وبخاصة بشأن قضايا حساسة. فقد فرضت تعديلات أجريت على قانون العقوبات في يونيو/حزيران 2001 (القانون 01 – 09، المؤرخ في 26 يونيو/حزيران 2001) مزيداً من القيود على الحق في حرية التعبير، بما في ذلك عن طريق تغليظ العقوبات على جرم التشهير بزيادة مدة السجن التي تفرض عليه إلى ما يصل إلى السنة، وبفرض غرامات تصل قيمتها إلى 250,000دينار (نحو 3,435دولاراً أمريكياً) بالنسبة للأفراد الذين تدينهم المحكمة بالإساءة إلى رئيس الجمهورية أو سواه من مؤسسات الدولة، كالجيش أو البرلمان أو القضاء. ولم يقتصر استخدام هذه الأحكام على معاقبة الصحفيين والمحررين، وإنما شمل كذلك مدافعين عن حقوق الإنسان قاموا بانتقاد تصرفات السلطات.

حالة

كان حفناوي غول، وهو صحفي وناشط بشأن حقوق الإنسان في فرع جلفة للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان يواجه في وقت كتابة التقرير أربع إجراءات قضائية منفصلة بتهمة التشهير والتحقير عقب شكاوى تقدم بها خمسة مسؤولين في ولاية جلفة ضد مقالات نشرها في صحيفة "الوسط" حول سوء الإدارة والفساد. وكانت التهم تتعلق أيضاً بمزاعم أوردها عن وجود مراكز اعتقال سرية في المنطقة، حيث وردت أنباء عن التعذيب. وكان قد سجن لستة أشهر في عام 2004 عقب إدانته بالتشهير بمسؤولين محليين. وفي يناير/كانون الثاني 2009، نجا من هجوم عليه بسكين من قبل شخص مجهول في الشارع. ولم يعرف عن فتح تحقيق في الحادثة حتى الآن.

وفي مثال آخر على قمع الممارسة السلمية لحرية التعبير، أدين محمد إسماعين، رئيس فرع الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في غليزان، في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2007، بتهمة "التبليغ عن جرائم وهمية". وتتعلق هذه الإدانة بمزاعم أعلنها على الملأ بأن جثث نحو 20 شخصاً اختفوا عقب إلقاء قوات الأمن وميليشيات سلحتها الدولة القبض عليهم، قد دفنت في مقبرة جماعية في سيدي محمد بن عودة، وبأن المجموعات المسؤولة عن ذلك أعادت دفن الجثث عندما تم اكتشاف المكان بغرض التستر على جرائمها. وادعت السلطات أنه لم يكن من الممكن التعرف على أغلبية أو جميع الجثث التي عثر عليها. وأمرت المحكمة العليا بإعادة محاكمته عقب إدانته الأولية من جانب محكمة دنيا في 2002. وحكم عليه أثناء إعادة المحاكمة في أكتوبر/تشرين الأول 2007 بالسجن مدة شهرين وبدفع غرامة وتعويضات عن الأضرار. وقد استأنف الحكم.

وتفرض السلطات قيوداً كذلك على حرية التجمع عندما يقصد بالفعاليات ملامسة موضوعات لا ترضى عنها السلطات. ويخضع عقد التجمعات والاجتماعات العامة لضرورة الحصول على تصريح من الوالي بمقتضى سلطة وزارة الداخلية، الأمر الذي كثيراً ما يواجه بالرفض.

حالة

كان من المفترض عقد حلقة دراسية حول "الحقيقة والسلم والمصالحة" في 7 فبراير/شباط 2007 في الجزائر العاصمة تشارك فيها جمعيات عائلات المختفين وجمعيات تمثل ضحايا الجماعات المسلحة، إضافة إلى خبراء دوليين في مضمار العدالة الانتقالية. وبحسب ما ذُكر، قُدِّم طلب للحصول على تصريح بعقد الحلقة الدراسية، ولكنه رفض في الليلة السابقة على الفعالية. ولم يوافق على منح بعض الخبراء الدوليين تأشيرة دخول للمشاركة في الحلقة الدراسية، حسبما ذُكر. وفي اليوم التالي، حالت قوات الشرطة دون دخول المتجمعين أمام أحد الفنادق لعقد الحلقة الدراسية. فلم تنعقد الحلقة الدراسية.

وقد دأبت جمعيات عائلات ضحايا الاختفاء القسري على التحدث عن الصعوبات التي تواجهها في الحصول على إذن بالتسجيل. فعلى سبيل المثال، أبلغت عضوات في جمعية نجدة نساء في الشدة منظمة العفو الدولية أن السلطات رفضت الاعتراف بأنها قد تسلمت طلبها لتسجيل الجمعية في 2004، وأن موظفين رسميين في وزارة الداخلية لم يستجيبوا لطلب ممثلات الجمعية الالتقاء معهم في فبراير/شباط 2009 لتسليمهم طلب تسجيل آخر. وضمن التوجه نفسه، لم ترد السلطات بصورة رسمية على طلب تسجيل جمعية عائلات المفقودين لولاية قسنطينة.

وتواصل جمعيات عائلات المختفين عملها دون تسجيل قانوني، ما يترك الناشطين مكشوفين للترهيب والمضايقات. وبينما جرى التساهل مع بعض أنشطة الجمعيات، من قبيل الاحتجاجات، كانت هناك حالات فُرقت أثناءها المظاهرات والمسيرات بالقوة، وفي بعض الحالات أدين عدد من المشاركين فيها بتهمة المشاركة في تجمعات "غير مصرح بها".

ففي 2008، حوكمت لويزة ساكر في قسنطينة بتهم تعكير صفو النظام العام، وتجمهر غير مسلح، وتحقير موظفين عموميين والاعتداء عليهم باستخدام الأسلحة، والسرقة. وتتصل التهم بمشاركتها في مظاهرة سلمية نظمتها في 2004 عائلات ضحايا الاختفاء القسري في قسنطينة. فعقب المظاهرة، قامت الشرطة باعتقالها وضربها وبإجبارها على توقيع تعهد بعدم المشاركة في مثل هذه الاحتجاجات ثانية. وفي مارس/آذار 2008، وُجدت لويزة ساكر مذنبة بالمشاركة في تجمهر غير مسلح، وصدر بحقها حكم بالغرامة مع وقف التنفيذ. وأيدت محكمة استئناف قسنطينة إدانتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2008. ووجِد رجلان آخران شاركا في المظاهرات نفسها مذنبين بتهم مشابهة وحكم عليهما غيابياً بالسجن سنة واحدة.

وتعرض أعضاء جمعيات ضحايا الجماعات المسلحة، الذين دعمتهم السلطات في وقت من الأوقات، للمضايقات عقب معارضتهم العلنية لتدابير العفو المختلفة التي قررتها السلطات في 1999/2000، ولاحقاً في 2005/ 2006. (أنظر الفصل 2)

حالة

تعرضت شريفة خذار، رئيسة "جزائرنا"، وهي منظمة غير حكومية تدافع عن حقوق عائلات ضحايا الإرهاب في الجزائر في التماس الحقيقة والعدالة، لسلسلة من المحاولات لإسكاتها وردعها عن عملها من أجل حقوق الإنسان من جانب السلطات الجزائرية. إذ خُفِّض مستوى منصبها كموظفة مدنية ذات منصب كبير في ولاية البليدة في مايو/أيار 2008، وأعيد تعيينها في الوظيفة الإدارية الدائمة التي تشغلها ولكن براتب أقل. ورغم أنها لم تتلق أي إخطار رسمي بالأسباب، إلا أنها أبلغت بصورة غير رسمية من قبل زملاء لها بأن ذلك يعود إلى مشاركتها في حلقة دراسية في الرباط عقدها المركز الدولي للعدالة الانتقالية. وهي المعيل الرئيسي لأسرتها، كما تقدم الدعم لوالدتها ولأخيها المعاق، اللذين يعيشان معها. وهذه ليست هي المرة الأولى التي تعاقَب فيها شريفة خذار بسبب أنشطتها في مضمار حقوق الإنسان، إذ فُصلت من عملها في 2001 إثر أخذها إجازة من العمل للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل المشاركة في برنامج تدريبي نظمته إحدى المنظمات غير الحكومية في الولايات المتحدة. وأعيد تعيينها بناء على استئنافها قرار فصلها أمام المحكمة استناداً إلى اعتبارات إجرائية.

وعلى الرغم من هذه الأمثلة على مضايقة وترهيب الأفراد الذين ينتقدون تدابير العفو التي تبنتها السلطات الجزائرية ابتداء من 1999، ادعت السلطات في ردها رقم 22 على قائمة القضايا التي نظرتها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أثناء المراجعة الخاصة بالجزائر في 2007 بأنه "وحتى تاريخه، لم تلاحَظ أية انتقادات لشبه الإجماع على تبني الميثاق من جانب الشعب الجزائري، كما لم ترد أية أنباء بخصوص فرض قيود على أي شخص يمكن أن يكون قد فعل ذلك".67

وبالإضافة إلى استهداف الأفراد ممن ينشرون الوعي بانتهاكات الماضي المتعلقة بحقوق الإنسان، وصل القمع أيضاً إلى من يرفعون أصواتهم بشأن انتهاكات لحقوق الإنسان الجارية.

فلعدة سنوات، تعرض أمين سيدهم، وهو واحد من قلة من المحامين الجزائريين الذين دأبوا على تبني قضايا حساسة، للمضايقات القضائية. إذ قام أمين سيدهم بدور محامي الدفاع في عدد من القضايا المتصلة بالإرهاب. وقام باستنكار انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الاعتقال المنهجي بمعزل عن العالم لمن يشتبه بأن لهم صلة بالإرهاب في أماكن سرية، والتعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة، وحرمان المشتبه فيهم من ضمانات المحاكمة العادلة، وامتناع السلطات القضائية عن التحقيق في مزاعم التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وقد واجه أمين سيدهم المحاكمة في قضيتين منفصلتين في السنوات الأخيرة. وفي المحاكمة الثانية، وُجد في 13 أبريل/يسان مذنباً بالإساءة إلى سمعة القضاء الجزائري. وصدقت محكمة الاستئناف في الجزائر في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 الحكم الصادر بحقه بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ، وبدفع غرامة بقيمة 20,000دينار جزائري. وتتصل الإدانة بمقال صحفي نشر في 2004 ونُقل عن أمين سيدهم فيه قوله إن الأشهر الثلاثين التي قضاها أحد موكليه في السجن دون محاكمة ترقى إلى مرتبة حكم جائر. ويقول أمين سيدهم إن ما فعله حقيقة هو وصف القضية بأنها قضية "اعتقال تعسفي". وهو الآن في انتظار نتيجة الاستئناف أمام المحكمة العليا.

وفي القضية التي سبقت، اتُّهم مع محامية زميلة له بتمرير أشياء محظورة إلى سجناء. واتهم على وجه التحديد بإعطاء عدة بطاقات مهنية تتضمن تفاصيل الاتصال به إلى موكل له قيد الاعتقال. وبرأت محكمة في الجزائر ساحة المحامييْن في مارس/آذار 2007.

وأثناء إحدى جلسات الاستماع في محاكمة أمين في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، سلط رئيس نقابة محامي الجزائر العاصمة الضوء على أن أمين سيدهم لم يرتكب أية مخالفة مهنية، وأن أية إدانة له لن تحول دون مواصلته ممارسة مهنة المحاماة. بيد أن استقلالية نقابة محامي الجزائر العاصمة نفسها تتعرض للهجمات، على ما يبدو. وفي يناير/كانون الثاني 2009، ألغى مجلس الدولة نتائج انتخابات النقابة التي عقدت في فبراير/شباط 2008. وتزامن هذا القرار مع مناقشة الجمعية العامة لنقابة محامي الجزائر العاصمة مشروع قانون اقترحته السلطات لينظم مهنة المحاماة بدلاً من القانون 91 – 04 لشهر يناير/كانون الثاني 1991، يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.68

ووجه عدد من المحامين، بمن فيهم رئيس نقابة محامي الجزائر العاصمة، انتقادات شديدة للتغييرات المقترحة وأعربوا عن معارضتها محاججين بأن هذه التغييرات تتهدد سلامة المحامين واستقلاليتهم بتعزيزها سلطة إشراف وزارة العدل على النقابة. ورأى عدد من أعضاء نقابة محامي الجزائر العاصمة أن إلغاء نتائج الانتخابات بعد حوالي عام من عقدها هو بمثابة رد من جانب السلطات على موقف رئيس النقابة وبعض أعضائها المناهض للقانون المقترح لمهنة المحاماة. وهناك بواعث قلق من أن المادة 124 من القانون المقترح، التي تدعو إلى الوقف الفوري لممارسة المحامين الذين يواجهون إجراءات قانونية أو يرتكبون أخطاء مهنية جسيمة، لا توفر الضمانات الكافية ضد إساءة استخدام هذا النص. ويُخشى كذلك من أن تستخدم مثل هذه النصوص لمنع محامين مثل أمين سيدهم من ممارسة المهنة عبر توجيه تهم إليهم بدوافع سياسية ، وضمن سياق يمكن أن تتواصل فيه الإجراءات القضائية لسنوات.

وتدور بواعث أخرى تتعلق بالتهديدات لاستقلالية المحامين التي تمثلها أحكام مشروع القانون حول السلطة الممنوحة لوزير العدل بأن يحرك إجراءات تأديبية ضد المحامين أو بأن يستأنف القرارات الصادرة عن المجالس التأديبية لنقابات المحامين. ففي بلدان أخرى تعتمد أنظمة قانونية مماثلة مثل بلجيكا وفرنسا والمغرب/الصحراء الغربية وتونس، تناط مثل هذه الوظائف حصرياً برئيس نقابة المحامين أو بالنائب العام. علماً بأن الأحكام التي تسمح لوزير العدل بتحريك إجراءات تأديبية ضد المحامين موجودة من قبل في القانون 91-04لعام 1991. وتشعر منظمة العفو بالأسف من أن التعديلات المتصورة للقانون لم تستخدم كفرصة لتعزيز الضمانات من أجل كفالة أن يتمكن المحامون من أداء جميع وظائفهم المهنية دونما ترهيب أو عرقلة أو مضايقة أو تدخل غير لائق وفق ما تقتضيه مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين.

واستهدفت السلطات كذلك حتى المدافعين عن حقوق الإنسان الموجودين خارج الجزائر الذين يسعون إلى التوعية بانتهاكات الماضي والحاضر التي ارتكبتها وترتكبها السلطات الجزائرية. وتساور منظمة العفو الدولية شكوك بأن السلطات الجزائرية تواصل تقويض عمل ومصداقية المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان رشيد مسلي بسبب أنشطته في الكشف عن الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات الجزائرية إبان النـزاع الداخلي في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وما زال يرتكب من انتهاكات في المرحلة الراهنة في سياق تدابير مكافحة الإرهاب. ففي يناير/كانون الثاني 2009، طلبت السلطات الجزائرية اتخاذ إجراءات ضد اللجنة العربية لحقوق الإنسان، التي كانت تتمتع بصفة استشارية لدى الأمم المتحدة، وأدانت واقعة أن فرداً صدرت بحقه مذكرة توقيف قد قام بمخاطبة الدورة الثامنة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، بالنيابة عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان، في 10 يونيو/حزيران 2008، في إشارة واضحة إلى رشيد مسلي.69

وفي 2002، صدرت مذكرة توقيف دولية ضد رشيد مسلي بطلب من السلطات الجزائرية لضلوعه المزعوم مع جماعات إرهابية في الخارج. وزعمت مذكرة التوقيف أن رشيد مسلي قد ارتكب جرائم عُزيت إليه في يونيو/ حزيران 1999 في مدينة دليس شمال شرقي الجزائر في ولاية بومرداس، بينما كان في حقيقة الأمر في السجن حتى يوليو/تموز 1999. وفي 2002، حُكم عليه غيابياً بالسجن 20 عاماً بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي وقت لاحق، في ديسمبر/كانون الأول 2008، حكمت عليه المحكمة الجنائية في الجزائر العاصمة بالسجن مجدداً 20 عاماً وبغرامة قيمتها مليون دينار بتهماي "الانتماء إلى جماعة إرهابية مسلحة ... و الانخراط فى منظمة إرهابية فى الخارج تستهدف الإضرار بمصالح الجزائر".

وكان السلطات الجزائرية قد لاحقت رشيد مسلي لأكثر من عقد من الزمن. وفي حقيقة الأمر، قضى رشيد مسلي مدة حكم بالسجن ثلاث سنوات ما بين 1996 و1999 بتهم تتصل بالإرهاب. واعتبرته منظمة العفو الدولية سجين رأي معتقل لسبب وحيد هو عمله كمدافع عن حقوق الإنسان، ولما قام به من أنشطة بصفته المهنية كمحام. إذ قام في ذروة النـزاع الداخلي بتمثيل أفراد مطلوبين للسلطات بالعلاقة مع تهم تتعلق بالإرهاب، كما تعاون مع منظمات دولية لحقوق الإنسان بتقديم المعلومات إليها حول انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في الجزائر. ورشيد مسلي موظف حالياً في الكرامة، وهي منظمة قدَّمت ما يربو على 1,000حالة "اختفاء" قسري في الجزائر إلى لمجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري أو غر الطوعي وغيرها من آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

بالإضافة إلى معاقبة المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من الأشخاص الذين يكشفون النقاب عن انتهاكات الماضي و الحاضر لحقوق الإنسان التي ارتكبتها السلطات الجزائرية، تواصل الجزائر مقاومة التفحص الدولي لسجلها في مضمار حقوق الإنسان. فقد امتنعت عن توجيه الدعوات إلى مجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري أو غير الطوعي و إلى المقرر الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينةوإلى المقرر الخاص المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي أو بإجراءات موجزة ، والمقرر الخاص المقرر الخاص المعني بالإرهاب وحقوق الإنسان ، رغم طلبات الزيارة التي وصلتها. كما تم تأجيل الزيارة التي كان من المفترض أن يقوم بها مقرر الخاص المعني بتعزيز الحق فى حرية الرأى و التعبير وحمايته في ديسمبر/كانون الأول 2005، ولم يحدد موعد جديد لها.

وتأمل منظمة العفو الدولية في أن تقوم السلطات الجزائرية، بزعامة الرئيس المنتخب للجزائر، بالتصدي على نحو شفاف وجدي لأوجه قصور سجل الجزائر في مجال حماية حقوق الإنسان، بنية تحسين الأوضاع، عوضاً عن مقاومة جهود التفحص الدقيق لسجلها في مجال حقوق الإنسان ومعاقبة من يثيرون بواعث القلق المتعلقة بانتهاكات الماضي والحاضر. وينبغي على السلطات الجزائرية، على وجه الخصوص، اتخاذ تدابير ملموسة لكفالة أن يقوم المدافعون عن حقوق الإنسان والآخرون بعملهم المتعلق بحقوق الإنسان، وبالتعبير عن وجهات نظرهم وآرائهم بشأن قضايا حقوق الإنسان، دونما خشية من مواجهة الترهيب والمضايقات أو الاضطهاد.



6. خاتمة وتوصيات

" وتقتضي الفقرة 3 من المادة 2 ] من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية و المدنية[ أن تقوم الدول الأطراف بتوفير سبل الجبر للأفراد الذين انتُهكت حقوقهم المشمولة بالعهد. .. تعتبر اللجنة أن العهد يتطلب عموماً دفع تعويض مناسب. وتلاحظ اللجنة أن الجبر يمكن أن يشمل، حيثما كان ذلك مناسباً، الردّ، وإعادة الاعتبار، وأشكال الترضية، مثل الاعتذارات العلنية، والاحتفالات التذكارية العلنية، وضمانات عدم التكرار، وإدخال تغييرات على القوانين والممارسات ذات الصلة، فضلاً عن إحالة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان إلى القضاء. “

التعليق العام رقم 31 )16): طبيعة الواجب القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، الذي جرى تبنيه في 29 مارس/آذار 2004 في اجتماعها رقم 2187.

إن من الجوهري للجزائر أن تتخذ السلطات الجزائرية تدابير ملموسة لوضع حد لإفلات مرتكبي انتهاكات الماضي والحاضر لحقوق الإنسان من العقاب، وتوفير العدالة والإنصاف للضحايا وعائلاتهم، وضمان عدم التساهل مع الانتهاكات الجسيمة أو مع تكرارها. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن السلم والمصالحة الوطنية الحقيقيين يعتمدان على اتخاذ السلطات الجزائرية التدابير الفعالة لمكافحة الإفلات من العقاب وإجراء إصلاحات لضمان عدم تكرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، ووضع هذه الإصلاحات موضع التنفيذ. وبينما تقدِّر منظمة العفو الدولية أن مثل هذه التدابير تتطلب التزاماً طويلاً الأجل وزمناً كافياً لكي تُنفَّذ بالكامل؛ تأسف المنظمة بأن السلطات الجزائرية تعزز مناخ الإفلات من العقاب وتتقاعس عن الحيلولة دون استمرار الانتهاكات الحالية لحقوق الإنسان، عوضاً عن التصدي لإرث انتهاكات الماضي، ما يضع موضع الشك وجود الإرادة السياسية اللازمة لديها من أجل تجاوز العواقب التي ترتبت على نزاع خلَّف بصماته على كل فرد في المجتمع الجزائري.

ويظل استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في مجال إقامة العدل أحد العقبات الرئيسية أمام وضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان في الجزائر، وكفالة عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وكما جرى التأكيد في مختلف أجزاء هذا التقرير، فإن غياب الآلية الفعالة للإشراف على قوات الآمن، مضافاً إليها بواعث القلق بشأن استقلالية القضاء، يخلق وضعاً يجد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أنفسهم فيه مجردين من حماية القانون.

أما في القضايا المتعلقة بالإرهاب، فيتم انتهاك حق المعتقلين في محاكمة عادلة بصورة روتينية. فكثيراً ما يُجلب المعتقلون أمام قضاة التحقيق لدى انتهاء فترة التوقيف للنظر دون وجود محام. وتتواتر التقارير عن أن قضاة التحقيق ووكلاء الجمهورية كثيراً ما لا يبلغون المعتقلين بحقوقهم أو يباشرون بتحقيقات في مزاعم المعتقلين بأنهم قد تعرضوا للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة السيئة. كما تواصل المحاكم الجزائرية استخدام تقارير الاستجواب التي تقدمها لها دائرة الاستعلام والأمن كأدلة في إجراءات المحاكمات.

وبالإضافة إلى هذه الانتهاكات للحق في محاكمة عادلة، لا يُباشر في العادة، وبحسب ما لدى منظمة العفو من معلومات، في إجراء تحقيقات قضائية وافية وغير متحيزة ومستقلة في مزاعم المعتقلين ممن يشتبه بضلوعهم في أعمال تتصل بالإرهاب بأنهم مستثنون من الحماية التي توفرها الضمانات القانونية النافذة، التي تخرقها دائرة الاستعلام والأمن بصورة روتينية؛ بينما لا تُبذل أية جهود، على ما يبدو، لمنع تكرار وقوع مثل هذه المخالفات.

كما لم يعرف عن السلطات القضائية بأنها قد اتخذت خطوات حاسمة حيال شكاوى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم في مواجهة تصرفات قوات الأمن إبان سنوات النـزاع الداخلي. فقد اكتفت المحاكم إما بعدم الرد على هذه الشكاوى، أو بالتقاعس عن تحقيق أي تقدم للوصول بالتحقيقات إلى نهاياتها، أو بإغلاق ملفات التحقيق بذريعة عدم توافر المعلومات أو الأدلة. ومع أمر رقم 06-01 لسنة 2006، لم يعد يُسمح للسلطات القضائية حتى بنظر الشكاوى المقدمة ضد تصرفات قوات الأمن إبان سني النـزاع الداخلي أو بفتح التحقيقات.

إن وجود قضاء مستقل أمر حيوي لضمان حماية حقوق الإنسان وحكم القانون، بما في ذلك عن طريق إجراء تحقيقات في الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان على أيدي ممثلي الدولة. بيد أن البنية الراهنة للقضاء، بما في ذلك انعدام الأمن الوظيفي لدى القضاة واعتمادهم في الترقيات على السلطة التنفيذية، تكشف النظام القضائي لتدخلات الحكومة.70

وبالاتساق مع التوصيات التي أعلنتها آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في السنوات الأخيرة، فإن منظمة العفو الدولية تطرح هنا سلسلة من التوصيات لكفالة عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ووضع حد للإفلات من العقاب، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان. وتعتقد المنظمة بصورة جازمة بأن نجاح هذه الإصلاحات يعتمد على وجود سلطة قضائية مستقلة قادرة على توفير الإنصاف الفعال لضحايا الانتهاكات. ومن أجل ذلك، تقدم منظمة العفو الدولية التوصيات التالية إلى السلطات بأمل أن يأخذها الرئيس المنتخب في أبريل/نيسان 2009 في الحسبان وهو يصوغ السياسات والتوجهات الجديدة لبرنامج الحكومة:

التدابير العفو

  • إلغاء المادتين 44 و45 من أمر رقم 06-01 لسنة 2006، اللتين توفران الحصانة لقوات الأمن ومن يعملون بالارتباط معها من المحاسبة على ما ارتكبته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان؛ وكذلك الأحكام الأخرى من امر رقم 06-01 لسنة 2006 التي توفر الحصانة من المقاضاة لأعضاء الجماعات المسلحة التي ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كأعمال القتل والتعذيب وسوء المعاملة الفردية؛

  • نشر معلومات تفصيلية على الملأ بشأن عدد وأسماء أفراد الجماعات المسلحة ممن استفادوا من العفو، أو من إلغاء الأحكام الصادرة بحقهم أو من تخفيضها، بمقتضى تدابير العفو المختلفة التي جرى تبنيها منذ عام 1999، وكذلك بشأن الجرائم التي اتهموا بها والظروف التي طبقت تدابير العفو عليهم خلالها؛

  • ضمان عدم منح أي عفو أو شكل من أشكال الحصانة من المقاضاة لأي شخص، سواء أكان من منتسبي قوات الأمن أو من أفراد الميليشيات التي سلحتها الدولة، أو من أعضاء الجماعات المسلحة، من الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، ومباشرة تحقيق واف وغير متحيز ومستقل في جميع مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان قبل اتخاذ أي قرار بالعفو أو بإغلاق الملف القضائي.

أعمال القتل غير القانوني

  • التحقيق على وجه السرعة في جميع مزاعم القتل غير القانوني حتى في حال عدم تقدم أحد بشكوى رسمية؛ ونشر المعطيات التي تتوصل إليها التحقيقات على الملأ؛ وضمان تقديم الجناة إلى العدالة، سواء أكانوا أعضاء في الجماعات المسلحة أم من منتسبي قوات الأمن أو من أفراد الميليشيات التي سلحتها الدولة، وعلى نحو يتماشى مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وتوفير الإنصاف الكامل والفعال للضحايا؛

  • كفالة عدم تدمير أية أدلة على أعمال القتل غير القانوني أو العبث بها، واتباع الأساليب التي اعتمدتها الأمم المتحدة في البروتوكول النموذجي لاخراج بواقي الهيكل العظمي وتحليلها ، وكذلك في مبادئ الأمم المتحدة بشأن المنع و التقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة في إجراء التحقيقات في أعمال القتل غير المشروعة. وعلى وجه الخصوص، ينبغي في التحقيقات التي تجرى بشأن مواقع القبور الجماعية ضمان استخراج الرفات من قبل مهنيين من الخبراء الشرعيين في علم الأنتروبولوجيا الجنائية، والاحتفاظ بعينات من الرفات عندما لا يتم التعرف على صاحبها بصورة سريعة في أماكن حفظ خاصة لإجراء مزيد من التحاليل عليها، بما في ذلك فحوصات الحمض النووي؛

  • ضمان تصرف قوات الأمن وغيرها من الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون وفقاً لمقتضيات مدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين، وذلك عن طريق إصدار تعليمات واضحة إليهم بعدم جواز استخدام القوة إلا عندما يكون ذلك ضرورياً على نحو معقول وطبقاً لمبدأ التناسب، وبعدم جواز استخدام القوة المميتة إلا حيث يكون من غير الممكن للوسائل الأخرى ضمان حماية أرواحهم أو أرواح الآخرين.

الاختفاء القسري

  • إجراء تحقيقات غير متحيزة ومستقلة على وجه السرعة في جميع حالات الاختفاء القسري، حتى في حال عدم تقدم أحد بشكوى رسمية. ويمكن أن تجري هذه التحقيقات قضاء مستقل أو من خلال إنشاء آلية مناسبة تملك صلاحية استدعاء أعضاء قوات الأمن وغيرهم من الموظفين الرسميين، بغض النظر عن رتبهم أو مناصبهم، وصلاحية تحديد مسؤولية جناة الأفراد والهيئات الرسمية، على السواء، عن الانتهاك. وضمان التشاور على نطاق واسع بشأن إنشاء مثل هذه الآلية الخاصة مع جميع المعنيين، بمن فيهم عائلات المختفين والمنظمات التي تمثلها؛

  • إعلان نتائج التحقيقات في حالات الاختفاء القسري على الملأ؛ وتحديد الجناة ومقاضاتهم ومعاقبتهم ضمن محاكمات تلبي متطلبات المعايير الدولية؛ وتقديم جبر الضرر الشامل والفعال لعائلات المختفين.

  • نشر أسماء الأشخاص المسجلين كمفقودين منذ 1990 وتقرير الآلية الخاصة التي شُكلت في 2003 تحت إشراف اللجنة الوطنية الاستشارية لترقية حقوق الإنسان وحمايتها؛

  • إلغاء المواد التي يتضمنها المرسوم 06-01 لسنة 2006 والمرسوم 06-93 لسنة 2006 والتي تجبر العائلات على الحصول على شهادات وفاة لتلقي التعويضات المالية؛ وضمان عدم فرض قيود زمنية على العائلات التي ترغب في المطالبة بالتعويض المالي بمقتضى المراسيم؛ وكفالة تقديم التعويض المالي إلى جميع الضحايا، بمن فيهم من يفترض أنهم مستقلون مالياً؛ وضمان أن يعكس أي تعويض مالي أو غيره من أشكال جبر الضرر على نحو كاف جسامة الانتهاك وحجم المعاناة.

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة

  • إجراء تحقيقات سريعة وغير متحيزة ومستقلة في جميع مزاعم التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، حتى في حال عدم تقدم أحد بشكوى رسمية، وتقديم المسؤولين عنها إلى ساحة العدالة ضمن إجراءات تلبي مقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة؛

  • تعديل التشريعات التي تجرِّم التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة لمواءمتها مع المعايير الدولية كما وردت في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛

  • إلغاء أو تعديل الأحكام القانونية المتعلقة بجرائم الإرهاب التي تنتهك القانون الدولي، بما في ذلك مراعاة مبدأ القانونية في استخدامها تعاريف فضفاضة وغامضة للإرهاب؛

  • تعديل قانون الإجراءات الجزائية لضمان تماشي مواده مع القوانين والمعايير الدولية بشأن تطبيق العدالة وحماية المعتقلين، ولا سيما فيما يتعلق باتصال المعتقلين بالمحامين وبعائلاتهم وبإجرائهم فحوصات طبية مستقلة، والتأكد من احترام، في الممارسة، الضمانات القانونية الموجودة حالياً، بما فيها تلك التي تنص عليها المادة 51 مكرر 1 ضد التعذيب وسوء المعاملة ومن عدم اعتقال أي شخص بمعزل عن العالم الخارجي؛

  • إقرار تشريع يجرِّم الاعتداد بأية أقوال يثبت أنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب أو سوء المعاملة كأدلة في أية إجراءات إلا ضد شخص متهم بممارسة التعذيب أو سوء المعاملة ؛

  • وضع تدابير فعالة لإنهاء الاعتقال السري وغير المعلن في الثكنات العسكرية وغيرها من مراكز الاعتقال الخاضعة لسلطة دائرة الاستعلام والأمن، حيث يتعرض المعتقلون للتعذيب أو لغيره من ضروب سوء المعاملة، وحيث يمكن لظروف الاعتقال نفسها أن تمثل شكلاً من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة؛

  • اتخاذ خطوات فورية لضمان توقف أفراد دائرة الاستعلام والأمن، الذين ينتهكون الضمانات بصورة روتينية، عن القيام بعمليات توقيف واعتقال وعدم تمكنهم من ممارسة مهام الشرطة القضائية.

  • إخضاع جميع مراكز الاعتقال لإشراف السلطات المدنية وإنشاء سجل وطني لمراكز الاعتقال وللأشخاص المعتقلين يمكن للجميع الاطلاع عليه، ولا سيما من قبل عائلات المعتقلين ومحامييهم، ويحدد السلطة المسؤولة عن الاعتقال؛

  • إنشاء نظام لزيارات التفتيش المنتظمة وغير المعلنة من قبل هيئات وطنية مستقلة لجميع أماكن الاعتقال، بما فيها تلك المستخدمة للتوقيف للنظر، حتى يكون بالإمكان مراقبة المعاملة التي يتلقاها المعتقلون وظروف اعتقالهم؛

  • ضمان أن يكون جميع الضباط الذين يحققون في الجرائم المتعلقة بالإرهاب، بمن فيهم موظفو دائرة الاستعلام والأمن، قد تلقوا التدريب المناسب، وأن يتقيدوا بالكامل بالضمانات التي يكفلها القانون الجزائري والقانون الدولي لحماية المعتقلين من الاعتقال التعسفي، ولا سيما واجب إبلاغ المعتقلين بحقوقهم أثناء الاعتقال، وإخطار المدعين العامين بما وقع من اعتقالات وبأسباب هذه الاعتقالات بلا إبطاء.

الاغتصاب والعنف ضد المرأة

  • إنشاء لجنة مستقلة وغير متحيزة، كما أوصت المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، أسبابه و وعواقبه ، للتحقيق في جرائم العنف الجنسي إبان النـزاع الداخلي، ونشر نتائج التحقيق على الملأ، وتقديم التعويض الكافي وتوفير التأهيل الطبي والنفسي والاجتماعي للناجيات.

  • ضمان انتفاع ضحايا الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي من الخطط القائمة التي أقرتها السلطات "لضحايا الإرهاب"، من قبيل المرسوم التنفيذي رقم99-47 المؤرخ في 13 فبراير/شباط 1999، وكفالة انتفاع ضحايا الاغتصاب من قبل الجماعات المسلحة من إعادة التأهيل على نحو كاف؛

  • ضمان عدم شمول أي أشخاص يشتبه بارتكابهم الاغتصاب وغيره من صنوف العنف الجنسي بأي شكل من أشكال الصفح أو العفو أو بقرارات لتخفيف الأحكام قبل إجراء تحقيقات وافية وغير متحيزة ومستقلة، وقبل أن يقدَّم هؤلاء إلى ساحة العدالة طبقاً لمعايير المحاكمة العادلة؛

  • إقرار تشريع يجرِّم العنف في محيط الأسرة، وتعديل التشريع الخاص بالعنف الجنسي ضد المرأة ليتواءم مع القوانين والمعايير الدوليين.

حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع

  • إلغاء المادة 46 من القانون رقم 06 – 01 لسنة 2006، الذي يقيِّد حرية التعبير ويتهدد الأفراد الذين ينتقدون قوات الأمن بالسجن؛

  • مواءمة أحكام قانون العقوبات وقانون الصحافة مع المعايير الدولية لحرية التعبير حسبما تنص عليها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه الجزائر كدولة طرف، ولا سيما عن طريق ضمان عدم تجريم الأنشطة التي ترقى إلى مستوى الممارسة السلمية لحرية التعبير؛

  • ضمان تمكين المدافعين عن حقوق الإنسان وعائلات الضحايا وغيرهم من القيام بعملهم في مضمار حقوق الإنسان ومن الإعراب عن وجهات نظرهم وآرائهم بشأن قضايا حقوق الإنسان دون خشية من الترهيب والمضايقة أو الاضطهاد، وذلك عن طريق احترام إعلان الأمم المتحدة الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز و حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً ؛

  • ضمان احترام حرية تكوين الجمعيات والانضمام إليها وحرية التجمع في الممارسة، حسبما شرعتهما المادتان 21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وعدم فرض أي قيود على ممارسة هذه الحقوق سوى تلك التي ينص عليها القانون وتشكل أمراً ضرورياً لمجتمع ديمقراطي.

التعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان لوضع حد للإفلات من العقاب

  • التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وضمان تجريم الإخفاء القسري في التشريع الوطني طبقاً لأحكام الاتفاقية.

  • التصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية؛ وعلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، والبروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛ وسحب التحفظات التي أعلنتها الجزائر على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة؛

  • تقديم دعوات إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة؛ والمقرر الخاص المعني بتعزيز الحق في حرية الرأي و التعبير وحمايته ؛ ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛ ومجموعة العمل المعنية بالاختفاء القسري و غير الطوعي ، وتيسير زياراتهم للبلاد.

استقلال القضاة والمحامين

  • تعزيز استقلال القضاة عن طريق مواءمة التشريع والممارسة الحاليين مع القانون والمعايير الدوليين، بما في ذلك مع مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، ولا سيما عن طريق تقليص دور وتدخل السلطة التنفيذية في شروط الخدمة الخاصة بالجسم القضائي.

  • ضمان اتساق مشروع القانون المقترح بشأن مهنة المحاماة مع المعايير الدولية المتعلقة باستقلال المحامين، بما في ذلك مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، وتضمين أحكام مشروع القانون ضمانات كافية للتأكد من أنها لا تقوض الحق في محاكمة عادلة جراء إضعاف استقلالية المحامين.

وبالإضافة إلى هذه التوصيات إلى السلطات الجزائرية، فإن منظمة العفو الدولية تحث الجماعات المسلحة التي ما زالت تنشط في الجزائر على:

  • الوقف الفوري للهجمات العشوائية أو الموجهة ضد المدنيين، واحترام أكثر حقوق الإنسان أساسية، ألا وهو الحق في الحياة.

هوامش

الملحق I

النسخة الأصلية لشهادة الوفاة

الملحق II

النسخة الأصلية للتقرير الخاص بالشخص المفقود







1 لمزيد من المعلومات بشأن قوانين العفو، أنظر:
منظمة العفو الدولية، الجزائر: الدورة الثامنة لمجلس حقوق الإنسان، 20-2 يونيو/حزيران 2008: مراجعة أوضاع الجزائر بموجب آلية المراجعة الدورية العالمية: تأملات منظمة العفو الدولية بشأن النتائج (رقم الوثيقة: MDE 28/005/2008)، بتاريخ 18 يوليو/تموز 2008: على الموقع: http://www.amnesty.org/en/library/info/IOR41/034/2008/en
[آخر زيارة للموقع في 24 مارس/آذار 2009]؛

منظمة العفو الدولية، الجزائر: تقرير مقدم إلى آلية المراجعة الدورية العالمية: الدورة الأولى لمجموعة العمل الخاصة بالمراجعة الدورية العالمية، 11-7 أبريل/نيسان 2008 (رقم الوثيقة: MDE 28/021/2007)، بتاريخ 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، على الموقع: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/021/2007/en
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009]؛

منظمة العفو الدولية، الجزائر: خطوات نحو التغيير أم وعود جوفاء؟ (رقم الوثيقة: MDE 28/005/2003)، بتاريخ 15 سبتمبر/أيلول 2003، أنظر الموقع: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/005/2003
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009]؛

منظمة العفو الدولية، الجزائر: الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة (رقم الوثيقة: MDE 28/011/2000)، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2000. أنظر الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/011/2000 [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

2 أنظر:
منظمة العفو الدولية: الجزائر: منظمة العفو تدين التفجيرات في يسر و البويرة، (رقم الوثيقة: MDE 28/006/2008)، بتاريخ 20 أغسطس/آب 2008، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/006/2008/en
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

منظمة العفو الدولية، الجزائر: منظمة العفو الدولية تدين موجة التفجيرات الجديدة المروعة التي وقعت في الجزائر العاصمة (رقم الوثيقة: MDE 28/022/2007)، 11 ديسمبر/كانون الأول 2007، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/022/2007
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

منظمة العفو الدولية، تفجيرات الجزائر العاصمة تودي بحياة ما لا يقل عن 52 شخصاً، 11 ديسمبر/كانون الأول 2007، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/news-and-updates/news/algiers-bomb-attacks-kill-least-52-20071211
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

منظمة العفو الدولية، الجزائر: منظمة العفو الدولية تدين الهجوم الانتحاري في باتنة (رقم الوثيقة: MDE 28/016/2007)، بتاريخ 7 سبتمبر/أيلول 2007، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/016/2007/en
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

منظمة العفو الدولية، الجزائر: منظمة العفو الدولية تدين تفجيرات الجزائر العاصمة (رقم الوثيقة: MDE 28/009/2007) بتاريخ 11 أبريل/نيسان 2007، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/009/2007
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

3 وثيقة الأمم المتحدة رقم: UNDOC CAT/C/DZA/Q/3/Add.1، بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2008.

4 لمزيد من المعلومات، أنظر: منظمة العفو الدولية، سلطات بلا حدود: التعذيب على يد الأمن العسكري في الجزائر (رقم الوثيقة: MDE 28/004/2006) بتاريخ 9 يوليو/تموز 2006، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/004/2006
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

5 وثيقة الأمم المتحدة رقم: UN Doc.: CAT/C/DZA/Q/3/ADD.1، بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2008.

6 تعرب منظمة العفو الدولية عن امتنانها لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وعائلاتهم ومحامييهم ومنظمات حقوق الإنسان الجزائرية على كل ما قدموه لها من مساعدة. إننا ممتنون لهم على الوقت الذي بذلوه والخبرات التي أسهموا بها والاستعداد لتبادل الخبرات أو بواعث القلق مع منظمتنا.

7 أنظر:
منظمة العفو الدولية، سلطات بلا حدود:التعذيب على يد الأمن العسكري في الجزائر ؛
منظمة العفو الدولية، الجزائر: خطوات نحو التغيير، أم وعود جوفاء؟
منظمة العفو الدولية، الجزائر: الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة.

8 أنظر:
منظمة العفو الدولية، الجزائر: تقرير موجز إلى لجنة مناهضة التعذيب (رقم الوثيقة: MDE 28/001/2008) بتاريخ 17 أبريل/نيسان 2008، على الموقع: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/001/2008/en
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

منظمة العفو الدولية: الجزائر: تقرير مقدم إلى آلية المراجعة الدورية العالمية: الدورة الأولى لمجموعة العمل التابعة للمراجعة الدورية العالمية، 11-7 أبريل/نيسان 2008؛

منظمة العفو الدولية، الجزائر: مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان (رقم الوثيقة: MDE 28/017/2007) بتاريخ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2007، على الموقع: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/017/2007/en
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

9 ترجمة رسمية، أنظر:
http://www.elmouradia.dz/francais/president/recherche/Presidentrech.htm
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

10 انتُخب في أبريل/نيسان 1999.

11 السؤال الذي طرح في الاستفتاء والذي يمكن للناخبين أن يجيبوا عليه بنعم أو لا كان: "هل أنتم مع مسعى رئيس الجمهورية المتعلق باسترجاع السلم والوئام المدني؟"

12 للاطلاع على تفاصيل إضافية بشأن قانون الوئام المدني، أنظر:
منظمة العفو الدولية، الجزائر: : مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان؛
منظمة العفو الدولية، الجزائر: الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة.

13 السؤال الذي طُرح في الاستفتاء والذي أجاب عنه الناخبون بنعم أو لا: "هل أنتم موافقون على مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية المطروح عليكم؟"

14 بحسب المادة 124 من الدستور الجزائري، يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحية التشريع من خلال إصدار أوامر رئاسية عندما لا يكون البرلمان منعقداً.

15 منظمة العفو الدولية، الجزائر: مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، ص 9.

16 أنظر:
منظمة العفو الدولية، الجزائر: مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، ص 8.
منظمة العفو الدولية، "الجزائر"، تقرير منظمة العفو الدولية، 2007، بتاريخ 23 مايو/أيار 2007، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/region/algeria/report-2007
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2007]

17 أحد الأشخاص "المتوارين عن الأنظار" في هذه الحالة هو رشيد مصلي (أنظر الفصل 5)، الذي أُدين غيابياً في ديسمبر/كانون الأول 2008. ولم يشر القرار في هذه القضية، والذي يتعلق باثني عشر شخصاً، إلا إلى شخصين هما رشيد مسلي وكمال بودهري "المتواري عن الأنظار" أيضاً. وقد أصدرت المحكمة الجنائية التابعة للمجلس القضائي في الجزائر هذا القرار تحت عنوان "حكم جنائي على الغائبين". ولم يشمل قرار الحكم حسن حطاب، "أمير" الجماعة المزعوم، "المتواري عن الأنظار".

18 وثيقة الأمم المتحدة رقم: UN Doc.: CCPR/C/DZA/Q/3/Add.1، بتاريخ 4 أكتوبر/تشرين الأول 2007.

19 وثيقة الأمم المتحدة رقم: UN Doc.: CCPR/C/DZA/CO/3، بتاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2009.

20 الجريدة الرسمية لجمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية، 28 فبراير/شباط 2008، أنظر:
http://www.joradp.dz/JO2000/2006/011/A_Pag.htm [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

21 وثيقة الأمم المتحدة: UN Doc.: A/RES/60/147، المرفق، بتاريخ 21 مارس/آذار 2007.

22 وثيقة الأمم المتحدة: UN Doc.: CCPR/C/DZA/CO/3، الفقرة 7، بتاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2007.

23 وثيقة الأمم المتحدة: UN Doc.: CAT/C/DZA/CO/3 الفقرة 11، بتاريخ 26 مايو/أيار 2008.

24 الجريدة الرسمية لجمهورية الجزائر الديمقراطية الشعبية، 28 فبراير/شباط 2006.

25 وثيقة الأمم المتحدة: UN Doc.: CCPR/C/DZA/CO/3، الفقرة 8، بتاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2007.

26 العنف على أساس النوع الجنسي، من قبيل الاغتصاب، الذي يتناوله الفصل 4.

27 أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر: السكان المدنيون يتساقطون في هوة أعمال العنف المتصاعدة، ص 15 (رقم الوثيقة: MDE 28/023/1997)، بتاريخ 18 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/023/1997/en [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

28 أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر: السكان المدنيون يتساقطون في هوة أعمال العنف المتصاعدة.

29 أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر: السكان المدنيون يتساقطون في هوة أعمال العنف المتصاعدة.

30 أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر: الخوف والصمت: الأزمة المستترة لحقوق الإنسان، ص 9 (رقم الوثيقة: MDE 28/011/1996) بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 1996، على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/011/1996 [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

31 منظمة العفو الدولية، الجزائر: الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة، ص. 20-15

32 سيتم توزيع المساعدات المالية على الأقرباء اللصيقين.

33 أنظر المرفق 1 للاطلاع على مثال على وثيقة صادرة عن الشرطة القضائية تشهد بأن الشخص قد توفي في "صفوف الجماعات الإرهابية".

34 C. Salah, “Réconciliation nationale: 9,5 milliards de dinars d'indemnisations”, Le Quotidien d'Oran
26 فبراير/شباط 2009.

35 C. Salah, “17.000 demandes d'indemnisation”, Le Quotidien d'Oran، بتاريخ 28 يوليو/تموز 2007.

36 كانت هذه الخطة مكمِّلة لخطة عائلات ضحايا الاختفاء القسري كما وردت في الفصل 4.

37 المبادئ الأساسية للأمم المتحدة للعدالة من أجل ضحايا الجريمة وإساءة استخدام السلطة، كما حددها قرار الجمعية العامة رقم 40/34.

38 أنظر: المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان: ورقة الحقائق رقم 32، حقوق الإنسان والإرهاب ومكافحة الإرهاب، يوليو/تموز 2008، على الموقع:
http://www.ohchr.org/Documents/Publications/Factsheet32EN.pdf،[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

39 قبل اعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، استخدمت منظمة العفو الدولية مصطلح "اختفاء" للإشارة إلى الحالات التي اقتيد فيها أشخاص إلى الحجز على أيدي عملاء الدولة وأُخفيت فيها أماكن وجودهم ومصائرهم وأُنكر احتجازهم وقُطعوا عن العالم الخارجي ووضعوا خارج نطاق حماية القانون. واستخدمت المنظمة إشارات الاقتباس ("...") للتأكيد على أنها لم تقبل التفسير الرسمي بأن الشخص قد تبخَّر بكل بساطة، وإنما تم إخفاء مكان وجوده ومصيره عن العالم الخارجي، وأن شخصاً ما مسؤول عن ذلك. وتماشياً مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، تستخدم منظمة العفو الدولية اليوم المصطلح والتعريف الأوسع الوارد في الاتفاقية، ولم تعد تستخدم إشارات الاقتباس. بيد أنه ينبغي الإشارة إلى أن الحالات في هذا التقرير، الذي يعود تاريخه إلى عام 1992، كانت تُستخدم من قبل منظمة العفو الدولية في ذلك الوقت على أنها "اختفاء" وينطبق عليها التعريف الأضيق نطاقاً لـ"الاختفاء".

40 Le Collectif des Familles de Disparu(e)s en Algérie (CFDA), Rapport Alternatif du CFDA au Comité des droits de l'Homme, July 2007, p17:
http://www.algerie-disparus.org/cfda/index.php?option=com_docman&task=doc_download&gid=16&Itemid=198
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].
Algeria Watch: Informations sur la situation des Droits Humains en Algerie, Les disparitions forcées en Algérie : un crime qui perdure,
http://www.algeria-watch.org/fr/mrv/mrvdisp/cas_disparitions/disparitions_introduction.htm
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

41 دائرة الاستعلام والأمن، المعروفة أيضاً باسم الأمن العسكري، فرع لجهاز المخابرات الجزائرية التي تتولى احتجاز واستجواب الأشخاص الذين يُشتبه في صلتهم بالإرهاب. لمزيد من التفاصيل، أنظر تقرير منظمة العفو الدولية: سلطات بلا حدود:التعذيب على يد الأمن العسكري في الجزائر، والفصل 5 أدناه.

42 اسم مستعار استُخدم بناءً على طلب عائلة ضحية الاختفاء القسري.

43 منظمة العفو الدولية، الجزائر: الإفلات من العقاب جدارٌ يحجب الحقيقة والعدالة، ص. 23.

44 منظمة العفو الدولية، مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، ص 15.

45 أنظر الملحق 2 كمثال على وثيقة صادرة عن الشرطة القضائية تؤكد أن شخصاً ما مفقود.

46

47 CFDA, Rapport alternatif du CFDA - La torture en Algérie: persistance et impunité, April 2008: http://www.algerie-disparus.org/cfda/index.php?option=com_docman&task=doc_download&gid=5&Itemid=198
[آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

48 اسم مستعار استخدم بناء على طلب عائلة صحية الاختفاء القسري.

49 A. Aït Hamlat, “17.000 terroristes abattus”, L'Expression، 6 مايو/أيار 2008

50 K. Kebir, “Disparus: 97% des familles ont accepté l’indemnisation”, Liberté، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2008

51 "جزائرنا" و "صمود" هما جمعيتان جزائريتان معنيتان بعائلات ضحايا الإرهاب. أنظر الفصل 6

52 وثيقة الأمم المتحدة: UN Doc.: CCPR/C/DZA/Q/3/Add.1، الرد 12، بتاريخ 4 أكتوبر/تشرين ألول 2007.

53 UN Doc. CAT/C/DZA/Q/3/ADD.1 ، الفقرة48، 17 أبريل/نيسان 2008.

54 التوقيف للنظر، مفهوم موجود في الأنظمة القانونية التي تأسست بحسب نظام القانون المدني الفرنسي، وهي فترة يحتجز أثناءها الشخص لدى الشرطة للاستجواب قبل أن يوجه إليه الاتهام.

55 أنظر: الجزائر: منظمة العفو الدولية تدين التفجيرات الجديدة في الجزائر العاصمة.
أنظر:
UN Doc. CAT/C/DZA/Q/3/ADD.1، 17 أبريل/نيسان 2008
UN Doc. CCPR/C/DZA/Q/3/ADD.1، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2007، الرد 14.

56 أنظر: الجزائر: منظمة العفو الدولية تدين موجة التفجيرات الجديدة المروعة التي وقعت في الجزائر العاصمة.

57 يُذكر أن فتوش الطاهر ياسين اعتقل على أيدي ضباط تابعين "لفرقة البحث والتدخل"، وهو هيئة يقال إنها تعمل تحت إمرة المديرية العامة للأمن الوطني وتمارس سلطات الشرطة القضائية. وتتمتع الهيئة، حسبما زُعم، بصلاحية التحقيق في جرائم منظمة من قبيل الاتجار والتهريب والإرهاب، وتلقت مساعدة، حسبما ذُكر، من السلطات الفرنسية (أنظر: http://www.ambafrance-dz.org/article.php3?id_article=1944) [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

58 للاطلاع على مزيد من التفاصيل، أنظر: منظمة العفو الدولية، سلطات بلا حدود: التعذيب على يد الأمن العسكري في الجزائر.

59 ما زالت منظمة العفو الدولية تشعر ببعض بواعث القلق من أن التشريع الجزائري لا يلبي عدداً من متطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان المتعلقة بتجريم التعذيب. ولمزيد من المعلومات، أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر: تقرير موجز إلى لجنة مناهضة التعذيب.

60 UN Doc. CAT/C/DZA/3 ، الفقرات 91 – 94، 10 فبراير/شباط 2006.

61 UN Doc. CAT/C/DZA/Q/3/ADD.1 ، الفقرة 15، 17 أبريل/نيسان 2008

62 لمزيد من المعلومات حول توصيات منظمة العفو الدولية بشأن التدابير المتعلقة بوقف التعذيب، يرجى العودة إلى برنامج الاثنتي عشرة نقطة لمنظمة العفو الدولية لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على أيدي ممثلي الدولة، المنشور على الموقع الإلكتروني: http://www.amnesty.org/en/library/info/ACT40/001/2005 [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

63 لمزيد من المعلومات، أنظر: منظمة العفو الدولية، الجزائر : السكان المدنيون يتساقطون في هوة أعمال العنف المتصاعدة ، ص18؛
منظمة العفو الدولية، الجزائر: خطوات نحو التغيير أم وعود جوفاء؟ص15؛
منظمة العفو الدولية، الجزائر: تقرير موجز مقدم إلى لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة (رقم الوثيقة: MDE 28/011/2004)، 1 ديسمبر/كانون الأول 2004: http://www.amnesty.org/en/library/info/MDE28/011/2004 [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

64 UN Doc.: A/HRC/7/6/Add.2 ، الفقرتان 53-54 (معاملة الشرطة للعنف العائلي) و67-68 (أحكام متراخية)، 13 فبراير/شباط 2008.

65 لمزيد من المعلومات، أنظر برنامج الأربع عشرة نقطة لمنظمة العفو الدولية لمنع العنف المنزلي على الموقع:
http://www.amnesty.org/en/library/info/ACT77/012/2006 [آخر زيارة في 24 مارس/آذار 2009].

66 UN Doc.: A/HRC/7/6/Add.2 ، الفقرة 102 (و)، 13 فبراير/شباط 2008.

67 UN Doc.: CCPR/C/DZA/Q/3/Add.1 ، 4 أكتوبر/تشرين الأول 2007.

68 أُعلن قرار مجلس الدولة في 14 يناير/كانون الثاني، بينما عُقدت الجمعية العامة لنقابة محامي الجزائر العاصمة في اليوم التالي، أي في 15 يناير/كانون الثاني.

69 صوتت لجنة المنظمات غير الحكومية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في 28 يناير/كانون الثاني إلى جانب شكوى الجزائر وقررت تعليق عضوية "اللجنة العربية لحقوق الإنسان" لمدة سنة.

70 لمزيد من التفاصيل، أنظر: منظمة العفو الدولية، مذكرة إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان.