الاختفاء القسري

ما برحت حالات الاختفاء القسري تقع في كثير من البلدان في مختلف أنحاء العالم، وهي تشكل ملمحاً مستمراً من ملامح النصف الثاني من القرن العشرين، منذ ارتكابها على نطاق واسع في مناطق أوروبا التي خضعت للحكم النازي في عام 1941.

وفي غضون السنوات الأخيرة، نفذت الولايات المتحدة الأمريكية، في سياق "الحرب على الإرهاب"، عمليات إخفاء قسري استهدفت بعض المشتبه في صلتهم بالإرهاب، وأحياناً ما تم ذلك بتواطؤ حكومات أخرى.

ويحدث الإخفاء القسري إذا ما قُبض على شخص أو احتُجز أو اختُطف على أيدي عناصر تابعة للدولة أو تعمل لحساب الدولة، ثم تنفي الدولة بعد ذلك أن الشخص محتجز لديها أو لا تفصح عن مكانه، مما يجعله خارج نطاق الحماية التي يوفرها القانون.

وكثيراً ما يختفي أشخاص ولا يُطلق سراحهم على الإطلاق، ومن ثم يظل مصيرهم في طي المجهول، وقد لا يعرف الأقارب والأصدقاء ما حدث لهؤلاء الأشخاص.

إلا إن الأشخاص المختفين لا يتلاشون تماماً، فهناك بالتأكيد في مكان ما من يعرف حقيقة ما حدث لهم، وهناك بالتالي من يتحمل المسؤولية. ويُعد الإخفاء القسري جريمةً بموجب القانون الدولي، إلا إن الجناة لا يُقدمون إلى ساحة العدالة في كثير من الأحيان.

وتمثل كل حالة من حالات الإخفاء القسري انتهاكاً لعدد من حقوق الإنسان، بما في ذلك:

  • الحق في أمن الشخص وكرامته
  • الحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
  • الحق في الاحتجاز في ظروف إنسانية
  • الحق في الشخصية القانونية
  • الحق في محاكمة عادلة
  • الحق في حياة عائلية
  • الحق في الحياة، إذا ما تعرض الشخص المختفي للقتل

ويُعتبر الإخفاء القسري انتهاكاً قاسياً لحقوق الإنسان على وجه الخصوص، إذ لا يقتصر أثره على الشخص المختفي بل يمتد ليطال أفراد عائلته.

وفي كثير من الأحيان يتعرض الشخص المختفي للتعذيب ويظل في خوف دائم على حياته، ويُستبعد من نطاق حماية القانون، ويُحرم من كل الحقوق ويصبح تحت رحمة سجانيه. ويُعد هذا انتهاكاً متواصلاً قد يستمر لسنوات عدة بعد اختطاف الشخص أو اعتقاله.

وإذا قُدر للشخص المختفي أن يظل على قيد الحياة وأن يُطلق سراحه في نهاية المطاف، فقد يظل يعاني بقية حياته من العواقب الجسدية والنفسية لهذا الشكل من أشكال التجرد من الإنسانية وكذلك مما يصاحبه في أحيان كثيرة من وحشية وتعذيب.

أما أهل الشخص المختفي، الذين لا يدرون شيئاً عن مصيره، فيظلون في انتظار أية أخبار عنه، وقد لا تأتي هذه الأخبار على الإطلاق، وقد يستمر انتظارهم سنوات وسنوات. ولا يعرف هؤلاء الأهل إن كان قريبهم المختفي سوف يعود يوماً، ومن ثم لا يمكنهم أن يتأكدوا من موته فينعونه ويواصلون حياتهم استناداً إلى هذه الحقيقة المرة. وكثيراً ما تتفاقم محنتهم ومعاناتهم من جراء الحرمان المادي، إذا كان الشخص المفقود هو العائل الأساسي للأسرة. وفي بعض الأحيان لا يستطيع الأهل أن يحصلوا على معاش أو أي شكل آخر من أشكال الدعم نظراً لعدم وجود شهادة وفاة للشخص المختفي.

ماذا تفعل منظمة العفو الدولية

تدين منظمة العفو الدولية جميع حالات الإخفاء القسري، باعتبارها جرائم بموجب القانون الدولي.

وتناضل منظمة العفو الدولية في سبيل مطالبة الدول بالإفصاح عن مصير الأشخاص المختفين وأماكن وجودهم، ومن أجل الإفراج عنهم ما لم تُوجه إليهم إحدى التهم الجنائية المتعارف عليها وتُوفر لهم محاكمة عادلة بما يتماشى مع المعايير الدولية.

كما تسعى المنظمة إلى تقديم مرتكبي حالات الإخفاء القسري إلى ساحة العدالة.

وفي كل عام، تشارك منظمة العفو الدولية في أنشطة متنوعة في مختلف أنحاء العالم بمناسبة اليوم العالمي للمختفين في 30 أغسطس/آب، وذلك لكي لا تغيب عن الأذهان محنة أولئك المختفين وأقاربهم.

حالة للنظر

في 14 يناير/كانون الثاني 1990، اختُطف 43 شخصاً في كولومبيا من مجتمع بيبلو بيلو المحلي في محافظة أنتيوكيوا، على أيدي 60 من عناصر قوات شبه عسكرية يدعمها الجيش

وزُعم أن عملية الاختطاف كانت على سبيل الانتقام لسرقة بعض الماشية التي يملكها أحد قادة القوات شبه العسكرية. واقتيد الأشخاص المختطفون إلى مزرعة، حيث قُتلوا على الأرجح.

وعلى الطريق المؤدي إلى المزرعة، لم يعترض أحد سبيل القوات شبه العسكرية، بالرغم من الأنباء التي أفادت بأن صرخات الضحايا كانت تصل إلى الأسماع آتيةً من الشاحنات التي نُقلوا فيها.

وفي أعقاب عمليات لاستخراج الجثث، أمكن التعرف على جثث ستة أشخاص من ضحايا عملية الاختطاف في بيبلو بيلو. أما مصير الضحايا الآخرين، البالغ عددهم 37 شخصاً، فلا يزال في طي المجهول.

وقد صدرت أحكام بالسجن على بعض أفراد القوات شبه العسكرية لإدانتهم بقتل الأشخاص الستة الذين تم التعرف على جثثهم. ومع ذلك، فقد ظل الجناة المسؤولون عن إخفاء الضحايا الآخرين قسراً بمنأى عن العقاب.

أنشطة نضالية

في ديسمبر/كانون الأول 2006، اعتمدت الأمم المتحدة "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري". وتهدف الاتفاقية إلى منع وقوع حوادث الإخفاء القسري، وكشف النقاب عن الحقيقة في حالة وقوعها، ومعاقبة الجناة، وتقديم تعويضات للضحايا أو لعائلاتهم.

وتُعتبر الاتفاقية واحدة من أقوى معاهدات حقوق الإنسان التي اعتمدتها الأمم المتحدة، فبعض موادها تتضمن أحكاماً تُوضع للمرة الأولى وترسخ معايير جديدة مهمة.

وتشارك منظمة العفو الدولية مع الأعضاء الآخرين في "الائتلاف الدولي لمناهضة حوادث الإخفاء القسري" في مطالبة جميع دول العالم بالتصديق على الاتفاقية. وحتى تكون الاتفاقية فعالة، يتعين على الحكومات وضع تشريعات جديدة لتنفيذها.

يمكن الاطلاع على نص "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري"