Document - أفغانستان\u0000نقل المعتقلين إلى براثن التعذيب:\u0000تواطؤ القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف)؟

AFGHANISTAN أفغانستان

أفغانستان
نقل المعتقلين إلى براثن التعذيب:
تواطؤ القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف)؟


مسرد المختصرات
منظمة العفو الدولية
Amnesty International
AI
اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان
Afghanistan Independent Human Rights Commission
AIHRC
الجيش الوطني الأفغاني
Afghan National Army
ANA
الشرطة الوطنية الأفغانية
Afghan National Police
ANP
رابطة الحريات المدنية في كولومبيا البريطانية
British Columbia Civil Liberties Association
BCCLA
بعثة الشرطة التابعة للاتحاد الأوروبي في أفغانستان
European Union Police Mission in Afghanistan
EUPOL
مكتب الخارجية والكومنويلث
Foreign and Commonwealth Office
FCO
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
International Convention on Civil and Political Rights
ICCPR
اللجنة الدولية للصليب الأحمر
International Committee of the Red Cross
ICRC
القانون الإنساني الدولي
International Humanitarian Law
IHL
القوة الدولية للمساعدة الأمنية
International Security Assistance Force
ISAF
دائرة معلومات الدولة
Khadamat-e Etela'at-e Dawlati (or State Information Service)
KhAD
مذكرة تفاهم
Memorandum of Understanding
MoU
منظمة معاهدة شمال الأطلسي
North Atlantic Treaty Organisation
NATO
منظمة غير حكومية
Non-Governmental Organization
NGO
إدارة الأمن الوطني
National Directorate of Security(1)
NDS
عملية الحرية الدائمة
Operation Enduring Freedom
OEF
الممثل الخاص للأمين العام
Special Representative of the Secretary-General
SRSG
الأمم المتحدة
United Nations
UN
بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان
United Nations Assistance Mission in Afghanistan
UNAMA
اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب
United Nations Convention against Torture
UNCAT


.1 المقدمـة
ظل المعتقلون في أفغانستان يواجهون التعذيب وإساءة المعاملة في سياق النـزاع الدائر بين الحكومة الأفغانية والقوات العسكرية الدولية والجماعات المسلحة كحركة طالبان. ويساور منظمة العفو الدولية قلق متزايد بشأن مصير العديد من المعتقلين الذين يواجهون خطر التعذيب وإساءة المعاملة عندما تقوم القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) بنقلهم إلى حجز السلطات الأفغانية.
وتشعر المنظمة بقلق خاص بشأن سياسة الدول المشاركة في القوة الدولية للمساعدة الأمنية بتسليم الأشخاص إلى إدارة الأمن الوطني، وهي جهاز المخابرات الأفغاني. وتُظهر أبحاث منظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى عمل جهات أخرى، نمطاً لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد إدارة الأمن الوطني ويفلتون من العقاب عليها.1 إن عشرات المعتقلين لدى إدارة الأمن الوطني، وبعضهم اعتُقل تعسفاً واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي، أي من دون السماح لهم بالاتصال بمحامييهم وعائلاتهم واللجوء إلى المحاكم أو الهيئات الخارجية الأخرى، قد تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، بما فيها الجلد بالسياط، وتعريض المعتقلين للبرد القارس وحرمانهم من الطعام.
وما فتئت منظمة العفو الدولية تعرب عن قلقها الخاص بشأن ممارسات الاعتقال في أفغانستان منذ عام 2002، بما فيها تلك التي تمارسها القوات الأمريكية العاملة ضمن "عملية الحرية الدائمة"2 ونظام السجون الأفغاني بوجه عام. 3 وفي الوقت الذي يركز هذا التقرير على سياسة الاعتقال التي تنتهجها دول إيساف وسلطات أفغانية محددة، فإن منظمة العفو الدولية أعربت عن قلقها كذلك بشأن عجز جميع أطراف النـزاع عن الوفاء بالتزاماتها الدولية – ومن هذه الأطراف القوات العسكرية الدولية والحكومية الأفغانية والجماعات المسلحة من قبيل حركة طالبان.4
إن صلاحيات القوة الدولية للمساعدة الأمنية في أفغانستان منبثقة عن قرار مجلس الأمن رقم 1386 الصادر في 20 ديسمبر/كانون الأول 2001. ويؤكد القرار على أن إيساف يجب أن"تساعد السلطة الأفغانية المؤقتة في حفظ الأمن في كابول والمناطق المحيطة بها".5 ومع توسيع نطاق صلاحيات إيساف ليشمل البلاد بأسرها، فقد ازدادت أهميتها كمنظمة تقوم بنقل المعتقلين، وازداد قلق منظمة العفو الدولية بسبب الأنباء الواردة حول تعرض المعتقلين للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة على أيدي السلطات الأفغانية.
ومنذ مطلع العام 2007، ما انفكت منظمة العفو الدولية تجري تحقيقات في سياسات دول منظمة معاهدة شمال الأطلسي (حلف الناتو) وإيساف، التي تنظِّم عمليات نقل المعتقلين (باستخدام الاتفاقيات أو مذكرات التفاهم بشكل أساسي)،6 وظلت تقوم بتوثيق حالات التعذيب وإساءة المعاملة. ويتضمن هذا التقرير مدى تعقيد عمليات نقل المعتقلين في أفغانستان، ويُظهر المجالات التي تثير قلقاً عميقاً، حيث تعتقد المنظمة أن المجتمع الدولي عجز عن الوفاء بالتزاماته الدولية، ولاسيما مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو مبدأ مطلق ولا يسمح بأي استثناءات.
إن منظمة العفو الدولية لا تسعى إلى أن تتولى إيساف مسؤولية العملية القضائية الأفغانية، ولا تعتقد أن مشكلات حقوق الإنسان وغيرها من التحديات في النظام القضائي الأفغاني ستُحل على أفضل وجه عن طريق تقليص هذا القطاع أو التراجع عن العمل فيه.
إن المجتمع الدولي، بما فيه دول إيساف والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومة الأفغانية واللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، بحاجة إلى إيجاد سبيل للتصدي لعمليات نقل المعتقلين وقضية التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة.
لقد وقع نظام الاعتقال بين الإصلاحات في قطاعي الأمن والقضاء، ولاسيما بين التجنيد في الجيش والشرطة والتدريب، وبين إصلاح النظام القانوني الأفغاني. إن الاعتقال يعتبر جزءاً لا يتجزأ من نظام العدالة، وإن العجز عن تحسين الظروف وضمان حقوق الإنسان يعتبر من أعراض فشل التزامات المجتمع الدولي بتعزيز واحترام حقوق الإنسان في أفغانستان.
إن منظمة العفو الدولية منظمة مستقلة عن جميع الحكومات والعقائد السياسية والمعتقدات الدينية. وهي لم تؤيد ولم تعارض الحرب في أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2001، ولا تتخذ موقفاً من شرعية النضال المسلح ضد القوات الأجنبية أو الأفغانية. وكما هي الحال في النـزاعات المسلحة الأخرى، سواء الدولية أو غير الدولية، فإن المنظمة ركزت على إصدار التقارير بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل جميع الأطراف المشاركة في الأعمال الحربية، وعلى القيام بحملات لمناهضتها.

.3 السياق
في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2001، أُطلقت "عملية الحرية الدائمة" بقيادة الولايات المتحدة رداً على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وقد منح قرار مجلس الأمن رقم 1368 الذي اعتُمد في 12 سبتمبر/أيلول 2001 سلطة قانونية دولية لعملية الحرية الدائمة، وشجب هجمات 11 سبتمبر/أيلول وأكد على حق الدول في الدفاع عن نفسها فردياً وجماعياً. وقد هدفت "عملية الحرية الدائمة" إلى الإطاحة بحكومة طالبان التي كانت قد منحت أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة ملاذاً آمناً. وقد استُكملت قوات الولايات المتحدة بقوات إيساف في العام 2001.
لقد انبثق إنشاء إيساف، بسلطات الاعتقال الممنوحة لها، من قرار مجلس الأمن رقم 1386 الصادر بتاريخ 20 ديسمبر/كانون الأول. ووفقاً لاتفاقية بون وقرار مجلس الأمن رقم 1386، فقد أُنشأت إيساف من أجل "مساعدة السلطة الأفغانية المؤقتة في حفظ الأمن في كابول والمناطق المحيطة بها" بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.7 كما سُمح لقوات إيساف "باتخاذ جميع التدابير الضرورية للوفاء بصلاحياتها".8 وتم توسيع نطاق هذه السلطة لتشمل جميع أنحاء أفغانستان بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1510 الصادر بتاريخ 13 أكتوبر/تشرين الأول 2003.
وقبيل توسيع نطاق صلاحيات إيساف، تولى حلف الناتو، في مهمته الأولى خارج أوروبا، السيطرة على إيساف في 11 أغسطس/آب 2003.9 وقد تولت بعثة إيساف، ضمن أربع مراحل، مهمات "عملية الحرية الدائمة" بقيادة الولايات المتحدة، مع اتساع النطاق الجغرافي الذي تغطيه من كابول في عام 2001 إلى البلاد بأسرها بحلول أكتوبر/تشرين الأول 2007. وكانت قوات إيساف قد تحركت في البداية إلى شمال أفغانستان (أكتوبر/تشرين الأول 2004)، ثم إلى الغرب (سبتمبر/أيلول 2005)، ثم إلى الجنوب (يوليو/تموز 2006)، وأخيراً حلت محل قوات "عملية الحرية الدائمة" في الشرق في أكتوبر/تشرين الأول 2006. وتتألف إيساف في الوقت الراهن من أكثر من 35,000 عنصر وتحصل على مواردها من 37 دولة، منها الدول الأعضاء في حلف الناتو البالغ عددها 26 دولة.10
وتتعاون قوات إيساف والقوات المتبقية من "عملية الحرية الدائمة" مع قوات الأمن الأفغانية، ومنها الجيش الوطني الأفغاني والشرطة الوطنية الأفغانية وإدارة الأمن الوطني، وتقوم بعمليات مشتركة معها. ونظراً لقلة عدد قوات الجيش الوطني الأفغاني، فإنه يتم نشر قوات الشرطة الوطنية الأفغانية وإدارة الأمن الوطني في بعض الأحيان كي تشارك في العمليات العسكرية.
وفي الفترة بين عامي 2002 و2005، اعتادت قوات إيساف على تسليم المعتقلين إلى قوات "عملية الحرية الدائمة". ومع توسيع قوات إيساف حتى أصبحت في النهاية أكبر من قوات "عملية الحرية الدائمة"، بدأت إيساف بنقل المعتقلين إلى السلطات الأفغانية مباشرة. وفي ذلك الوقت تلقى حلف الناتو نصيحة تفيد بأن إدارة الأمن الوطني هي المؤسسة الأكثر ملاءمة لنقل المعتقلين إلى حوزتها.
ويتمثل باعث القلق الرئيسي لمنظمة العفو الدولية في أن دول إيساف، بمحاولتها الوفاء بصلاحيات الاعتقال ودعم السيادة الأفغانية عن طريق نقل المعتقلين إلى السلطات الأفغانية، إنما تنتهك التزاماتها الدولية بعدم إرسال أي شخص ليعيش في أوضاع يتعرض في ظلها إلى خطر التعذيب أو إساءة المعاملة الجسيم.
إن مركزية حقوق الإنسان متضمَّنة في الصلاحيات التي منحتها الأمم المتحدة إلى إيساف وفي اتفاقيات دولية أخرى تتعلق بالمشاركة الدولية في أفغانستان. وقد شدد قرار مجلس الأمن الذي أُنشأت إيساف بموجبه على أن "جميع القوات الأفغانية يجب أن تتقيد بشكل صارم بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان... وبموجب القانون الإنساني الدولي."11 ومن صلاحيات إيساف "مساعدة السلطة الأفغانية المؤقتة على حفظ الأمن."12 ولذا فإن من الواضح أن قوات إيساف نفسها، على الأقل، يجب أن تتقيد بصرامة بالالتزامات القانونية الدولية.
وتتضمن الاتفاقيتان الدوليتان المتعلقتان بمستقبل أفغانستان – وهما اتفاقية بون واتفاقية أفغانستان – التزامات دولية واضحة بحقوق الإنسان. ومن هنا فإن اتفاقية بون تنص على إنشاء اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان،13 بالإضافة إلى النص على ما يلي في المادة (2)v:
"تعمل السلطة المؤقتة واجتماع اللوياجيرغا الطارئ وفقاً للمبادئ الأساسية والأحكام الواردة في الصكوك الدولية الخاصة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، التي أصبحت أفغانستان دولة طرفاً فيها."14
وتصنِّف اتفاقية أفغانستان "القيادة وحكم القانون وحقوق الإنسان" بين "مجالات أو أركان النشاط الثلاثة الحاسمة والمستقلة على مدى خمس سنوات ابتداءً من تاريخ اعتماد هذه الاتفاقية."15 وتنص الاتفاقية، من بين أمور أخرى، على أنه بحلول العام 2010:
"ستعتمد أجهزة الأمن الحكومية والوكالات المكلفة بتنفيذ القوانين تدابير تصحيحية تتضمن مدونات قواعد سلوك وإجراءات تهدف إلى منع الاعتقال التعسفي والتعذيب والابتزاز ونزع الملكية بشكل غير قانوني، وذلك بهدف القضاء على هذه الممارسات."16
وذُكرت اتفاقية بون في قرار مجلس الأمن رقم 1386، حيث أكد على قيام المجتمع الدولي بوضع حماية حقوق الإنسان واحترامها في صلب الجهود الدولية الرامية إلى المساعدة في إعادة بناء أفغانستان وصيانة أمنها.

.3 الإطار القانوني الدولي
يساور منظمة العفو الدولية قلق من أن دول إيساف تنتهك التزاماتها الدولية بتسليمها المعتقلين إلى إدارة الأمن الوطني، حيث يكون المعتقلون عرضة لخطر التعذيب وإساءة المعاملة. وكي نتناول الجوانب القانونية لهذه القضية، من الضروري فهم الإطار القانوني الذي تعمل القوات الدولية ضمنه في أفغانستان.
ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن النـزاع المسلح الدولي في أفغانستان انتهى بإنشاء الحكومة الانتقالية في يونيو/حزيران 2002. وحتى ذلك الوقت، فإن "الأشخاص المعتقلين بسبب نزاع مسلح دولي تشارك فيه دولتان أو أكثر كجزء من الحرب على الإرهاب – وهي حالة أفغانستان حتى إنشاء الحكومة الجديدة في يونيو/حزيران 2002 – يحظون بحماية القانون الإنساني الدولي المنطبق على النـزاعات المسلحة الدولية [...]"17
ومع إنشاء الحكومة الانتقالية، أصبح النـزاع المسلح نزاعاً "ليس له صبغة دولية".18 إن جميع أطراف النـزاع المسلح غير الدولي ملزمون، كحد أدنى، بتطبيق المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع. وبالإضافة إلى ذلك فإن العديد من أحكام معاهدات القانون الإنساني الدولي أصبحت قواعد للقانون الدولي العرفي، أي القواعد المستمدة من الممارسات الثابتة للدول والاعتبارات الثابتة بأن هذه الدول ملزمة بهذه القواعد. وتنطبق مثل هذه القواعد على جميع الدول بغض النظر عن الالتزامات بموجب المعاهدات. وهناك قواعد معينة صيغت في الأصل لتشمل النـزاع المسلح الدولي، باتت تُفهم الآن على أنها ملزمة لأطراف النـزاع المسلح غير الدولي كذلك. وفي سياق النـزاع في أفغانستان، لا تزال المادة 3 المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربع والقواعد ذات الصلة من القانون الإنساني الدولي العرفي تنطبق، شأنها شأن قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون المحلي.

1.3 القانون الإنساني الدولي
إن جميع معايير المعاملة الإنسانية المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي تعتبر ملزِمة لجميع الأطراف في أي نزاع مسلح، سواء كان دولياً أو غير دولي. ومن بين القواعد الأساسية للقانون الإنساني الدولي أن جميع الأشخاص الذين لا يلعبون دوراً نشطاً في النـزاع (بمن فيهم المدنيون الذين لا يشاركون في الأعمال الحربية، والمقاتلون الذين يتم أسرهم وتطويقهم أو يصابون بجروح) يجب أن يعامَلوا معاملة إنسانية. ويُحظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية والتعدي على كرامة الأشخاص، ولاسيما المعاملة المهينة والمذلة. وتنعكس هذه القاعدة الأساسية بشكل واضح في عدد من معاهدات القانون الإنساني الدولي.
ويعتبر التعذيب انتهاكاً خطيراً لاتفاقيات جنيف التي تلزم الأطراف المتعاقدة السامية "بالبحث عن"الأشخاص الذين يُشبته في أنهم انتهكوا مثل هذه الجرائم بغض النظر عن جنسيتهم، ومقاضاتهم أمام محاكم بلدانهم أو تسليمهم إلى بلدان يقدَّمون فيها إلى المحاكمة.19 كما أن التعذيب في جميع الظروف، بما فيها النـزاع المسلح غير الدولي، يعتبر جريمة مشمولة بالولاية القضائية العالمية – أي أن أي دولة يجب أن تقوم بأحد الإجراءات التالية، بموجب القانون الدولي العرفي، تجاه مرتكبي التعذيب المشتبه بهم، حتى لو كانوا من غير مواطني الدولة المعنية أو المقيمين فيها، ولو لم تقع الجريمة على أراضيها: 1) تقديم مثل هؤلاء الأشخاص إلى محاكمها، 2) تسليمهم إلى أي دولة طرف مستعدة للقيام بذلك، 3) تسليمهم إلى محكمة جنائية دولية ذات ولاية قضائية لمحاكمتهم على تلك الجرائم. ويمكن أن يشكل التعذيب جريمة ضد الإنسانية أو جريمة حرب بموجب الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية.20

2.3 القانون الدولي لحقوق الإنسان
ينطبق القانون الدولي لحقوق الإنسان في جميع الأوقات، سواء في السلم أو في الحرب.21 وهذا القانون الدولي لحقوق الإنسان منصوص عليه في المعاهدات الدولية، من قبيل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب. ويُذكر أن جميع دول إيساف هي دول أطراف في هاتين المعاهدتين. وفي حين أن بعض الحقوق التي تكفلها المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان يمكن أن يُنتقص منها في أوقات الطوارئ العامة، فإن الحق في عدم التعرض للتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة غير قابل للانتقاص.
وتنص المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه لا يجوز للدول، "حتى في أوقات الطوارئ العامة التي تتهدد حياة الأمة" أن تتنصل من حظر التعذيب وإساءة المعاملة المنصوص عليه في المادة 7 من العهد الدولي.
وفي تعليق عام على هذه المادة، أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مجدداً على أن هناك حقوقاً معينة ينص عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لا يجوز تقييدها حتى في حالات الطوارئ، ومنها حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (المادة 7)؛ وحق جميع المحرومين من حريتهم في معاملة إنسانية تحترم الكرامة المتأصلة فيهم (المادة 10)؛ وحظر احتجاز الرهائن والاختطاف والاعتقال غير المعترف به، وترحيل السكان أو نقلهم قسراً من دون أساس قانوني دولي سليم (المادة 12).22 وتشمل أحكام أخرى في العهد الدولي الحق في الإنصاف الفعال (المادة 2 (3)، والحق في الضمانات الإجرائية المتعلقة بالحقوق غير القابلة للانتقاص (من قبيل المحاكمة العادلة عند مواجهة عقوبة الإعدام).23
· مبدأ عدم الإعادة القسرية
بموجب القانون الدولي، وكجزء من الحظر المطلق للتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة، يتعين على الدول ألا تُقْدم أبداً على طرد أي شخص أو إعادته أو تسليمه إلى بلد يواجه فيه خطر التعذيب أو إساءة المعاملة – وهو ما يسمى بمبدأ عدم الإعادة القسرية. وهذه قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي التي تنطبق على جميع الدول.
تنص المادة (1)3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب على ما يلي:
"لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص أو أن تعيده (تردَّه) أو أن تسلمه إلى دولة أخرى إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب".
وعلاوة على ذلك، فإن المادة (2)3 تنص على ضرورة أن تراعي الحكومة المرسِلة، عند تقييم خطر التعذيب، وجود انتهاكات فادحة أو صارخة أو جماعية لحقوق الإنسان في الدولة المعنية.
وبموجب المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب، فإن التزامات الدول الأطراف تشمل عدم التواطؤ في اقتراف أفعال التعذيب أو الموافقة عليها أو السكوت عنها. وتطلب المادة 4 من الاتفاقية من جميع الدول الأطراف أن تحظر المشاركة في التعذيب أو التواطؤ في ارتكابه.24 ويمكن إيجاد التزامات إضافية في القواعد المتعلقة بمسؤولية الدولة، حيث ربما تنتهك دولة ما التزاماتها الدولية إذا ساعدت دولة أخرى، عن علم، في ارتكاب أفعال غير قانونية.25
إن الحظر المطلق لنقل المعتقلين إلى أماكن يتعرضون فيها لخطر التعذيب أو إساءة المعاملة هو أكثر من اشتراط ضيق وفني وإجرائي يتعلق بنقل المعتقلين عبر الحدود أو بين الدول. إنه جزء لا يتجزأ من مبدأ حظر التعذيب وإساءة المعاملة نفسه. ومثلما أكدت لجنة حقوق الإنسان، فإنه:
لا يجوز ترحيل أي شخص، بلا استثناء، حتى لو كان يُشتبه في أنه يمثل خطراً على الأمن القومي أو على سلامة أي شخص آخر، وحتى في حالات الطوارئ، إلى بلد يتعرض فيه لخطر التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة".26
إن صدور هذه العبارات من لجنة حقوق الإنسان في معرض تعليقها على المادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي لا تحتوي على نص واضح وصريح بشأن عدم الإعادة القسرية، إنما يؤكد على الطبيعة المطلقة لحظر نقل المعتقلين إلى أماكن يتعرضون فيها لخطر التعذيب أو إساءة المعاملة. وتنطبق القاعدة نفسها على حظر التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، أو الالتزام الطبيعي بأن المعتقلين (وغيرهم) "يجب أن يعامَلوا معاملة إنسانية في جميع الظروف"، كما هو منصوص عليه في القانون الإنساني الدولي بوجه عام، والمادة 3 المشتركة بوجه خاص.
ويمتد التزام الدول بعدم ممارسة التعذيب أو إساءة المعاملة ضد المعتقلين ليشمل الأوضاع التي يُطلق سراح المعتقلين فيها أو يُنقلون إليها. فلا يجوز لدولة ما أن تدعي بأنها تعامل المعتقلين معاملة إنسانية في الوقت الذي تسلمهم، عن علم، إلى الجلادين – سواء كانوا داخل الدولة أو خارجها، وسواء كانوا مواطنين للدولة نفسها، أو موظفين في دولة أخرى – فذلك لا يختلف عن إطلاق سراح معتقلين في حقل من الألغام والادعاء بأن سلامتهم لم تعد من مسؤولياتها. وفي كلتا الحالتين فإن القانون الدولي يلزم الدول بإطلاق سراح المعتقلين أو نقلهم إلى بيئة آمنة.
وفي رأي قانوني أعدَّته المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أعرب كل من إليهو لوترباخت ودانييل بذلهيم عن هذا المبدأ بوضوح، حيث وصفا "المضمون الأساسي لمبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون العرفي" على النحو التالي:
"لا يجوز رفض أي شخص أو إعادته أو طرده بأية طريقة كانت، إذا كان ذلك من شأنه أن يرغمه على البقاء في، أو العودة إلى، منطقة يمكن أن تتوافر أسباب حقيقية للاعتقاد بأنه سيواجه فيها خطراً حقيقياً لأن يتعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ولا يسمح هذا المبدأ بوضع أي قيود أو استثناءات.27
وبالمثل، فقد دعا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب الحكومات إلى احترام التزامها بمنع أفعال التعذيب وإساءة المعاملة، وذلك "بعدم جلب الأشخاص الخاضعين لسيطرة دول أخرى إذا توافرت أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنهم سيواجهون خطر التعرض للتعذيب".28

.4 مذكرات التفاهم بين القوة الدولية للمساعدة الأمنية والسلطات الأفغانية
وضع حلف الناتو خطة تشغيلية كي يضع صلاحيات القوة الدولية للمساعدة الأمنية (إيساف) التي منحها مجلس الأمن موضع التنفيذ. وتنص الخطة التشغيلية، التي تم الاتفاق عليها بين حلف الناتو والحكومة الأفغانية، من بين أمور أخرى، على قيام قوات إيساف بتسليم المعتقلين إلى السلطات الأفغانية في غضون مدة 96 ساعة. وقد أبلغ مسؤولون في مقر قيادة حلف الناتو منظمة العفو الدولية أن الاستثناءات من قاعدة الست وتسعين ساعة تتعلق أساساً بالحالات التي يكون فيها المعتقل تحت المعالجة الطبية.29
وتستطيع دول إيساف وضع شروطها الخاصة للعمل في إطار الخطة التشغيلية لحلف الناتو. وقد رأى عدد من دول إيساف أن أحكام الخطة التشغيلية بشأن نقل المعتقلين تتسم بالعمومية المفرطة، وأبرمت في النهاية مذكرات تفاهم وغيرها من الترتيبات التي تتناول قضية نقل المعتقلين بشكل محدد.
فعلى سبيل المثال، تنص مذكرة التفاهم الخاصة بالمملكة المتحدة على أن الأخيرة لا تستطيع اعتقال الأشخاص إلا في حالة "حماية القوة والدفاع عن النفس وإنجاز المهمة التي تكلفها بها قرارات مجلس الأمن". وتمضي المذكرة إلى القول إن "الغرض من المذكرة هو ... ضمان مراعاة جميع المشاركين للمبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان".30
بيد أنه لا تزال هناك قضايا أخرى معلقة بالنسبة لمذكرات التفاهم والاتفاقيات المماثلة، ليس أقلها أنها لا تحدد المؤسسة الأفغانية التي سيتم نقل المعتقلين إليها، ولا تتناول كيف سيفصل النظام الأفغاني بين وظيفتي الاستجواب والاعتقال. وقد تمكنت منظمة العفو الدولية من تحديد أن معظم المعتقلين يُنقلون إلى إدارة الأمن الوطني، إما بشكل مباشر أو عن طريق جهاز آخر كالجيش الوطني الأفغاني أو الشرطة الوطنية الأفغانية.
وأكد مسؤولون في حلف الناتو إنه في اللحظة التي يتم فيها تسليم المعتقلين إلى السلطات الأفغانية، تنتهي مسؤولية إيساف عنهم وتنتقل إلى الدولة التي اختارت تسليمهم. وعلى المستوى الدولي أكدت الحكومة الكندية أن لديها "مسؤولية متبقية" بعد تسليم المعتقلين، ولكنها امتنعت عن ذكر ماهية هذه المسؤولية المتبقية.31

مذكرات التفاهم وغيرها من الاتفاقيات المعقودة بين الحكومة الأفغانية ودول إيساف: بعض العناصر المشتركة*
· تركز على تسليم المعتقلين من قبل دول حلف الناتو/إيساف إلى "سلطات أفغانية" غير محددة؛
· تنص على أن السلطات الأفغانية تقبل نقل المعتقلين من حوزة قوات البلد المحتجِز وأن تحتفظ السلطات الأفغانية بسجلات للمعتقلين المنقولين؛
· تنص على أن الموقعين يجب أن يعاملوا المعتقلين وفقاً للقانون الدولي، بما فيه القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان (مذكرة التفاهم البريطانية تحدد قانون حقوق الإنسان فقط)؛
· تنص على السماح لممثلي الدولة المعنية العضو في إيساف، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان بالوصول إلى المعتقلين بعد تسليمهم (مذكرة التفاهم الهولندية تضيف إلى هذه القائمة هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة، بينما تقتصر القائمة في مذكرة التفاهم النرويجية على اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان)؛
· تنص على إشعار الدولة المعنية في إيساف قبل البدء بالإجراءات القانونية ضد المعتقل أو إطلاق سراحه أو نقله إلى بلد ثالث (باستثناء كندا)؛
· تنص على عدم جواز فرض عقوبة الإعدام على أي شخص منقول.
* قامت منظمة العفو الدولية بفحص مذكرات التفاهم والاتفاقيات الأخرى الموقَّعة بين الحكومات البريطانية والكندية والدنمركية والهولندية والنرويجية وبين حكومة أفغانستان الإسلامية.
في مجرى الدعوى القانونية التي رفعها فرع منظمة العفو الدولية في كندا ورابطة الحريات المدنية في كولومبيا البريطانية ضد الحكومة الكندية (أنظر المربع أدناه)، تعرضت الترتيبات التي أُجريت بين الحكومتين الكندية والأفغانية للتدقيق الوثيق. ونتيجةً للإجراءات القانونية، توصلت الحكومة الكندية إلى ترتيب ثانٍ، حيث عززت الإشارات إلى مراقبة أوضاع الاعتقال ومعاملة المعتقلين بعد نقلهم، وأكدت على التزام كندا بدعم حكم القانون والعدالة في أفغانستان. وفي الوقت الذي تعتبر هذه التغييرات نوعاً من التحسن، تعتقد منظمة العفو الدولية أن اعتماد كندا المستمر على مذكرات التفاهم فيما يتعلق بمعاملة المعتقلين، مع مراقبة تنفيذ مذكرة التفاهم بين الحين والآخر، ليس كافياً لتلبية المتطلبات القانونية الدولية.
ويأتي في صلب هذه النتيجة أن المراقبة ما هي إلا أسلوب لاكتشاف التعذيب بعد وقوعه فقط، ولا تستطيع أن تحل محل الاحتياطات المسبقة التي تمنع التعذيب من الوقوع أصلاً. وبمعنى آخر، فإن المراقبة تكشف التجاوزات، ولكنها لا تستبقها. وبهذه الصفة، فإن المراقبة لا تستطيع أن تفي بالتزام كندا المطلق بمنع التعذيب، مع أنها يمكن أن تساعد على إحاطة كندا علماً بما إذا كانت أفغانستان قد أخلَّت بالتزاماتها بمنع التعذيب وإساءة المعاملة. وقد أكد وزير الخارجية الكندي أن المراقبين الكنديين أكتشفوا في غضون بضعة أشهر حوادث تعرَّض فيها معتقلون لتعذيب مزعوم. وهناك أدلة أخرى على أن الحجز الأفغاني وخطر التعذيب الكبير لا ينفصمان على الرغم من الجهود الكندية في المراقبة.32

رفع دعوى قانونية في كندا
قام فرع منظمة العفو الدولية في كندا، بالتعاون مع رابطة الحريات المدنية في كولومبيا البريطانية، بتقديم طعن إلى المحاكم الكندية في سياسة الحكومة الكندية المتعلقة بتسليم المعتقلين إلى السلطات الأفغانية. وما انفكَّ فرع المنظمة في كندا يدعو الحكومة الكندية إلى إجراء مراجعة جوهرية لسياستها بشأن تسليم المعتقلين الذين يتم القبض عليهم في مجرى العمليات العسكرية في أفغانستان. كما أثارتا بواعث قلق عميقة إزاء انتهاكات حقوق الإنسان، ومنها التعذيب وإساءة المعاملة، وذلك بالنسبة للممارسات التي كانت تقع في الفترة بين عامي 2002 و 2005 فيما يتعلق بنقل المعتقلين إلى حجز القوات الأمريكية في أفغانستان، بالإضافة إلى الممارسات الأخيرة التي تقع منذ ديسمبر/كانون الأول 2005 33 فيما يتعلق بنقل المعتقلين إلى حجز السلطات الأفغانية.
ففي فبراير/شباط 2007، قدم الفرع الكندي لمنظمة العفو الدولية ورابطة الحريات المدنية في كولومبيا البريطانية طلباً إلى المحكمة الفدرالية في كندا لاستصدار أمر يقضي بوقف عمليات نقل المعتقلين وتحديد أماكن اعتقالهم وبيان ظروف المعتقلين الذين قامت بنقلهم.34
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن نتائج الحالة سيكون لها أهمية دولية لأن المنهج الذي اختارته الحكومة الكندية يتماشى مع السياسة الحالية لحلف الناتو ويشبه المنهج الذي اختارته دول إيساف الأخرى.

1.4 عجز مذكرات التفاهم عن توفير الحماية
في وقت توقيع مذكرات التفاهم الأولى في العام 2005، ربما كان لدول إيساف توقعات مرتفعة فيما يتعلق بمعاملة الحكومة الأفغانية للمعتقلين لديها. وقد انبثقت مذكرات التفاهم عن حاجة مشروعة واضحة إلى تنظيم أوضاع ثنائية – ومتعددة – جديدة تخلقها مشاركة القوات المسلحة لهذه الدول في النـزاع المسلح غير الدولي الدائر في أفغانستان.35 وقد نُصحت دول إيساف وحلف الناتو بأن إدارة الأمن الوطني تمثل الخيار الأفضل لاحتجاز المعتقلين المنقولين لفترات طويلة.36
ولو تقيدت أفغانستان بالتزاماتها الدولية المتعلقة بمعاملة المعتقلين، لكانت كل مذكرة تفاهم مجرد ترتيبات فنية بشكل أساسي بين الدول التي تتقيد بالتزاماتها القانونية الدولية، وتتضمن تكراراً عاماً لهذه الالتزامات؛ ولكانت الترتيبات المتعلقة بأخذ احتياطات إضافية، كالمراقبة من قبل الموظفين الدبلوماسيين والعسكريين من دول إيساف، إضافة مستحبَّة، وتلقى الترحيب.
ولا تزال منظمة العفو الدولية تشعر بالقلق من أن يكون المعتقلون الذين تم تسليمهم من إيساف إلى السلطات الأفغانية عرضة لخطر التعذيب وإساءة المعاملة في الوقت الراهن. وتكرر منظمة العفو الدولية القول إن تعهد الحكومة الأفغانية الوارد في مختلف مذكرات التفاهم والقاضي بمعاملة المعتقلين الذين تقوم إيساف بتسليمهم بموجب القانون الدولي، في الظروف الراهنة، لا يمكن أن يجعل هذه الدول في حلٍ من التزامها القانوني بعدم نقل أي شخص إلى أوضاع "تتوافر فيه أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون عرضة لخطر التعذيب".37 ولا تستطيع دول إيساف تسليم المعتقلين من دون الإخلال بالتزامها، إلا إذا توافر تقدير سليم بأنه لا وجود لمثل هذا الخطر فعلياً. ويساور منظمة العفو الدولية قلق عميق من أن الأمر ليس كذلك.
وقامت منظمة العفو الدولية بمراجعة مذكرات التفاهم والاتفاقيات الأخرى الكندية والدنمركية والهولندية والنرويجية والبريطانية التي أُبرمت مع وزارة الدفاع الأفغانية. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى بسط سيطرة الحكومة الأفغانية على المعتقلين في أراضيها. كما أنها تكفل التمييز الواضح بين مهمة إيساف وبين اعتقال الأفغان وغيرهم في مركز الاعتقال التابع للولايات المتحدة في قاعدة باغرام الجوية خارج كابول.38 وتقرر أنه يُفترض معاملة المعتقلين وفقاً للمعايير الدولية. فعلى سبيل المثال، فإن الترتيبات التي أُجريت بين الحكومتين الكندية والأفغانية تؤكد على أن "المشاركين سيعاملون المعتقلين وفقاً للمعايير المنصوص عليها في اتفاقية جنيف الثالثة".39
وفي الأوضاع الراهنة، ليس هناك الكثير مما يساعدنا على التمييز بين هذه الاتفاقيات وبين الحصول على "التأكيدات الدبلوماسية" المستخدمة في سياقات أخرى كذريعة للتنصل تهدف إلى أن تتحلل الدولة التي تقوم بنقل المعتقلين إلى دول تمارس التعذيب وإساءة المعاملة من المسؤولية. وقد لقيت هذه الممارسة شجباً واسع النطاق من قبل الهيئات الدولية لحقوق الإنسان،40 فضلاً عن المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان.41

2.4 مراقبة عمليات الاعتقال: ضمانة غير كافية
يساور منظمة العفو الدولية قلق من أن بعض دول إيساف ترى، على ما يبدو، أن إدخال الترتيبات بشأن مراقبة المعتقلين المنقولين في مذكرات التفاهم وغيرها من الاتفاقيات الثنائية مع الحكومة الأفغانية يعتبر كافياً للوفاء بالتزاماتها الدولية لضمان عدم نقل المعتقلين إلى أوضاع يتعرضون فيها لخطر التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. وتدرك منظمة العفو الدولية أن ثمة عدداً من التحديات التي تواجه المراقبة الفعالة، إنما تقوِّض هذا الافتراض في الممارسة العملية.
وفي عدد من الحالات، وفي الوقت الذي عملت البلدان المرسِلة على تمكين ممثليها من الاتصال بالمعتقلين، فإنها لم تلتزم بالمراقبة المنظمة لجميع المعتقلين الذين تنقلهم.
فعلى سبيل المثال تنص الترتيبات المعقودة بين الحكومتين الكندية والأفغانية على ما يلي:
"تقبل السلطات الأفغانية (السلطة القابلة) المعتقلين الذين كانوا في حجز القوات الكندية (السلطة الناقلة)، وستكون مسؤولة عن المحافظة عليهم وحمايتهم، وعن ضمان أشكال الحماية المنصوص عليها في الفقرة 3 أعلاه [الإشارة إلى اتفاقية جنيف الثالثة] لجميع المعتقلين الذين نُقلوا إلى حجزها."42
وتنص اتفاقية إضافية بين الحكومتين الكندية والأفغانية على أن يقوم المسؤولون الكنديون بإشعار اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان بأي عمليات نقل كهذه.43
وتنص اتفاقية أخرى بين حكومة المملكة المتحدة والحكومة الأفغانية على أن يكون "لممثلي اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان وأفراد قوات المملكة المتحدة... وغيرهم كما هو مقبول بين المشاركين، الحرية التامة في الوصول إلى جميع الأشخاص الذين تنقلهم القوات المسلحة البريطانية إلى حوزة السلطات الأفغانية أثناء وجودهم في الحجز". كما تنص الاتفاقية على السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرها من المؤسسات المعنية "بزيارة مثل هؤلاء الأشخاص"، وعلى أن تبلغ المملكة المتحدة كلاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان في غضون 24 ساعة من عملية النقل.44
وبالإضافة إلى ذلك، فإن المادة 38 من قانون السجون الأفغاني للعام 2005 تسمح لعدد من المؤسسات، ومن بينها اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، بدخول بعض مراكز الاعتقال من دون إشعار مسبق لوزارة العدل. بيد أن القانون لا ينطبق على مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني. ورداً على ذلك، توصلت كل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان إلى عقد اتفاقية ثنائية مع إدارة الأمن الوطني، تسمح بمراقبة مراكز الاعتقال التابعة لها.
بيد أنه في الممارسة العملية، لم يتم الوفاء حتى بضمانات المراقبة الواردة في مثل هذه الاتفاقيات. وقد أشارت اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان إلى أنها كثيراً ما مُنعت من دخول مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني، وأنها تفتقر إلى الموارد والقدرات الكافية للقيام بمراقبة موسعة. وقد قال أحد مفوضي اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان "إن اللجنة قامت بمراقبة مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني، ولكن علينا أن نتصل بهم بشكل مسبق. إننا لا نتمتع بحرية دخول هذه المراكز مع أننا تلقينا مؤخراً رسالة موقعة من رئيس إدارة الأمن الوطني يبلغنا فيها بالسماح لمراقبي اللجنة الأفغانية المستقلة بدخول تلك المراكز، ولكن ذلك لا يحدث الآن... وفي قندهار لم تُتح لنا الحرية التامة في الزيارات، ولا نشعر بثقة تجاه تعاونهم الكامل".46
وفي الوقت الذي تحسنت إمكانية دخول مراقبي اللجنة الأفغانية المستقلة إلى مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني، فإن إمكانية قيامهم بالزيارات من عدمها من دون إشعار مسبق تختلف بحسب ماهية السجون والمعتقلين الذين يحاولون زيارتهم. وذُكر أن ثمة فروقاً كبيرة بين إمكانية وصول اللجنة الأفغانية المستقلة إلى مراكز الاعتقال في العاصمة كابول وبين إمكانية وصولها إلى مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني في الأقاليم.
وورد أن موظفي اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان قد أعربوا عن قلقهم لأنهم يملكون القدرة على الرد على هذا الحجم الكبير من حالات الاعتقال التي يسعون إلى مراقبتها.47 واستجابةً لذلك، قدمت الحكومة الكندية مؤخراً مساهمة مالية خاصة إلى اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان من أجل بناء القدرات لدى قسم المراقبة الوطنية في اللجنة.
ويكتسي الدور الذي تلعبه بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان في عملية المراقبة أهمية كبرى نظراً للصلاحيات الممنوحة لها من الأمم المتحدة "بالاستمرار في العمل من أجل إنشاء نظام عدالة نزيه وشفاف، بما في ذلك إعادة بناء وإصلاح نظام مراكز الإصلاح، والاستمرار في الإسهام في حماية وتعزيز حقوق الإنسان، بما في ذلك مراقبة أوضاع المدنيين في النـزاع المسلح."48
وتعتبر بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان إحدى المنظمات التي أثارت بواعث قلق خطيرة بشأن معاملة المعتقلين على أيدي إدارة الأمن الوطني. وقد بدأت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان برنامجاً واحداً على الأقل مع إدارة الأمن الوطني، جنباً إلى جنب مع اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، ويهدف البرنامج إلى تدريب أفراد إدارة الأمن الوطني في مجال حقوق الإنسان.49 ونظراً لصلاحيات بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان ومواردها، فإن من المناسب لها أن تقوم بتوسيع نطاق دعمها للجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان في سعيها لتحقيق حرية الدخول إلى مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني.
كما تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمراقبة مراكز الاعتقال في أفغانستان، ومن بينها المراكز التابعة لإدارة الأمن الوطني، وإبلاغ الحكومة الأفغانية بالنتائج التي تتوصل إليها بحسب ما هو ملائم. بيد أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما أشرنا آنفاً، لم تتمكن من مراقبة جميع السجون التابعة لإدارة الأمن الوطني أو جميع السجون التي تديرها وزارة العدل، وذلك بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية.50
وتشعر منظمة العفو الدولية بالقلق لأن الأحكام التي تنظم عملية المراقبة في نصوص مذكرات التفاهم تُنفذ جزئياً فقط. وتؤكد المنظمة على أمر أكثر جوهرية، وهو أن الزيارات إلى أماكن الاعتقال – حتى لو قامت بها منظمة مهنية ومستقلة ومخلصة – ليست كافية بحد ذاتها، على الرغم من أنها تشكل عنصراً مهماً في منع التعذيب وإساءة المعاملة. وتتعزز بواعث القلق هذه بتجارب اللجنة الدولية للصليب الأحمر في العراق وخليج غوانتنامو – وبالتأكيد في قاعدة باغرام في أفغانستان، حيث مورس التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة على نطاق واسع بالرغم من الزيارات المنتظمة التي تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومراقبة الانتهاكات التي ترد إليها، وتوصيل بواعث القلق.51
وفي هذا الشأن، تعترف منظمة العفو الدولية بأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تدعي أن الزيارات التي يقوم بها موظفوها إلى أماكن الاعتقال هي كل ما نحن بحاجة إليه للحماية من التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، وأنها رفضت المشاركة في مراقبة "التأكيدات الدبلوماسية" لأنها ذات طبيعة تمييزية كما رأينا آنفا.52
ولاتزال منظمة العفو الدولية تشعر بالقلق لأن الأحكام المتعلقة بالمراقبة والواردة في مذكرات التفاهم، فضلاً عن الأشكال الأخرى للتأكيدات الدبلوماسية المتعلقة بالتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، كثيراً ما تعتورها المبالغة أو الخطأ أو سوء الفهم. وتعتقد المنظمة أنه حيثما يقع التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة، كما هي الحال في نظام الاعتقال الأفغاني، فإن الزيارات المتفرقة أو الدورية للمراقبين بحد ذاتها لن تستطيع توفير الحماية الكافية.
ولطالما دعت منظمة العفو الدولية إلى وضع خطة من اثنتي عشرة نقطة لمنع التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة (أنظر الملحق). وتعتقد أن المراقبة يمكن أن تلعب دوراً بناءً، ولكن ينبغي الاعتراف بمحدودية المراقبة كتدبير وقائي.

3.4 الحاجة إلى الإنصاف
في الوقت الذي تكفل مذكرات التفاهم حرية الوصول إلى المعتقلين بدرجات مختلفة من قبل منظمات كاللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، فإنها لا تتضمن أية وسائل للإنصاف في حالات التعذيب وإساءة المعاملة. وبموجب المادة 12 من اتفاقية مناهضة التعذيب، يتعين على كل دولة طرف أن "تكفل قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق عاجل ومحايد، حيثما تتوافر أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بوقوع فعل من أفعال التعذيب في الأراضي الخاضعة لولايتها القضائية".53
ومن بين الاتفاقيات الخاصة بنقل المعتقلين والتي أبرمتها الدول الخمس، فإن الاتفاقية الكندية الثانية هي الاتفاقية الوحيدة التي تنص على أحكام بشأن التحقيق في مزاعم التعذيب أو إساءة المعاملة.54 بيد أن منظمة العفو الدولية تخشى أن التحقيقات التي أجرتها الحكومة الكندية في مزاعم التعذيب قد لا تكون "مختصة" و"محايدة."55
وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، فإن لضحايا التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة الحق في الحصول على "تعويض فعال" أو "إنصاف"، بما في ذلك الحصول على تعويض عادل وكاف".56 إن الحق في الإنصاف أو جبر الأضرار لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يشمل العناصر التالية:
· إعادة الحق إلى نصابه، من قبيل إطلاق سراح (المعتقلين والسجناء)، واسترداد الحقوق القانونية وإعادة الملكية؛
· التعويض، ويشمل التعويض عن الإصابة بضرر جسدي وعقلي، وفقدان الفرص، والإضرار بالسمعة أو الكرامة، والتكاليف القانونية والطبية.
· التأهيل، ويشمل الرعاية الطبية والنفسية والخدمات القانونية والاجتماعية وإعادة الإدماج الاجتماعي.
· الرضا، ويشمل وقف استمرار الانتهاكات، والكشف عن الحقيقة (من دون التسبب بمزيد من الأذى)، والبحث عن الضحايا الذين اختفوا قسراً أو قُتلوا، والاعتذار عن الأفعال الخاطئة التي ارتُكبت.
· ضمان عدم التكرار، وتشمل اتخاذ خطوات لضمان السيطرة المدنية الفعالة على القوات العسكرية والأمنية، وأن تتقيد جميع الإجراءات المدنية والعسكرية بالمعايير الدولية للعملية الواجبة والعدالة والحيدة، وتعزيز استقلال القضاء.
بيد أن مذكرات التفاهم لم تشر إلى أي من هذه العناصر على وجه التحديد.

.5 عمليات نقل المعتقلين والتعذيب
"لا نستطيع أن ننفي استمرار التعذيب"57
يتناول الفصل التالي عدداً من القضايا التي تثيرها سياسات إيساف الخاصة بنقل المعتقلين. وتتعلق بواعث القلق بمجموعة من الحالات، من بينها: عندما يُزعم أن المعتقلين المنقولين يتعرضون للتعذيب على أيدي السلطات الأفغانية؛ وعندما تشعر الحكومات المعنية بالقلق من أن المعتقلين المنقولين قد تعرضوا للتعذيب؛ وعندما لا تستطيع الحكومات، التي عرَّضت المعتقلين المنقولين لخطر التعذيب وإساءة المعاملة، أن تقتفي أثرهم.
ولدى فحص إجراءات الاعتقال التي تستخدمها إيساف، ركزت منظمة العفو الدولية بشكل خاص على ممارسات إيساف المتعلقة بتسليم أغلبية المعتقلين إلى إدارة الأمن الوطني. وفي الوقت الذي تعترف منظمة العفو الدولية بأن ثمة أقلية من المعتقلين يُنقلون إلى حجز أجهزة أفغانية أخرى، فإنها تشعر بقلق خاص بشأن وتيرة ونطاق ممارسة التعذيب وإساءة المعاملة التي يرتكبها أفراد إدارة الأمن الوطني، كما تبين الحالات الثلاث التالية.
ولتوضيح حقيقة أن التعذيب وإساءة المعاملة والاعتقال التعسفي للأشخاص لا يتعلق فقط بالمعتقلين الذين تقبض عليهم القوات الدولية وتنقلهم، فإننا سنبرز كذلك بواعث القلق المتعلقة بعمليات الاعتقال التي تنفذها إدارة الأمن الوطني لوحدها.

1.5 المعتقلون الذين تسلِّمهم القوات الأجنبية
توصلت خمس من دول إيساف إلى مذكرات تفاهم مع الحكومة الأفغانية فيما يتعلق بعمليات نقل المعتقلين. وتبذل أربع دول أخرى جهوداً لعقد مذكرات تفاهم مماثلة.58 ومن أصل الدول الأربع عشرة المتبقية من دول إيساف التي لها أكثر من 100 عنصر في أفغانستان، أكدت أربع منها لمنظمة العفو الدولية أنه ليس لديها مذكرات تفاهم، بينما رفضت بقية الدول التعليق، أو لم تتمكن من التحقق من وجود مذكرة تفاهم (أنظر الجدول أدناه للاطلاع على قائمة كاملة بالبلدان).59
وردَّت الحكومات، منفردةً، على قضية نقل المعتقلين بأساليب مختلفة. ومن بين تلك الأساليب التقليل من عدد عمليات النقل التي تحدث، إما بعدم الكشف عن الحجم الحقيقي لتلك العمليات (مثل كندا)، أو بعدم الاحتفاظ بسجل دقيق لديها (بلجيكا والنرويج)؛ أو بعدم أخذ العدد الكبير من الأشخاص الذين يُنقلون من الميدان بعين الاعتبار – وهؤلاء لا يتم تسجيلهم على أنهم كانوا محتجزين لدى القوات الدولية (وهذا يشمل القوات التي تشارك في العمليات القتالية الضارية كالقوات البريطانية والكندية والهولندية)؛60 وأخيراً عملت بعض الحكومات على توفير مراقبة مستقلة كافية للمعتقلين الذين نقلتهم (الحكومتان البريطانية والهولندية بشكل خاص).
ويساور منظمة العفو الدولية قلق من أن العدد الحقيقي للمعتقلين المنقولين، وبالتالي الذين يتعرضون لخطر التعذيب وإساءة المعاملة، ربما يكون أعلى بكثير مما أوردته دول إيساف في السابق. وتعتقد المنظمة أن السجلات غير المكتملة لعمليات الاعتقال والنقل تعكس ضعفاً أشد في المراقبة الشاملة للمعتقلين عقب نقلهم.

الجدول 1 – دول إيساف وعمليات نقل المعتقلين61
حالة مذكرة التفاهم
البلدان
الحكومات التي وقَّعت مذكرات تفاهم أو اتفاقيات مع الحكومة الأفغانية فيما يتعلق بنقل المعتقلين.
كندا، الدنمرك، هولندا، النرويج، المملكة المتحدة
الحكومات التي تسعى إلى توقيع مذكرات تفاهم أو اتفاقيات مع الحكومة الأفغانية فيما يتعلق بنقل المعتقلين.
بلجيكا، فرنسا، ألمانيا، السويد
الحكومات التي لديها اتفاقية مع دولة ثانية من دول إيساف فيما يتعلق بنقل المعتقلين. ويتم نقل المعتقلين من الدولة الثانية من دول إيساف (المملكة المتحدة أو هولندا) إلى السلطات الأفغانية بموجب مذكرات التفاهم الموقعة معها.
إستونيا (مع المملكة المتحدة)، أستراليا (مع هولندا)
الحكومات التي ليس لديها أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم.
ليتوانيا، بولندنا، إيطاليا، البرتغال، جمهورية التشيك
الحكومات غير القادرة على التحقق من وجود مذكرة تفاهم.
بلغاريا، مقدونيا.
· تعذيب المعتقلين الذين نقلتهم القوات الكندية
في أبريل/نيسان 2007، نشرت الجريدة الكندية "غلوب أند ميل" مزاعم حول تعذيب وإساءة معاملة معتقلين أفغان على أيدي أفراد الأمن الأفغاني، ومن بينهم أفراد إدارة الأمن الوطني، وذلك بعد اعتقالهم من قبل الجيش الكندي وتسليمهم إلى السلطات الأفغانية. وقد وصف بعض الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات، ممن كانوا قد قُبض عليهم على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، ما حدث لهم على النحو التالي:
"... تعرضوا للجلد بالأسلاك الكهربائية، وهي في العادة عبارة عن حزمة من الأسلاك الكهربائية طولها ذراع تقريبا. وقال بعضهم إن الجَلد كان مؤلماً للغاية لدرجة أنهم سقطوا مغشياً عليهم. وقام المحققون بحشو قطعة قماش بين أسنان بعض المعتقلين، الذين وصفوا كيف سمعوا صوت ذراع تدوير المولِّد، وأحسوا بالتيار الكهربائي الساخن يسري في عضلاتهم ويصيبهم بالتشنجات. وقال رجل آخر إن أفراد الشرطة علَّقوه من كاحليه لمدة ثمانية أيام قضاها تحت الضرب. وقال آخر إنه أُصيب بالرعب عندما وضع المحققون كيساً بلاستيكياً على رأسه وضغطوا على قصبته الهوائية. ويستخدم الجلادون برودة الطقس سلاحاً للتعذيب، وذلك وفقاً لمعتقلين اشتكوا من أنه تم تجريدهم من ملابسهم تقريباً وإرغامهم على الوقوف في ليالي الشتاء حيث تهبط درجات الحرارة في قندهار إلى ما دون الصفر."62
وذُكر أن اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان أكدت العناصر الرئيسية للحالات الثلاث التي نُشرت في تقرير جريدة "غلوب أند ميل":
· "قال غول محمد، وهو مزارع عمره 25 عاماً، إن الكنديين قبضوا عليه بينما كان يعمل في الحقول إلى الغرب من مدينة قندهار. وسلَّمته القوات الكندية إلى الجنود الأفغان، حيث بدأت ما وصفها بأنها رحلة دموية دامت ستة أشهر على أيدي محققين أفغان من أجهزة الجيش والشرطة والمخابرات. وقال إنهم انهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق وحرموه من النوم وصعقوه بالقضبان الكهربائية وجلدوه بحُزم الأسلاك".
· "وقال شيرين، وهو سائق عمره 25 عاماً، إنه اعتُقل عند نقطة تفتيش تسيطر عليها قوات كندية وأفغانية في منطقة تقع إلى الشمال من مدينة قندهار. ووصف كيف استجوبه رجل عرَّف بنفسه على أنه كندي، وقال إنه أمسك بمرفقيه وهزَّه إلى الخلف وإلى الأمام، وهو رجل صغير الحجم وهادئ الصوت، قبل أن يُقذف به في شاحنة "بك أب" ويُنقل إلى مقر قيادة إدارة الأمن الوطني. وقد أمضى شهراً ونصف الشهر في حجز إدارة الأمن الوطني، حيث قام المحققون بلكمه في وجهه ونزع شعر لحيته وضربه بحزمة من الأسلاك الكهربائية 60 ضربة في كل مرة".
· "وقال عبدالوالي، وهو خياط عمره 23 عاماً، إن الكنديين قبضوا عليه وعاملوه بأدب إلى أن سلَّموه للجنود الأفغان، الذين أوسعوه ضرباً. وقال إن الضرب كان مستمراً، ما عدا عندما كان الجنود الكنديون يزورون الموقع. وأضاف يقول إن الضرب الأسوأ جاء في وقت لاحق على أيدي الشرطة وإدارة الأمن الوطني".63
ويُظهر تحليل لمقابلات أُجريت مع 15 شخصاً محتجزين في مراكز اعتقال أفغانية، ممن كانت القوات الكندية قد قبضت عليهم في الأصل، أنه تم نقل 10 منهم إلى حجز إدارة الأمن الوطني، إما بشكل مباشر أو عن طريق الجيش الوطني الأفغاني أو الشرطة الوطنية الأفغانية. ومن بين المعتقلين العشرة في حجز إدارة الأمن الوطني، قدم ستة منهم وصفاً للتعذيب وغيره من أشكال إساءة المعاملة التي تعرضوا لها.64 وذكر مسؤولون كنديون أنهم تلقوا أنباء من مصادر مباشرة حول ما لا يقل عن ست حوادث تعذيب.65
وظلت الحكومة الكندية تردد أنه تم نقل أكثر من 40 شخصاً.66 بيد أن منظمة العفو الدولية تعتقد أن عدد المعتقلين الذين نُقلوا قد يصل إلى 200 شخص، وأن هذا الرقم لا يشمل العديد من عمليات النقل المباشرة التي تحدث في مجرى العمليات في الميدان.
· فقدان أثر المعتقلين المنقولين
يساور منظمة العفو الدولية قلق لأن دولاً أخرى من دول إيساف غير قادرة على، أو غير راغبة في حفظ سجلات دقيقة لعدد المعتقلين المنقولين إلى حجز السلطات الأفغانية أو لأماكن وجودهم لاحقاً.
فعلى سبيل المثال، بدت الحكومة النرويجية غير قادرة على مدى عام كامل على تحديد عدد المعتقلين الذين نقلتهم قواتها والإفصاح عنهم. وفيما بعد، وتحديداً في أكتوبر/تشرين الأول 2007، أوضحت الحكومة النرويجية أنه تم تسليم خمسة معتقلين منذ توقيع مذكرة التفاهم مع الحكومة الأفغانية في أكتوبر/تشرين الأول 2006. بيد أنها لم تحدد بعد عدد الأشخاص الذين نُقلوا قبل توقيع مذكرة التفاهم، ولم يُكشف النقاب عن أماكن وجودهم وحقيقة أوضاعهم.67
واستمرت حالة انعدام اليقين بشأن أماكن وجود المعتقلين الخمسة الذين نُقلوا بعد توقيع مذكرات التفاهم وفيما ينعلق بأوضاعهم. وقالت وزيرة الدفاع النرويجية آن غريت ستروم- إريكسون إنه تم إطلاق سراح ثلاثة من المعتقلين الخمسة، لا بسبب ثبوت براءتهم، وإنما عن طريق شراء حريتهم من آسريهم.68
وفي اعتراف آخر بفشل مذكرات التفاهم، قالت وزيرة الدفاع: "ليس لدي أي ضمانات بأن المعتقلين لم يتعرضوا للتعذيب، باستثناء توقيع مذكرة التفاهم."69
وكما أشرنا آنفاً، سواء قبل توقيع مذكرة التفاهم أو بعد توقيعها، يبدو أن الحكومة النرويجية غير قادرة على تأكيد أماكن وجود المعتقلين وأوضاعهم. وقد عزز هذا الأمر بواعث قلق منظمة العفو الدولية من أن مذكرات التفاهم هذه لم توفر الشفافية في عملية نقل المعتقلين، أو الحماية للأشخاص المعنيين.
وفي أبريل/نيسان 2007، أرسلت السفارة النرويجية في كابول رسالة إلكترونية إلى وزير الخارجية النرويجي، أثارت فيها بواعث القلق بشأن جهاز المخابرات (إدارة الأمن الوطني)، الذي زُعم أنه مارس التعذيب وإساءة المعاملة ضد عدة سجناء ممن نقلتهم القوات العسكرية الدولية في أفغانستان." وبالإضافة إلى إبراز بواعث قلقها، فقد أشارت إلى صعوبة ممارسة ضغوط على إدارة الأمن الوطني من أجل تحقيق الإنصاف.70
وأعلنت الوزارة أن النرويج ستحدد ما حدث للسجناء الذين سلَّمهم الجنود النرويج، وما إذا تمت مخالفة مذكرة التفاهم أم لا.71 وأبلغت الوزارة جريدة أخرى أنه إذا تبين أن المعتقلين تعرضوا للتعذيب، فإن النتيجة النهائية ستكون "وقف عمليات نقل" السجناء.72
وبالمثل، يبدو أن الحكومة البلجيكية قد فقدت أثر المعتقل الوحيد الذي عُرف أن القوات البلجيكية نقلته إلى حجز السلطات الأفغانية. وقالت أنباء تلقتها وزارة الدفاع البلجيكية إن شخصاً اعتقلته القوات البلجيكية في مطار كابول الدولي في 18 أبريل/نيسان 2007 للاشتباه في أنه كان يقود صهريج وقود يحمل متفجرات أو لاستخدامه كسيارة مفخخة.
وأكد الجيش البلجيكي أن المعاملات المكتبية الخاصة بنقل المعتقلين إلى إدارة الأمن الوطني قد استُكملت، وأنه تم نقلهم، إلا أنه لا يعرف مكان احتجاز ذلك الشخص.73 وقد طلبت منظمة العفو الدولية من السلطات البلجيكية توضيحاً لهذه القضية، ولكن المنظمة تخشى أن مثل هذه الاتفاقية لا تغير كثيراً في قدرة الحكومة البلجيكية على الاحتفاظ بسجلات واضحة ومفتوحة للحوادث، ومن ثم متابعتها مع الحكومة الأفغانية.
· الحاجة إلى مراقبة مستقلة
إن التحديات التي تكتنف التسجيل الدقيق لأعداد الأشخاص الذين تقبض عليهم قوات إيساف، والمراقبة الفعالة للمعاملة اللاحقة التي يلقاها أولئك المعتقلون بعد نقلهم إلى عهدة السلطات الأفغانية، تعتبر واضحة بشكل خاص في سياق العمليات العسكرية المستمرة في إقليمي هلمند وأوروزغان، ولا تزال الأوضاع الأمنية في هذين الإقليمين غير مستقرة، حيث يحتدم القتال الذي تشارك فيه القوات البريطانية والهولندية التابعة لإيساف والقوات الأفغانية وحركة طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة.
وقد أبلغت الحكومتان البريطانية والهولندية منظمة العفو الدولية إنهما قامتا بنقل معتقلين إلى عهدة السلطات الأفغانية في هذين الإقليمين. وقالت الحكومتان إنهما تحاولان ضمان قيام موظفيهما بمراقبة المعتقلين مرة في كل شهر بالنسبة للقوات البريطانية.74 بيد أن المراقبة المستقلة للمعتقلين المنقولين من جانب اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر مهمة شبه مستحيلة، كما سيرد لاحقاً في هذا التقرير. وفي هذه الحالة، فإنه في الوقت الذي قامت دول إيساف بعملية مراقبة للمعتقلين المنقولين من وقت إلى آخر، فإن منظمة العفو الدولية يظل يساورها القلق من أن ذلك لا يمكن أن يكون بديلاً للمراقبة المنتظمة والمستقلة.
ووفقاً لأقوال وزارة الخارجية والكومنويلث، فقد احتجزت المملكة المتحدة 127 شخصاً منذ سبتمبر/أيلول 2006. ويُصنَّف هؤلاء في مجموعتين: المجموعة الأولى تضم 51 شخصاً ممن اعتُقلوا في البداية قبل أبريل/نيسان 2007.75 ومن بين هؤلاء المعتقلين الواحد والخمسين، أطلقت القوات البريطانية سراح 27 شخصاً، بينما نُقل 24 آخرون إلى عهدة إدارة الأمن الوطني في إقليم هلمند. وقد أطلقت إدارة الأمن الوطني سراح جميع المعتقلين باستثناء ثلاثة. ونُقل اثنان من الثلاثة المتبقين إلى عهدة إدارة الأمن الوطني في قندهار، بينما لا يزال الثالث، الذي نقلته القوات البريطانية إلى عهدة إدارة الأمن الوطني في 22 أبريل/نيسان 2007، في حجز إدارة الأمن الوطني في هلمند.
وتتألف المجموعة الثانية من 76 شخصاً آخر محتجزين لدى القوات البريطانية منذ أبريل/نيسان 2007، ظل 18 منهم في حجز إدارة الأمن الوطني. ويبلغ مجموع الأشخاص الذين ظلوا في حجز إدارة الأمن الوطني 21 شخصاً، 18 منهم في هلمند وواحد في قندهار وإثنان في كابول.76
ووفقاً للحكومة الهولندية، فقد اعتقلت القوات الهولندية 59 شخصاً بحلول أغسطس/آب 2007. ومن بين هؤلاء 10 أشخاص قبضت عليهم الوحدات الأسترالية، ولكن الهولنديين تولوا المسؤولية عنهم بدلاً من الأستراليين (وفقاً لمذكرة التفاهم الموقعة بين القوات الهولندية والقوات الأسترالية). وقد أُطلق سراح أغلبيتهم بعد فترة قصيرة من اعتقالهم. وتم تسليم أحد عشر منهم إلى إدارة الأمن الوطني، وأُطلق سراح معظمهم بعد فترة قصيرة.77
في 29 يناير/كانون الثاني 2007، قبضت القوات الهولندية على ثلاثة أشخاص وسلَّمتهم إلى إدارة الأمن الوطني في كابول في 4 فبراير/شباط. وفي 2 مارس/آذار قام السفير الهولندي بزيارة هؤلاء المعتقلين الثلاثة في كابول ووجدهم بصحة جيدة. وفي أبريل/نيسان أطلقت المحكمة الأمنية التابعة لإدارة الأمن الوطني سراح أحدهم، بينما حكمت على الاثنين الآخريْن بالسجن ست سنوات لكل منهما بتهمة المعارضة المسلحة وحيازة أسلحة غير مشروعة.
وفي 15 يوليو/تموز، قامت القوات الهولندية بتسليم مجموعة أخرى مؤلفة من ستة معتقلين إلى إدارة الأمن الوطني في كابول. وقد زارهم أحد ممثلي السفارة الهولندية، وقال إنهم "في حالة معقولة إذا أُخذت ظروفهم بعين الاعتبار". وفي 14 أغسطس/آب، تم تسليم اثنين آخرين إلى إدارة الأمن الوطني في كابول. وبلغ مجموع عدد الأشخاص الذين قبضت عليهم القوات الهولندية أو الأسترالية، وما زالوا في الحجز الأفغاني بحلول 14 أغسطس/آب، عشرة معتقلين.78
ومن المشجِّع أن الحكومتين البريطانية والهولندية تحتفظان بسجلات للمعتقلين الذين نقلتهم، كما تمكنتا من القيام بقدر من المراقبة. وحاولت المملكة المتحدة ضمان مراقبة المعتقلين على أساس شهري، ووضعت قائمة بالمعايير التي تتم المراقبة بموجبها. كما تمكنت المملكة المتحدة من مقابلة المعتقلين من دون وجود حراس السجن.79
وقال مسؤولون بريطانيون لمنظمة العفو الدولية إنه في حين أن المركز الرئيسي لإدارة الأمن الوطني في كابول "هو بكامل طاقته" فإنهم راضون بوجه عام عن مستوى النظافة ووسائل الراحة في مراكز الاعتقال.80 وفي الوقت الذي ذكرت السلطات البريطانية قبل سبتمبر/أيلول 2007 أنها لم تكن على علم بأي أدلة على إساءة معاملة المعتقلين المنقولين، فقد قال مسؤولون لمنظمة العفو الدولية إن أول شكوى من التعذيب أو إساءة المعاملة وردت من أحد المعتقلين المنقولين في 25 سبتمبر/أيلول 2007. وقد أكدت حكومة المملكة المتحدة لمنظمة العفو الدولية أن الشكوى قيد التحقيق في الوقت الراهن، وأنه تم إبلاغ كل من اللجنة الدولية للصليب الأحمر واللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان بهذا الأمر.81
وقد سعت الحكومة الهولندية إلى التغلب على بعض الحواجز التي تعترض سبيل المراقبة الفعالة، وذلك بالإصرار على نقل المعتقلين إلى كابول، حيث تكون مراقبتهم أكثر سهولة. وفي رسالة إلى البرلمان الهولندي قالت الحكومة الهولندية، مشيرةً إلى المعتقلين الثلاثة الذين قُبض عليهم في 29 يناير/كانون الثاني، "... بحدود علم الحكومة، فإن السلطات الأفغانية تحترم مذكرة التفاهم الأفغانية – الهولندية".82 بيد أنه على الرغم من أن المعتقلين موجودن في كابول، فإن من غير الواضح لمنظمة العفو الدولية ما إذا كان المراقبون المستقلون قد تمكنوا من زيارة أولئك المعتقلين.
ونظراً لأن معظم الأشخاص الواحد والثلاثين المحتجزين لدى إدارة الأمن الوطني، بعد تسليمهم من قبل القوات البريطانية والهولندية، موجودون في مناطق لا يستطيع المراقبون المستقلون الوصول إليها، فإنه يتعذر التأكد بشكل قاطع من أنهم ليسوا عرضة لخطر التعذيب وإساءة المعاملة. وفي ضوء التقارير المتعلقة بإساءة المعاملة على أيدي إدارة الأمن الوطني والمبينة بالتفصيل لاحقاً، فإن منظمة العفو الدولية تعتقد أن السماح للمراقبين المستقلين بحرية الوصول إلى أماكن الاعتقال والمعتقلين يشكل جزءاً أساسياً من نظام المراقبة الفعال، وأنه عندما تهدد الظروف الأمنية بمنع حرية وصول المراقبين، يتعين على إيساف اتخاذ خطوات لتسهيل عمل المراقبين المستقلين.
وفي الوقت الذي تشير منظمة العفو الدولية إلى أن الترتيبات الإجرائية المنصوص عليها في مذكرتي التفاهم البريطانية والهولندية تعمل بدرجة أكبر مما تعمل به مذكرات التفاهم لدول إيساف الأخرى، فإن المنظمة تؤكد أن مذكرات التفاهم لا تعفي الدول من التزاماتها بمنع التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة.
· عمليات النقل الميدانية
إلى جانب نقل المعتقلين بموجب مذكرات التفاهم أو غيرها من الترتيبات الإجرائية، فإن دول إيساف تقوم بنقل المعتقلين إلى حجز السلطات الأفغانية في الميدان. ويحدث هذا عندما تشن القوات الدولية عمليات مشتركة مع القوات الأفغانية، قد تشارك فيها قوات الجيش الوطني الأفغاني والشرطة الوطنية الأفغانية وإدارة الأمن الوطني، حيث يتم نقل الأشخاص في عين المكان إلى عهدة القوات الأفغانية.
وتعرب منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن عمليات النقل في الميدان لا تخضع لأنظمة إجرائية، ولذا فإن احتمال التعرض لخطر انتهاكات حقوق الإنسان يصبح أكبر. ففي إحدى الحالات التي عُرضت ضمن فيلم وثائقي على شاشة التلفزة في المملكة المتحدة، ظهرت القوات البريطانية وهي تسلم مقاتلاً أسيراً من طالبان إلى الجيش الوطني الأفغاني في هيلمند.83 وفي ذلك الفيلم الوثائقي ظهر الجنود البريطانيون على قناعة بأن المعتقل سيتعرض لسوء المعاملة عند تسليمه إلى الجيش الوطني الأفغاني، في حين أن عدداً من الجنود الأفغان في الفيلم أعربوا عن رغبتهم في قتل المعتقل.
ويُعتقد أن مئات الأشخاص ربما يكونون قد نُقلوا في الميدان – وهو ما يحدث في جنوب أفغانستان، وتقوم به القوات الأسترالية والبريطانية والكندية والهولندية والأمريكية بشكل أساسي. بيد أن الحجم الحقيقي لعمليات نقل المعتقلين في الميدان لا يزال غير واضح، وكذلك الأمر بالنسبة لطبيعة المعاملة التي يلقاها مثل هؤلاء الأشخاص بعد تسليمهم إلى القوات الأفغانية. وفي حالة توضيحية أخرى، ورد أن القوات الكندية تدخلت لوقف عملية إعدام بإجراءات موجزة لمعتقل تم تسليمه إلى قوات الجيش الوطني الأفغاني في الميدان. وتعزز هذه الحالة بواعث القلق العميقة لدى منظمة العفو الدولية حيال هذه الممارسة.
ويساور منظمة العفو الدولية قلق لأن دول إيساف تعجز عن التصدي لخطر إساءة المعاملة والإعدام بإجراءات موجزة الذي يتعرض له الأشخاص الذين يتم أسرهم أثناء العمليات المشتركة بين القوات الأفغانية والدولية على أيدي أفراد الأمن الأفغان في الظروف التي تكون السيطرة الميدانية فيها للقوات الدولية.

2.5 بواعث القلق بشأن إدارة الأمن الوطني
إن التعرض للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة على أيدي إدارة الأمن الوطني، والذي يسهِّله الاعتقال التعسفي لفترات مطولة بمعزل عن العالم الخارجي، لا يقتصر على الأشخاص الذين سلَّمتهم القوات الدولية الموجودة في البلاد. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن ثمة أنماطاً أوسع للاعتقال التعسفي وإساءة معاملة المعتقلين على أيدي إدارة الأمن الوطني.
وإدراكاً منها لبواعث القلق هذه، أطلقت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان في أكتوبر/تشرين الأول 2006، برنامجاً مشتركاً بين اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للمساعدة يهدف إلى مراقبة حالات الاعتقال التعسفي ويشمل البرنامج عمليات إدارة الأمن الوطني. وقد أشار تقرير صدر عن الأمين العام للأمم المتحدة في 15 مارس/آذار 2007 إلى أن:
"النتائج الأولية أظهرت أنه في قسم كبير من حالات الاعتقال في فترة ما قبل المحاكمة، تمت مخالفة الأطر الزمنية، ولم يتم تعيين محاميي دفاع للمشتبه فيهم، واستُخدم التعذيب وإساءة المعاملة لانتزاع الاعترافات. وظلت إمكانية دخول مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني ووزارة الداخلية تمثل مشكلة بالنسبة للجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان."84
وأشار التقرير اللاحق للأمين العام للأمم المتحدة، الذي صدر في 21 سبتمبر/أيلول 2007 إلى أنه:
"يتعين على حكومة أفغانستان إجراء تحقيق في المزاعم المتعلقة بحوادث الاعتقال التعسفي والمعاملة اللاإنسانية والتعذيب التي يتعرض لها المعتقلون على أيدي السلطات، ولاسيما في إدارة الأمن الوطني."85
كما أقرت الحكومة الأفغانية نفسها بالحاجة إلى إصلاح إدارة الأمن الوطني. وتحدد استراتيجية التنمية الوطنية للحكومة مقياساً لضمان "الإصلاحات ... وهو تعزيز المهنية والمصداقية والنـزاهة لدى المؤسسات الرئيسية لنظام العدالة [بما فيها] إدارة الأمن الوطني."86
وعلى مدى العامين المنصرمين، ظلت منظمة العفو الدولية تتلقى من الضحايا المزعومين وأقربائهم، فضلاً عن طائفة من المنظمات، ومن بينها وكالات الأمم المتحدة، تقارير متكررة عن تعذيب المعتقلين وإساءة معاملتهم على أيدي أفراد إدارة الأمن الوطني. وتشعر منظمة العفو الدولية بقلق عميق بشأن غياب التحقيقات الفعالة والملاحقة القضائية للمسؤولين عن تلك الانتهاكات، واستمرار ثقافة الإفلات من العقاب، مما لا يترك للضحايا فسحة أمل تُذكر في العدالة والإنصاف. وتعطينا الشهادة التالية مثالاً توضيحياً على ذلك:
أدلى أيه. بي87، الذي اعتُقل إثر غارة شنتها إدارة الأمن الوطني في إقليم قندهار في أواسط عام 2005، بالشهادة التالية أمام منظمة العفو الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2005:
"اقتادوني إلى مجمع إدارة الأمن الوطني في قندهار...كانت [الغرفة التي ضربوني فيها] غرفة اسمنتية كبيرة لها باب ونافذة صغيرة. وكان فيها طاولتان كبيرتان وكُلاَّب مثبت في السقف، وكانت الجدران ملطخة بالدماء.... ضربوني بسلك كهربائي على ظهري وعلى كليتي بشكل خاص ... وبعد 60-50 ضربة بالأسلاك الكهربائية، فقدت الوعي، وعندما أفقتُ كانوا لا يزالون يضربونني. ولم أعرف طول المدة التي كنت فيها فاقداً للوعي... [وفيما بعد] وضعوا قضيباً معدنياً تحت ذراعيَّ وركبتيَّ المقيدة وعلَّقوني بالكلاَّب في السقف، وواصلوا ضربي. لقد علقوني بهذه الوضعية ربما لمدة ساعة، وبعدها فقدت الوعي. ثم وضعوني على الأرض ورشُّوا عليَّ الماء، ثم علقوني مرة أخرى. وربما حدث ذلك ست مرات، ولكنني لا أتذكر، ربما كانت 20 أو 25 مرة...
قام نحو 12 أو 13 رجلاً بضربي في الليلة الأولى لاعتقالي. لم يتم التحقيق معي، ولم أشاهد مدعياً عاماً أو قاضياً أثناء وجودي في حجز إدارة الأمن الوطني. لم أكن أستطيع التحرك لمدة 10 أيام بلياليها بعد ضربي. وبعد 10 ليالٍ تمكنتُ من تغيير ملابسي والاستحمام ... وبعد 25-20 يوماً أخذوني إلى طبيب، فأعطاني بعض الأقراص، التي لا أعرف ما هي. وباستثناء ذلك، لم أتلق أية رعاية طبية. وبقيت هناك لمدة شهرين".
ولم تتلق أسرة "أيه بي" أية مساعدة أو تعويض من الحكومة، وهي تعيش الآن على إحسان أفراد العائلة الآخرين بحسب ما ذُكر. وشعوراً بخيبة الأمل الذي يسببه انعدام الشفافية والإفلات من العقاب اللذين يحميان الجناة المشتبه فيهم من الملاحقة القضائية، لم تلجأ العائلة إلى تقديم شكوى رسمية بشأن معاملة "أيه.بي". فهم يعتقدون أن الشكاوى "تذهب هباء".
كما تشعر المنظمة بالقلق من استمرار أنماط الاعتقال التعسفي بمعزل عن العالم الخارجي على أيدي إدارة الأمن الوطني، وهو ما يسهِّل خلق مناخ للتعذيب أو إساءة المعاملة. ومن بين الأشخاص المعرَّضين للخطر صحفيون وغيرهم ممن يُشتبه في أنهم معارضون للسلطات أو يُعتقد أنهم من منتقدي السياسات الحكومية.
أما قمران مير هزار، وهو صحفي يعمل لحساب راديو سلام واتندار ومحرر في وكالة "كابول بريس" للأخبار على الانترنت، فقد قُبض عليه مرتين خلال شهرين في عام 2007. في المرة الأولى قُبض عليه من دون مذكرة توقيف في 4 يوليو/تموز واحتُجز بمعزل عن العالم الخارجي، ثم أُطلق سراحه في وقت لاحق من دون توجيه تهمة له، وذلك إثر إرسال مناشدات عاجلة إلى السلطات من قبل الفاعلين في المجتمع المدني.88 ثم قُبض عليه مرة ثانية في 9 أغسطس/آب 2007، وأُطلق سراحه بعد 9 ساعات، ولكنه هُدد بالاعتقال مرة أخرى إذا أقدم على انتقاد الحكومة في مقالاته".89 ووفقاً لمصادر في كابول، فقد نفت إدارة الأمن الوطني، أثناء فترة اعتقال قمران أن يكون قد اعتُقل من قبل الإدارة أو أن يكون موجوداً في حجزها.
وفي حالة أخرى، قبض أفراد إدارة الأمن الوطني في 20 مارس/آذار 2007 في مدينة لشكرغاه، على رحمة الله حنفي، وهو مدير مستشفى تديره المنظمة غير الحكومية الإيطالية المعروفة باسم "إميرجنسي" (الطوارئ) في إقليم هيلمند. وقد لعب رحمة الله حنفي دور الرسول في المفاوضات بين حركة طالبان وبين الحكومتين الأفغانية والإيطالية، والتي أدت إلى إطلاق سراح الصحفي الإيطالي المختطف دانييل ماستروغياكومو في 19 مارس/آذار 2007. وقد اعتُقل في الحبس الانفرادي بمعزل عن العالم الخارجي لمدة شهرين تقريباً.
وأكد مسؤولون أفغان في كابول لم تُذكر أسماؤهم أنه نظراً لأنه متهم بارتكاب جريمة ضد الأمن الوطني، فإنه لن يحظى بشكل تلقائي بتعيين محام للدفاع عنه.90 وفي 16 يونيو/حزيران تمت تبرئة ساحة رحمة الله حنفي من جميع التهم وأُطلق سراحه في 19 يونيو/حزيران، أي بعد مرور ثلاثة أشهر بالضبط على اعتقاله.

.6 هياكل الاعتقال الأفغانية: الحاجة إلى الإصلاح
مع أنه تم إحراز تقدم في مجال إصلاح قطاعي الأمن والقضاء على مدى السنوات الخمس الماضية، فإن قوات الأمن الأفغانية ونظام العدالة لا يزالان يعانيان من مثالب حادة ومنهجية.91
ففي إيجاز قدمه الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة المعني بأفغانستان إلى مجلس الأمن في 19 يوليو/تموز 2002، أشار إلى أن المفتاح الحقيقي إلى استعادة الأمن يتمثل في إنشاء قوات جيش وطني وشرطة وطنية، إلى جانب برنامج تسريح قوي للمقاتلين. كما أن الإصلاح المقترح لإدارة الأمن الوطني يكتسي أهمية مماثلة."92
بيد أن منظمة العفو الدولية تشعر بالقلق لأن إصلاح إدارة الأمن الوطني لا يبدو أنه يحظى بالأولوية في الجهود الدولية الرامية إلى إصلاح قطاع العدالة، ولأنه لم يتم التصدي بشكل كافٍ للأنماط القديمة للانتهاكات على أيدي أفراد إدارة الأمن الوطني.
ولإبراز الصلات بين إدارة الأمن الوطني وقطاع العدالة الأوسع – والسبب الذي يدعو منظمة العفو الدولية إلى الاعتقاد بأن دول إيساف يجب أن تتصدى بشكل عاجل وملح لبواعث القلق المتعلقة بممارسات الاعتقال في هذا القطاع. نورد فيما يلي وصفاً موجزاً للظروف التي تعمل فيها السجون وإدارة الأمن الوطني.

1.6 الإطار المؤسسي
يشمل الإطار المؤسسي لقطاع العدالة الأفغاني وزارة العدل، التي تتولى وظيفة الإشراف على الإصلاحات القانونية، وتدير مراكز الاعتقال في المقاطعات والأقاليم، بما فيها سجن بول – إي – تشارخي، وهو مركز الاعتقال الرئيسي في أفغانستان، ويقع إلى الشرق من كابول.
بيد أن وزارة العدل لا تتولى إدارة الجناح ذي الإجراءات الأمنية الفائقة في سجن بول – إي تشارخي الذي تموله الولايات المتحدة، والذي يُحتجز فيه معتقلو غوانتنامو الذين تسلمهم الولايات المتحدة إلى السلطات الأفغانية.93 ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الجناح يُدار من قبل إدارة الأمن الوطني أم وزارة الدفاع.
كما أن نَظارات الشرطة التي تديرها وزارة الداخلية ومراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني تقع خارج نطاق صلاحيات وزارة العدل. وأظهر تقييم تقني لسجون المقاطعات في أفغانستان صدر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بالتعاون مع وزارة العدل ودائرة السجون المركزية، في العام 2005، أن الزنازن غالباً ما تكون مكتظة وفي حالة مزرية؛ وأن حالة المطابخ وأنظمة إمدادات المياه والمرافق الصحية غالباً ما تكون متردية؛ وأن الأماكن المخصصة لاستنشاق الهواء النقي، من قبيل الساحات، كثيراً ما تكون محدودة.94
وينبغي أن يكون مكتب النائب العام (المدعي العام) والقضاء ممثَّليْن من حيث المبدأ في جميع المقاطعات والأقاليم، حيث أن مكتب النائب العام والمحكمة العليا في كابول يقومان بوظيفة الإشراف على الاعتقال من الزاوية النظرية. بيد أن "مؤسسات حكم القانون تفتقر حالياً إلى الفعالية والقدرة والتغطية الوطنية، مثلما أشار الخبير المستقل السابق للأمم المتحدة المعني بأوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان. وغالباً ما يُنظر إليها على أنها عرضة للفساد وتحظى بشرعية محدودة في أجزاء كبيرة من البلاد."
وعلى الرغم من الجهود التي بُذلت على مدى السنوات الأخيرة من أجل تعزيز التماسك في نظامي العدالة والاعتقال، ولاسيما من خلال اعتماد قوانين رئيسية، من بينها قانون الإجراءات الجنائية المؤقت، وقانون الشرطة، وقانون السجون وقانون المحاكم، فإن معرفة هذه القوانين وتطبيقها العملي، لايزال محدوداً في صفوف المسؤولين الحكوميين.95
كما يساور منظمة العفو الدولية قلق لأن هذه القوانين لا تنطبق على جميع مؤسسات قطاعي الأمن والعدالة على قدم المساواة. فعلى سبيل المثال، لا ينطبق قانون السجون لعام 2005 على مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني، التي يُحتجز فيها العديد من المعتقلين المنقولين لفترات قصيرة وطويلة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المنظمة، إذ تحيط علماً بالأوضاع غير الملائمة في مراكز الاعتقال التي تديرها وزارة العدل، تخشى ألا تكون الأوضاع في مراكز الاعتقال التابعة لإدارة الأمن الوطني أحسن حالاً منها.

2.6 إدارة الأمن الوطني
في الوقت الذي ما زالت فيه أجهزة الأمن والعدالة الأفغانية ضعيفة وعرضة للتأثيرات غير السليمة وأنماط سوء السلوك، فإن إدارة الأمن الوطني تعتبر أقل المؤسسات شفافية. ويساور منظمة العفو الدولية قلق لأن الافتقار الشديد إلى الشفافية يعتبر عاملاً يُسهم في حالة الإفلات من العقاب التي يتمتع بها العاملون في الإدارة. وكما أشرنا آنفاً، فإنه لا يزال من الصعب مراقبة أنماط الانتهاكات التي ترتكبها إدارة الأمن الوطني بصورة فعالة، وليس لدى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي يقترفها أفراد إدارة الأمن الوطني فسحة من الأمل في الحصول على الإنصاف.
وكان جهاز المخابرات قد أُنشأ إبان رئاسة داود خان في السبعينات، وجرى إصلاحه بعد الغزو السوفييتي في العام 1979، حيث تلقى مساعدات كبيرة من وكالة المخابرات السوفييتية "كيه جي بي"، وأُعيدت تسميته باسم "خدمة معلومات الدولة". وفي العام 2001، أُعيدت تسميته مرة أخرى باسم "إدارة الأمن الوطني". وكان أول مدير عام لهذه الإدارة بعد سقوط طالبان هو محمد عريف سراري،98 الذي حل محل أمر الله صالح في فبراير/شباط 2004.99
إن إدارة الأمن الوطني تعتبر إحدى أكبر وكالات قطاع الأمن في أفغانستان. ويقع مقر قيادتها الرئيسي في كابول، ولها مكاتب فرعية في شتى أنحاء البلاد و 30 دائرة يعمل فيها من 30,000 – 15,000 موظف. ويُفترض أن تقوم إدارة الأمن الوطني بتقديم تقاريرها إلى الرئيس كرزاي مباشرة، مع أن صلاحيات هذه الإدارة مذكورة في مرسوم رئاسي لم يُنشر ولا يزال حتى الآن محاطاً بالسرية. كما أُبلغت منظمة العفو الدولية بأن إدارة الأمن الوطني تعمل بموجب قانون سُنَّ في عام 1987، وهو "قانون الجرائم ضد الأمن الداخلي والخارجي لجمهورية أفغانستان الديمقراطية"، ولكن وظائفها الحالية أوسع بكثير مما يمكن أن يتضمنه قانون عام 1987.
وإلى جانب منظمات أخرى تتلقى مساعدات كجزء من برنامج إصلاح قطاع الأمن، فقد ورد أن إدارة الأمن الوطني اختيرت كمتلقية للدعم من جانب حكومتي الولايات المتحدة وألمانيا. وقد أشار تعليق على الجهود المبذولة لإصلاح إدارة الأمن الوطني في عام 2004 إلى ما يلي:
"... كان من بين الإنجازات التي حُققت إنشاء نظام تعيين يقوم على الأحقية، وإقرار ميثاق يحد من السلطات الواسعة المتعلقة بالقبض والاحتجاز التي كانت تتمتع بها في السابق. ووُضعت خطط لإنشاء أكاديمية للمخابرات تتولى تدريب 5,000 ضابط جديد في غضون خمس سنوات. وقد أدى نقص الموارد اللازمة للجوانب اللوجستية والاتصالات والنقل إلى إعاقة الجهود الرامية إلى جعل هذه القوة تتسم بالمهنية."100
بيد أن من غير الواضح إلى أي مدى أحرزت هذه الخطط تقدماً. فاتفاقية أفغانستان، وهي الاتفاقية الدولية المتعلقة بالوجود الدولي في أفغانستان، لا تأتي على ذكر إصلاح إدارة الأمن الوطني بالتحديد.
إن المعرفة العامة المتعلقة بتنظيم إدارة الأمن الوطني وآليات المراقبة عليها لا تزال محدودة، ولكن سلطات الاعتقال والمقاضاة وإصدار الأحكام والحبس تتجاوز كثيراً صلاحيات العديد من وكالات المخابرات في العالم على ما يبدو.101 ويساور منظمة العفو الدولية قلق خاص لأن سلطات إدارة الأمن الوطني الخاصة بالتحقيق والاعتقال ليست منفصلة عن السلطات المتعلقة بالمحاكمة والحبس، وأن هذا التداخل غير السليم في الوظائف يشكل انتهاكاً للحق في المحاكمة العادلة، ويؤدي إلى تسهيل إفلات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب، وتقويض حكم القانون.
وتعتقد منظمة العفو الدولية أن السرية التي تكتنف صلاحيات إدارة الأمن الوطني وسلطاتها وعملياتها تشكل عقبة كأداء تحول دون المراقبة الفعالة للمعتقلين، وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها، واتخاذ خطوات لتحقيق الإنصاف لضحايا التعذيب وإساءة المعاملة عن طريق الملاحقات القضائية وجبر الأضرار. وتحث منظمة العفو الدولية على أن تشكل الجهود المبذولة للتصدي لهذه القضايا المتعلقة بإدارة الأمن الوطني أولوية ملحة في الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي والحكومة الأفغانية من أجل إصلاح قطاع الأمن الأوسع نطاقاً.

.7 الخاتمـة
يساور منظمة العفو الدولية قلق من أن الأشخاص الذين تأسرهم قوات إيساف وتسلمهم إلى السلطات الأفغانية يكونون عرضة للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة أثناء وجودهم في الحجز الأفغاني، ولا سيما في حجز إدارة الأمن الوطني.
وفي ضوء الأنماط الواردة عن إساءة معاملة المعتقلين على أيدي أفراد إدارة الأمن الوطني، والتي غالباً ما تقع في ظروف الاعتقال التعسفي بمعزل عن العالم الخارجي، وإداركاً منها لانعدام الشفافية الشديد في سلطاتها وعملياتها، ومناخ الإفلات من العقاب الذي يحمي أفراد إدارة الأمن الوطني المشتبه في ارتكابهم انتهاكات لحقوق الإنسان من الملاحقة القضائية، فإن منظمة العفو الدولية تعتقد أن إدارة الأمن الوطني تمثل حالياً تهديداً خطيراً للأشخاص المحتجزين لديها.
ولدى منظمة العفو الدولية كذلك بواعث قلق كبيرة، تعززها تقارير تجمَّعت من الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر وغيرهما من الهيئات، حول نظام الاعتقال الأفغاني الأوسع نطاقاً، وتعتقد أن معاملة المعتقلين لا تفي بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
كما تعتقد المنظمة أن مذكرات التفاهم التي وقَّعها عدد من دول إيساف مع الحكومة الأفغانية لا تعفيها من التزامها القانوني بعدم الإعادة القسرية. فهذه المذكرات عبارة عن اتفاقيات فنية قد تساعد على النقل المادي للسجناء وفي بعض جوانب المراقبة، ولكنها لا تفي بالالتزام القانوني