تقرير منظمة العفو الدولية لعام  2013
حالة حقوق الإنسان في العالم

بيان صحفي

23 أكتوبر 2012

تونس: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء؟

MDE/010/2012 
هذه مقدمة، ونتائج وتوصيات التقرير الموجز: تونس - خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء؟   
الذي أصدرته  منظمة العفو الدولية يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول  2012
الترجمة العربية للتقرير الموجز بكامله سوف تكون  متاحة قريبا.

 

مقدمـة:


"لا شيء يمكن أن يعوِّضني عن ولدي، ولكنني أريد أن أعرف مَن الذي قتله، وأريد أن أراه خلف القضبان. ما نريده هو العدالة ولا شيء غير العدالة. إن النظام القضائي يُخفي الحقيقة.".
عليا لعجيمي، والدة سهيل رياحي، الذي قضى نحبه إثر قذفه من النافذة على يدي شرطي خلال الانتفاضة في تونس.

بعد مرور عام على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2011، والتي شكلت علامة مميزة، واعتبرها مراقبون دوليون أول انتخابات حرة ونزيهة منذ عقود، اتخذت السلطات التونسية عدداً من الخطوات باتجاه الإصلاح الذي تحتاجه البلاد بشكل ملحٍّ. ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، انتخب التونسيون 217 عضواً في المجلس الوطني التأسيسي الجديد. وخلال جلسته الافتتاحية في 22 نوفمبر/تشرين الثاني، عيَّن المجلس الوطني التأسيسي رئيساً جديداً للبلاد ورئيساً للوزراء تقلَّد منصبه في ديسمبر/كانون الأول، ورئيساً للمجلس، تقلَّد منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني.

وقد كُلف المجلس الوطني التأسيسي بصياغة دستور جديد. وكان الرئيس المؤقت فؤاد المبزع قد علَّق دستور عام 1959 في 23 مارس/آذار 2011 ريثما يتم انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، واستُعيض عنه بتوجيهات مؤقتة حول تنظيم السلطات العامة. وتم تقسيم العمل بشأن الدستور الجديد بين ست لجان داخل المجلس الوطني التأسيسي. ونُشرت مسودة أولية للجمهور العام في أغسطس/آب 2012، ولكن اللجان لم تتمكن من الإيفاء بالموعد النهائي المحدد لإنهاء النص، وهو عام واحد، فتم تأجيله إلى فبراير/شباط 2013.

لقد جاءت الانتخابات كنتيجة مباشرة للانتفاضة الشعبية العارمة التي أطاحت بالنظام القديم وأشعلت فتيل الاحتجاجات في المنطقة بأسرها، وحملت وعداً باحترام حقوق جميع التونسيين وحرياتهم. بيد أن الأجهزة نفسها التي ارتبطت بالقمع، ولاسيما جهاز الشرطة، لا تزال تواصل ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان. وعلاوةً على ذلك، فإنه لم يتم الإيفاء بعد بالالتزامات التي قُطعت إثر الانتفاضة، كما حدثت بعض النكسات في أوضاع حقوق الإنسان.


تحدي التقدم


في الأشهر التي أعقبت الإطاحة بالرئيس بن علي، صدَّقت حكومة تصريف الأعمال على عدد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وهي: البروتوكول الاختياري للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والبروتوكول الاختياري الأول لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب)، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والقانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وقد نُشرت هذه المعاهدات جميعاً في الجريدة الرسمية في 22 فبراير/شباط 2011. كما سحبت حكومة تصريف الأعمال تحفظاتها على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وتم إقرار قوانين وطنية جديدة وتعديل قوانين قديمة. فعلى سبيل المثال، تم تعديل المواد المتعلقة بالتعذيب في المجلة الجزائية، في محاولة لجعلها أكثر اتساقاً مع المعايير الدولية، وأُقرت قوانين جديدة بشأن حرية الصحافة واستخدام وسائل الإعلام السمعية والبصرية. بيد أنه لا تزال هناك قوانين قمعية، ولا يزال هناك الكثير مما ينبغي القيام به من أجل الإدماج التام لالتزامات تونس الدولية في القانون الوطني، من قبيل المادة 226 من قانون العقوبات، التي تنص على عقوبة السجن لمدة ستة أشهر ودفع غرامة لكل من يرتكب جريمة التعدي على الأخلاق الحميدة، سواء بالأقوال أو بالأفعال، والمادة 128 من المجلة الجزائية، التي تنص على عقوبة السجن لمدة سنتين ودفع غرامة لمرتكب جريمة التشهير بموظف مدني، والمادة 91 من قانون القضاء العسكري، التي تنص على عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات على لمرتكب جريمة "تحقير سمعة الجيش".

في مارس/آذار 2011، تم إلغاء جهاز أمن الدولة الذي كان يبث الرعب في النفوس، والذي كان مسؤولاً عن انتهاكات حقوق الإنسان لسنوات عديدة في ظل حكم بن علي. بيد أن ثمة مخاوف من أن يكون قد تم إدماج أفراد جهاز أمن الدولة في الأجهزة الأمنية الأخرى بدون أية آلية تدقيق لضمان عدم الاكتفاء بتحريك الضباط والأفراد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان هنا وهناك، على الرغم من ادعاءات السلطات الجديدة بإحراز تقدم في طريق إصلاح جهاز أمن الدولة.

ومن التطورات الإيجابية الأخرى التي حدثت في فبراير/شباط إطلاق سراح سجناء سياسيين وسجناء رأي ممن كانوا معتقلين قبل الانتفاضة. ويتضمن أحد مشاريع القوانين برنامج إنصاف للسجناء السياسيين، ولكن لم توضع حتى الآن خطة شاملة للإنصاف والتأهيل.

وفي الأشهر التي تلت الانتفاضة، وجد العديد من المنظمات، التي كانت قد واجهت قيوداً قاسية على تسجيلها وأنشطتها تحت حكم بن علي لسنوات عدة، أنها أصبحت قادرة على العمل بحرية أكبر. كما رُفعت الرقابة المفروضة على الجمعيات والقيود المفروضة على أنشطتها؛ وقال وزير الداخلية إنه تم تسجيل ما يربو على 1,300 منظمة جديدة بحلول سبتمبر/أيلول 2011. وتستطيع منظمات حقوق الإنسان الآن أن تعقد اجتماعاتها بحرية. وعقدت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أول مؤتمر لها منذ ما يزيد على عقد من الزمن في سبتمبر/أيلول 2011، وقد حضر تلك الفعالية رئيس الوزراء المؤقت.

وبالإضافة إلى التصديق على عدة معاهدات دولية لحقوق الإنسان، فقد تعاونت السلطات التونسية مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. وقام كل من المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية أثناء مكافحة الإرهاب، بزيارة إلى تونس في مايو/أيار 2012.

وعلى الرغم من الخطوات الإيجابية، حدث عدد من النكسات التي تلقي بظلالها على مستقبل تونس. فقد قام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمراجعة سجل تونس في مجال حقوق الإنسان خلال الدورة الثالثة عشرة للاستعراض الدوري الشامل في مايو/أيار 2012. ومع أن الحكومة التونسية قبلت بالعديد من التوصيات التي قدمها مجلس حقوق الإنسان ودعَمتها، فقد قاومت توصيات رئيسية، من قبيل إلغاء تجريم التشهير والعلاقات الجنسية المثلية، وتجريم التمييز ضد المرأة بشكل تام، وإلغاء عقوبة الإعدام.

ويتعرض الصحفيون والفنانون والكتاب ومنتقدو الحكومة أو الدين للهجوم من قبل السلطات والفاعلين غير التابعين للدولة على السواء، ومنهم الجماعات السلفية. كما أنه لم يتم القضاء على التعذيب، الذي شكَّل السمة المميزة لحكم زين العابدين بن علي، ولا تزال قوات الأمن تتصرف وكأنها فوق القانون، وهي على ثقة بأن باستطاعتها العمل بحصانة تامة. وبالفعل فإن الأشخاص الذين جُرحوا وعائلات الذين قُتلوا إبان الانتفاضة، مازالوا بانتظار تحقيق العدالة والإنصاف، بما في ذلك توفير الرعاية الطبية الكافية. وفي مواجهة الاحتجاجات المستمرة، وعلى خلفية حالة الطوارئ التي يتم تجديدها بشكل متكرر، لا تزال قوات الأمن تلجأ إلى الاستخدام غير الضروري والمفرط للقوة. وهناك عدد من مشاريع القرارات الهادفة إلى تقييد حقوق الإنسان، وليس حمايتها، قيد المناقشة حالياً، من قبيل مشروع القانون الذي قدمه حزب النهضة إلى المجلس الوطني التأسيسي في أغسطس/آب 2012، والذي يقترح إنزال عقوبة السجن لمدة تصل إلى سنتين أو دفع غرامة على مرتكبي الجرائم "ضد المقدسات".

وقد نزل المحتجون، ولاسيما في المناطق الداخلية من تونس، إلى الشوارع مراراً للإعراب عن عدم رضاهم عن بطء وتيرة الإصلاحات وقسوة الأوضاع المعيشية الناجمة عن الفقر والبطالة مثلاً.

وتحوَّلت الاحتجاجات إلى العنف في بعض الأحيان. وتم تجديد حالة الطوارئ التي كانت قد فُرضت منذ 14 يناير/كانون الثاني 2011، عدة مرات، كان آخرها في أكتوبر/تشرين الأول 2012. ووردت أنباء عن مقتل ثلاثة أشخاص في القصبة (تونس) أثناء احتجاج نُظم في فبراير/شباط 2011، عندما استخدمت قوات الأمن القوة لتفريق اعتصام سلمي، ومرة أخرى في مايو/أيار 2011، عندما انهالت قوات الأمن على الصحفيين بالضرب ومنعتهم من تصوير عملية تفريق المحتجين بالقوة. كما استخدمت قوات الأمن العنف في القصبة في 15 يوليو/تموز ضد المحتجين الذين حاولوا الانضمام إلى الاعتصام.

وفي 9 أبريل/نيسان 2012 استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والهراوات لتفريق المحتجين الذين كانوا يحيون يوم الشهيد، عندما حاولوا دخول شارع بورقيبة في وسط العاصمة تونس. وكان المتظاهرون يحتجون على قرار اتخذه وزير الداخلية في 28 مارس/آذار 2012، وحظر بموجبه تنظيم المظاهرات في تلك المنطقة. وأُصيب عشرات المواطنين بجروح في تلك الحادثة، بينهم بعض أفراد قوات الأمن.

وتصادم المحتجون الغاضبون مع قوات الأمن في أنحاء مختلفة من تونس، ومن بينها سيدي بوزيد، التي انطلقت منها الانتفاضة في ديسمبر/كانون الأول 2010. فعلى سبيل المثال، اندلعت احتجاجات عمالية على عدم دفع أجور العمال وفقدان العمل في سيدي بوزيد في 26 يوليو/تموز 2012. وتحولت الاحتجاجات إلى العنف، حيث ذُكر أنه تم تخريب المكتب المحلي لحزب النهضة، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لفض الاحتجاج.

واتُهمت السلطات التونسية بعدم توفير الحماية لبعض الأفراد من الهجمات التي شنتها ضدهم مجموعات عُرفت بأنها من الجماعات السلفية.1 وفي 12 سبتمبر/أيلول 2012 هاجم محتجون سفارة الولايات المتحدة في تونس في أعقاب نشر فيلم مسيء للنبي محمد على الانترنت. وذُكر أن المحتجين قذفوا السفارة بالحجارة، وأحرقوا أعلاماً أمريكية ونهبوا مدرسة أمريكية. وورد أنه قُتل أربعة من المحتجين وأُصيب عشرات آخرون بجروح.

واستهدفت تلك الهجمات التي شنتها مثل تلك الجماعات أشخاصاً وفعاليات ثقافية وفنادق. ففي يونيو/حزيران 2012، تعرَّض معرض فني في تونس للاعتداء لأن أشخاصاً، ممن يبدو أنهم ينتمون إلى جماعات سلفية، اعتقدوا أن بعض الأعمال الفنية كان مسيئاً للإسلام (أنظر الفصل 5). وقد أشعلت الهجمات فتيل احتجاجات أضخم في العديد من المدن التونسية. ففي أغسطس/آب، تعرض مستشار إقليمي فرنسي من أصل تونسي لاعتداء بينما كان يقضي إجازة مع عائلته في بنـزرت، وذلك بسبب لباس زوجته وبناته. وفي الشهر نفسه قيل إن المحتجين هاجموا فعالية ثقافية في بنـزرت بالسيوف والعصي قبل أن ينجح أفراد الأمن في تفريقهم. كما تم إلغاء فعاليات ثقافية أخرى كانت مقررة في أغسطس/آب خوفاً من مثل تلك الهجمات. وفي حالات أخرى، تعرضت بعض الفنادق والمطاعم للهجوم بسبب بيع المشروبات الكحولية فيها.

واتهم العديد من الأشخاص في تونس الحكومة بعدم اتخاذ إجراءات حقيقية بحق الأشخاص المشتبه في ضلوعهم في التحريض على العنف أو المشاركة فيه. وجاءت الاعتقالات التي نُفذت رداً على الهجوم الذي استهدف سفارة الولايات المتحدة في تونس معاكساً لرد الفعل المعتاد من قبل الدولة على الهجمات التي تقع على الأفراد والأماكن التي تعتبرها مسيئة للإسلام.

وفي سبتمبر/أيلول 2012 قام المقرر الخاص للأمم المتحدة والمقرر الخاص للاتحاد الأفريقي المعنيين بالمدافعين عن حقوق الإنسان بزيارة إلى تونس. ودعا المقرران الخاصان إلى إشراك المدافعين عن حقوق الإنسان في عملية صياغة الدستور الجديد بشكل أفضل، وإلى عدم تجريم "الاعتداءات على المقدسات"، وإلى المساواة التامة بين المرأة والرجل في الدستور. ودعا المقرران الحكومة إلى ضمان استقلال وسائل الإعلام والقضاء، والشرطة إلى الرد على الهجمات ضد المدافعين عن حقوق الإنسان ومضايقتهم. وأعرب المقرران الخاصان عن قلقهما بشأن استخدام القوة المفرطة من قبل قوات الشرطة والحرس الوطني. وفي سياق المظاهرات المستمرة، أعربا عن قلقهما بشأن عدم توفير الحماية من الاحتجاجات المضادة والاعتقالات التعسفية ومزاعم التعذيب في الحجز. كما دعيا إلى توفير الإنصاف الفعال، بما فيه التأهيل الطبي للضحايا الذين سقطوا إبان الانتفاضة.

إن بواعث القلق بشأن مسودة الدستور تلخص حالة حقوق الإنسان في تونس. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن المسودة التي أُعلنت للجمهور في أغسطس/آب 2012 لا توفر الحماية الكاملة لحقوق الإنسان. وشككت المادة 5 (20) في الالتزام بحقوق الإنسان الشاملة، وتنص هذه المادة على أن المحكمة الدستورية تفحص مدى دستورية المعاهدات الدولية قبل التوقيع عليها، وهو ما يتناقض مع مبدأ تقدم القانون الدولي على القانون الوطني. كما أن الصياغة الغامضة للمادة 28 المتعلقة بالأسرة، لا تكفل المساواة التامة بين المرأة والرجل، مع أنه يمكن تعديل هذه الصياغة. أما الأحكام التي تجيز عقوبة الإعدام فإنها لا توفر الحماية للحق في الحياة. كما أن المسودة لا تحترم حرية التعبير بشكل كامل، لأنها تتضمن أحكاماً تجرِّم الهجمات ضد الدين "والأخلاق الحميدة"، مع أن رئيس المجلس الوطني التأسيسي أعلن مراراً في أكتوبر/تشرين الأول 2012، أن الدستور لن يضم مثل هذه الفقرات. وتؤدي المسودة إلى إدامة الإفلات من العقاب على ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، من خلال توفير الحصانة من العقاب على جميع الأفعال التي يرتكبها المسؤولون الحكوميون، بمن فيهم الرئيس وأعضاء البرلمان أثناء فترة توليهم لمناصبهم.

وعلى الرغم من التقدم الذي أُحرز، فإن الجهود التي بُذلت من أجل العدالة الانتقالية وضمان استقلال القضاء لم تؤت ثمارها بعد. ولم تُتخذ خطوات كافية لمواءمة القانون والممارسة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

لقد اتسمت المهمة المنوطة بالسلطات التونسية بالضخامة، من المطالبة بالعدالة الاجتماعية إلى إصلاح قطاع الأمن. وواجهت البلاد أوضاعاً أمنية متقلبة، ولم تكن السلطات قادرة على أو راغبة في التصدي للهجمات التي استهدفت الأفراد على أيدي جماعات يُعتقد أنها تنتمي إلى الجماعات السلفية.

بيد أن البيانات الصادرة عن بعض المسؤولين الحكوميين خلقت بواعث قلق من أن السلطات الحالية قد لا تلتزم تماماً بحقوق الإنسان.

إن تونس اليوم تقف على مفترق طرق. ويخلص التقرير الموجز إلى أن ثمة حاجة ملحة إلى اتخاذ الخطوات الضرورية لإحقاق الحقوق والحريات التي ناضل التونسيون من أجلها بإصرار وبسالة في أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011. ويتعين على السلطات التونسية ألا تفوِّت فرصة غير مسبوقة للتصدي الكامل لإرث الانتهاكات وتغيير المؤسسات التي كانت بمثابة أدوات للقمع.

وقد اتخذت السلطات الخطوات الإيجابية الأولى للإصلاح، ومنها التصديق على عدد من معاهدات حقوق الإنسان، وإطلاق سراح سجناء سياسيين وإصدار عفو عن سجناء محكومين بالإعدام، ووضع قانون صحافة جديد. ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، فقد طُرحت مشاريع قرارات أخرى هدفت إلى تقييد حرية التعبير باسم الدين أو تقويض المبدأ الأساسي لاستقلال القضاء، من قبيل مشروع القانون المتعلق بالمجلس القضائي المؤقت الذي طُرح على المجلس الوطني التأسيسي في أغسطس/آب 2012 (أنظر الفصل المتعلق باستقلال القضاء). وأدلى بعض الزعماء السياسيين المرتبطين بالأحزاب السياسية الحاكمة ببيانات مقلقة تشكك في التزام السلطات بحقوق الإنسان. وفي فبراير/شباط 2012، قال وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، في مقابلة تلفزيونية، إن الميول الجنسية المثلية ليست حقاً إنسانياً، وإنها انحراف ينبغي معالجته طبياً.2 إن هذا الموقف يتناقض مع المبدأين الأساسيين، وهما المساواة وعدم التمييز. وفي سبتمبر/أيلول 2012، قال وزير الإصلاح الإداري محمد عبو، متحدثاً في مقابلة إذاعية عن إمكانية وجود محاولات للإطاحة بالنظام باستخدام العنف بعد 23 أكتوبر/تشرين 2012 (بعد مرور عام على انتخاب المجلس الوطني التأسيسي)، إن الهجمات الرامية إلى تغير شكل الحكم يعاقَب عليها بالإعدام بموجب المجلة الجزائية التونسية. وفي يناير/كانون الثاني 2012، ذكر صادق شورو، وهو عضو في المجلس الوطني التأسيسي وينتمي إلى حزب النهضة، لدى حديثه عن استمرار الاحتجاجات والهجمات على الممتلكات العامة، إن الأشخاص الذين يرتكبون مثل هذا الأفعال يجب أن يُقتلوا أو يُصلبوا.

وللمضي قُدماً يتعين على السلطات إزالة أي غموض يكتنف التزامها بحقوق الإنسان الشاملة أولاً. ولوضع تونس على طريق حكم القانون بلا تراجع، يتعين على السلطات إغلاق الطرق امام حدوث اي تراجعات. ولن يسود حكم القانون في تونس ما لم يكفل الدستور الذي سيُعتمد في الأشهر القادمة حقوق الإنسان للجميع؛ ويتم القضاء على التعذيب ويوفر القضاء المستقل إنصافاً فعالاً لضحايا الانتهاكات؛ وتزدهر حرية التعبير، بما فيها حرية الصحافة.

حول هذا التقرير الموجز


يستند هذا التقرير الموجز إلى المراقبة المستمرة لأوضاع حقوق الإنسان في تونس التي قامت بها منظمة العفو الدولية منذ الانتفاضة، بما في ذلك الزيارة التي قامت بها مؤخراً إلى تونس لتقصي الحقائق هناك في الفترة من 17 إلى 28 سبتمبر/أيلول 2012. ويفحص التقرير تطورات حقوق الإنسان في البلاد منذ انتخاب المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011. وقد أجرى مندوبو منظمة العفو الدولية مقابلات مع العديد من عائلات الأشخاص الذين قُتلوا أثناء الانتفاضة، والذين أُصيبوا بجروح أثناء الاحتجاجات في القصرين والرقاب وتالة وتونس الكبرى. وشملت تلك المقابلات بعض العائلات والأفراد نفسهم الذين كانت المنتظمة قد قابلتهم في يناير/كانون الثاني 2011 في خضم الانتفاضة. كما تحدث المندوبون إلى محامين وممثلي منظمات غير حكومية لحقوق الإنسان وصحفيين ومسؤولين حكوميين ودبلوماسيين.

النتائج والتوصيات


بعد مرور عام على انتخاب المجلس الوطني التأسيسي، تقف تونس اليوم على مفترق طرق. ولا يزال أمامها الكثير من العمل للتصدي لإرث الانتهاكات ومواءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، على الرغم من المكتسبات التي تحققت منذ الانتفاضة. وتعتبر مثل هذه التدابير ضرورية لضمان ألا يكون مستقبل تونس مشوباً بالانتهاكات والمظالم التي وقعت في الماضي. ومع استكمال تونس لدستورها، نشير إلى أن هذا الدستور ينبغي أن ينص على ضمانات حقوق الإنسان التي توفر الحماية لجميع التونسيين وعلى وسائل تنفيذ الحقوق وإنصاف ضحايا الانتهاكات.

إن هذه الفترة الانتقالية التي تأتي عقب الانتفاضة تتيح فرصة ثمينة لخلق مجتمع عادل ونزيه، يتم فيه احترام جميع الحقوق والحريات وحمايتها والإيفاء بها. وحتى الآن لا تزال الجهود المبذولة من أجل التغيير تتسم بالبطء، ويتم تكرار انتهاكات الماضي في بعض الأحيان.
إن تغيير أوضاع حقوق الإنسان أمر فائق الأهمية لضمان شعور جميع التونسيين بالافتخار بإرث الانتفاضة. إن منظمة العفو الدولية تقدم التوصيات التالية، بروح الاستعداد لمساعدة السلطات التونسية في هذا الشأن، للإسهام في إحداث تغييرات إيجابية في أوضاع حقوق الإنسان.


التوصيات


تدعو منظمة العفو الدولية السلطات التونسية إلى تنفيذ التوصيات التالية:


التصدي للإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان:


ضمان إجراء تحقيقات شاملة ومحايدة ومستقلة في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت في ظل حكم زين العابدين بن علي؛
التعاون التام مع التحقيقات التي تُجرى في انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك من خلال الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بدور قوات الأمن وتركيبتها، بما فيها التسلسل القيادي؛
ضمان توفير الحماية من المضايقة والترهيب لضحايا وشهود انتهاكات حقوق الإنسان وأقربائهم ومحامييهم، والتحقيق العاجل في أية مزاعم تتعلق بمثل تلك المضايقات؛
وقف جميع أفراد قوات الأمن الذين يُشتبه في أنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان عن العمل ريثما يتم إجراء تحقيقات كاملة واستكمال الإجراءات القضائية؛
توفير جبر الضرر الكافي والفعال والعاجل للأذى الذي لحق بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، والذي يشمل توفير الرعاية الطبية والتأهيل وتقديم الخدمات النفسية والاجتماعية؛
ضمان إبلاغ ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وأقربائهم بالتفاصيل الكاملة للتحقيقات وغيرها من التدابير الرامية إلى الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة والإنصاف، بما فيها المعايير المستخدمة لتحديد التعويض والرعاية الطبية؛
ضمان أن تضع كل آلية معتمدة للعدالة الانتقالية ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في صلب عملها، وأن تحترم حقهم في الكشف عن الحقيقة وإحقاق العدالة والحصول على جبر الضرر.


ضمان استقلال القضاء:


حصر اختصاص المحاكم العسكرية في الجرائم المرتكبة من قبل العسكريين وذات الطبيعة العسكرية المحض؛
إنشاء مجلس قضائي يتولى مهمة تعيين القضاة وترقيتهم ونقلهم وتأديبهم وطردهم حيثما تقتضي الضرورة، بحيث يكون هذا المجلس مستقلاً في تركيبته ووظائفه وتمويله؛
ضمان واحترام مبدأ استقلال القضاء، بما فيه الأمان الوظيفي للقضاة، عن السلطة التنفيذية؛
ضمان إجراء تحقيق فعال عقب جميع مزاعم الترهيب أو التهديدات أو المضايقات، وفرض العقوبات المناسبة على المسؤولين عنها، واتخاذ تدابير لضمان تكرارها.


القضاء على التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة


تعديل القانون المتعلق بالتعذيب، بحيث يتسق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك إلغاء فترة التقادم؛
إصدار تعليمات واضحة إلى الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين، مفادها أن التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة تُعتبر غير قانونية، وأن الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم عن مثل تلك الأفعال سينالون العقاب الذي يتناسب مع خطورة الجريمة المرتَكبة؛
ضمان إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة ومحايدة في كافة شكاوى التعذيب وإساءة المعاملة، وتقديم الجناة إلى ساحة العدالة بموجب محاكمات عادلة بدون اللجوء إلى عقوبة الإعدام، وضمان حصول الضحايا على الإنصاف المناسب؛
إنشاء آلية وطنية مستقلة لمنع التعذيب بلا أي تأخير وبما يتسق مع البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.


إصلاح قوات الأمن:


ضمان إجراء تحقيقات عاجلة وفعالة ومستقلة في كافة مزاعم الاستخدام المفرط للقوة ضد المحتجين السلميين؛
إصدار تعليمات واضحة بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية في عمليات حفظ الأمن، بما يتماشى مع المعايير الدولية؛
إجراء إصلاح شامل وجوهري لجهاز الأمن، وإعلان هيكلة واضحة لفروع الأمن، بما في ذلك التسلسل الإداري فيها؛
إنشاء هيئة مشرفة تُخضع قوات الأمن للمساءلة القانونية عن أية انتهاكات ترتكبها؛


احترام حرية التعبير


ضمان أن يكفل الدستور الجديد وكل قانون جديد، بشكل كامل، حرية التعبير، بما في ذلك من خلال إلغاء المواد التي تجرِّم "التعدي على المقدسات الدينية" والإساءة إلى الدين؛
ضمان التعامل مع كافة الجرائم ذات الصلة بالإعلام في إطار المرسوم عدد 115 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر، والمرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري، اللذيْن اعُتمدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، مع ضمان أن تكون القوانين الجديدة متسقة تماماً مع الالتزامات الدولية لتونس، وألا تجرِّم تهمة التشهير؛
تعديل أو إلغاء القوانين التي تجرِّم الممارسة السلمية للحق في حرية التعبير، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية. وتشمل هذه الالتزامات المواد المنصوص عليها في المجلة الجزائية التي تجرِّم التعدي على الأخلاق الحميدة، والجرائم التي تخلُّ بالنظام العام أو الآداب العامة ( المواد 121 (3) و 128 و 226) والمادة 98 من قانون القضاء العسكري؛
حماية الصحفيين والفنانين والكتاب والأكاديميين من الاعتداءات على أيدي الأفراد الخاصين. ويجب أن يشمل ذلك إجراء تحقيق في مثل تلك الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها؛


احترام وحماية حقوق المرأة:


ضمان أن ينص الدستور الجديد على حظر التمييز، وأن يحدد بوضوح أسباب الحظر بما يتسق مع القانون الدولي. كما ينبغي ضمان المساواة بين الجنسين، وأن يتمتع الجميع بحقوق متساوية في القانون والممارسة وبتكافؤ الفرص في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛
تعديل الأحكام التي تنطوي على تمييز ضد المرأة في قانون الأحوال الشخصية وفي المجلة الجزائية؛
ضمان أن تكون جميع المعاهدات الدولية التي صدَّقت عليها تونس قابلة للتنفيذ بموجب القانون، وذلك من خلال النص صراحةً على تقديم القانون الدولي على القانون الوطني في الدستور الجديد، وتعديل القوانين الوطنية بحسب الاقتضاء؛
سنُّ قانون يتصدى للعنف ضد المرأة، بما فيه العنف المنـزلي والاغتصاب الزوجي. كما يجب إلغاء الأحكام التي تنص على إسقاط الدعاوى أو إلغاء العقوبات إذا سحبت الزوجة المعتدى عليها شكواها، أو في حالة زواج المغتصِب من ضحية الاغتصاب أو الاختطاف (المواد 218 و 227 مكرر و 239 من المجلة الجزائية)

المنطقة
البلد
For further information, contact مكتب الإعلام الدولي

مكتب الإعلام الدولي

هاتف : +44 (0) 20 7413 5566
الساعة 9:30 حتي 17:00 بتوقيت جرينتش يوم الاثنين الى الجمعة
هاتف : +44 (0) 777 847 2126
الخط المفتوح 24 ساعة في اليوم
فاكس : +44 (0) 20 7413 5835
مكتب الإعلام الدولي
Peter Benenson House
1 Easton Street
London
WC1X 0DW
بريطانيا
لمتابعة المكتب الدولي للاعلام على تويتر
@amnestypress