التعذيب والمساءلة

التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، مثلهما مثل العبودية والإبادة الجماعية، دوماً خاطئان. وقد تم إرساء هذا المبدأ قبل سنين عديدة، وهو مكرس في القانون الدولي.

فلكل شخص حق في الحرية من التعذيب ومن غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (غيره من ضروب سوء المعاملة)، طبقاً للمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تبنته الأمم المتحدة قبل 60 عاماً.

وقد دأبت منظمة العفو الدولية لعقود من الزمن على توثيق التعذيب، الذي ما برح متفشياً حتى اليوم في دول شتى في العالم. وتتهدد الإجراءات التي اتخذتها الدول في السنوات الأخيرة باسم مكافحة الإرهاب بإضعاف الاحترام للحظر المطلق المفروض على التعذيب، كما تظهر الحاجة إلى تعزيز الفهم لأهمية هذا الحظر، وإلى ضمان إنفاذه.

الإجماع على مناهضة التعذيب يتعرض للخطر


ارتقى بعض التدابير التي اتخذتها الحكومات للرد على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وكذلك على الهجمات أو التهديد بالهجمات التي تلت ذلك في بلدان أخرى منذ ذلك الوقت، إلى مستوى الاعتداء الخطير على إطار حماية حقوق الإنسان. فقد نشطت الدول في استخدام التعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، وحاولت تبرير ذلك باسم الأمن، مضفية الحصانة من العقاب على الجناة.

وسعى بعضها إلى تجاوز واجباته ومسؤوليته عن طريق الادعاء بأن "التعذيب" خطأ وغير قانوني، بينما حاولت في الوقت نفسه إعطاء تعريفات للتعذيب ولغيره من "ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة" على المستوى الوطني تستثني أساليب أو ظروفاً بعينها خدمة لممارساتها.

الولايات المتحدة أجازت التعذيب، بينما ظل ممارسوه دون مساءلة


عندما تولى الرئيس باراك أوباما مهام منصبه في 20 يناير/كانون الثاني 2009، ورث عن سلفه تركة من التعذيب والإفلات من العقاب والاعتقال غير القانوني.

إذ أجازت إدارة الولايات المتحدة الأمريكية السابقة بصورة رسمية أساليب الاستجواب "المعززة" – بما فيها الأوضاع المولِّدة للآلام، والعزل المطوَّل، وتعطيل الحواس والإيهام بالإغراق – التي تشكل ضرباً من ضروب التعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة بمقتضى القانون الدولي.

فطبقت حكومة الولايات المتحدة برنامجاً للترحيل السري – حيث قامت بتسفير الأفراد الذين اشتبه في أن لهم صلة بالإرهاب ما بين الدول دون اتباع الإجراءات المرعية، بما في ذلك ترحيلهم إلى دول واجهوا فيها خطراً حقيقياً بأن يتعرضوا للتعذيب ولغيره من صنوف سوء المعاملة – كما طبقت برنامجاً للاعتقال السري، فغدا المعتقلون ضحايا للاختفاء القسري.
إن أحد السبل الأكثر أهمية لضمان استئصال شأفة التعذيب هي ضمان المساءلة التامة عنه كلما وقع: فيجري كشف النقاب عن الحقيقة كاملة، بينما يقدَّم الجناة إلى ساحة العدالة، وتتخذ التدابير الوقائية لمنع تكراره، ويتم إنصاف الضحايا.

ومع أن إدارة الولايات المتحدة الجديدة قد فرضت حظراً منذ مباشرتها مهامها على استخدام أساليب الاستجواب "المعززة"، إلا أن ما ينبغي أن يليها من خطوات حاسمة لم يتخذ بعد. وبالمثل، لم تتخذ حكومات أخرى في أنحاء شتى من العالم كانت قد تواطأت مع برنامج الولايات المتحدة هذا تدابير لضمان المساءلة بعد. فبينما وقعت تطورات إيجابية في أوروبا، ولاسيما فيما يتعلق بالكشف عن مزيد من المعلومات بشأن تورط دول أوروبية في انتهاكات تتصل ببرنامج الولايات المتحدة، وبمباشرة تحقيقات في بولندا وإيطاليا وألمانيا ودول أخرى، إلا أن الدول الأوروبية لم تفعل سوى القليل نسبياً فيما يخص المساءلة والإنصاف، كما لم تتخذ تدابير تذكر للحيلولة دون تكرار الانتهاكات.

صفقات مع دول تمارس التعذيب


أسهمت دول أخرى في أنحاء شتى من العالم في إضعاف الحظر الدولي المفروض على التعذيب عن طريق السعي إلى إبعاد معتقلين قسراً إلى دول يمكن أن يواجهوا فيها خطراً حقيقياً بأن يتعرضوا للتعذيب.

إذ سعت دول تشمل الولايات المتحدة والنمسا وكندا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والسويد إلى استصدار "تأكيدات دبلوماسية" من دول مستقبلة للمعتقلين بأن هؤلاء لن يتعرضوا للتعذيب أو لغيره من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وقبلت بمثل هذه التأكيدات.

وهذه "التأكيدات" وعود غير قابلة للإنفاذ من أصلها، وبقبولها مثل هذه التأكيدات، فإن الدول المرسلة للمعتقلين تعترف بحكم منطق التأكيدات نفسها بأن الدولة المستقبلة تقوم بتعذيب المعتقلين الآخرين. وفي الحالات التي تم فيها نكث الوعود بحسن المعاملة، عانى الأفراد الذين شملتهم هذه التأكيدات نتائج شديدة القسوة.

إن على الدول، وعوضاً عن طلب استثناء قلة من الإفراد من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، العمل سوية كي تضمن عدم ممارستهما من جانب هذه الدول بصورة قطعية. كما ينبغي إدانة هذه التأكيدات والتخلي عنها كلياً.

أنماط قديمة من القمع وكلام معسول جديد


التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة ليسا أمراً جديداً. بيد أن الدول التي تفشى فيها التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة قبل 2001 تجد الكثير من التشجيع لممارساتها جراء مناخ التساهل الذي ساد منذ هجمات سبتمبر/ أيلول.

فعلى سبيل المثال، شنت سلطات المملكة العربية السعودية حملة من الاعتداءات المستمرة على حقوق الإنسان باسم الأمن ومحاربة الإرهاب. إذ اعتقل آلاف الأشخاص واحتجزوا بسرية تامة؛ بينما قتل آخرون في ظروف يلفها الغموض فيما تصفه السلطات بالاشتباكات مع قوات الأمن. ويواجه المئات محاكمات سرية بإجراءات مقتضبة، وربما الإعدام.

كما فاقمت تدابير مكافحة الإرهاب التي تبنتها الحكومة منذ ذلك الوقت ممارسة الأنماط التي طال عليها الزمن من انتهاكات حقوق الإنسان.

ما الذي ينبغي أن يحدث؟


على جميع الدول:

  •    إدانة جميع أشكال التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة وإعلاء صوتها ضد الحكومات التي تثابر على مثل هذه الانتهاكات، أو تتواطؤ فيها، أو تتقاعس عن اتخاذ التدابير ضدها؛
  •     المنع القانوني لهذه الممارسات؛
  •    تقديم المسؤولين عن إجازة التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة رسمياً أو عن ممارستهما إلى ساحة العدالة؛
  •    ضمان عدم الاعتراف بالمعلومات التي يتم الحصول عليها تحت التعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة كأدلة في أية إجراءات قانونية، إلا ضد الشخص المتهم بارتكاب مثل هذا الانتهاكات وكدليل على وقوع الانتهاك؛