مقال

حقوق الإنسان ليست بحاجة إلى حدود

بقلم سليل شتي


"الظلم في أيِّ مكان تهديد للعدل في كل مكان. إننا عالقون في شبكة من التبادلية لا فكاك منها، ومنضوون تحت عباءة مصير واحدة. وما يؤثِّر على أيٍّ منا بشكل مباشر، إنما يؤثِّر علينا جميعاً بشكل غير مباشر."
مارتن لوثر كنغ الابن، في رسالته من سجن برمنغهام

في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2012 أطلق مسلحون من حركة "طالبان" في باكستان النار على ملالة يوسف زاي، البالغة من العمر 15 عاماً، فأصابوها في رأسها وفاضت روحها. أما الجريمة التي اقترفتها فكانت الدعوة إلى حق الفتيات في التعليم، وأما سلاحها فكان المدوَّنة. وشأنها شأن محمد بوعزيزي، الذي أشعل تصرفه في عام 2010 فتيل احتجاجات واسعة النطاق على اتساع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأسرها، فإن عمل ملالة تخطَّى حدود باكستان. لقد أدت الشجاعة والمعاناة البشرية، إلى جانب قوة وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تقيدها حدود، إلى تغيير فهمنا للنضال من أجل حقوق الإنسان والمساواة والعدالة، حتى مع التحول المحسوس الذي طرأ على الخطاب المتعلق بالسيادة وحقوق الإنسان.

وقد نزل الناس في كل مكان إلى الشوارع، فضلاً عن الفضاء الرقمي - رغم تعرضهم لمخاطر كبيرة على المستوى الشخصي- لفضح أعمال القمع والعنف التي اقترفتها الحكومات وغيرها من الفاعلين الأقوياء. وخلقوا شعوراً بالتضامن الأممي – عبر المدونات وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي والصحافة التقليدية- للإبقاء على ذكرى محمد وأحلام ملالة حية في الأذهان.

إن مثل هذه الشجاعة، مصحوبةً بالقدرة على توصيل توقنا العميق للحرية والعدالة والحقوق، كانت بمثابة تحذير إلى أولئك المتربعين على سدة السلطة. وشكَّلت ومضات الدعم الموجَّهة إلى أولئك المحتجين على القمع والتمييز نقيضاً صارخاً لأفعال العديد من الحكومات التي تقمع المحتجين السلميين وتبذل محاولات يائسة للسيطرة على الفضاء الرقمي – ليس أقلها إعادة بناء حدودها الوطنية في هذا الفضاء.

فما معنى أن يعمد أولئك الممسكون بزمام السلطة إلى التشبث بقوة بمفهوم "السيادة" وإساءة استخدامه، عندما يدركون القوة الكامنة للشعوب وقدرتها على تفكيك الهياكل الحاكمة، وتسليط الضوء على أدوات القمع والتضليل التي يستخدمونها من أجل البقاء في سدة الحكم؟ إن النظام الاقتصادي والسياسي والتجاري الذي خلقه أولئك الحكام غالباً ما يؤدي إلى ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال، تؤدي تجارة الأسلحة إلى إزهاق الأرواح، ولكن الحكومات، التي تستخدم تلك الأسلحة لقمع شعوبها، أو التي تجني الأرباح من الاتجار بها، لا تتوانى عن الدفاع عن تلك التجارة، أما المبرر الذي تسوقه فهو "السيادة".


السيادة والتضامن


وإذا أردنا أن نسعى إلى تحقيق الحريات والحقوق والمساواة، فإننا يجب أن نعيد التفكير في مفهوم السيادة. إذ أن قوة السيادة يجب – ويمكن – أن تنشأ من خلال التمسك باختيار مصيرنا بأنفسنا، كما كانت الحال بالنسبة للدول التي انبثقت من حقبة الاستعمار الكولونيالي، أو من كابوس الدول الغاشمة المجاورة، أو من تحت رماد الحركات التي أطاحت بالأنظمة القمعية والفاسدة. هذه هي قوة السيادة إلى الأبد. ولكي نحافظ على جذوتها حيةً، ونعمل على احتواء الجانب الاستغلالي لها، ينبغي أن نعيد تعريف السيادة وأن نعترف بالتضامن الأممي والمسؤولية الكونية. إننا مواطنون عالميون، ويهمُّنا الأمر لأننا نستطيع الحصول على المعلومات، ويمكننا، مختارين، ألا نكون مقيدين بحدود.

إن الدول تطالب بالسيادة بشكل اعتيادي – وتساوي بين السيادة وبين السيطرة على الشؤون الداخلية في بلدانها بدون تدخل خارجي – وذلك كي تفعل ما يحلو لها – وهي تتعلل بالسيادة – مهما كانت مخادعة – من أجل إخفاء أو إنكار عمليات القتل بالجملة أو الإبادة الجماعية أو القمع أو الفساد أو المجاعة أو الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي. بيد أن الذين يسيئون استغلال سلطتهم وامتيازاتهم لم يعد بمقدورهم إخفاء ذلك. فقد أضحى بوسع أي شخص استخدام أجهزة الهاتف الخليوي لتسجيل وتحميل أفلام فيديو تكشف الواقع الفعلي لانتهاكات حقوق الإنسان في وقت وقوعها وكشف النقاب عن الحقيقة الكامنة وراء الخطاب المنافق والمبررات التي تخدم مصالحهم الذاتية. وبالمثل، فقد أضحت الشركات وغيرها من الفاعلين الخاصين ذوي النفوذ أكثر تعرضاً للتدقيق والنقد لأنه بات من الصعب، على نحو متزايد، إخفاء عواقب أفعالهم عندما تكون ملتوية أو إجرامية.

إننا نعمل في إطار خاص بحقوق الإنسان يقدِّر السيادة، ولكنه لا يدافع عنها بلا قيد أو شرط – عقب إرساء مبدأ "مسؤولية الحماية" التي أقرها مؤتمر القمة العالمي للأمم المتحدة في عام 2005، وأعاد التأكيد عليها مراراً منذ ذلك الحين. ومن السهل معرفة السبب: فعام 2012 وحده يقدم لنا أدلة كافية على أن الحكومات تنتهك حقوق الناس الذين تحكمهم.

ويتمثل أحد العناصر الرئيسية لحماية حقوق الإنسان في حق جميع الناس في عدم التعرض للعنف. وثمة عنصر رئيسي آخر يتمثل في القيود القوية التي تحدُّ من قدرة الدول على التدخل في حياتنا الشخصية والعائلية. وهذا يشمل حماية حقنا في حرية التعبير والضمير والاشتراك في الجمعيات. كما يشمل عدم التدخل في أجسادنا وبكيفية استخدامنا لها – أي بالقرارات التي نتخذها بشأن الإنجاب والهوية الجنسية والنوع الاجتماعي وكيفية اختيار ملابسنا.

في الأيام الأولى من عام 2012، باتت 300 عائلة بلا مأوى في العاصمة الكمبودية فنوم بنه، عقب إجلائها بشكل عنيف من الحي الذي كانت تعيش فيه. وبعد بضعة أسابيع، واجه 600 برازيلي المصير نفسه في عشوائية بينهيرنهو بولاية ساو باولو. وفي 21 مارس/آذار قُتل أشخاص في جمايكا في موجة من عمليات إطلاق النار على أيدي الشرطة؛ وتعرَّض موسيقيون أذربيجانيون للضرب والاعتقال والتعذيب في الحجز؛ وغرقت مالي في أزمة، عندما وقع انقلاب في العاصمة بماكو.

وهكذا استمرت الأمور على هذا المنوال: المزيد من عمليات الإجلاء القسري في نيجيريا؛ ومقتل صحفيين في الصومال والمكسيك وسواهما؛ واغتصاب النساء أو الاعتداء عليهن جنسياً في المنزل أو الشارع أو أثناء ممارستهن لحقهن في الاحتجاج؛ ومنع الأشخاص ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر والمختلطي الجنس من تنظيم مهرجاناتهم الخاصة وتعرُّضهم للضرب؛ وقتل نشطاء حقوق الإنسان أو الزجُّ بهم في السجون بتهم ملفقة. وفي سبتمبر/أيلول أعدمت اليابان امرأة للمرة الأولى منذ أكثر من 15 سنة. وشهد شهر نوفمبر/تشرين الثاني تصاعداً جديداً في نزاع إسرائيل/غزة. وفرَّ عشرات الألوف من المدنيين من منازلهم في جمهورية الكونغو الديمقراطية عندما تقدمت الجماعة المسلحة المعروفة باسم M23 والمدعومة من رواندا نحو عاصمة إقليم شمال كيفو.

ثم جاء دور سوريا. ففي نهاية العام قدَّرت الأمم المتحدة عدد القتلى هناك بنحو 60,000 شخص. ولا يزال العدد في ارتفاع.


التقاعس عن توفير الحماية


وعلى مدى العقود القليلة الماضية، استُخدم مفهوم "سيادة الدولة" – المرتبط على نحو متزايد بمفهوم الأمن القومي- لتبرير الأفعال المناقضة لحقوق الإنسان. وداخلياً يدَّعي أولئك الذين يتمتعون بالقوة أنهم وحدهم القادرون على اتخاذ القرارات المتعلقة بحياة الناس الذين يحكمونهم.

وشأنه شأن والده من قبله، مكث الرئيس بشار الأسد في السلطة عن طريق توجيه الجيش السوري وقوات الأمن السورية ضد الذين يطالبونه بالتنحي. بيد أن ثمة اختلافاً رئيسياً بين الحالتين، وهو أنه في وقت مذبحة حماة التي وقعت عام 1982، حاولت منظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى تسليط الضوء على ما كان يحدث، وعملت بلا كلل أو ملل من أجل وقف المذبحة، ولكن عمليات القتل الجماعي وقعت بعيداً عن أنظار العالم. أما في السنتين الأخيرتين، فعلى العكس من ذلك، استطاع المدونون والنشطاء السوريون البواسل أن يخبروا العالم مباشرةً عما يحدث لهم في بلدهم، حتى حال حدوثه.

على الرغم من تزايد الخسائر في الأرواح – وعلى الرغم من وفرة الأدلة على الجرائم المرتكبة – فقد فشل مجلس الأمن مرة أخرى في حماية المدنيين. فمنذ حوالي سنتين، ما انفكت قوات الجيش والأمن السورية تشن هجمات عشوائية ضد الأشخاص الذين تتصور أنهم يدعمون الثوار، وتعتقلهم وتعذبهم وتقتلهم. وقد وثَّق أحد تقارير منظمة العفو الدولية 31 شكلاً من أشكال التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. كما ارتكبت جماعات المعارضة المسلحة عمليات قتل ميدانية وتعذيب، وإن كانت على نطاق أقل اتساعاً. ويتم الدفاع عن فشل مجلس الأمن في حماية المدنيين، وخاصة من قبل روسيا والصين، باسم احترام سيادة الدولة.

إن الفكرة التي تقول إنه لا يتعين على الدول، منفردةً، ولا على المجتمع الدولي ككل التدخل بشكل حاسم لحماية المدنين عندما تستهدف الحكومات وقواتها الأمنية شعوبها – ما لم يكن لها مصلحة في ذلك – أمر غير مقبول. وسواء كنا نتحدث عن عمليات الإبادة الجماعية في عام 1994 في رواندا، أو عن حشر وتطويق أفراد التاميل في "منطقة حظر إطلاق النار" المميتة في شمال سري لنكا، التي لقي فيها عشرات الآلاف من المدنيين مصرعهم في عام 2009، أو عن استمرار المجاعة في كوريا الشمالية وفي النزاع السوري، فإن السلبية باسم احترام سيادة الدولة أمر لا مبرر له.

وفي نهاية المطاف تعتبر الدول مسؤولة عن احترام حقوق الناس الذين يعيشون على الأراضي التابعة لها. بيد أنه لا يمكن لمن يؤمن بالعدالة وحقوق الإنسان أن يصدق أن السيادة تخدم هذه المبادئ في الوقت الراهن بأية طريقة باستثناء عدم الإيفاء بها.

ومن المؤكد أن الوقت قد حان لتحدي هذا الخليط السام من ادعاءات الدول بالسيادة المطلقة وتركيزها على الأمن القومي، بدلاً من حقوق الإنسان والأمن الإنساني. ولا حاجة بنا لالتماس الأعذار بعد اليوم. كما آن الأوان لأن يحثَّ المجتمع المدني الخطى وأن يعيد تأطير واجبه نحو حماية جميع المواطنين العالميين.


الوصاية أو الاستغلال


ويقع على عاتق بلداننا الالتزام باحترام حقوقنا وحمايتها والإيفاء بها. ولكن بلداناً عديدة لم تفعل ذلك، وفي أحسن الأحوال فعلته بشكل غير متسق أو ثابت. وعلى الرغم من كل النجاحات التي حققتها حركة حقوق الإنسان على مدى العقود القليلة الماضية – من إطلاق سراح سجناء الرأي إلى الحظر العالمي للتعذيب وإنشاء محكمة جنائية دولية – فإن هذا التشويه لمفهوم السيادة يعني أن مليارات البشر ما زالوا متأخرين.

وكان أحد الأمثلة الصارخة على هذا الأمر، خلال العقود الماضية، يتمثل في معاملة السكان الأصليين. إن القيمة الأساسية التي توحِّد مجتمعات السكان الأصليين حول العالم تتمثل في رفضهم لفكرة "ملكية" الأرض. وبدلاً من ذلك، فقد اعتبروا أنفسهم أوصياء على الأرض التي يعيشون فوقها وحراساً لها. وقد انطوى هذا الرفض لمفهوم حيازة ملكية على دفع ثمن باهظ، وثبت أن الكثير من الأراضي التي يعيش عليها السكان الأصليون كانت غنية بالموارد. ولذا فإن الحكومة التي من المفروض أن تحمي حقوقهم تعمد إلى الاستيلاء على أراضيهم باسم "سيادة الدولة"، ثم تقوم ببيعها أو تأجيرها أو السماح للآخرين بسلبها.

وبدلاً من احترام قيمة أن تكون هذه المجتمعات وصية على الأرض وحارسة لها ولمواردها، انتقلت الدول والشركات إلى تلك المناطق وهجَّرت السكان المحليين قسراً واستولت على الأرض واستحوذت على ملكيتها أو على الحقوق في ملكية المعادن الموجودة في باطنها.

ففي براغواي، قضى أفراد جماعة "سوهويامكسا" من السكان الأصليين عام 2012، مثلما قضوا السنوات العشرين الأخيرة، مشردين من أراضيهم التقليدية على الرغم من صدور حكم من محكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان في عام 2006 اعترف بحقهم في أراضيهم. وفي الشمال، استمر عشرات من أفراد الشعوب الأولى في كندا في معارضة اقتراح بإنشاء خط أنابيب يصل بين الرمال النفطية في "ألبيرتا" وساحل كولومبيا البريطانية، قاطعاً أراضيهم التقليدية.

وفي الوقت الذي يتعين فيه على الحكومات أن تتعلم من مجتمعات السكان الأصليين بهدف إعادة النظر في العلاقة مع الموارد الطبيعية، فإن مجتمعات السكان الأصليين في العالم بأسره تحت الحصار.

ومما يجعل هذا الدمار كارثياً بشكل خاص هو المدى الذي تذهب إليه الدول والشركات في تجاهل إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، الذي يشترط على الدول صراحةً ضمان المشاركة الكاملة والفعالة لشعوب السكان الأصليين في جميع المسائل التي تهمَّهم. ويتعرض النشطاء المدافعون عن حقوق السكان الأصليين للعنف وحتى للقتل عندما يحاولون الدفاع عن مجتمعاتهم وأراضيهم.

ولم تنحصر ممارسات التمييز والتهميش والعنف في منطقة الأمريكيتين، وإنما شملت سائر أنحاء العالم – من الفلبين إلى ناميبيا، حيث شهد عام 2012 أطفال سان وأوفاهيمبا والأقليات العرقية الأخرى وهم يواجهون العديد من الحواجز التي تمنعهم من الحصول على التعليم. وكانت هذه هي الحال في أوبوو بين أطفال أوفاهيمبا، الذين يُرغَمون على قص شعرهم وعدم ارتداء ملابسهم التقليدية كي يُسمح لهم بالالتحاق بالمدارس.


تدفق المال والشعوب


إن السباق على الموارد ليس سوى عنصر واحد في عالمنا المعولم. والعنصر الآخر هو تدفق رأس المال عبر الحدود ووراء المحيطات وفي جيوب الأقوياء. صحيح أن العولمة جلبت نمواً اقتصادياً وازدهاراً للبعض، ولكن تجربة السكان الأصليين تتجلى في المجتمعات الأخرى، التي يشاهد أفرادها الحكومات والشركات وهي تجني المنافع من الأرض التي يعيشون عليها، بينما هم يعانون من المجاعة.

ففي بلدان منطقة الساحل والصحراء في أفريقيا، مثلاً، وعلى الرغم من حدوث نمو كبير في العديد من هذه البلدان، لا يزال ملايين البشر يعيشون تحت نير الفقر الذي يشكل خطراً على حياتهم. ولا يزال الفساد وتدفق رأس المال إلى الملاذات الخالية من الضرائب خارج أفريقيا من الأسباب الرئيسية لتفشي الفقر. وظلت الثروة المعدنية في هذه المنطقة تغذي الصفقات بين الشركات والسياسيين، التي يجني الطرفان منها الأرباح- ولكن مقابل ثمن. إن انعدام الشفافية بشأن الاتفاقيات الخاصة بالامتيازات، وانعدام المساءلة التام يعنيان ثراء المساهمين في الشركات والسياسيين على نحو غير عادل، بينما يعاني الذين تُستغل قوة عملهم والذين يتم تجريدهم من أرضهم وانتهاك حقوقهم أشد المعاناة. ولا تزال العدالة بعيدة جداً عن متناول أيديهم.

ومن بين الأمثلة الأخرى على التدفق الحر لرأس المال تلك العوائد التي يرسلها العمال المهاجرون حول العالم إلى بلدانهم الأصلية. ووفقاً للبنك الدولي فإن قيمة عوائد العمال المهاجرين في البلدان النامية تبلغ ثلاثة أضعاف قيمة مساعدات التنمية الدولية الرسمية. ومع ذلك فإن العمال المهاجرين أنفسهم غالباً ما حُرموا من توفير الحماية الكافية لحقوقهم، سواء من جانب بلدانهم الأصلية أو البلدان المضيفة.

فعلى سبيل المثال، استمرت وكالات التشغيل في نيبال خلال عام 2012 في الاتجار بالعمال المهاجرين لغايات الاستغلال والعمل القسري وتحصيل رسوم أعلى مما تحدده الحكومة، الأمر الذي يجبر العمال على طلب قروض كبيرة بفوائد مرتفعة. وقامت وكالات التشغيل بخداع العديد من المهاجرين فيما يتعلق بشروط العمل، ونادراً ما عوقبت الوكالات التي انتهكت قانون العمل النيبالي. وفي أغسطس/آب منعت الحكومة النساء اللائي تقل أعمارهن عن 30 سنة من الهجرة لغايات العمل المنزلي في الكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة بسبب الشكاوى من إساءة المعاملة الجنسية وغيرها من أشكال إساءة المعاملة في تلك البلدان، مع وجود قانون لا يقدم لحقوق المرأة أكثر من التشدق اللفظي. بيد أن هذا الحظر أدى إلى زيادة مخاطر اضطرار النساء للبحث عن عمل بطرق غير رسمية. ولكن ما كان يتعين على الحكومة أن تفعله هو العمل الحثيث على ضمان بيئة عمل آمنة للنساء.

وفي حال مغادرة العمال المهاجرين، تدَّعي الدول المرسِلة أنه لا يقع على عاتقها أية التزامات تجاههم لأنهم لم يعودوا موجودين على أراضيها، بينما تدعي الدول المضيفة أنه لا حقوق لهؤلاء لأنهم ليسوا من مواطنيها. وفي الوقت نفسه، فإن الاتفاقية المتعلقة بحقوق العمال المهاجرين وعائلاتهم، التي فُتح باب التوقيع عليها في عام 1990، لا تزال إحدى اتفاقيات حقوق الإنسان الأقل تصديقاً؛ وليس هناك دولة متلقية للمهاجرين في أوروبا الغربية قد صدقت على الاتفاقية، ولا غيرها من الدول التي لديها عدد كبير من السكان المهاجرين، مثل الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، والهند، وجنوب إفريقيا، ودول الخليج، قد صدقت هي الأخرى.

إذ لم تصدِّق عليها أية دولة من دول غرب أوروبا وأمريكا الشمالية. كما أن دولاً مستقبِلة أخرى ذات أهمية، من قبيل الولايات المتحدة، وكندا، أستراليا وبعض دول منطقة الخليج والهند وجنوب أفريقيا، لم تصدِّق على الاتفاقية.

ويعتبر اللاجئون مستضعفين أكثر من غيرهم، وهناك قرابة 12 مليون شخص بلا جنسية في العالم، وهؤلاء هم الأشد ضعفاً، وعددهم يضاهي عدد سكان الحواضر الكبرى، كلندن أو لاغوس أو ريو، وتشكل النساء %80 منهم. وعندما يكون هؤلاء محرومين من الحماية من قبل دول "ذات سيادة"، فإنهم يصبحون مواطنين عالميين حقاً، وبالتالي تقع مسؤولية حمايتهم على عاتقنا جميعاً. كما أنهم يمثلون الحُجة الأنصع للإيفاء بواجب توفير الحماية لهم، لأن حقوق الإنسان يجب أن تشمل جميع البشر، سواء كانوا في موطنهم أم لا.

ويُنظر إلى حماية حقوق الإنسان في الوقت الراهن على أنها خادم مطيع لسيادة الدولة. إذ تتعرض النساء للاغتصاب في المخيمات بجنوب السودان، ويُحتجز طالبو اللجوء، من أستراليا إلى كينيا، في مراكز اعتقال أو أقفاص معدنية، ويلقى المئات حتفهم في القوارب المهترئة وهم يبحثون عن مرفأ آمن.

ففي عام 2012 أُبعدت القوارب المحمَّلة بالأفارقة وهي تتخبط في مياه السواحل الإيطالية عن الشواطئ الأوروبية الآمنة مرة أخرى، لأن تلك الدول ادَّعت أن السيطرة على حدودها أمر مقدس. واستمرت الحكومة الأسترالية في اعتراض قوارب اللاجئين والمهاجرين في عرض البحر. وقد دافع حرس السواحل في الولايات المتحدة عن مثل هذه الممارسة على النحو الآتي: "إن اعتراض المهاجرين في عرض البحر يعني أنه يمكن إعادتهم بسرعة إلى بلدانهم الأصلية، بدون الاضطرار للجوء إلى الإجراءات المتّبعة على السواحل إذا نجحوا في دخول الولايات المتحدة". وفي كل حالة، وُضعت السيادة فوق حق الأفراد في طلب اللجوء.

ويقضي نحو 200 شخص نحبهم في كل عام وهم يحاولون عبور الصحراء إلى الولايات المتحدة – وهذه نتيجة مباشرة للتدابير التي اتخذتها الحكومة الأمريكية لجعل الممرات الأكثر أماناً غير صالحة لعبور المهاجرين. وظلت أعداد الموتى ثابتة حتى مع انخفاض وتيرة الهجرة.

وتُظهر هذه الأمثلة أبشع أشكال التخلي عن مسؤولية تعزيز حقوق الإنسان – بما فيها الحق في الحياة – وتتناقض بشكل صارخ مع التدفق الحر لرأس المال الذي أشرنا له بالتفصيل آنفاً.

كما تتناقض قيود الهجرة بشكل صارخ مع تدفق الأسلحة التقليدية عبر الحدود بلا عوائق إلى حد كبير- بما فيها الأسلحة الصغيرة والخفيفة. وقد قُتل مئات الآلاف من البشر أو جُرحوا أو اغتُصبوا أو فروا من منازلهم نتيجة لهذه التجارة. كما أن لتجارة الأسلحة صلة مباشرة بالتمييز والعنف على أساس النوع الاجتماعي وتأثيراً غير متناسب على النساء. وكان لهذا الأمر تداعيات بعيدة المدى على الجهود المبذولة لتعزيز السلام والأمن والمساواة في النوع الاجتماعي وضمان التنمية. ومما يؤجج هذه الانتهاكات جزئياً تلك السهولة التي يتم فيها شراء الأسلحة وبيعها ومقايضتها وشحنها حول العالم – وغالباً ما تنتهي إلى أيدي الحكومات المسيئة وقواتها الأمنية وأمراء الحرب والعصابات الإجرامية. إنها تجارة مربحة – 70 مليار دولار أمريكي سنوياً – ولذا فإن أصحاب المصالح الراسخة يحاولون حماية هذه التجارة من التنظيم. ومع دفع هذا التقرير إلى الطباعة، تتهيأ الحكومات الأكثر اتجاراً بالأسلحة لدخول المفاوضات المتعلقة بمعاهدة تجارة الأسلحة. ويتلخص مطلبنا في أنه حيثما يكون هناك خطر حقيقي من إمكانية استخدام هذه الأسلحة لارتكاب انتهاكات القانون الإنساني الدولي أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فإنه ينبغي حظر عمليات نقلها.


تدفق المعلومات


بيد أن الجانب الإيجابي المهم الذي نستمده من هذه الأمثلة هو أننا أصبحنا نعرف بأمر هذه الأسلحة. فعلى مدى نصف قرن، ما فتئت منظمة العفو الدولية توثق انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، وتستخدم كافة الموارد التي لديها في محاولة لوقف الانتهاكات ومنع وقوعها وحماية حقوقنا. إن الاتصالات المعولمة تخلق فرصاً لم يكن يحلم بها مؤسسو حركة حقوق الإنسان الحديثة. ولم يعد بوسع الحكومات والشركات أن تفعل شيئاً يُذكر للتستُّر خلف الحدود "السيادية".

كما أن السرعة التي تتجذر بها أشكال الاتصالات الحديثة في حياتنا تحبس الأنفاس. فمنذ عام 1985، عندما خُلق فضاء "dotcom" حتى اليوم، حيث يستطيع 2.5 مليون شخص استخدام الانترنت، دارت عجلات التغيير بسرعة غير عادية. وقد شهد عام 1989 اقتراح تيم بيرنز لي المتعلق باستعادة الوثائق عبر الانترنت. ووُلد "هوت ميل" في عام 1996، والمدونات في عام 1999، وأُطلقت ويكيبيديا في عام 2001. وفي عام 2004 وُلد "الفيس بوك"، وتبعه "يو تيوب" بعد سنة – إلى جانب مستخدِمة الإنترنت رقم مليار، التي قيل إن "من المرجح إحصائياً أن تكون امرأة من شنغهاي عمرها 24 سنة". وجلبَ عام 2006 معه "تويتر"، وموقع "غو غي" الصيني المراقَب التابع لمحرك البحث "غوغل". وبحلول عام 2008 كان عدد الأشخاص المستخدِمين للانترنت في الصين أكبر من عددهم في الولايات المتحدة. وفي العام نفسه، أنشأ نشطاء يعملون مع الصحفيين الشعبيين الكينيين موقعاً أسموه "يوساهيدي" – وهي كلمة سواحيلية تعني "شهادة" – كان يهدف في البداية إلى تحديد الأنباء المتعلقة بالعنف في كينيا بعد الانتخابات، وتطوَّر منذ ذلك الوقت إلى منصة استُخدمت في شتى أنحاء العالم بهدف "دمقرطة المعلومات".

إننا نعيش في عالم غني بالمعلومات. ويمتلك النشطاء فيه أدوات لضمان عدم إخفاء الانتهاكات، وتخلق المعلومات دافعاً للعمل. نحن نواجه وقتاً حرجاً، وسنستمر في الحصول على هذه المعلومات. أم أنَّ الدول المتواطئة مع لاعبين أقوياء آخرين ستمنع ذلك؟ إن منظمة العفو الدولية تريد ضمان امتلاك كل شخص للأدوات التي تسهِّل الحصول على المعلومات أو تبادلها، وتحدي السلطة والسيادة عندما يُساء استخدامها. ومع وجود الانترنت بات بإمكاننا بناء نموذج من المواطنة العالمية. إن الانترنت يشكل نقطة مضادة لمفهوم الحقوق التي تقوم على السيادة والمواطنة ككل.

إن المضمون الذي عبَّر عنه مارتن لوثر كنع الإبن بفصاحة بالغة فيما يتعلق "بشبكة التبادلية التي لا فكاك منها" و"الانضواء تحت عباءة المصير الواحدة" قد اعتنقه ودعا له العديد من المفكرين العظام والمدافعين عن حقوق الإنسان قبل مارتن لوثر كنع وبعده. أما الآن فقد حان الوقت لغرس هذه الأفكار في "نسيج" نموذج المواطنة الدولية. ويصوغ مفهوم "أوبنتو" في القارة الأفريقية هذه الأفكار بشكل أوضح: "أنا من أنا لأننا نحن من نحن" (كينونتي بسبب كينونتنا").

إن الأمر يتعلق بارتباطنا جميعاً، وبعدم السماح للحدود والأسوار والبحار وتصوير "الآخر" على أنه العدو بتلويث إحساسنا الطبيعي بالعدالة والأنسنة. وها هو العالم الرقمي يربطنا حقاً بالمعلومات.


الوكالة والمشاركة


يمكن القول ببساطة إن انفتاح العالم الرقمي يمهِّد الطريق ويتيح لعدد متزايد من الناس إمكانية الحصول على المعلومات التي يحتاجونها من أجل تحدي الحكومات والشركات. وهو أداة تشجع على الشفافية والمساءلة. إن المعلومات قوة، والانترنت ينطوي على القدرة على تمكين سبعة مليارات إنسان، الذين يعيشون في هذا العالم اليوم. وهو أداة تتيح لنا إمكانية رؤية انتهاكات حقوق الإنسان وتوثيقها وتحديها أنىَّ وقعت؛ وتمكننا من تبادل المعلومات بحيث نستطيع العمل معاً لحل المشكلات وتعزيز أمن البشرية والتنمية الإنسانية والإيفاء بوعد حقوق الإنسان.

أما إساءة استخدام سيادة الدولة فتمثل النقيض؛ فهي تتعلق ببناء الجدران والسيطرة على المعلومات والاتصالات والتستر خلف قوانين أمن الدولة وغيرها من ادعاءات الامتيازات. وأما الرواية التي تقف وراء مطلب السيادة فتتمثل في أن ما تفعله الحكومة هو من شأنها وحدها ولا شأن لأحد آخر به، وأنها طالما كانت تتصرف ضمن حدودها، فلا يجوز الاعتراض عليها. إن المسألة إذن تتلخص في أن مَن يتمتع بالقوة يتصرف مع مَن لا حول له ولا قوة.

إن قوة العالم الرقمي وإمكاناته هائلة، وما دامت التقانة ذات قيمة محايدة، فإن هذه الإمكانات إما أن تساعد على القيام بأنشطة تنسجم مع بناء مجتمعات تحترم الحقوق، أو تساعد على القيام بأنشطة مناقضة لحقوق الإنسان.

إن مما يثير اهتمام منظمة العفو الدولية، التي تضرب جذور تاريخها في صلب الدفاع عن حرية التعبير، أن تعايش مرة أخرى ما تفعله الحكومات عندما تكون غير قادرة على السيطرة على التعبير وتقرر التلاعب بالحصول على المعلومات. وليس أوضح من مضايقة المدونين في مختلف البلدان، من أذربيجان إلى تونس، ومن كوبا إلى السلطة الفلسطينية، وملاحقتهم قانونياً. ففي فييتنام مثلاً، حوكم المدونون الشعبيون نغوين فان هاي، المعروف باسم "ديو كاي"، ومدون "العدالة والحقيقة" تا فونغ تان، والمدون فان ثانه هاي، المعروف باسم "انه باسايغون"، في سبتمبر/أيلول بتهمة "نشر دعاية" معادية للدولة. وقد حُكم عليهم بالسجن لمدد 12 سنة و 10 سنوات و4 سنوات على التوالي، مع الإقامة الجبرية لمدة تتراوح بين ثلاث سنوات وخمس سنوات بعد إطلاق سراحهم. ولم تستغرق المحاكمة سوى بضع ساعات، وتعرَّض أفراد عائلاتهم للمضايقة والاعتقال لمنعهم من حضور المحاكمة. وتم تأجيل محاكمتهم ثلاث مرات، كان آخرها بسبب وفاة والدة تافونغ تان بعد أن أضرمت النار في نفسها أمام مكاتب الحكومة احتجاجاً على إساءة معاملة ابنتها.

بيد أن سجن الأشخاص بسبب ممارستهم حرية التعبير وتحدي المتربعين على سدة الحكم باستخدام التقانة الرقمية، ليس سوى خط الدفاع الأول للحكومات. إذ أننا نرى دولاً تحاول إقامة جدران نارية حول أية اتصالات رقمية أو أنظمة معلومات. فقد حاولت إيران والصين وفييتنام إنشاء نظام يسمح لها بإعادة السيطرة على الاتصالات والوصول إلى المعلومات المتاحة في الفضاء الرقمي.

وما يمكن أن يكون أشد إثارةً للقلق هو عدد البلدان التي تستكشف وسائل تحكُّم وسيطرة أقل وضوحاً في هذا المجال من خلال الرقابة الهائلة والوسائل الأكثر فنية للتلاعب بإمكانية الحصول على المعلومات. ويجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، التي لا تزال تُظهر قدراً كبيراً من عدم احترام الاعتراف بالمعايير – وهو ما تثبته غارات الطائرات بدون طيارين التي تشنها في أنحاء مختلفة من العالم – قد نادت مؤخراً بالحق في فرض رقابة على أية معلومات محفوظة في أنظمة "التخزين السحابي" – وهي خزائن ملفات رقمية لا تحدُّها حدود إقليمية. وللتوضيح أقول إن ذلك يتضمن معلومات يملكها أفراد ليسوا من مواطني الولايات المتحدة، وشركات ليس لها مقرات فيها.

إن هذا الصراع على الحصول على المعلومات والسيطرة على وسائل الاتصال لا يزال في بدايته. فماذا بوسع المجتمع الدولي أن يفعل لإظهار احترامه لأولئك الذين خاطروا بحياتهم وحرياتهم ببسالة من أجل التعبئة والحشد إبان الانتفاضات التي اندلعت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ وماذا بوسعنا جميعاً أن نفعل لملالة يوسف زاي وجميع الأشخاص الآخرين الذين يجرؤون على الوقوف في وجه الظلم وقول: "كفى"؟

يمكننا أن نطالب الدول بضمان وصول جميع الناس الخاضعين لحكمها إلى العالم الرقمي بشكل حقيقي – ويفضَّل أن يتم ذلك من خلال الوصول إلى الانترنت ذي السرعة الفائقة. والدخول في الإنترنت بأسعار معقولة حقاً. إما عبر جهاز نقال، مثل الهاتف النقال، أو عن طريق الحاسوب. وهي بذلك ستفي بأحد مبادئ حقوق الإنسان المنصوص عليه في المادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو: "أن يتمتع الفرد بفوائد التقدم العلمي وتطبيقاته"، وفي المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية وفي الاستمتاع بالفنون والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه."

ويمكن القول إن الوصول الحقيقي إلى الانترنت يُعتبر تمتعاً بفوائد التقدم العلمي بكل تأكيد.

قبل سنوات عديدة أنشأت الدول خدمة بريدية دولية، تنشأ على المستوى الوطني ولكنها تتصل مع كافة الخدمات البريدية الأخرى، لتخلق نظاماً بريدياً عالمياً. إذ يستطيع كل شخص أن يكتب رسالة ويشتري طابعاً بريدياً يلصقه عليها ويرسلها إلى مكان آخر، إلى أي مكان آخر في العالم تقريباً. وإذا لم تتوفر خدمة التوصيل إلى باب منزلك – فقد كان هناك نظام شباك البريد أو مكتب البريد، أو نظام التوصيل العام، الذي كان يحدد مكاناً معيناً، يستطيع الشخص أن يذهب إليه لإحضار بريده.

وقد اعتُبر ذلك البريد خاصاً – بغض النظر عن عدد الحدود التي عبرها. وأدى ذلك الشكل من أشكال الاتصالات وتبادل المعلومات، الذي يعتبر غريباً في عالم اليوم، إلى تغيير الطريقة التي تواصلْنا من خلالها، وقام على فرضية الحق في خصوصية تلك المراسلات. والأهم من ذلك كله أن الدول تعهدت بضمان إتاحة هذه الخدمة لجميع الناس. وفي الوقت الذي استخدمت فيه حكومات عدة قدرتها على الوصول إلى بريد الآخرين لقراءة ما كان يعتبر خاصاً، فإنها لم تعترض على مبدأ الحق في خصوصية تلك المراسلات. وفي بلدان لا حصر لها فتحت هذه الخدمة السبيل أمام الناس لتبادل المعلومات والمشاركة في حياة العائلة والمجتمع.

وبات الوصول إلى الانترنت اليوم أمراً حاسماً لضمان إمكانية قيام الناس بالاتصال ببعضهم بعضاً وضمان حصولهم على المعلومات. كما أن الشفافية والحصول على المعلومات والقدرة على المشاركة في المناقشات والقرارات السياسية تُعتبر عنصراً حاسماً في بناء مجتمع يحترم الحقوق.

إن عدداً قليلاً من الإجراءات التي تتخذها الحكومات يمكن أن يكون لها مثل هذه النتائج الإيجابية المباشرة والقوية وبعيدة الأثر على حقوق الإنسان.

وينبغي لكل حكومة من حكومات العالم أن تتخذ قراراً بهذا الشأن – هل ستستخدم هذه التقانة ذات القيمة المحايدة لاستعادة سلطتها على الآخرين – أم أنها ستستخدمها لتمكين وتعزيز حرية الأفراد؟

لقد خلق ظهور الانترنت وتغلغله العالمي – من خلال الهواتف الخليوية ومقاهي الانترنت وتوفر أجهزة الحاسوب في المدارس والمكتبات العامة وأماكن العمل والمنازل فرصة هائلة لتمكين الناس من المطالبة بحقوقهم.


اختيار من أجل المستقبل


كما أن أمام الدول فرصة اغتنام هذه اللحظة لضمان إتاحة حرية الوصول إلى الانترنت لجميع الشعوب التي تحكمها. ويمكنها أن تكفل إمكانية وصول مواطنيها إلى الانترنت بتكاليف مقبولة. كما أن باستطاعة الدول المساعدة في إيجاد مزيد من الأماكن، من قبيل المكتبات والمقاهي، التي يستطيع الناس من خلالها الوصول إلى الانترنت مجاناً أو مقابل رسوم معقولة.

ومن المهم للغاية أن تكفل الدول مشاركة النساء بشكل فعال في نظام المعلومات هذا، وبالتالي المشاركة في الأنشطة والقرارات التي تُتخذ في العالم الذي يعشن فيه – حيث أنَّ عدد النساء اللاتي يمكنهن الوصول إلى الانترنت لا يتجاوز 600 مليون امرأة. ويبين تقرير جديد للأمم المتحدة وجود فجوة كبيرة في استخدام الانترنت بسبب النوع الاجتماعي في بلدان من قبيل مصر والهند والمكسيك وأوغندا. وهذا يعني أن الدول يجب أن تخلق أنظمة تمكِّن النساء من الوصول إلى الانترنت في المنازل والمدارس وأماكن العمل، لأن ثمة أماكن، من قبيل مقاهي الانترنت، ليست عملية بالنسبة للنساء اللائي لا يستطعن مغادرة منازلهن لأسباب دينية أو ثقافية.

كما تستطيع الدول أن تعمل من أجل القضاء على التمييز الاجتماعي ضد النساء والنمطية السلبية. فقد قالت امرأة هندية تحمل شهادة في الهندسة لمؤلفي التقرير إنها مُنعت من استخدام الحاسوب "بسبب الخوف من أنها إذا لمسته، فإن أمراً سيئاً سيحدث". وأشارت أدلة طريفة إلى أن بعض الأزواج يمنعون زوجاتهم من استخدام حاسوب العائلة خوفاً من مشاهدة مواد جنسية غير ملائمة. وهذا يُعتبر أحد أسباب دخول 14 بالمئة فقط من النساء في أذربيجان عالم الانترنت، مع أن 70 بالمئة من الرجال استخدموه.

وباعترافها بحق الناس في الوصول إلى الانترنت، فإن الدول ستفي بواجباتها نحو احترام حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات. ولكنها يجب أن تفعل ذلك بطريقة تحترم الحق في الخصوصية.

إن عدم القيام بذلك ينطوي على خطر خلق مستويين من الناس، محلي وعالمي – حيث يتمتع بعضهم بإمكانية الحصول على الأدوات التي يحتاجونها للمطالبة بحقوقهم، في حين يُترك البعض الآخر متخلفاً عن الركْب.

إن المعرفة والمعلومات والقدرة على الكلام تشكل قوة. وإن الدول التي تحترم الحقوق لا تخشى تلك القوة، لأنها تعزز عملية التمكين. كما أن طبيعة الفضاء الرقمي التي لا تعرف الحدود تعني أننا جميعاً نستطيع المشاركة في تمرين المواطنة العالمية لاستخدام هذه الأدوات لتعزيز احترام حقوق الإنسان في أماكن صغيرة قريبة من المنزل، وللتضامن مع الأشخاص الذين يعيشون في أماكن بعيدة.

ويمكن لأشكال التضامن التقليدية أن تُحدث أثراً أعظم إذ تنتشر عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي. خُذْ مثلاً على ذلك الأشخاص الاثني عشر الذين شنَّ آلاف النشطاء حملة من أجلهم كجزء من الماراثون العالمي العاشر لكتابة الرسائل تحت عنوان "أُكتب من أجل الحقوق" في ديسمبر/كانون الأول 2012، وهي أضخم فعالية لحقوق الإنسان في العالم. وقد شملت في السنوات القليلة الماضية كتابة رسائل إلكترونية وعرائض على الانترنت ورسائل نصية قصيرة ورسائل بالفاكس وتغريدات، وأنتجت 2 مليون تحرك، عبَّرت عن التضامن مع الأشخاص المسجونين بسبب معتقداتهم وتقديم الدعم لهم والمساعدة على إطلاق سراحهم.

إننا في منظمة العفو الدولية نرى في الانترنت الوعود والإمكانات الراديكالية – التي رآها بيتر بننسون قبل أكثر من 50 عاماً – ألا وهي إمكانية أن يعمل الناس معاً عبر الحدود للمطالبة بالحرية والحقوق للجميع. وكان حلمه قد اعتُبر أحد أكبر ضروب الجنون في ذلك الزمن. إن العديد من سجناء الرأي السابقين مدينون بحريتهم وحياتهم لذلك الحلم. ونحن الآن على شفا خَلق وتحقيق حلم آخر سيعتبره البعض ضرباً من الجنون كذلك. ولكن منظمة العفو الدولية اليوم تواجه التحدي وتدعو الدول إلى الاعتراف بعالمنا المتغير وخلق أدوات التمكين لجميع البشر.

كيف يمكنك المساعدة

حقائق وأرقام

تنزيل ملف أحدث نسخة بي دي إف لوثيقة حقائق وأرقام

لتصفح تقرير البلد

منظمة العفو الدولية على الشبكات الاجتماعية