Document - ????? : ?? ?????? ????? ???? ??????? ????? ?????


MDE 19/002/2004 رقم الوثيقة:

1 فبراير/شباط 2004



ليبيا : آن الأوان لتصبح حقوق الإنسان حقيقة واقعة




مقدمة 2

1. خلفية 3

1.1 التطورات التي طرأت على حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة 6

2.1 زيارة منظمة العفو الدولية إلى ليبيا بعد غياب دام 15 عاماً 7

2. استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في القانون والممارسة 9

1.2 تجريم الحق في حرية التعبير والحق في الاشتراك في جمعيات 9

2.2 التوقيف والاعتقال التعسفيان 17

3.2 التعذيب 22

4.2 المحاكم الخاصة واستقلال القضاء 28

5.2 تطبيق عقوبة الإعدام 34

6.2 العقاب الجماعي 36

3. إرث انتهاكات حقوق الإنسان 38

1.3 الوفيات في الحجز 39

2.3 السجناء السياسيون الذين "اختفوا" في الحجز 42

3.3 التطورات التي طرأت على حوادث "الاختفاء" الأخرى 44

4. الخلاصة والتوصيات 46

ضمان الحق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات 46

وضع حد لممارسة الاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي 47

اتخاذ خطوات نحو إلغاء التعذيب 47

ضمان الحق في محاكمة عادلة 47

اتخاذ خطوات نحو إلغاء عقوبة الإعدام 48

ضمان الحقيقة والمساءلة والتعويض عن انتهاكات حقوق الإنسان 48

التصديق على معاهدات حقوق الإنسان والتعاون مع آليات الأمم المتحدة 48

الهوامش .........................................................................................50




"أنتم الأشخاص الوحيدون الذين جاءوا فعلاً للاستماع إلى قصتي. وأنا لست شخصاً سياسياً. وأريد فقط أن أعيش حياة عادية مع عائلتي." أحمد عبد السلام العالم الشريف، صياد ومشجع لكرة القدم، متهم بأنه معارض سياسي في ما يسمى بقضية نادي "أهلي بنغازي" لكرة القدم، على حد قوله لمندوب منظمة العفو الدولية. ويقضي حالياً عقوبة بالسجن المؤبد، مع اثنين آخرين، بعد تخفيف عقوبة الإعدام الصادرة على الرجال الثلاثة (للاطلاع على تفاصيل القضية، انظر الفقرة أدناه التي تحمل عنوان تطبيق عقوبة الإعدام).


مقدمة

يصدر هذا التقرير عقب زيارة قام بها وفد عن منظمة العفو الدولية يضم أربعة أعضاء إلى الجماهيرية العربية الليبية استمرت أسبوعين في فبراير/شباط 2004، في أعقاب غياب عن البلاد دام 15 عاماً. وخلال الزيارة، أُتيحت لمندوبي منظمة العفو الدولية فرصة غير مسبوقة للالتقاء بالسجناء السياسيين واستطاعوا أيضاً عقد اجتماعات مع السلطات الليبية، بمن فيهم العقيد معمر القذافي، قائد الثورة.


وقد رحبت منظمة العفو الدولية بالخطوات الإيجابية التي اتخذتها السلطات الليبية في السنوات الأخيرة، ومن ضمنها القرارات التي طال انتظارها والتي صدرت في العامين 2001و2002 بإطلاق سراح المئات من السجناء السياسيين، من ضمنهم سجناء الرأي المعتقلون منذ العام 1973. كما يسرها أيضاً إتاحة الفرص لها لمناقشة قضايا حقوق الإنسان خلال الزيارة التي قامت بها في فبراير/شباط 2004وترحب بالتأكيدات التي تلقتها من السلطات الليبية على كافة المستويات بأنها ستنظر جدياً في التوصيات التي قدمتها المنظمة. بيد أنه كما هو مبين في هذا التقرير، فإن منظمة العفو الدولية لديها بواعث قلق خطيرة إزاء وضع حقوق الإنسان في ليبيا.


ويستند التقرير إلى مذكرة شاملة ركزت على الحقوق المدنية والسياسية قدمتها منظمة العفو الدولية إلى السلطات الليبية في بداية زيارة فبراير/شباط 2004. كما يعكس آراء السلطات الليبية والنتائج الأخرى التي تم التوصل إليها خلال تلك الزيارة. ومنذ اختتام الزيارة، حثت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية على الاستجابة الكاملة لبواعث قلقها الموجزة في المذكرة، لكن لم يتم تلقي مثل هذا الرد عند كتابة هذه المذكرة.


علمت منظمة العفو الدولية، وهذا التقرير في طريقه إلى الطبع، بأن العقيد القذافي قد ألقى في 18أبريل/نيسان 2004 خطاباً أمام المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وغيرها من أعضاء السلطات القضائية رفيعي المستوى. ودعا العقيد القذافي في خطابه إلى إجراء عدد من الإصلاحات القانونية والمؤسسية، وتجاوب فيه مع عدد من القضايا التي أثارتها منظمة العفو الدولية وعالجتها في هذا التقرير. وعلى وجه التحديد، حث العقيد القذافي على إلغاء محكمة الشعب، وهي محكمة خاصة عرف عنها النظر في القضايا السياسية، وعلى نقل ولايتها القضائية إلى المحاكم الجنائية النظامية. ودعا إلى تطبيق أكثر صرامة للقانون الليبي، وإلى تقليص نطاق عقوبة الإعدام لتشمل فقط أكثر الجرائم خطورة. وقال العقيد القذافي في خطابه أيضاً إن السلطات لا تملك الحق في منع المحامين وعائلات السجناء من زيارتهم، وأكد على حق العائلات في أن تعرف ماذا حل بأبنائها أثناء الحوادث التي وقعت في سجن أبو سليم في 1996، والتي قتل أثناءها عدد كبير من السجناء، بحسب ما ذُكر. وامتدح العقيد القذافي أيضاً منظمة العفو الدولية وسواها من جماعات حقوق الإنسان لإدانتها استخدام التعذيب من جانب الحكومات، ودعا جميع الدول إلى المصادقة على المعاهدات الدولية التي تحظر التعذيب. وإثر إلقاء العقيد القذافي خطابه، أشارت السلطات الليبية إلى أنها بصدد مراجعة تشريعها المتعلق بتأليف الجمعيات، ضمن تدابيرها الإصلاحية المرتقبة.


إن منظمة العفو الدولية ترحب بتدخل العقيد القذافي من أجل معالجة بواعث قلق المنظمة في عدة مجالات. وتأمل في أن يعطي هذا اندفاعة لصياغة برنامج شامل للإصلاح يعالج على نحو تام جميع بواعث القلق التي أوجزها هذا التقرير.


يقدم الفصل الأول من التقرير خلفية عن وضع حقوق الإنسان في ليبيا. ويركز الفصل الثاني على الانتهاكات الحالية لحقوق الإنسان التي يواجهها الخصوم السياسيون الحقيقيون أو المشتبه بهم والمهاجرون وطالبو اللجوء المحتملون وسواهم. ويحدد القوانين التي تقيد بشدة من الحق في حرية التعبير والاشتراك في جمعيات؛ ويوجز نمطاً للاعتقال بمعزل عن العالم الخارجي على يد قوات الأمن، غالباً ما تصحبه ممارسة التعذيب والمحاكمات الجائرة أمام المحاكم الخاصة، وبوجه خاص محكمة الشعب، والتي تؤدي في أغلب الأحيان إلى إصدار عقوبات بالسجن لمدد طويلة وعقوبة الإعدام؛ ويوضح كيف أنه رغم اعتبار إلغاء عقوبة الإعدام هدفاً للمجتمع الليبي، إلا أنه يستمر إصدارها واستخدامها بالنسبة لعدد كبير من الجرائم من بينها الممارسة السلمية للأنشطة السياسية. وقد استُخدمت شعارات وعبارات جديدة مستوحاة من "الحرب على الإرهاب" في السنوات الأخيرة لتبرير تكرار الممارسات القديمة على حساب حقوق الإنسان.


وفي هذا السياق، سُرت منظمة العفو الدولية عندما تناهى إلى علمها أن السلطات الليبية تعكف على تعديل قانون العقوبات الليبي، بغية اعتماد قانون جديد في يونيو/حزيران 2004. بيد أن النص القانوني الجديد، في حال اعتماده بالصيغة التي كان عليها في فبراير/شباط 2004، لن يعالج بواعث القلق الواردة أعلاه، وبخاصة أنه ما زال ينتهك الحق في حرية التعبير والحق في الاشتراك في الجمعيات، ويتضمن مجموعة واسعة من الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام.


ويتناول الفصل الثالث من التقرير السياسات والأحداث الماضية التي تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتظل تلقي بظلالها على سجل ليبيا في مجال حقوق الإنسان، وتتعلق بمئات الضحايا وتؤثر على الحياة اليومية لعائلاتهم. وتشمل سياسة "التصفية الجسدية" للمعارضين السياسيين في الثمانينيات؛ وحالات الوفاة العديدة في الحجز من دون إعطاء تفسير كافٍ؛ و"اختفاء" السجناء السياسيين، وبخاصة منذ العام 1996؛ و"اختفاء"المواطنين الليبيين في الخارج والرعايا الأجانب في ليبيا. وما زالت المئات من العائلات لا تعرف ما إذا كان أقرباؤها أحياءً أو أمواتاً، أو كيف توفوا. ويخشى العديدون جداً من السؤال عن أقربائهم خوفاً من الانتقام منهم.


ويتضمن الفصل الرابع من التقرير التوصيات المحددة التي تقدمها منظمة العفو الدولية إلى السلطات الليبية. وتهدف التوصيات إلى ضمان تقيد ليبيا التام، قانوناً وممارسةً، بالواجبات المترتبة عليها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب).


وتدعو منظمة العفو الدولية السلطات الليبية إلى المبادرة دون تأخير لإجراء إصلاحات مؤسسية واتخاذ إجراءات أخرى لمعالجة بواعث القلق البالغة المتعلقة بحقوق الإنسان والموجزة في هذا التقرير. وهناك حاجة ملحة لكشف الحقيقة فيما يتعلق بأحداث عديدة وقعت في العقود الثلاثة الماضية. ويجب محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وتقديم تعويضات كاملة إلى الضحايا. وينبغي أن يشعر المواطنون الليبيون في البلاد بالثقة في قدرتهم على مزاولة أنشطة حقوق الإنسان من دون خوف من عمليات انتقامية.


وبدون اتخاذ مبادرات سريعة ومحسوسة في هذا الاتجاه، يحتمل أن تتواصل انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا مع ما يترتب عليها من آلام بشرية. وقد حان الوقت لترجمة الوعود إلى أفعال وتحويل حقوق الإنسان إلى حقيقة واقعة.


1.خلفية

في 1 سبتمبر/أيلول 1969، وفي أعقاب انقلاب عسكري أطاح بالملكية، أمسك العقيد معمر القذافي بزمام السلطة مع مجموعة صغيرة من ضباط الجيش. وحُكمت البلاد بواسطة مجلس لقيادة الثورة برئاسة العقيد القذافي. واتسمت الأعوام التالية بنظام الحزب الواحد الذي كان يعرف بالاتحاد الاشتراكي العربي والذي أنشئ في العام 1971. وفي العام 1972تم اعتماد القانون 71الذي يُحظِّر تشكيل الأحزاب السياسية.


وفي العام 1973أعلن العقيد القذافي "ثورة شعبي7?" مهدت الطريق لنظام سياسي عُرف "بالديمقراطية المباشرة" يظل يُعمل به حتى اليوم. وفي العام 1976، ألغي الاتحاد الاشتراكي العربي واستُبدل به مؤتمر الشعب العام، أعلى سلطة لصنع القرار في البلاد، والذي يعقد جلساته العادية سنوياً في سرت. وتطور تدريجياً إلى أن تم في العام 1977إنشاء نظام الجماهيرية، "دولة الجماهير"، الذي يُقصد به أن يشارك جميع المواطنين الذين تزيد أعمارهم على 18عاماً مشاركة مباشرة في عمليات صنع القرار في البلاد من خلال مشاركتهم في المؤتمرات الشعبية الأساسية على المستوى المحلي. وفي نهاية المطاف تمر قراراتهم عبر مؤتمر الشعب العام الذي يتخذ القرارات على المستوى الوطني. ويجري تنفيذ هذه القرارات من جانب اللجنة الشعبية العامة الموازية للوزارات.


وفي هذا النظام، فإن العقيد القذافي الذي يشار إليه رسمياً بعبارة "قائد الثورة"، لا يعتبر رئيساً للدولة بالمعنى التقليدي، بل مستشاراً نافذاً لدى الشعب. وبموازاة المؤتمرات الشعبية الأساسية توجد اللجان الثورية التي تضطلع بمهمة تعبئة الشعب لمساندة أفكار العقيد القذافي وسياساته. ويعمل هذا النظام في إطار يظل فيه تشكيل الأحزاب السياسية ممنوعاً.


وقد اتسمت السبعينيات وأوائل الثمانينيات بسياسة قمع أولئك الذين عبَّروا عن معارضتهم للسياسات التي اتبعتها السلطات الليبية. وقُمعت المظاهرات الطلابية بعنف وألقي القبض على المعارضين السياسيين وزُج بهم في السجون أو "اختفوا". وفي العام 1980 انتهجت السلطات الليبية سياسة الإعدامات خارج نطاق القضاء ضد المعارضين السياسيين الذين وصفتهم "بالكلاب الضالة". وبدا أن السياسة التي عُرفت "بالتصفية الجسدية"، حظيت بالتأييد على أعلى المستويات. وخُوِّلت اللجان الثورية بمهمة تنفيذ هذه السياسة في الداخل والخارج.


وعلى الصعيد الدولي، تدهورت العلاقات بين ليبيا وعدة دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في منتصف الثمانينيات. وخلال مظاهرة جرت في لندن العام 1984ونظمها أعضاء في المعارضة الليبية، أرديت الشرطية البريطانية إيفون فلتشر، من مبنى المكتب الشعبي الليبي كما يبدو. وفي العام 1986، قُتل ثلاثة أشخاص وأُصيب حوالي 250 شخصاً آخر بجروح عقب تفجير ملهى لابيل الليلي في برلين. وحمَّلت الولايات المتحدة الأمريكية ليبيا المسؤولية عن ذلك وشنت غارات جوية على طرابلس وبنغازي وأصابت منـزل العقيد القذافي من جملة أماكن أخرى. ولقي حوالي أربعين شخصاً مصرعهم نتيجة لذلك.


وفي العام 1988، مرت فترة بدا أنها تبشر بحدوث إصلاحات مهمة في مجال حقوق الإنسان. فقد أفرجت السلطات عن المئات من المعتقلين السياسيين في عفو واسع النطاق. وخلال جلسة استثنائية للمؤتمر الشعبي العام عُقدت خلال ذلك العام، اعتُمدت الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير. وضيَّقت هذه الوثيقة نطاق تطبيق عقوبة الإعدام، ووضعت هدف الإلغاء نصب أعينها، وحظَّرت العقوبة وإساءة المعاملة المهينة للسجناء؛ وأعلنت الحق في الحصول على محاكمة عادلة. ودُعيت منظمة العفو الدولية لزيارة البلاد، حيث أجرت المنظمة محادثات مع المسؤولين؛ والتقت بعدة سجناء سياسيين؛ وجمعت معطيات حول تطورات حقوق الإنسان؛ وحضرت جلسة خاصة للمؤتمر الشعبي العام، عُقدت في يونيو/حزيران. وتدخل العقيد القذافي، الذي دعا المؤتمر الشعبي العام إلى إلغاء عقوبة الإعدام، لتخفيض جميع أحكام الإعدام استجابة لطلب من منظمة العفو الدولية. وفي أعقاب تعهد قدمته ليبيا في العام 1988، أصبحت دولة طرفاً في البروتوكول الاختياري الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية2 وفي اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب) في العام 1989.


وبعد هذه الفترة الوجيزة من التطورات الإيجابية في العام 1988، شهد سجل حقوق الإنسان في ليبيا تدهوراً. أُغلقت البلاد في وجه المراقبة الدولية، بمن في ذلك الخبراء المستقلون لحقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية3. واتسمت الفترة التالية بتفشي انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع، بما فيها عمليات التوقيف والاعتقال التعسفية الجماعية وحوادث "الاختفاء" والتعذيب وعقوبة الإعدام4. وازداد القمع في منتصف التسعينيات في وقت وقعت فيه مصادمات بين السلطات وجماعات سياسية مسلحة. ولم ترد السلطات الليبية على الطلبات المتكررة التي قدمتها منظمة العفو الدولية، طوال عدد من السنوات، لزيارة ليبيا بغية حضور جلسات المحاكمة، وبخاصة تلك التي كانت تُعقد أمام محكمة الشعب. والمرة الوحيدة التي دخلت فيها منظمة العفو الدولية إلى البلاد منذ الزيارة التي قامت بها في العام 1988كانت في إبريل/نيسان 2001، عندما حضر مندوبان الدورة العادية التاسعة والعشرين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في طرابلس. وفي داخل البلاد، لم تتمكن المنظمات المستقلة لحقوق الإنسان من العمل، وسادت أجواء الخوف وحالت دون اتصال ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان أو أقربائهم بالعالم الخارجي.


واقترن ذلك بفترة من العزلة عن المجتمع الدولي في أعقاب تفجير طائرة بان آم الرحلة 103فوق لوكربي باسكتلندا العام 1988، والذي أسفر عن مصرع 270شخصاً وطائرة يوتي إيه الرحلة 772 فوق النيجر العام 1989والذي أدى إلى مقتل 170 شخصاً. وفي يناير/كانون الثاني 1992اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار 748 الذي فرض حظراً جوياً وحظر أسلحة على ليبيا. ورُفع الحظر في سبتمبر/أيلول 20035في أعقاب فترة وقف مؤقت بدأت في العام 1999بعدما سلمت السلطات، للمحاكمة، مواطنين ليبيين اثنين متهمين بتفجير طائرة بان آم الرحلة 103العام 1988فوق لوكربي . وتُوِّجت هذه التطورات بإدانة عبد الباسط المقرحي في يناير/كانون الثاني 2001والحكم عليه بالسجن المؤبد؛ وتمت تبرئة ساحة المتهم الآخر الأمين خليفة فحيمة. وجرى تأكيد الحكم عند الاستئناف في مارس/آذار 2002.وفي العام 2003 قبلت السلطات الليبية تحمل "مسؤولية أفعال المسؤولين الليبيين"6بالنسبة لتفجير طائرتي بان آم ويوتي إيه وتوصلت إلى اتفاقية حول دفع تعويضات إلى عائلات ضحايا التفجير. وكانت المفاوضات المتعلقة بالتعويض على ضحايا تفجير مرقص لابيل جارية على قدم وساق عند كتابة هذا التقرير.


وفي 19ديسمبر/كانون الأول 2003أعلنت ليبيا عن تفكيك برامجها الخاصة بأسلحة الدمار الشامل. وسرعان ما جرت مفاوضات مكثفة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بقصد التطبيع الكامل للعلاقات بين الأطراف.



1.1 التطورات التي طرأت على حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة

في السنوات الأخيرة، اتخذت السلطات الليبية خطوات محدودة جداً لمعالجة أوضاع حقوق الإنسان في البلاد. وتجلت في موجات الإفراج عن السجناء السياسيين ابتداءً من العام 2001 ومبادرات أخرى موضحة أدناه. وفي العام 2001، أُطلق سراح حوالي 300من السجناء، بينهم سجناء سياسيون. ومن بينهم أقدم سجين سياسي في ليبيا هو أحمد زبير أحمد السنوسيالذي اتُهم بالتورط في محاولة انقلابية جرت في العام 1970وأمضى 31 سنة في السجن، بينها سنوات عديدة في الحبس الانفرادي. وفي العام 2002، أطلق سراح أكثر من 60سجيناً، من ضمنهم سجناء الرأي محمد علي الأكرمي، والعجيلي محمد، وعبد الرحمن الأزهري، ومحمد علي القجيجي، وصالح القسبي، ومحمد الصادق الترحوني.وكانوا قد أمضوا قرابة ثلاثة عقود في السجن، عقب إلقاء القبض عليهم في العام 1973 بسبب صلتهم السلمية بحزب التحرير الإسلامي المحظور.


لكن على حد علم منظمة العفو الدولية، لم تتخذ أية إجراءات قانونية تؤدي إلى تقديم تعويضات لأي سجين سابق تعويضاً له عن الانتهاكات التي تعرض لها. وفي حالات عديدة، لم يتمكنوا من مواصلة العيش على النحو الذي فعلوه قبل أن يتم إيداعهم السجن. فعلى سبيل المثال، رفض أصحاب عملهم السابقون إعادتهم إلى العمل، وهي ممارسة كانت الأكثر قسوة والأوسع انتشاراً في مجال التعليم كما ورد. وبينما استطاع بعض الأساتذة والمحاضرون في الجامعات العودة إلى وظائفهم كأكاديميين بعد الإفراج عنهم، ورد أنه قيل لآخرين إنه نظراً لخلفيتهم السياسية وكونهم سجناء سابقين، فلن يُسمح لهم بالعودة إلى وظائفهم. وعلاوة على ذلك، فإن فرض مثل هذه القيود يحدث في إطار تقاعست فيه السلطات عن تحمل المسؤولية عن الانتهاكات الماضية التي تشمل الاعتقال التعسفي الطويل أو التعذيب أو سوء المعاملة.


وفي العام 2003 رفعت السلطات الليبية كما يبدو القيود المفروضة على سفر الآلاف من المواطنين الليبيين الذين منعوا من مغادرة البلاد. ومنذ ذلك الحين، استعاد العديد منهم جوازات سفرهم. كما بدأت السلطات الليبية بانتهاج سياسة التشجيع الفعلي للمواطنين الليبيين المقيمين في الخارج على العودة إلى ليبيا مع إعطائهم ضمانات بعدم مقاضاتهم بعد عودتهم. لكن في حالة واحدة على الأقل تناهت إلى علم المنظمة، ما أن عاد مواطن ليبي إلى ليبيا في مايو/أيار 2002، بعد حصوله على تأكيدات من المسؤولين الليبيين في الخارج بأنه يمكنه العودة بأمان، حتى ألقي القبض عليه في المطار. وعندما التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بمصطفى محمد أكريرفي فبراير/شباط 2004، لم تكن قد وُجهت تُهم إليه أو جرت محاكمته. وقال لهم، "لقد عدت إلى ليبيا لأنني اعتقدت أنها تتغير نحو الأفضل وأتيت إلى هنا لرؤية عائلتي ولأنني أحب بلدي"7


[بعدأن عاد مصطفي أكرير، وهو مواطن ليبي، إلى ليبيا في مايو/أيار 2002، بعد حصوله على تأكيدات من المسؤولين الليبيين في الخارج بأنه يمكنه العودة بأمان، حتى ألقي القبض عليه في المطار، وظل رهن الاعتقال.]

1.I


وبينما ما زال يستحيل عملياً على المنظمات المستقلة لحقوق الإنسان أن تُشكَّل في ليبيا، إلا أنه تحقق تقدم محدود فيما يتعلق بالسماح بمزاولة العمل بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد. ومنذ إنشائها في ديسمبر/كانون الأول 1998، عملت جمعية حقوق الإنسان التابعة لمؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية، والتي يرأسها سيف الإسلام القذافي، أحد أبناء العقيد القذافي، عملت بنشاط في مضمار حقوق الإنسان. ومنذ العام 2003أطلقت هذه المنظمة دعوات قوية لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان القائمة منذ زمن طويل، بما فيها حالات الوفاة في الحجز، وأطلقت حملة ضد التعذيب في ليبيا والشرق الأوسط، وأجرت أبحاثاً حول العشرات من مزاعم التعذيب الممارس داخل ليبيا، وفي عدة حالات تابعت المسألة مع السلطات؛ وقامت بزيارات إلى أماكن الاعتقال وقدمت توصيات لتحسين أوضاعها.8


كذلك لعبت ليبيا دوراً مهماً في الهيئات الإقليمية والدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان. ففي العام 2003 انتُخبت ليبيا رئيساً للدورة التاسعة والخمسين للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وضع خلالها مكتب اللجنة عدداً من الإجراءات لتعزيز عمل آلياتها. بيد أن ليبيا لم تستخدم فترة رئاستها للجنة لاتخاذ خطوات محسوسة لإظهار التزامها بتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها؛ مثلاً، عبر توجيه دعوة دائمة إلى الخبراء المستقلين لحقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة لزيارة البلاد.9 وفي فبراير/شباط 2004صادقت ليبيا على البروتوكول الملحق بالميثاق الأفريقي لح ?وق الإنسان والشعوب والذي ينص على تأسيس المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب.


ولدى ليبيا سجل جيد في التصديق على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية مناهضة التعذيب. بيد أن ليبيا لم تستجب لأغلبية التوصيات التي قدمتها لها الهيئات التابعة للأمم المتحدة والتي تراقب تنفيذ الدول لهذه المعاهدات. وإضافة إلى ذلك، لم تصبح ليبيا بعد دولة طرفاً في صكوك مهمة لحقوق الإنسان، ومن بينها قانون روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية والبروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب.


2.1 زيارة منظمة العفو الدولية إلى ليبيا بعد غياب دام 15 عاماً

سُمح لمنظمة العفو الدولية بزيارة ليبيا في فبراير/شباط 2004، وهي الزيارة الأولى من نوعها منذ العام 1988. 10وكانت المنظمة قد طلبت على مدى سنوات عديدة إذناً بإجراء أبحاث حول بواعث قلقها المتعلقة بحقوق الإنسان في البلاد، وتلقت أخيراً رداً إيجابياً من السلطات الليبية في مطلع فبراير/شباط 2004. وتُوجت زيارة لمندوبي منظمة العفو الدولية لمدة أسبوعين إلى طرابلس وبنغازي وسرت وبني وليد بلقاء مع العقيد القذافي عُقد في 29فبراير/شباط. كما أجرى مندوبو منظمة العفو الدولية محادثات مع محمد المصراتي، الذي كان في حينه أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام11، في عدة مناسبات ومع عبد الرحمن شلقم، أمين اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي. كذلك التقى المندوبون بكريمة المدني في أمانة مؤتمر الشعب العام للشؤون النسائية.


وعند وصول وفد منظمة العفو الدولية إلى ليبيا قدم مذكرة تفصيلية إلى السلطات الليبية، ركزت على الحاجة لإجراء إصلاحات قانونية وعلى الفجوة القائمة بين القانون والممارسة، مع إيلاء اهتمام خاص بإجراءات التوقيف والاعتقال والمحاكمة. وشكلت القضايا والحالات الفردية التي أُثيرت في هذه الوثيقة أساساً للمناقشات التي جرت في اجتماعات طويلة مع السلطات الليبية. وأبدى المسؤولون الليبيون على جميع المستويات استعداداً لمناقشة قضايا تثير قلق المنظمة، بما فيها قضايا ذات طبيعة حساسة.


وفي المناقشات التي جرت مع مندوبي منظمة العفو الدولية، وعدت السلطات الليبية بصورة متكررة بأن تنظر بجدية في بواعث قلق منظمة العفو الدولية وتوصياتها. وأعرب العقيد القذافي شخصياً عن اهتمامه بعمل منظمة العفو الدولية وتقديره له. بيد أنه لم يُقدَّم أي التزام محسوس بالبدء في تسوية هذه القضايا.


وأجرى المندوبون مباحثات تفصيلية حول مجموعة من القضايا القانونية مع عمر علي شلبك، الذي كان في حينه نائباً عاماً ومع أعضاء آخرين في النيابة العامة، فضلاً عن أعضاء آخرين في السلطة القضائية، وبخاصة قضاة المحكمة العليا. وعند كتابة هذا التقرير، كانت لجنة من الخبراء القانونيين شكلتها أمانة اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام في ذلك الحين تنظر في مسودة لقانون العقوبات. وفي فبراير/شباط 2004، قدَّم أمين سر اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام في حينه محمد المصراتي، إلى منظمة العفو الدولية نسخة من مسودة قانون العقوبات لتحليلها وأبلغ مندوبي المنظمة أنه من المقرر أن تُناقش المسودة أمام مؤتمر الشعب العام في يونيو/حزيران 2004لاعتمادها.


كما التقى المندوبون بمحامين خاصين ومحامين من مكتب المحاماة الشعبية12 المرتبط بمحكمة الشعب، وهي محكمة استثنائية عُرف عنها أنها تنظر في القضايا السياسية، من جملة جرائم أخرى. وعقدوا اجتماعات مع مدير إدارة السجون العميد بلقاسم القرقوم، وعدد من مديري السجون، بينهم ميلاد دمان، مدير سجن أبو سليم، المعروف بأنه يحتجز السجناء السياسيين. وإضافة إلى ذلك، أتاحت الزيارة فرصة قيمة جداً للقاء ممثلي الجمعيات الخيرية وأولئك العاملين في مضمار حقوق الإنسان في البلاد.


وسُمح لمنظمة العفو الدولية بصورة غير مسبوقة بمقابلة سجناء الرأي والسجناء السياسيين الذين تمكن المندوبون من إجراء مقابلات فردية طويلة معهم وأخذ أقوالهم التفصيلية. بيد أنه لم تتح للمنظمة فرصة مقابلة بعض السجناء الذين طلبت رؤيتهم، من دون إعطاء تفسير لذلك. وفي معظم الحالات، استطاع المندوبون مقابلة السجناء في أماكن اعتقالهم. لكن في عدة حالات، أُحضر السجناء إلى قسم العلاقات العامة في الأمانة العامة للجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام. وبينما استطاع بعض الذين أُجريت معهم مقابلات التحدث بحرية نسبية، إلا أنه من الواضح أن آخرين كانوا يخشون ذلك.


وعلى النقيض من ذلك، لم تتم إتاحة فرصة كافية للالتقاء بأشخاص خارج السجون، سواء الضحايا السابقين لانتهاكات حقوق الإنسان أو أقربائهم. وغالباً ما عبَّر الذين تم الالتقاء بهم عن خشيتهم من التحدث عن تجاربهم، مشيرين إلى أجواء الخوف التي ما زالت سائدة والتي أبعد ما يكون فيها التعبير الكامل عن بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان عن الواقع. وطلبت منظمة العفو الدولية وحصلت على تأكيدات من السلطات الليبية بأن لا يواجه أي من الأشخاص الذين التقينا بهم خلال زيارتنا عمليات انتقامية.


كذلك حضر المندوبون جلسة أمام محكمة الجنايات في بنغازي في المحاكمة المتعلقة بالأطفال الـ 426 الذين أصيبوا بفيروس نقص المناعة المكتسب أثناء العناية بهم في مستشفى الفاتح للأطفال في بنغازي. والتقى المندوبون بالمتهمين ومحاميهم فضلاً عن عائلات وأطفال جمعية الضحايا الأطفال لمرض الإيدز في بنغازي ومحاميهم. وأبلغوا منظمة العفو الدولية أن هذه كانت أول فرصة تتاح لهم لإسماع قصتهم للعالم الخارجي. وإضافة إلى ذلك، أجرى 5?لمندوبون مقابلات مع أفراد من قوات الأمن يحاكمون بتهمة ممارسة التعذيب فيما يتعلق بالقضية ذاتها.


[الصورة 7-17محكمة الاستئناف في بنغازي].

I فبراير/شباط 2004

وفي أعقاب الزيارة، نشرت منظمة العفو الدولية النتائج التي توصلت إليها في بيان صحفي13، ودعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات سريعة لإبداء التزامها بإصلاحات حقوق الإنسان. كما دعا مندوبو منظمة العفو الدولية السلطات إلى تزويد المنظمة برد كتابي على بواعث القلق والقضايا والأسئلة التي أُثيرت في المذكرة. وعند كتابة التقرير، لم تكن منظمة العفو الدولية قد تلقت رداً كتابياً على المذكرة. ولم تتخذ السلطات أية إجراءات محسوسة للمباشرة في تنفيذ توصيات المنظمة. ويستند هذا التقرير إلى حد كبير إلى المذكرة والنتائج التي تمخضت عنها الزيارة التي تمت في فبراير/شباط 2004.


2. استمرار انتهاكات حقوق الإنسان في القانون والممارسة

"من المعتاد في ليبيا أن تسمع أن والدك توفي (في السجن) لأننا جميعاً رأينا ذلك يحدث لأحد الجيران أو الأصدقاء. ولم أدرك مدى سوء الموقف إلا بعد أن غادرت ليبيا."

كانت هذه هي الكلمات التي قالها لمنظمة العفو الدولية ابن سجين سياسي يعيش في الخارج، بعدما أُبلغ هو وعائلته التي تعيش في ليبيا عقب سنوات من اعتقال والده، أن الأخير توفي في الحجز.


وتركز هذه الفقرة على الحاجة إلى تغيير القانون والسياسة والممارسة لوضع حد لتجريم أنشطة لا تتعدى ممارسة الحق في حرية التعبير والحق في الاشتراك في الجمعيات. وما لم يتم إصلاح النظام القانوني، بما فيه مسودة قانون العقوبات الذي تجري مراجعته حالياً، فإنه لا بد أن يسهم في إدامة الاعتقال التعسفي للسياسيين ومناخ الخوف السائد بين المواطنين الليبيين.


وإضافة إلى الجرائم العديدة التي يُنص فيها على عقوبة الإعدام في القانون الليبي، فإن مجموعة متنوعة من العقوبات الأخرى المنصوص عليها في القانون تثير قدراً كبيراً من القلق. وتشمل أشكال "العقاب الجماعي"، بما فيها هدم المنازل، فضلاً عن العقوبات الجسدية، ومن ضمنها الجلد والقطع من خلاف (بتر اليد اليمنى والقدم اليسرى).


1.2 تجريم الحق في حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات

في السنوات الأخيرة، استخدمت السلطات الليبية الإطار واللغة الدوليين "للحرب على الإرهاب" لتبرير مواصلة سياسة القمع في الداخل التي تقيد للغاية حق المواطنين الليبيين في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات. ومن الواضح أنه يتم استعمال مقولة "مكافحة الإرهاب" كمبرر جديد لممارسة قديمة مكرسة في القانون الليبي، تتمثل في قمع كل المعارضة السياسية.


ويحظر القانون تشكيل جمعيات أو أحزاب سياسية خارج النظام السياسي القائم. ويتعرض منتقدو النظام الحالي الذين يرغبون في التعبير عن معارضتهم السياسية عبر وسائل سلمية خارج الهياكل الرسمية، لعقوبات شديدة ويواجهون حتى عقوبة الإعدام. ويُجبرون على العمل في حركات سرية مثل الجماعة الإسلامية الليبية، التي تعرف أيضاً بالإخوان المسلمين، ويلتقون سراً في مجموعات صغيرة، غالباً في منازل خاصة. وقال أعضاء في الإخوان المسلمين لمنظمة العفو الدولية إن هذه المناقشات تتضمن طائفة متنوعة من القضايا، مثل إصلاح النظام أو تقديم دعم غير رسمي لعائلات السجناء السياسيين. ويقيد القانون بدرجة أكبر حرية تكوين الجمعيات، الأمر الذي يجعل من شبه المستحيل قيام جمعيات مستقلة لحقوق الإنسان. ورغم المخاطر، يدعو بعض الليبيين، بمن فيهم المحامون، إلى إزالة العراقيل القانونية لتمكينهم من إنشاء منظمات مستقلة لحقوق الإنسان.


وإذا اكتشفت قوات الأمن مثل هذه الأنشطة، يتعرض المشاركون فيها أو المتهمون بالمشاركة فيها لخطر التوقيف والاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي الذي غالباً ما يقترن بممارسة التعذيب الذي تتبعه محاكمات جائرة وربما عقوبة الإعدام.


حجة "مكافحة الإرهاب"

في الخطاب السنوي الذي ألقاه أمام الأمة في 31أغسطس/آب 2002، ورد أن العقيد القذافي قال إنه في أعقاب عمليات الإفراج عن السجناء التي تمت في العام 2002، فإن الذين ظلوا في السجون الليبية، باستثناء أولئك المحكومين "بجرائم عادية" لهم صلات بالقاعدة وطالبان وبالتالي فإن السلطات الليبية، "... ستعاملهم مثلما تعامل أمريكا [المعتقلين في غوانتامو بي]... فقد قالت أمريكا إن هؤلاء الأشخاص ليس لديهم الحق في الدفاع عن أنفسهم، ولن نقدم لهم محامين ولن تحترم حقوقهم الإنسانية".


وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول 2003، وفي خطاب ألقاه أمام موظفي الأمانة العامة للجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام، ورد أن العقيد القذافي كرر أنه لا يوجد سجناء رأي في ليبيا وأن السجناء الحاليين هم على نوعين : إما "مجرمون عاديون" أو "زناديق". وكررت السلطات الليبية هذا الموقف في المباحثات التي أجرتها مع منظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2004.


وفي السنوات الأخيرة، أعلنت السلطات الليبية التزامها بمحاربة الأعمال "الإرهابية" والتعاون مع الدول الأخرى والمنظمات الحكومية الدولية في هذا المجال14. وبينما تقر منظمة العفو الدولية بواجب الحكومات في حماية مواطنيها من أعمال العنف وتقديم المسؤولين عن ارتكابها إلى العدالة، فقد شددت المنظمة في جميع أنحاء العالم15على أن كافة الوسائل المتبعة في هذا المجال، بما فيها التحقيقات والمحاكمات يجب أن تتقيد دائماً تقيداً تاماً بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.16


وفي تقريرها الثاني الذي قدمته إلى لجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة، أعلنت السلطات الليبية عن "إعداد مشروع قانون عقوبات جنائية جديد وسيشمل الجرائم التي تعتبر أفعالاً إرهابية17". وبناء على تحليل لمشروع قانون العقوبات هذا، يساور منظمة العفو الدولية القلق من أن تعريف "الإرهاب"، وفقاً للمادة 260 من مشروع القانون، قد يساء استخدامه لمعاقبة أشخاص على أفعال سلمية، ومن ضمنها تلك المتعلقة بحرية التعبير وأنشطة حقوق الإنسان18. ويمكن أن يكون التعريف الواسع المنصوص عليه عرضة لتأويلات وانتهاكات واسعة، ولا يفي بمستلزمات الشرعية في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي.19


وتسهب عدة نصوص واردة في المادة 260 في الحديث عن أفعال العنف أو التهديد بارتكابها، وهي بحسب النص تشكل أنشطة "إرهابية". بيد أنه في عدة نصوص أخرى، تُستخدم مصلحات مثل "الإرهاب" و"الأعمال الإرهابية" من دون تعريفها بشكل أوفى. فعلى سبيل المثال، يتعلق االنص 4"بإنشاء اتحاد أو عصابة أو جمعية أو تنظيم يستخدم الإرهاب لبلوغ أو تحقيق أهدافه أو الانتسابعضويته..." ويُجرم النص 5"التعامل مع أو مقاربة أو الاتصال باتحاد أو جمعية أو تنظيم أو جماعة أو عصابة يقع مقرها في الخارج، أو أية جهة تعمل لصالحها بقصد القيام بأعمال إرهابية في البلاد أو ضد مصالحها، حتى في الخارج". وتحث منظمة العفو الدولية السلطات الليبية على ضمان تعريف جميع النصوص والأحكام المتعلقة "بالإرهاب" تعريفاً جيداً واستبعاد أي شكل من أشكال الممارسة السلمية للحقوق التي يحميها القانون الدولي، مثل الحق في حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات والانضمام إليها.



سجناء الرأي

رغم النفي المطلق من قبل السلطات لوجود سجناء رأي، تعلم المنظمة بوجود عشرات الأشخاص الذين ترى أنهم يستحقون هذه الصفة.20وهم يشملون أصحاب مهن وطلبة قُبض عليهم في يونيو/حزيران 1998وبعده للاشتباه بمساندتهم للجماعة الإسلامية الليبية المحظورة وتعاطفهم معها - وهي تُعرف أيضاً بالإخوان المسلمين 21 ولا يُعرف بأنها استخدمت العنف أو دعت إلى استخدامه.


سالم أبو حنك سجين رأي محتجز في سجن أبو سليم بطرابلس. I، فبراير/شباط 2004



في 16فبراير/شباط 2002 حُكم على سالم أبو حنك وعبد الله أحمد عز الدين بالإعدام أمام محكمة الشعب في طرابلس عقب محاكمة بالغة الجور لـ 152 شخصاً بتهم الانتماء إلى الجماعة الإسلامية الليبية.20وكان سالم أبو حنك المولود في العام 1957والأب لخمسة أولاد، رئيساً لقسم الكيمياء في كلية العلوم بجامعة قار يونس في بنغازي. وأُلقي القبض عليه في 5يونيو/حزيران 1998. أما عبد الله أحمد عز الدين، المولود في العام 1950، والأب لأربعة أولاد، فقد كان يعمل محاضراً في كلية الهندسة النووية في جامعة الفاتح بطرابلس عندما أُلقي القبض عليه في 7يونيو/حزيران 1998. وصدرت على ثلاثة وسبعين من المتهمين أحكام بالسجن مدى الحياة وعلى 11 آخرين أحكام بالسجن لمدة عشر سنوات. وبحسب ما ورد بُرئت ساحة 66 آخرين.


عبد الله عز الدين سجين رأي محتجز في سجن أبو سليم بطرابلس. I، فبراير/شباط 2004



وتم بصورة متكررة تأجيل الاستئناف الذي قدموه أمام محكمة الشعب الاستئنافية، حيث لم تستغرق الجلسات كما ورد سوى بضع دقائق، وكانت تجري كل ثلاثة أشهر تقريباً. وعند كتابة هذا التقرير، كان من المقرر أن تُعقد الجلسة التالية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، حيث سيتم النطق بالحكم.


وفي جميع اللقاءات التي عُقدت مع السلطات الليبية في فبراير/شباط 2004، أثار مندوبو منظمة العفو الدولية مسألة حرية الرأي وتكوين الجمعيات والانضمام إليها. ووصف العقيد القذافي أنشطة الإخوان المسلمين في الحالة أعلاه لمنظمة العفو الدولية بأنها "عمل إرهابي"، "يهدف إلى إقامة دولة إسلامية في ليبيا". وقال إنهم حاولوا فرض آرائهم على الآخرين" وأنهم "اعترفوا باستخدام العنف".


ولم يفرق المسؤولون الآخرون، ومن ضمنهم أمين سر اللجنة الشعبية العامة للعدل والأمن العام واللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجي والتعاون الدولي بين أفعال يرتكبها أشخاص في قضية معينة وبين تجمع سياسي ككل، ولا بين مختلف التجمعات السياسية. واعتبرت السلطات أن جميع الذين يقومون بأنشطة سياسية، سلمية كانت أم لا، خارج الهيكل السياسي الرسمي، هم "زناديق".


وقال ميلاد دمان مدير سجن أبو سليم إن السجناء الذين طلبت منظمة العفو الدولية مقابلتهم لهم قضايا "إرهابية"، بمن فيهم عدة سجناء صدرت عليهم أحكام في قضية الإخوان المسلمين. وقال إن الإخوان المسلمين قد انبثق عنهم جماعات إسلامية أخرى مثل السلفية الجهادية والتقليديين المتشددين والجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. وجميع هذه الجماعات برأي المدير، توافق على استخدام العنف كوسيلة لبلوغ هدفها المتمثل بالإمساك بزمام السلطة في ليبيا. وقال إن بعض السجناء أمضوا وقتاً في أفغانستان وتدربوا مع القاعدة، وبالتالي لا يشكلون خطراً على ليبيا فحسب، بل أيضاً على الدول الأخرى. وفي معرض إشارته بصورة خاصة إلى سجنه، أعاد تأكيد النقطة التي ذكرها العقيد القذافي حول عدم وجود سجناء سياسيين؛ بل إن جميع المسجونين هم أشخاص استخدموا العنف.


غير أنه في حالة الإخوان المسلمين، لم تُوجه إلى الرجال تهم بارتكاب أية أعمال عنف. وتأكدت منظمة العفو الدولية من هذا الأمر في فبراير/شباط 2004 في أعقاب مقابلات أجرتها مع عدة محامين يدافعون عن المتهمين، عينهم مكتب المحاماة الشعبية التابع للدولة، ومقابلات مع عدد من المتهمين أنفسهم. ويواجه الرجال تهماً بموجب القانون 71للعام 1972الذي يُحظر إنشاء أحزاب سياسية23 لمجرد تعبيرهم السلمي عن أفكارهم وعقد اجتماعات لمناقشة تلك الأفكار مع الآخرين في السر. وقال عبد الله أحمد عز الدين لمنظمة العفو الدولية "أنا لست ضد النظام، وليست لدي أية أهداف سياسية. وأردت فقط أن أعمل على إصلاح المجتمع وجعله مكاناً أفضل".


والإخوان المسلمون مجرد مثال واحد على حالات سجناء الرأي ومن يحتمل أن يكونوا سجناء رأي، المحتجزين حالياً في السجون الليبية. وتشمل الأمثلة الأخرى أعضاء حركة التجمع الإسلامي الذين أُلقي القبض عليهم في صيف 1998في الوقت ذاته لإلقاء القبض على الإخوان المسلمين.


رمضان مسعود شقلوف سجين رأي محتجز في سجن أبو سليم بطرابلس. I، فبراير/شباط 2004


وكان أحد المسجونين، رمضان مسعود شقلوف، وهو أب لولدين يعمل مهندساً كيماوياً في إحدى شركات النفط في بنغازي. وأُلقي القبض عليه في 27 سبتمبر/أيلول 1998من جانب عدة رجال مسلحين يرتدون ملابس مدنية أعلنوا أنهم من أفراد الأمن الداخلي.


وبعد اعتقاله لدى جهاز الأمن الداخلي لمدة شهر، بدأت عملية استجوابه؛ أبلغ رمضان مسعود شقلوف منظمة العفو الدولية أنه كان يتعرض بين الفينة والأخرى للضرب ويُهدد بمزيد من الضرب إذا لم "يعترف" بالاتهامات الموجهة إليه بالانتساب إلى عضوية حركة التجمع الإسلامي. وفي نهاية فترة شهر من الاستجواب، أُجبر على التوقيع على أوراق لم يتمكن من قراءتها.


وبدأت أخيراً محاكمته أمام محكمة الشعب في 8أكتوبر/تشرين الأول 2002، بعد مضي أكثر من أربع سنوات على توقيفه. وفي 26 يناير/كانون الثاني 2003حُكم عليه بالسجن المؤبد استناداً إلى القانون 71 للعام 1972الذي يحظر الأحزاب السياسية. وحُكم على عدة أشخاص آخرين حوكموا في القضية نفسها بالسجن مدداً تتراوح بين 10سنوات والسجن المؤبد.


النصوص القانونية

"يمكن لجميع الليبيين الذين تزيد أعمارهم على 18عاماً المشاركة في المؤتمرات الشعبية الأساسية والتعبير عن آرائهم بحرية. وإذا وافقهم الآخرون الرأي، يمكن الأخذ بفكرتهم وبخلاف ذلك لا يؤخذ بها. ونحن لسنا مثل الدول الأخرى التي يوجد فيها حزب حاكم واحد يمكن أن يقرر الزج بالأشخاص المنتسبين إلى الأحزاب الأخرى في السجن. ولا يمكن وجود سجين رأي في هذا الإطار". هذا ما قاله العقيد القذافي لمنظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2004


وينص القانون الليبي على ضمانات معينة للحق في حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات. ووفقاً للمادة 6 من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير، والذي اعتُمد في يونيو/حزيران 1988فإن "أعضاء المجتمع الجماهيري أحرار في تكوين الجمعيات والنقابات العمالية والروابط للدفاع عن مصالحهم المهنية."." بيد أن هذه الحقوق مقيدة بشكل صارم. فمثلاً، تنص المادة 8 من القانون 20 الخاص بتعزيز الحريات، والذي أنه "لكل مواطن الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره والجهر بها في المؤتمرات الشعبية وفي وسائل الإعلام الجماهيرية. ولا يسأل المواطن عن ممارسة هذا الحق إلا إذا استغله للنيل من سلطة الشعب أو لأغراض شخصية وتحظر الدعوة للأفكار والآراء سراً ومحاولة نشرها أو فرضها على الغير بالإغراء أو بالقوة أو بالإرهاب أو التزييف).


وضمن هذا النظام، يُسمح لجميع البالغين بالتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم في المؤتمرات الشعبية الأساسية وفي وسائل الإعلام المحلية، التي تشكل الأدوات الوحيدة للنقاش المسموح به. بيد أن النظام يعمل في إطار يُحظَّر فيه تكوين الأحزاب السياسية وتخضع فيه وسائل الإعلام خضوعاً تاماً للدولة.24وعلاوة على ذلك، تفرض قيود غامضة الصياغة- مثل تلك الواردة في المادة 8من قانون تعزيز الحريات – على التعبير عن الآراء حتى داخل المنتديات والمحافل الرسمية، مما يعرض حتى أولئك الذين يتحدون النظام من الداخل لخطر العقاب. وفي حالة واحدة على الأقل تناهت إلى علم منظمة العفو الدولية، حُكم على مواطن ليبي بالسجن لمدة خمس سنوات في العام 2002بسبب تعبيره السلمي عن آرائه في مؤتمر الشعب الأساسي.


في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2002، حضر فتحي الجهمي، وهو مهندس مدني وُلد في العام 1941ومتزوج ولديه سبعة أطفال، جلسة لمؤتمر الشعب الأساسي في المنشيا، بن عاشور، إحدى ضواحي طرابلس. وفي المؤتمر ورد أنه صرح أن الإصلاح داخل ليبيا لن يحصل أبداً في غياب الدستور والتعددية والديمقراطية. وبحسب ما ورد قال متسائلاً كيف يمكن معالجة القضايا داخل البلاد معالجة صادقة فيما ليبيا "يحكمها مجرمون"، وأعطى مثالاً معيناً. ويبدو أنه كان معروفاً بجهره بآرائه قبل هذه الحادثة.


ونتيجة لهذا التصريح كما يبدو، ألقى أفراد الأمن الداخلي القبض عليه بينما كان في مؤتمر الشعب الأساسي واعتُقل طوال عدة أشهر. وبحسب ما قاله فتحي الجهمي، فقد حوكم مرتين بالتهم ذاتها في محكمة الشعب في منطقتين مختلفتين داخل طرابلس. وصدر عليه حكمان منفصلان، أحدهما بالسجن لمدة خمس سنوات والآخر بالسجن لمدة ثمانية أشهر مع وقف التنفيذ. وفي 10مارس/آذار 2004، نظرت محكمة الشعب الاستئنافية في قضيته وحكم عليه بالسجن لمدة عام مع وقف التنفيذ. وأطلق سراحه أخيراً في 12 مارس/آذار 2004.23


وإثر الإفراج عنه، قام فتحي الجهمي بعدة مقابلات إعلامية، من بينها قناة الحرة العربية التي مقرها الولايات المتحدة الأمريكية، وقناة العربية التي مقرها دبي، وخلال هذه المقابلات ما ب5?ح ينادي بإجراء الإصلاحات في ليبيا. ونتيجة لذلك، فإن الخدمات الأساسية، مثل هاتفه، قطعت عنه، على ما يبدو. وفي 26 مارس/آذار 2004، تعرض للضرب خارج منزله، حسبما ورد. وفي أعقاب ذلك، فقد أقاربه وأصدقاؤه، وغيرهم ممن لهم علاقة به، الاتصال بفتحي الجهمي وزجته وابنه الأكبر محمد. وفي أثناء كتابة هذا التقرير، لم تكن أفراد أسرته قد تلقت أي معلومات رسمية بمكان وجودهم.

استُخدمت القوانين التالية، التي تقيد بشدة الحق في حرية التعبير والحق في الاشتراك في الجمعيات، لقمع جميع المتهمين بمعارضة النظام السياسي الحالي أو انتقاده.


  1. القانون 71 للعام 1972 الذي يحظر أي شكل من أشكال النشاط الجماعي القائم على أيديولوجية سياسية معارضة لمبادئ ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول 1979. فالمادة 3 من القانون 71 تنص على توقيع عقوبة الإعدام بسبب تشكيل مجموعات يحظرها القانون أو الانضمام إليها أو دعمها.

  2. المادة 206 من قانون العقوبات (القانون 48 للعام 1956) التي تنص على إنزال عقوبة- الإعدام بأولئك الذين يدعون "إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور قانوناً"، وحتى بالنسبة لأولئك الذين ينتسبون إلى مثل هذا التنظيم أو يساندونه.

  3. المادة 208 التي تحظر تأسيس أي جمعية دولية أو الانضمام إليها، تنص على "يعاقب بالحبس كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو

أدار في البلاد دون ترخيص من الحكومة أو بترخيص صدر بناء عن بيانات كاذبة أو ناقصة جمعيات أو هيئات أو أنظمة ذات صفة دولية غير سياسية أو فرعاً لها".

  1. المادة 178 التي تنص على السجن مدى الحياة بسبب نشر معلومات تُعتبر "بأنها تسيء إلى سمعة (البلاد) أو تزعزع الثقة بها في الخارج".

  2. المادة 207 التي تنص على يعاقب بالإعدام كل من روج في البلاد بأية طريقة من الطرق نظريات أو مبادئ ترمي لتغيير مبادئ الدستور

الأساسي أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو لقلب نظم الدولة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو لهدم أى نظام من النظم الأساسية للهيئة

الاجتماعية باستعمال العنف والإرهاب أو أية وسيلة أخرى غير مشروعة".


وكانت منظمة العفو الدولية تأمل بأن تنص مسودة قانون العقوبات، التي أعلنت عنها السلطات الليبية في العام 2003، على إدخال تحسين على القانون. وتتضمن الأهداف المحددة في المسودة "حصر استخدام عقوبة الإعدام ضد المجرمين الخطرين الذين لا يمكن إعادة تأهيلهم...". بيد أنها تمضي قدماً لتعريف "المجرمين الخطرين" بأنهم يشملون أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد وحدة المجتمع وأمنه وتعاملوا مع دول أجنبية لإلحاق الأذى بالدولة. وهذه الصياغة، إلى جانب عبارات غامضة مثل "ترويج الشائعات" أو "الإهانة" أو "الإساءة إلى سمعة الدولة" أو "التحريض" – عرضة للتأويل ويمكن أن تؤدي إلى فرض عقوبة الإعدام على المعارضين السياسيين ومنتقدي الحكومة المسالمين. وحتى أولئك الذين يشاركون في مؤتمرات أو ينشرون كتاباتهم يمكن أن يتعرضوا للسجن.


وتتضمن مسودة قانون العقوبات نصوصاً محددة تنص على توقيع عقوبات قاسية، بينها عقوبة الإعدام، بسبب القيام بأنشطة اجتماعية أو سياسية سلمية :

  1. تعاقب المادة 152 بالسجن كل ليبي قام في الخارج بنشر أو تبليغ أخبار أو إشاعات كاذبة أو مبالغ فيها أو مثيرة للقلق حول الحالة الداخلية في الجماهيرية بشكل يسيئ إلى سمعتها، أو يزعزع الثقة بها في الخارج أو قام على أي وجه من الوجوه بنشاط من شأنه إلحاق الضرر بمصالح البلاد.

  2. تعاقب المادة 164 بالسجن كل من يسعى إلى تشويه سمعة أهداف الثورة أو يُشهِّر بقائدها، فضلاً عن أي شخص يهين السلطات العامة أو الشعب الليبي.

  3. تعاقب المادة 167 بالسجن على كل من قام بدعاية مثيرة ضد النظام الجماهيري أوسعى لإثارة الفرقة والكراهية بين مواطنى الجماهيرية أو قام بالتظاهر أو الإضراب عن العمل بقصد معارضة النظام الجماهيري أو الإخلال.

  4. وتشتمل العبارات المستخدمة في هذا الجزء من القانون "ترويج الإشاعات" و"الإساءة".

  5. تعاقب المادة 173 بالإعدام كل من دعا إلى إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل مضاد لثورة الفاتح العظيم في الغاية والوسيلة أو يرمي إلى المساس بسلطاتها الشعبية سواء كان سرياً أو علنياً أو كان الفكر الذي يقوم عليه مكتوباً أو غير مكتوب أو استعمل دُعاته أو مؤيدوه وسائل مادية أو غير مادية.

  6. تفرض المادة 174 عقوبة السجن لمدة لا تقل عن عشر سنوات على كل من يروج في البلاد، بأي شكل، لمبادئ أو نظريات تهدف إلى تغيير نظام الحكم.

  7. تفرض المادة 175 عقوبة السجن على كل شخص (باستثناء الزوج أو الأبناء أو الأحفاد) يعلم بالجرائم المنصوص عليها في المادتين 173 و174.

  8. تعاقب المادة 176 بالحبس كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو أدار في البلاد دون ترخيص من الحكومة أو بترخيص صدر بناء عن بيانات كاذبة أو ناقصة جمعيات أو هيئات أو أنظمة ذات صفة دولية غير سياسية أو فرعاً لها.


وطوال سنوات عديدة، حثت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية على التقيد بواجبها في ضمان التوافق بين القانون الليبي والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وهذا يشمل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه "لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل شفوي أو مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها." وعلاوة على ذلك تنص المادة 6(2)من العهد المذكور على أنه "المادة 6(2) من العهد المذكور على أنه "لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام،أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة". وقد فُسَّر هذا النص في عدة قرارات أصدرتها لجنة حقوق الإنسان، كان آخرها القرار 2003/67الذي يقتضي ألا يتجاوز مفهوم "أشد الجرائم خطورة الجرائم الدولية التي تترتب عليها عواقب مميتة أو خطيرة للغاية وعلى ألا تفرض عقوبة الإعدام على الجرائم غير المصحوبة بالعنف ... مثل الممارسة الدينية السلمية والتعبير السلمي عن الوجدان."


وقد أعربت لجنة حقوق الإنسان – هيئة الخبراء التي تراقب تنفيذ الدول للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – في ملاحظاتها الختامية حول التقرير الدوري الليبي في 6نوفمبر/تشرين الثاني 1998عن "قلقها العميق إزاء القيود العديدة المفروضة، في القانون والممارسة، على الحق في حرية التعبير، وبصفة خاصة على الحق في التعبير عن المعارضة للحكومة أو انتقادها، وللنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي القائم والقيم الثقافية السائدة في الجماهيرية العربية الليبية."27وحثت اللجنة السلطات الليبية على ’إجراء تحليل انتقادي صادقللقيود المفروضة على المواد التي تكفل الحق في حرية التعبير والحق في الاشتراك في الجمعيات ضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.28وقد تقاعست السلطات الليبية عن تنفيذ هذه التوصيات.


العقبات التي تعترض سبيل حقوق الإنسان

تعمل مؤسسات خيرية عديدة داخل ليبيا وقد التقت منظمة العفو الدولية بعدد منها27، على مستوى فردي وفي اجتماع أوسع رتبته منظمة العفو الدولية خلال الزيارة التي قامت بها في فبراير/شباط 2004. ورغم وجود هذه الجمعيات الخيرية، ما زالت منظمات حقوق الإنسان أو الأشخاص الراغبون في مزاولة أنشطة حقوق الإنسان ممنوعين من العمل، باستثناء جمعية حقوق الإنسان التابعة لمؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية. وأصبحت جمعية حقوق الإنسان التي يترأسها جمعة عتيقة، وهو محام وسجين سياسي سابق، صوتاً قوياً لحماية حقوق الإنسان وتعزيزها في البلاد. بيد أن الآخرين الراغبين في العمل في مضمار حقوق الإنسان يضطرون للعمل في الخارج.


وخلال الزيارة التي قامت بها منظمة العفو الدولية إلى ليبيا في فبراير/شباط 2004، علمت بأن عدداً من المواطنين الليبيين يتوقون للقيام بأنشطة حقوق الإنسان في بلادهم. وسلط محامون أعضاء في نقابة المحامين بطرابلس الذين أسسوا مؤخراً لجنة للحريات، الضوء على القيود القانونية وسواها من القيود التي ما زالت تواجه أولئك الذين يسعون للعمل في هذا الحقل. وروى لنا أحد المحامين محاولته التي لم يكتب لها النجاح لإنشاء لجنة لحقوق الإنسان تضم 250 عضواً في العام 1977. وفي العام 1988 قام المحامون بمحاولة ثانية لتشكيل هيئة مستقلة لحقوق الإنسان، لكن السلطات سرعان ما استمالتها إليها. وفي العام 1998، حاول المحامون تشكيل لجنة لحقوق الإنسان داخل نقابة المحامين. وفي هذه المناسبة وعقب إصدار تقرير حول أوضاع حقوق الإنسان في ليبيا، جرى تجميد أنشطتهم. وفي الآونة الأخيرة، شكل 40 محامياً أعضاء في نقابة محامي طرابلس لجنة للحريات. وعبر بعضهم عن اهتمامه بإنشاء جمعية مستقلة عن نقابة المحامين.


والمخاوف التي تراود الذين يودون العمل في هذا المجال مبينة على أسباب حقيقية عندما يواجهون قوانين تتسم بقيود شديدة. وكما ذكرنا أعلاه، تفرض المادة 206 من قانون العقوبات عقوبة الإعدام على أولئك الذين يدعون إلى "إقامة أي تجمع أو تنظيم أو تشكيل محظور قانونياً""، فضلاً عن أولئك الذين ينتسبون إلى هذا التنظيم أو يدعمونه. وقد أبقي هذا النص في المادتين 141 و145من مسودة القانون الجديد، الذي يفرض عقوبة الإعدام على " كل من خابر دولة أجنبية أو أي شخص آخر يعمل لمصلحتها أو ألقى الدسائس بقصد استعدائها على الجماهيرية أو تمكينها من العدوان عليها" أو "نقل أخباراً إلى [العدو] أو كان مرشداً له أو حرض الغير على الانضمام إلى العدو."وعلاوة على ذلك، يظل العديد من الليبيين الذين يعيشون داخل البلاد وخارجها، يشعرون بالخوف حتى من الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان خشية الانتقام منهم أو من أقربائهم.


وشكل هذا الأمر مثار قلق للجنة مناهضة التعذيب – هيئة الخبراء التي تراقب تنفيذ الدول الأطراف لاتفاقية مناهضة التعذيب – التي خلصت إلى أن "صياغة المادة 206 من قانون العقوبات يمكن أن تشكل عقبة أمام إنشاء منظمات غير حكومية مستقلة لحقوق الإنسان"30كما أن معايير دولية مثل إعلان الأمم المتحدة الخاص بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالمياً (الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان) والذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9ديسمبر/كانون الأول 1998، يمنح أيضاً حق العمل بشأن قضايا حقوق الإنسان بصورة فردية أو بالاشتراك مع الآخرين.31


2.2 التوقيف والاعتقال التعسفيان

في السنوات الأخيرة، انتهكت السلطات بصورة روتينية المعايير الدولية فضلاً عن الضمانات القانونية المنصوص عليها حالياً في القانون الليبي المتعلق بالتوقيف والاعتقال والمحاكمة.32 وقد عطلت هذه الانتهاكات حياة المئات من المعارضين السياسيين الحقيقيين والمشتبه بهم، فضلاً عن المهاجرين وطالبي اللجوء المحتملين. ووثقت منŸ?مة العفو الدولية حالات عديدة توضح هذه الانتهاكات، بما فيها الاعتقال بعد انقضاء فترة العقوبة؛ والاعتقال غير القانوني لليبيين العائدين من الخارج؛ والاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي، حيث يتعرض المعتقلون لخطر التعذيب وسوء المعاملة.


الاعتقال غير القانوني

الاعتقال بعد انقضاء فترة العقوبة

يبدو أن ممارسة الاعتقال غير القانوني بعد انقضاء فترة العقوبة تنتشر على نطاق واسع ويمكن أن تترتب عليها في بعض الحالات عواقب خطيرة وحتى مميتة، بسبب الأوضاع السيئة في السجون أو عدم كفاية رعاية السجناء.


[صورة – 1-01-الإريتريون]

في فبراير/شباط 2004، التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بسبعة مواطنين إريتريين [مسفين أمان آدم ومسغنا سيوم تدلا وأبييل تكلي هيلي وريزين إسحاق يوهانز وزكرياس مايكل بلاي ويوناس نغاشي برهان ومايكل يماني تكلي]ورد أنهم فروا من الجيش الإريتري في أوقات مختلفة خلال العام 2002 وهربوا من إريتريا إلى السودان ثم إلى ليبيا. وقُبض عليهم في 11أغسطس/آب 2004، بينما كانوا يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط متوجهين إلى إيطاليا حيث كانوا يعتزمون طلب اللجوء. وأدينوا فيما بعد بدخول البلاد بصورة غير قانونية، لكن لم يتم الإفراج عنهم بعد انقضاء محكوميتهم البالغة ثلاثة أشهر في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2002. وبعد منحهم صفة لاجئ في مارس/آذار 2004، دعت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين السلطات الليبية إلى إطلاق سراح الرجال السبعة. وعند كتابة هذا التقرير، كانوا ما زالوا رهن الاعتقال.


وطوال فترة حوالي الثمانية عشر شهراً للاعتقال التعسفي، عاش السبعة في خوف من ترحيلهم إلى إريتريا، حيث يمكن أن يتعرضوا لخطر انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وقد نُقلوا إلىعدة سجون مختلفة. وفي حالتين منفصلتين، وصف الرجال كيف تعرضوا للضرب بالعصي؛ المرة الأولى قبل نقلهم في شاحنة حشروا فيها مع العشرات غيرهم. وحدثت المرة الثانية أثناء نقلهم من سجن غريان إلى ثلاثة سجون أخرى. وقال مايكل يماني تكليإنه أُصيب بجروح بليغة في المرة الثانية، وفقد وعيه بعد ضربه على رأسه بهراوة. وخلال حادثة منفصلة، زُعم أن رزين إسحاق يوهانستعرض للضرب بسلك على يد حارس بينما كان في سجن جديدة في يناير/كانون الثاني 2004. وقال الرجال لمنظمة العفو الدولية "كنا نريد فقط الخروج من الاعتقال. لقد شهدنا هنا في السجن ما لم نشهده قط في بلادنا."


وتوفي مواطن إريتري آخر اسمه بنيام أبرههكان في مطلع العقد الرابع من عمره ومتزوجاً وله ابنة واحدة، في الحجز ليلة 16-17سبتمبر/أيلول 2003. وكان قد اعتُقل في سجن غريان مع الإريتريين السبعة المذكورين أعلاه. وبحسب ما ورد كان معتقلاً في ليبيا منذ مطلع العام 2002، بتهم تتعلق بمعاقرة الخمرة، والتي حُكم عليه أيضاً بسببها بالسجن مدة ثلاثة أشهر. ويبدو أنه أصيب بداء الدرن نتيجة سوء الأوضاع في السجن وزُعم أنه حُرم من الرعاية الطبية رغم أنه طلبها بصورة متكررة. وقبل وفاته مباشرة، طلب مسفين أمان آدم والمعتقلون الإريتريون الآخرون مرة أخرى إرسال بينام أبرهة إلى المستشفى للعلاج. وعوضاً عن ذلك، احتُجز كما ورد في الحبس الانفرادي في غرفة قذرة بين 5و16سبتمبر/أيلول 2003حتى فارق الحياة.


الاعتقال التعسفي لليبيين العائدين من الخارج

أعلنت السلطات الليبية على الملأ أنها تشجع الليبيين الموجودين في المنفى على العودة إلى البلاد،33وأنهم يستطيعون استئناف حياتهم الطبيعية عند عودتهم. وقال الصادق كريمة نائب رئيس قسم العلاقات والتعاون الدولي (المعروف أيضاً بوكالة الأمن الخارجي، وهو جهاز مخابرات) لمنظمة العفو الدولية في فبراير/شباط 2004 إن وكالة الأمن الخارجي سهلت، بالتعاون مع مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية، عودة المواطنين الليبيين من دول مثل أفغانستان وباكستان واليمن في إطار مشاركتها النشطة في ’الحرب على الإرهاب‘. وأكد الصادق كريمة للمندوبين بأن العشرات من المواطنين الليبيين عادوا إلى ليبيا في السنوات الأخيرة من دون تعرضهم للتوقيف أو الاعتقال بعد عودتهم.


وأجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات مع بعض العائدين. وقد ذكروا أنه لم يتم عادة اعتقالهم عند عودتهم، لكنهم استُدعوا للاستجواب من جانب وكالة الأمن الخارجي. ورغم أنهم استطاعوا نوعاً ما استئناف حياتهم العادية، إلا أنهم واجهوا صعوبات مالية ويظلون تحت المراقبة الشديدة، عادة من جانب أفراد جهاز الأمن الداخلي. وقال أحدهم لمنظمة العفو الدولية إنه حلق لحيته خوفاً من إلقاء القبض عليه في إطار السياسة التي تنتهجها السلطات ضد من تصفهم "بالزنادقة".


ويساور منظمة العفو الدولية القلق على مصير الآخرين الذين عادوا إلى ليبيا وتعرضوا للتوقيف والاعتقال التعسفي. ومما يثير القلق الشديد ملاحظة الاعتقال التعسفي لبعض المواطنين الليبيين عند وصولهم رغم التأكيدات التي تلقوها بأنهم سيكونون بمأمن وقادرين على استئناف حياتهم العادية.


وفي 2مايو/أيار 2002عاد مصطفى محمد أكرير، وهو مواطن ليبي يحمل الجنسية الكندية، إلى ليبيا بعد غياب دام حوالي 15عاماً. وقد ألقي القبض عليه عند وصوله، وظل رهن الاعتقال منذئذ. وكان قد سافر في البداية إلى مالطا، حيث ورد أنه تلقى تأكيدات من أفراد قوات الأمن الليبية ومن المسؤولين في المكتب الشعبي الليبي (السفارة الليبية) في مالطا بأنه لن يلقى القبض عليه عند عودته. ويبدو أن المكتب الشعبي الليبي في مالطا قدم له تذكرة ووثائق السفر على السواء.


ولدى وصوله إلى مطار طž?ابلس، ورد أنه اعتُقل لاستجوابه، أولاً في المطار وفيما بعد على أيدي أفراد جهاز الأمن الداخلي. واحتُجز في سجن عين زاره معظم فترة اعتقاله. وقابل محامياً للمرة الأولى في 15 مارس/آذار 2004، بعد قرابة العامين من اعتقاله، عندما مثل للمرة الأولى أمام محكمة الشعب. واتُهم مع العشرات غيره بشأن صلته المزعومة بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة.34وهو ينفي التهم المنسوبة إليه.


وكان مصطفى محمد أكرير قد غادر ليبيا في العام 1989 بعدما بدا أنه مطلوب من السلطات الليبية وبعد اعتقال شقيقه المختار محمد أكرير. وبحسب ما ورد قرر العودة إلى ليبيا بعدما أبلغت السلطات الليبية عائلته في منتصف إبريل/نيسان 2002بوفاة شقيقه المختار محمد أكرير في الحجز.


وقبض على ثلاثة مواطنين ليبيين على الأقل واعتُقلوا بصورة تعسفية عقب عودتهم من السودان إلى ليبيا في نهاية العام 2002. ألقي القبض علىعبد المنعم عبد الرحمن ومحمد عبد الحميد رشيد الجازوي وإسماعيل عمر جبريل اللواطي واعتُقلوا في سبتمبر/أيلول 2002في السودان وحُكم عليهم بدفع غرامة بسبب الإقامة غير القانونية في السودان وأُمروا بمغادرة البلاد. وعندما التقى مندوبو منظمة العفو الدولية بالرجال الثلاثة في سجن أبو سليم في فبراير/شباط 2004،ذكروا أن ا لمسؤولين السودانيين وعدوهم بعودة آمنة إلى ليبيا بعدما تلقوا كما يبدو ضمانات من مؤسسة القذافي الدولية للجمعيات الخيرية والمكتب الشعبي الليبي في الخرطوم. وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول 2002، أُرسل الرجال الثلاثة وعائلاتهم إلى ليبيا. ولدى وصولهم، فُصلوا فوراً عن عائلاتهم وعُصبت أعينهم وكُبلوا بالأصفاد وورد أنهم احتُجزوا من جانب أفراد في جهاز الأمن الخارجي.35


وبعد فترة اعتقال لدى جهاز الأمن الخارجي، احتُجز الرجال لدى جهاز الأمن الداخلي قبل نقلهم إلى السجن. وفي الربع الأول من العام 2003، مثلوا أمام مكتب الادعاء الشعبي للمرة الأولى. ومنذ ذلك الحين، مثل الرجال الثلاثة أمام محكمة الشعب في قضايا منفصلة مرتبطة بأنشطتهم السياسية المزعومة.


ووفقاً لما ذكره أحد الرجال الثلاثة، إسماعيل عمر جبريل اللواطي، فأنه يواجه المحاكمة مع أكثر من 50شخصاً آخر لديهم خلفيات عديدة مختلفة. وهم متهمون بالبقاء خارج ليبيا من دون تصريح والقتال ضد دولة صديقة.

قُبض على إسماعيل عمر جبريل اللواطي عند عودته من السودان إلى ليبيا. وهو من مواليد 8 يناير/كانون الثاني 1967، وقضى فترة في أفغانستان وباكستان بين عامي 1991و1993، ثم استقر في السودان. I، فبراير/شباط 2004



ومحمد عبد الحميد رشيد الجازوي، من مواليد 4 يونيو/حزيران 1968 بالدارنة، وأُلقي القبض عليه عند عودته من السودان إلى ليبيا. وكان طالباً وحارس مرمى لفريق ديرنة لكرة القدم عندما غادر ليبيا إلى باكستان وأفغانستان في عام 1991. واستقر في السودان عام 1995 حيث تزوج سوادنية ومارس تجارة صغيرة هناك. I، فبراير/شباط 2004


وأبلغ منظمة العفو الدولية أنه منذ القبض عليه، حُرم من حق الاتصال بعائلته. وذكر محمد عبد الحميد رشيد الجازوي أنه يحاكم مع عشرات الأشخاص الآخرين.36 وقال إنه لم يلتق قط بالمحامي الذي عينته المحكمة. وقال عبد المنعم عبد الرحمن إنه يحاكم أيضاً بشأن انتسابه المزعوم إلى الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة. وأوضح أنه على حد علمه لم يمثله أي محام في المحكمة. ومن المقرر صدور الحكم في أواخر إبريل/نيسان 2004.


كذلك وثَّقت منظمة العفو الدولية حالات لمواطنين ليبيين أُعيدوا قسراً إلى ليبيا ويظل مصيرهم مجهولاً منذ عدة سنوات.


ففي 13فبراير/شباط 2000أُعيدت مجموعة تضم ثمانية ليبيين قسراً من الأردن إلى ليبيا. وأُلقي القبض عليهم في الأردن في نهاية ديسمبر/كانون الأول 1999أو بداية العام 2000للاشتباه بتعاطفهم مع جماعات إسلامية. وترددت أنباء بأن الليبيين الثمانية أُعدموا رمياً بالرصاص بعد عودتهم إلى ليبيا. ولم تتضمن المزاعم التي أوردتها وسائل الإعلام 37تفاصيل حول الحادثة أو تذكر أسماء الضحايا. وفي حينه، أصدرت منظمة العفو الدولية مناشدات عاجلة في مارس/آذار 200038، لكنها لم تتلق رداً من السلطات. وخلال الزيارة التي قاموا بها إلى ليبيا في فبراير/شباط 2004، أكد الصادق كريمة نائب رئيس جهاز الأمن الخارجي لمندوبينا بأنه لم يُقتل أحد من الليبيين الذين عادوا في هذه الحالة.


التقى مندوبو منظمة العفو الدولية أيضاً بعادل سالم كاموكا، أحد الليبيين الثمانية الذين أُعيدوا. وقال أيضاً إنه على حد علمه، لم تقع أية عملية قتل بعد عودته. بيد أنه بعد مضي أربع سنوات على الأحداث، ما زالت السلطات تتقاعس عن الإدلاء بمعلومات حول مصير السبعة الآخرين الذين أُعيدوا في فبراير/شباط 2000.