الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

حقوق الإنسان بحسب المنطقة

الناشطة الحقوقية اليمنية والحائزة على جائزة نوبل للسلام، توكل كرمان، تهتف بشعارات بينما يرمقها أحد رجال الشرطة بنظرة أثناء مظاهرة مناهضة للحكومة في صنعاء، باليمن، 15 فبراير 2011.

© © Reuters/Khaled Abdullah


«لا نخاف القتل أو الإصابة أو الاعتقال أو التعذيب، فلا وجود للخوف بعد اليوم. الناس يريدون أن يعيشوا بكرامة. ولذا فلن نتوقف أبداً.»

أحمد حرارة، طبيب أسنان، أصيب في إحدى عينيه برش الخرطوش، خلال الاحتجاجات في القاهرة في 28 يناير/كانون الثاني، ثم في العين الأخرى في 19 نوفمبر/تشرين الثاني، فأصبح كفيفاً.

لقد كان عام 2011، بالنسبة لشعوب ودول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عاماً عظيم الشأن. كان عام انتفاضات واضطرابات غير مسبوقة، وعاماً نجحت فيه الضغوط والمطالب والاحتجاجات التي اجترحها جيل ناهض في كنس سلسلة من الطغاة القدامى، الذين بدا، حتى لحظات سقوطهم، أنه يستحيل الخلاص منهم. وبحلول نهاية العام، ظل آخرون متشبثين بالسلطة، ولكن بأشد الوسائل بطشاً، وظل مستقبلهم يتأرجح في الميزان. وكانت المنطقة بأسرها تموج في خضم الهزات والارتدادات المتواصلة للزلزال السياسي والاجتماعي الذي انفجر في الأشهر الأولى من العام. وعلى الرغم من أن أموراً كثيرة لا تزال غير مؤكدة، فقد كانت أحداث عام 2011 من جميع الوجوه، بالنسبة لشعوب المنطقة، تكتسي الأهمية نفسها التي اكتساها سقوط جدار برلين وانهيار الامبراطورية السوفييتية بالنسبة لشعوب أوروبا ووسط آسيا.

وفي سائر أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تميَّز عام 2011 بالمطالبة الجماهيرية بالتغيير: من أجل حرية التفكير والتعبير والعمل والانعتاق من الخوف الخانق من قمع الدولة؛ ومن أجل الشفافية والمساءلة ووضع حد لتفشي الفساد على أوسع نطاق وأرفع المستويات؛ من أجل المزيد من الوظائف وفرص العمل الأكثر عدالة ووسائل تحسين مستوى المعيشة؛ من أجل المساواة ووضع حد للتمييز على أساس النوع الاجتماعي والعرق والدين؛ من أجل العدالة وحقوق الإنسان، ومنها الحق في أن يعيش المرء حياته وأن يُنشأ أسرته بكرامة وأمن. من أجل تلك المطالب تدفَّق مئات الآلاف من الجماهير، وبينهم أطفال، إلى شوارع تونس والقاهرة وصنعاء وغيرها من المدن والبلدات في شتى أرجاء المنطقة للمطالبة بالتغيير. وظهر جلياً أن النساء كنَّ في طليعة تلك الجماهير الحاشدة. وقد استمر المتظاهرون في نضالهم على الرغم من المذابح التي تعرضوا لها على أيدي القناصة وقوات الأمن التابعة للحكومات. لقد فعلوا ذلك بكل عزم وتصميم وبشجاعة فائقة، وهم بذلك إنما حرروا أنفسهم من الخوف الذي ما انفكت حكوماتهم تغرسه في نفوسهم منذ أمد بعيد، بهدف إسكاتهم وإبقائهم على ما هم عليه. إن فكرة قوة الشعب سيطرت على المنطقة، في وقت ما على الأقل، وهزَّتها من الأعماق.

في البداية عبَّرت الاحتجاجات في معظمها عن مشاعر الإحباط التي انتابت الشعوب من فشل زعماء بلدانها في تلبية احتياجاتهم وطموحاتهم. وقد ردَّ أولئك الزعماء على شعوبهم بأسلوب متطابق، وهو إرسال قوات شرطة الشغب وعملاء الأمن لسحق الاحتجاجات بالقوة، ولكنهم بذلك لم ينجحوا سوى بصبِّ الزيت على النار وإشعال شرارة المزيد من الغضب والتحدي الشعبييْن. ومع سقوط المحتجين صرعى بالرصاص بدم بارد، وتعرُّضهم للاعتقالات الجماعية والتعذيب وإساءة المعاملة، ازداد المزاج الشعبي صلابة. وتدفق المزيد من الناس في الشوارع، غير هيَّابين من سفك دمائهم، للمطالبة باستبدال أو إسقاط زعماء بلدانهم الذين سقطت صدقيتهم وتم ازدراؤهم، مع سعيهم إلى تعزيز سلطة عائلاتهم وتشديد قبضتها على مقاليد الحكم. وقد ترددت أصداء السقوط السريع للرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك في جميع أرجاء المنطقة، وأرسلت رسالة أمل إلى دعاة التغيير والإصلاح في دول أخرى. وبدا في ذلك الوقت أن شكلاً جديداً من أشكال تداعيات لعبة الدومينو بدأ بالعمل، ومن شأنه أن يؤدي إلى كنس حكام قمعيين ومستبدين آخرين وإطاحتهم من سدة الحكم. وفي غضون أشهر لقي العقيد معمر القذافي، الذي مكث في الحكم أكثر من 40 عاماً عجافاً، نهاية عاجلة ودموية. وفي اليمن وسوريا، ظل النظامان اللذان تربَّعا طويلاً على سدة الحكم يخوضان قتالاً ضارياً من أجل البقاء في مواجهة المطالبة الجماهيرية المستمرة بزوالهما. وفي البحرين، استخدمت الحكومة القوة وآلة القمع لإخماد الاحتجاجات، وانتهى العام بتعهد الحكومة بإجراء إصلاحات سياسية وإصلاحات في مجال حقوق الإنسان. وفي بلدان أخرى، من قبيل الجزائر والأردن والمغرب، وعد الممسكون بزمام السلطة شعوبهم بإجراء إصلاحات، وبأن يكون لها دور أكبر في الحكم. وفي البلدان الغنية بالنفط والغاز كالسعودية وغيرها من دول الخليج، استخدم الحكام الاحتياطي المالي الذي يملكونه للتصدي لبعض التظلمات الاجتماعية، وللمحافظة على سلاسة سير الأمور في بلدانهم.

الثورات

بزغ فجر عام 2011 بينما كانت تونس في حالة غليان. وقد حاول الرئيس بن علي لفترة من الوقت إخماد الاحتجاجات بالطريقة نفسها التي قمع بها الاحتجاجات السابقة التي كانت قد اندلعت في قفصة في عام 2008، أي عن طريق استخدام القوة الغاشمة. وفي غضون أسابيع قليلة قتلت قوات الأمن التابعة له نحو 300 تونسي، ولكنها لم تتمكن من الفتِّ في عضد المحتجين وإضعاف عزيمتهم. وفي 11 فبراير/شباط انهار بن علي وفرَّ مع عائلته، التي نهبت البلاد، على متن طائرة بحثاً عن ملاذ آمن في المملكة العربية السعودية. لقد كانت لحظة هزَّت المشاعر، حيث أدركت الحكومات والشعوب في شتى أنحاء المنطقة أن ما بدا حتى ذلك الوقت أنه لا يمكن مجرد التفكير به – وهو الفرار القسري لحاكم مستبد مكث في الحكم ما يربو على 20 عاماً – قد تحقق للتو. وبالنسبة للحكومات القمعية الأخرى في المنطقة، من الجزائر إلى الرياض وطهران، فإن زوال بن علي المفاجئ قرع أجراس الإنذار؛ أما بالنسبة لجماهير الشعب التي كانت تراقب الأحداث وهي تتطور على شاشات الجزيرة وغيرها من المحطات الفضائية، فإن "ثورة الياسمين" قد ألهمتها آمالاً جديدة وحرَّكت فيها شعوراً بأنها تستطيع أن تحقق ما استطاع الشعب التونسي تحقيقه.
    
وفي غضون أسبوعين شهدنا كيف أن ما حدث في تونس قد انعكس في مصر، ولكن على نطاق أوسع. إذ أصبح "ميدان التحرير" المنصة ونقطة الارتكاز وساحة المعركة الرئيسية التي أطلق منها المصريون مطالبهم من أجل التغيير. وفي غضون 18 يوماً وعن طريق استخدام شبكة الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الخليوية للمساعدة في تنظيم وتنسيق أنشطتهم، نجح المحتجون في اجتراح "ثورة 25 يناير" والإطاحة بالرئيس حسني مبارك بعد تربُّعه على سدة الحكم لمدة 30 سنة متواصلة. وقد حققوا ذلك في مواجهة القمع المفرط على أيدي قوات الأمن والبلطجية المستأجَرين من قبل نظام الحكم. وقُتل ما لا يقل عن 840 شخصاً وجُرح أكثر من 6,000 شخص وقُبض على آلاف آخرين، وتعرضوا للضرب أو التعذيب. في 11 فبراير/شباط أعلن حسني مبارك تنحيه عن الحكم وانسحب للعيش في منزله بمنتجع شرم الشيخ الواقع على البحر الأحمر، ومن هناك استدعاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي حل محله، للمثول أمام محكمة في القاهرة.

إن سقوط حسني مبارك، الذي حدث أمام أنظار العالم أجمع عبر وسائل الإعلام العالمية، أطلق شرارة الدعوات إلى تنظيم احتجاجات جماهيرية في العديد من المدن والبلدات الأخرى في سائر أنحاء المنطقة. ففي البحرين نظَّم المحتجون الذين ينتمي معظمهم إلى الطائفة الشيعية التي تشكل الأغلبية في البلاد مظاهرات سلمية، وأقاموا مخيم احتجاج في "دوار اللؤلؤة" في العاصمة المنامة للمطالبة بأن يكون لهم صوت أقوى في شؤون حياتهم، ووضع حد للتهميش المزعوم الذي يعانون منه على أيدي الأقلية السنية الحاكمة. وقد تم إخلاء المحتجين باستخدام القوة المفرطة بعد أيام، ومن ثم بوحشية أشد، عندما استأنفوا احتجاجاتهم في مارس/آذار. وفي إيران دعا زعماء الاحتجاجات الجماهيرية التي سحقتها الحكومة في عام 2009 إلى تنظيم مظاهرات جديدة، ووُضعوا قيد الإقامة الجبرية رداً على ذلك. وفي الجزائر استدعت الحكومة قوات الأمن بأعداد كبيرة لردع المظاهرات، ولكنها حاولت تخفيف حدة التوتر من خلال رفع حالة الطوارئ التي دامت 19 عاماً. ووعد سلطان عمان قابوس بن سعيد بخلق آلاف الوظائف الجديدة، وقام بتحسين منافع العاطلين عن العمل وأمر بإطلاق سراح المحتجين المعتقلين. وفي المملكة العربية السعودية ورد أن الحكومة دفعت إلى المواطنين أكثر من 100 مليار دولار أمريكي، مع تحذيرهم من مغبة المشاركة في المظاهرات العامة التي حظرتها جميعاً. كما لجأت إلى تعبئة قوات الأمن ونشرها لقمع كل من يشارك في "يوم الغضب" في الرياض. وقد تجرأ رجل واحد على التظاهر، فكان مصيره الاعتقال.

في اليمن، بدأت الاحتجاجات في يناير/كانون الثاني؛ وأطلقت شرارتها التغييرات الدستورية المقترحة، التي كان من شأنها أن تجيز للرئيس علي عبدالله صالح البقاء في السلطة مدى الحياة وتوريثها إلى نجله من بعده. واستمرت الاحتجاجات خلال العام، بإلهام من أحداث مصر وغيرها، في الوقت الذي استمرت قوات الرئيس صالح في إطلاق النار بصورة عشوائية على جموع المتظاهرين، واستخدم علي صالح المناورات في محاولة للاحتفاظ باحتكار السلطة الطويل الأمد بصفته حليفاً موثوقاً به للسعودية والولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب". وبحلول نهاية العام، كان منصب الرئيس اليمني قد تآكل بشكل كبير، بيد أنه ظل متشبثاً بالسلطة، مع منحه حصانة من الملاحقة القضائية من قبل مجلس التعاون الخليجي أولاً، ومن ثم من قبل الأمم المتحدة، على الرغم من هول جرائم القتل غير المشروع وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها قواته. إن منح الحصانة للرئيس علي صالح وغيره من المسؤولين عن تلك الجرائم يعتبر صفعة على وجه العدالة وخيانة سافرة لضحايا جرائم نظامه.

في ليبيا، المحصورة بين تونس ومصر، حملت الأحداث التي وقعت في هذين البلدين أملاً جديداً لشعبها، الذي ظل على مدى 42 عاماً من حكم معمر القذافي محروماً من حرية الكلام وتشكيل الأحزاب السياسية المستقلة أو نقابات العمال أو منظمات المجتمع المدني. وكان العقيد معمر القذافي قد احتفظ بالسلطة لمدة طويلة جداً عن طريق اللعب بجزء من السكان ضد الجزء الآخر، ومحاباة الذين كان يعتبرهم موالين له، وقمع الذين يعبِّرون عن معارضتهم له بلا هوادة. كما أن الحاكم الذي كان في السابق منبوذاً على المستوى الدولي بسبب رعايته المزعومة للإرهاب الدولي، أصبح في السنوات الأخيرة يحظى بعودة العلاقات المزدهرة مع الديمقراطيات الغربية؛ لأن صناعة استخراج النفط الليبية تطورت، واكتبست ليبيا أهمية جديدة كطريق عبور (ترانزيت) للاجئين والمهاجرين الأفارقة الذين يسعون إلى دخول أوروبا. وبدا معمر القذافي واثقاً ومسيطراً على الوضع تماماً عندما سقط بن علي وتلاه حسني مبارك. ولكن عندما اعتقلت شرطته السرية محامياً كان يمثل عائلات 1,200 سجين سقطوا قتلى في مجزرة ارتكبتها قواته في سجن أبو سليم بطرابلس في عام 1996، كان ذلك الاعتقال بمثابة الشرارة التي أشعلت نار ثورة شعبية. وسرعان ما تحولت إلى نزاع مسلح دولي، تورَّط فيه حلف شمال الأطلسي "الناتو"، وبلغ ذروته، في 20 أكتوبر/تشرين الأول، بإلقاء القبض على معمر القذافي ومصرعه العنيف عندما حاول الفرار من قلعته المحاصرة سرت. ثم تولى الحكم مجلس وطني انتقالي، ولكنه لم يكن قد بسط سلطته على البلاد بحلول نهاية العام، وكانت ليبيا تعجُّ بالأسلحة والمليشيات المسلحة المتنافسة، التي نفذت عمليات انتقام ضد الذين يُشتبه في أنهم موالون للقذافي، وشكلت تهديداً مستمراً للأمن العام.

في سوريا، حيث ظل النظام برئاسة عائلة الأسد، وهم من أفراد الأقلية الدينية العلوية، في سدة الحكم منذ عام 1970، كانت التحركات الاحتجاجية الأولى التي وقعت في فبراير/شباط متدنية الزخم ومترددة. بيد أنه عندما اعتقلت قوات الأمن أطفالاً كانوا قد كتبوا شعارات مناهضة للحكومة في مدينة درعا بجنوب البلاد، أصبحت احتجاجات جماهيرية، ما لبثت أن امتدت من مدينة إلى أخرى. وأغلقت الحكومة أبواب البلاد أمام وسائل الإعلام العالمية والمراقبين المستقلين. وشنَّت حملة قمع شرسة مكثفة ضد المحتجين العزَّل، حيث وضعت قناصة على أسطح المباني وأمرت الجنود بإطلاق النار على الحشود، ونشرت دبابات الجيش في المناطق المدنية، مدَّعيةً طوال الوقت بأن عمليات القتل هي من فعل عصابات مسلحة غامضة مناهضة للحكومة. وبحلول نهاية العام ذكرت الأمم المتحدة أن 5000 شخص، معظمهم مدنيون، قد قُتلوا وجُرح آلاف آخرون أو اعتُقلوا أو تعرضوا للإصابة والاعتقال معاً. وفي بعض جيوب البلاد، ظهرت بوادر نشوب حرب أهلية بين قوات النظام والجنود الذين انشقوا عن الجيش للانضمام إلى المحتجين.

وحاولت الحكومة السورية إخفاء نطاق الاحتجاجات وعنف الرد عليها، بيد أن محاولاتها أُحبطت إلى حد كبير بفضل شجاعة وتصميم النشطاء والشهود المحليين الذين سجلوا المقتلة بواسطة كاميرات الهواتف الخليوية وقاموا بتحميل مئات الأفلام على الشبكة العنكبوتية. وأظهر بعض تلك الصور أجساد أشخاص تعرضوا للتعذيب حتى الموت في الحجز، وللتمثيل بها في بعض الحالات، وكان بينهم أطفال.

الرد الدولي

فشلت حكومة الولايات المتحدة والحكومات الغربية التي كانت الحليف الرئيسي للزعماء المستبدين في تونس ومصر، في إدراك أهمية الاحتجاجات، وكان رد فعلها بطيئاً. بيد أنها ما لبثت أن سارعت إلى صياغة سياسة مفادها الاعتراف بالطبيعة القمعية للأنظمة التي أُطيح بها، والإقرار بالخطأ الذي ارتكبته الحكومات الغربية في السابق بالتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان التي اقترفتها تلك الأنظمة. وعندما انزلقت ليبيا في نزاع مسلح، تدخلت بشكل حاسم ضد العقيد القذافي بدعم من دول الخليج الرئيسية، مستخدمةً صلاحيات مجلس الأمن بشأن حماية المدنيين، وهو ما مهَّد الطريق أمام الحملة الجوية لحلف الناتو، والتي قلبت موازين القوى ضد الزعيم الليبي.

في البحرين، حيث تقع القاعدة البحرية الأمريكية للأسطول الخامس، وفي سوريا واليمن بشكل خاص، كان المدنيون بحاجة ماسة إلى الحماية من سياسات القتل التي تنتهجها حكومات هذه البلدان. بيد أنه بالنسبة لهؤلاء المدنيين، لم يكن هناك تدخل على الطريقة الليبية. وفي حين أن مجلس الأمن قام بإحالة معمر القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن المجلس لم يتخذ إجراء مماثلاً ضد الرئيس السوري بشار الأسد على الرغم من توفر أدلة دامغة على أن قواته ارتكبت جرائم ضد الإنسانية.

واستخدمت روسيا الاتحادية والصين وحكومات البلدان القوية الناشئة- البرازيل والهند وجنوب أفريقيا – نفوذها في مجلس الأمن للحيلولة دون اتخاذ إجراءات فعالة ضد سوريا؛ على الرغم من أن مسؤولة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تحدثت ضد الجرائم التي ارتكبها نظام بشار الأسد. كما أدانت السعودية جرائم الحكومة السورية، في الوقت الذي تحرم فيه شعبها من الحق في التظاهر، وبعد إرسال قوات إلى البحرين قبيل شن حملة قمع دموية من قبل السلطات البحرينية في مارس/آذار. وعلى وجه العموم، فإن هذا الموقف يعكس القصة المحبطة إياها والمتمثلة في أن الحكومات من جميع الألوان السياسية لا تزال مستمرة في التصرف بشكل انتقائي، وأنها، بغض النظر عن تشدقها، تُخضع حقوق الإنسان لمصالحها المتصوَّرة والمتحزبة.

النزاع

لقد ألقت الانتفاضات التي احتلت العناوين الرئيسية خلال عام 2011 بظلالها على مشكلات عميقة أخرى تنطوي على عواقب كارثية محتملة على أوضاع حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخارجها.

فقد استمرت إسرائيل في حصار قطاع غزة، وعملت على إطالة أمد الأزمة الإنسانية هناك، كما استمرت في بناء المستوطنات بصورة عدائية – وهي مستعمرات محض يهودية في الواقع – في الضفة الغربية الفلسطينية التي احتلتها منذ عام 1967. وظلت المنظمتان السياسيتان الفلسطينيتان الرئيسيتان، فتح وحماس، وعلى الرغم من اتفاق المصالحة الموقع بينهما في مايو/أيار، في حالة انقسام، واستهدفت كل منهما أنصار الأخرى، بينما ظلت القوات الإسرائيلية والجماعات المسلحة الفلسطينية تشن هجمات متبادلة في قطاع غزة. لقد استمرت القصة المؤسفة والمألوفة، التي ظل ثمنها باهظاً، يُدفع من أرواح البشر.

وازدادت الحكومة الإيرانية عزلة على المستوى الدولي، ولم تسمح بأية معارضة في الداخل؛ وكان المدافعون عن حقوق الإنسان ونشطاء حقوق المرأة والأقليات من بين الذين تعرضوا للاضطهاد؛ واستُخدمت عقوبة الإعدام على نطاق واسع، لمعاقبة المجرمين في الظاهر، ولكن لترهيب الناس كذلك.

وفي أماكن أخرى من المنطقة، لم يكن من الواضح كيف سيؤثر انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق على الأوضاع الأمنية في ذلك البلد بعد مرور ثماني سنوات على النزاع. كما أن قضية تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية لا تزال تشكل جرحاً نازفاً يسمم العلاقات بين حكومات البلدان المغاربية.

واستمرت أنماط أخرى من انتهاكات حقوق الإنسان، حيث مثَّلث عاملاً أساسياً من عوامل اندلاع الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية، وأدت ردود أفعال الحكومات إلى تعميقها. كما ظلت الاعتقالات التعسفية والمحاكمات الجائرة وعمليات القتل غير المشروع على أيدي القوات التابعة للدولة شائعة وواسعة النطاق في شتى بلدان المنطقة. وسمح المتربعون على سدة الحكم، بلا استثناء تقريباً، لقواتهم بارتكاب عمليات القتل والتعذيب مع الإفلات من العقاب. ففي مصر انصاع المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى المطالب الشعبية وحلَّ وحدة الشرطة السرية، التي كانت مشهورة بالتعذيب في عهد حسني مبارك. بيد أن التعذيب لم يتوقف؛ فقد اضطلع الجيش بهذه الممارسة، حتى أنه أخضع بعض النساء المحتجات لما سمي بـ "فحص العذرية"، في الوقت الذي قام فيه باعتقال آلاف المدنيين وتقديمهم إلى المحاكمة أمام محاكم عسكرية جائرة. ومع ذلك، فقد ظل آلاف المصريين يتحلون بالعناد في وجه القمع الجديد للسلطات، واستمروا في المطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية وبإجراء تغييرات في أوضاع حقوق الإنسان.

التمييز

ظل التمييز على أساس النوع الاجتماعي والعرق والدين والأصل الوطني وغيرها من العوامل، من قبيل الميول الجنسية، متفشياً على نطاق واسع، وكان له أثر بالغ على أوضاع حقوق الإنسان. وقد انعكس الشعور بالظلم الذي ولَّده ذلك في اندلاع موجة الاحتجاجات والانتفاضات، مثلما حدث عندما تظاهر أفراد الجماعتين السنية والكردية في سوريا ضد حكامهم العلويين، أو عندما تجمَّع أفراد "البدون" المحرومون من الجنسية في الكويت للمطالبة بالاعتراف بهم كمواطنين. وفي الوقت نفسه أدت الاضطرابات إلى تعميق الانقسامات، كما حدث عندما اندلعت موجة العنف ضد الأقباط المصريين، واستمرار التوترات بين القبائل والجماعات الليبية في أعقاب مقتل معمر القذافي، والخوف الذي دبَّ في مكونات النسيج المعقد من أتباع العقائد والطوائف المختلفة في سوريا من أن تنزلق البلاد إلى أتون حرب أهلية تنطوي على مرارة وكراهية أشبه بتلك الحرب التي مزَّقت لبنان في الفترة من عام 1975 إلى عام 1990 – وهي الحرب التي لم يتم التصدي حتى الآن لإرثها المتعلق بحالات الاختفاء وانعدام الثقة بين مكونات الشعب.

كان المهاجرون من بين الضحايا الرئيسيين للنزاع في ليبيا، وكان العديد منهم قد قدِموا من بلدان جنوب الصحراء الأفريقية. ونزح آلاف الأشخاص منهم قسراً بسبب القتال، وفرَّ العديد منهم إلى مصر أو تونس، ولكن آخرين علقوا لعدة أسابيع أو أشهر وتعرضوا لهجمات عنصرية في ليبيا، وغالباً ما اتُهموا بأنهم "مرتزقة" أفارقة جنَّدهم العقيد القذافي. ولم يتمكن بعض الذين وصلوا إلى مصر وتونس، ومن بينهم العديد من الإريتريين، من العودة إلى بلدانهم الأصلية خوفاً من التعرض للاضطهاد، وكانوا بحلول نهاية عام 2011 محشورين في مخيمات صحراوية مقفرة بانتظار إعادة توطينهم في بلدان أوروربية وغيرها من البلدان، التي سيتمتعون فيها بالأمان. ولقي آخرون حتفهم أثناء محاولتهم عبور البحر إلى إيطاليا.

وفي سائر أنحاء المنطقة، تعرَّض العمال المهاجرون من البلدان الفقيرة والنامية لسوء المعاملة والاستغلال، مع أنهم كانوا يشكلون شريان الحياة للاقتصاد، كما هي الحال بالنسبة للعديد من دول الخليج. وكثيراً ما كانوا يفتقرون إلى الحماية الكافية، هذا إذا حصلوا على أية حماية أصلاً، بموجب قوانين العمل المحلية. وقد تعرَّضت عاملات المنازل لأقسى المعاناة – فقد وقعن ضحايا للتمييز المتعدد الوجوه، أي كنساء وكمهاجرات وكمواطنات أجنبيات، ولم تُعر حكومات بلدانهن اهتماماً يُذكر بمحنتهن.

بواعث القلق الاقتصادية – السكن ووسائل العيش

في نهاية عام 2011، كان من السابق لأوانه إجراء تقييم لآثار "ثورة 25 يناير" المصرية على ملايين الفقراء المهمشين من سكان العشوائيات أو المستوطنات غير الرسمية التي تغصُّ بها القاهرة، ناهيك عن تحسين أوضاعهم. فقد عاش العديد من السكان في مناطق صُنفت رسمياً بأنها "غير آمنة"، بسبب المنحدرات الصخرية غير المستقرة وغيرها من الأخطار، ولا تتوفر فيها الخدمات الأساسية – كالمياه النظيفة والمرافق الصحية الفعالة والكهرباء – وكانوا عرضة للإخلاء القسري من منازلهم بدون إعطائهم مهلة كافية أو التشاور معهم. وخلال العام نُفذ المزيد من عمليات الإخلاء القسري في منشية ناصر، وهي المستوطنة غير الرسمية الممتدة، التي قُتل فيها أكثر من 100 شخص نتيجةً لانهيار صخري في عام 2008، في ظل سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الأمر الذي يعني إدامة السياسة التي اتُبعت في عهد حسني مبارك، والتي تؤدي إلى ترك العديد من العائلات بلا مأوى.

في إسرائيل أيضاً، استمرت السلطات في إخلاء السكان من منازلهم قسراً – سواء من الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، أو من عرب إسرائيل المقيمين في "قرى غير معترف بها" رسمياً في صحراء النقب وغيرها من الأماكن – مع استمرار السلطات الإسرائيلية في اتباع سياسة هدم المنازل وغيرها من المباني التي أُنشأت بدون تراخيص رسمية، ترفض أن تمنحها لهم أصلاً. وعلى النقيض من ذلك، فإن آلاف الإسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات التي أُقيمت على الأراضي الفلسطينية المحتلة يلقون كل التشجيع على المزيد من توسيع المستوطنات وتطويرها وتعزيزها؛ حتى لو كانت محظورة بموجب القانون الدولي. وفي تلك الأثناء، استمر الحصار الإسرائيلي المضروب على قطاع غزة، وظل يخنق الاقتصاد المحلي ويطيل الأزمة الإنسانية التي صنعها الإنسان، والتي تدفع ثمنها الباهظ الفئات الأشد ضعفاً – الأطفال والمسنون والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة غير متوفرة في غزة. إن الحصار يمثل عقوبة جماعية لسكان قطاع غزة البالغ عددهم 1.6 مليون نسمة ويشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

عندما أضرم الشاب محمد البوعزيزي، البالغ من العمر 24 عاماً، النار في نفسه في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 في مدينة سيدي بوزيد التونسية، لم يكن بوسع أحد تقريباً أن يتنبأ بهذه العاصفة النارية الإقليمية من الاحتجاجات والتغييرات التي يمكن أن يقدح زنادها ذلك الحدث المأساوي. وبعد مرور عام على تلك العاصفة تبخَّرت مشاعر الانتعاش التي كانت قد تفجرت. فلا تزال المكتسبات المبكرة للانتفاضات الشعبية في الميزان، واستمرت النضالات من أجل التغيير في كل من سوريا واليمن والبحرين وليبيا وغيرها تكلِّف الشعوب ثمناً باهظاً من حياتهم ومن انتهاكات حقوقهم الإنسانية. ومع ذلك، فقد ساد في نهاية عام 2011 شعور واضح بأن النظام القديم الذي فقد صدقيته إنما هو ذاهب إلى بطون التاريخ من خلال الجهود الباسلة والمصمِّمة التي تبذلها الشعوب. وبالنسبة لشعوب العالم العربي، يبدو أن المشوار الطويل نحو الحرية والعدالة وحقوق الإنسان للجميع قد بدأ بلا ريب.

World regions الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأمريكيتان الأمريكيتان أفريقيا الأمريكتان

لتصفح تقرير البلد

آسيا والمحيط الهادئ

مع هبوب رياح التغيير من منطقة الشرق الأوسط وشمال ...

أوروبا وآسيا الوسطى

ذات صباح ربيعي في قرية صغيرة في صربيا، وصلت أكبر ...

إفريقيا

كان للحركات الشعبية في أنحاء شمال إفريقيا أصداؤها في بلدان إ ...

الأمريكيتان

ففي 11 أغسطس/آب 2011، أُطلقت 21 رصاصة على القاضية باترسيا أسي ...

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لقد كان عام 2011، بالنسبة لشعوب ودول منطقة ا ...

منظمة العفو الدولية على الشبكات الاجتماعية